الأدب السياسي: تشريح مفهوم الاستبداد من واقع الرسائل الفارسية لمونتسكيو - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
الأدب السياسي:  تشريح مفهوم الاستبداد من واقع الرسائل الفارسية لمونتسكيو

الأدب السياسي: تشريح مفهوم الاستبداد من واقع الرسائل الفارسية لمونتسكيو




تسعى تلك الورقة إلى تشريح دور الأدب في التنظير السياسي، من خلال التعاطي مع الأدب كأداة من أدوات التنظير السياسي، حيث تجعلنا نتجاوز الوهلة الأولى التي يصدرها الطابع البسيط والسلس  للأدب كأحد أنماط الإنتاج الفني بمفاهيم جماهيرية اعتيادية إلى النظر في ذلك الطابع الفني للأدب بما يمنحه من إمكانات غير تقليدية للتحليل السياسي عبر تحليل مضمونها والدور الذي يلعبه كأداة من أدوات التنظير السياسي.

وعليه تعمد تلك الورقة إلى طرح تساؤل رئيسي وهو: كيف يمكن للأدب أن يكون أداة للتنظير السياسي؟ ومن هنا تعمد تلك الدراسة إلى تحليل أحد أهم الأعمال الأدبية للفيلسوف والمفكر الفرنسي مونتسكيو وهي الرسائل الفارسية للوقوف على مدى ثراء ذلك النمط من الإنتاج الفني ألا وهو الأدب بمواد للتنظير وأدوات للتحليل السياسي تكون أكثر قدرة وعمقاً على الكشف والاستبصار ما يسهم في المساعدة على فهم الوظيفة التنظيرية للأدب.

أولاً- الأدب السياسي:

عند فحص دور الأدب في التنظير السياسي، نكون بصدد تناول دور الأدب كأحد منتجات مستوى معرفي متجاوز للواقع وهو الخيال، ومن ذلك المستوى المعرفي يتمكن منظر السياسة من الانطلاق من مستويات مختلفة للتحليل السياسي غير مغلقة أو محدودة وغير يقينية، وإنما ينطلق في تحليله مما يمكن تسميته بالاحتمالات المفتوحة واللانهائية، التي تتصاعد بتصاعد قدرة الباحث التأويلية وقدرته على استخدام إمكانات النص الأدبي في الخروج بدلالات باطنة أكثر عمقاً ونفاذاً من مستويات التحليل الظاهرة.

وعليه، فإن استخدام الأدب في التنظير السياسي يتأتى من طابعه التعبيري القادر على منح التحليل السياسي قدرة كاشفة للحقائق المتجاوزة للواقع لكنها حاملة لظواهره وأزماته وإشكالاته.

• الطابع التعبيري للأدب:

يتسم الطابع التعبيري للأدب الحديث سواء كان رواية أو قصة أو رسائل أو يوميات أياً كانت شكله بكون وظيفته الأولى هي تقوية الطابع التعبيري. ويتم ذلك من خلال محاولة تجاوز الفجوة بين الذات والموضوع، والعمل على حضور التعبير النفسي القوي إلى بنية النص الأدبي لتغيير العلاقة بين الكاتب والقاريء والبطل ما يؤدي إلى توحد وانسجام الجميع دون مسافات تنظيرية حادة تضع القيود على المنظر السياسي وتعوقه عن الكشف عن ما يرغب في طرحه من قضايا ومضامين لا يمكن البوح بالطرق التنظيرية التقليدية، ما يعطي مساحات تأويلية أوسع للتنظير السياسي لتجاوز أحادية التنظير وواقعيته الجامدة بين الذات والموضوع، وبين القاريء والكاتب، وبين الواقع والخيال، وبذلك يتمكن الباحث أو المنظر السياسي من خلق مملكة وسيطة من أدوات ومستويات التحليل.[1]

ومن بين أهم نماذج الأدب المصري التي لابد أن تجد لها دلالة ومكان بداخل التحليل السياسي أدب نجيب محفوظ وما تجسده أعماله من تشريح غاية في العمق والاستبصار للواقع المصري السياسي والاجتماعي ورسم لخريطة وشبكة من علاقات القوة أو السلطة داخل المجتمع المصري بكافة فئاته وطبقاته وآفاته الاجتماعية والأخلاقية، كذلك في توصيف وتحليل وتأريخ نظم الحكم وطابعها السياسي وتطورها في المراحل التاريخية المختلفة، ومن بين تلك الأعمال: أولاد حارتنا، والحرافيش، والثلاثية، وزقاق المدق وحديث الصباح والمساء.

ثانياً- رؤية تحليلية للرسائل الفارسية لمونتسكيو:

يسعى هذا التحليل لتقديم دراسة ورؤية لظاهرة الاستبداد التي تشغل مكانة هامة في دراسة العلوم وتراتبيتها داخل النظم الاستبدادية، وقد حظي ذلك العمل بإشادة بل ودراسة متقنة من قبل دارسي الأدب الفرنسي حيث لم يقف فيه مونتسكيو عند حدود العمل الأدبي والحبكة المتقنة والرسم الدقيق لشخصياته، بل تجاوز ذلك كله ليشمل بين حيوية الصورة والأدب والخيال ليجسد بذلك كله دراسة سياسية وتاريخية لعدد من الظواهر والإشكاليات الجادة لدى علم السياسة كظاهرة السلطة والدين ونظم الحكم لدى كل من المجتمع الشرقي والأوروبي؛ حيث تعرض في ذلك العمل بل وقصد فحص وتمحيص وتفنيد تلك المسائل، وعلى رأسها مسألة هامة وهي ظاهرة الاستبداد.

 تناول كذلك نقداً مزدوجاً للدين والقانون ونظم الحكم في المجتمع الفرنسي، كما انتقد العادات والتقاليد والثقافة والفن والأخلاق في كلا المجتمعين الشرقي والأوروبي، وتناولت الرسائل تركيزاً كبيراً على نمط العلاقة بين الرجل والمرأة في الشرق والغرب وموقفهما من مسائل الحقوق والحريات.

 وعليه، يمكن التنويه للغرض من تحليل تلك الرسائل بالتركيز على مسألة الاستبداد بالتحديد؛ حيث يظهر غرض مونتسكيو المُقنّع من استخدام العمل الأدبي والخيال في المكان والزمان والشخوص ليتعاطى مع الحقيقة بكامل حريته بارتداء قناع الخيال والأدب والفن، بالإضافة إلى كونه يفسح لذاته وفكره مساحة أوسع للنقد اللاذع، فنجده منتقداً للمجتمع الشرقي، وبعد تفنيد وتشريح لتلك الرسائل ذات الطابع الأدبي في ظاهرها نتمكن من إدراك إسقاطه على المجتمع الأوروبي والعكس صحيح؛ فنجده يرى أوروبا في مرآة الشرق ويرى الشرق بأعين أوروبية ساعياً ربما لدرأ خوفه من أن يعلن حقيقة مجتمعه الأوروبي على لسانه وبعينه هو، وربما سعياً وراء رؤية موضوعية وعلى الأرجح سعياً للخروج من إلف العادة فيرى أوروبا بعين المخيال الشرقي المنبهر دائماً، ويرى الشرق بعين الأوروبي المنتقد والساعي للكشف عن عورات الشرق دوماً.

تتناول الرسائل الفارسية تشريحاً مفصلاً، ولكنه مبعثر وسط تلك الرسائل بدءاً من الرسالة الأولى وحتى الرسالة الحادية والستين بعد المائة لإشكالية الاستبداد حيث نجده يطرح شبكة من العلاقات المتداخلة، لكنها متقطعة لا يمكن الكشف عن تراتبيتها سوى من خلال إعادة النظر للرسائل بنظرة كلية وتجميع تلك الشبكة المتناثرة في وحدة تحليل متماسكة.

 ونقوم في هذل التحليل بتشريح الاستبداد من حيث القيم الاجتماعية والأخلاقية الحاكمة لمؤسسة الاستبداد، وآليات عمل السلطة بداخل النظم المستبدة، كما نركز على جانب بالغ الأهمية كان للعمل الأدبي أبلغ الأثر في إبرازه ولمسه والتعبير عنه ما تغفل الدراسات الأكاديمية عن إبراز أهميته القصوى في دراسة النظم الاستبدادية ألا وهو التركيب النفسي أو البنية النفسية لكل من الحاكم والمحكوم والمؤسسة لنمط العلاقات بداخل  النظم المستبدة وتراتبيتها، وهو كذلك العامل الرئيسي في علاج الاستبداد الذي يُشاع خطأً إمكانية معالجته بتغيير نظام الحكم أو الحاكم بل يكمن العلاج في إصلاح البنية النفسية لدى الحاكم والمحكوم على السواء بقيادة عملية تنويرية تهدف إلى إصلاح تشوهات نفسية لدى الطرفين وهي المؤسسة لقاعدية العلاقة الاستبدادية والإشكالية الرئيسية المواجهة للنظام استبدادي وهذا ما سنورده تفصيلاً فيما هو آتٍ.

أ- الأساس القيمي لمؤسسة الاستبداد في الرسائل الفارسية:

تدور الرسائل الفارسية بين إيران وفرنسا، إيران حيث مؤسسة الاستبداد قصر الأمير المستبد أوزبك بطل تلك الرسائل الفارسية الذي ترك مؤسسته التي تحوي المحكومين من أتباعه ونساءه أو كما يمكن أن نطلق عليها مؤسسة الحريم[1]، التي تمثل وحدة مصغرة لمؤسسة الاستبداد إن أردنا هنا أن نتخذها كوحدة تحليل؛ حيث تكون الحريم كمؤسسة ممثلة لوحدة تحليل مصغرة للنظام الاستبدادي بكافة أنماط العلاقات بداخله ومستوياتها، وهي العلاقة بين الحريم وأوزبك، والحريم وأتباع أوزبك، والأتباع وأوزبك؛ حيث تبرز هنا بنية النظام الاستبدادي وطبيعة العلاقات السلطوية، كما تظهر كذلك التركيب النفسي للحاكم والمحكوم والقيم الحاكمة للنظام.

تؤسس الرسائل لأحد أبرز القيم الحاكمة والمؤسسة للنظام الاستبدادي ألا وهي ترسيخ الشعور بالعجز بداخل المحكومين أو اختصاراً التعجيز، يظهر مونتسكيو وبدقة بالغة محاولات النظم الاستبدادية في تشكيل ملامح عجز وقصور محكوميهم؛ حيث يرسخ مظاهر العجز لدى زوجات أوزبك أو كما يطلق عليهم الحريم في ترجمة تلك الرسائل اللائي يشكلن رمزاً للشعب أو المحكومين حيث يرسخ بداخلهم فكرة أنهن عاجزات بطبيعتهن قاصرات عن تقرير مصيرهن أو نيل حريتهن وذلك بحكم الطبيعة فقد خلقن عن الاحتكام إلى العقل والفضيلة بل يوجد دائماً بداخلهن ميل للخطيئة وتغليب للهوى وضعف دائم، ومن هذا المنطلق تكون حمايتهن من أنفسهن بالتسلط عليهن أحد أبرز واجبات السلطة أو الحاكم، ويكون الاستبداد بهن هو العلاج السليم لرذيلتهن حيث يبرر أوزبك دائماً لزوجاته النمط الصارم داخل القصر _ والذي أشرت بكونه مؤسسة استبدادية في السابق _ بكونه حماية لهن من طبيعتهن العاجزة وبكونه تعجيز عن الخطيئة ولكنه تمكين لإنسانيتهن. يستعرض مونتسكيو نمط السلطة الانضباطية بداخل مؤسسة الحريم حيث يشير إلى طقوس الحياة بتلك المؤسسة وما تفرضه من تشكيل لسلوكيات من فيها بقيود المكان والزمان فكل شيء يسير وفقاً لوقت محدد وفي حدود مكانية صارمة في كل ممارستهن من مواعيد وأوقات الخروج للتنزه وتحت رقابة صارمة، وطقوس محددة للعناية بنظافتهن الشخصية وزينتهن وتحت رقابة كذلك وهو ما يلفت النظر لدقة الصياغة التي يشير إليها مونتسكيو بنسج تفاصيل تلك الحياة الانضباطية التي تسيطر على المؤسسة وتسهم ليس فقط في سلب حرية من فيها بل بإشعارهن بأن تلك الحرية لا تقتضيها طبيعتهن الفطرية.

تجسد تلك الرسائل كذلك أحد أبرز القيم المحورية في النظم الاستبدادية ألا وهي الخوف؛ حيث يحتل الخوف المكانة الأولى وسط قيم المجتمع الاستبدادي ونظام حكمه، وقد أبرز مونتسكيو ذلك في تتبع العلاقات بين أطرافه فالجميع يخشى الجميع النساء والأتباع يخشين أوزبك، والنساء يخشين الأتباع، وأوزبك يخشى كذلك منهم جميعاً، حيث يخشى خيانتهن كما يخشى الخروج عن سلطانه وفقدانه تأثيره. تشير الرسائل هنا للخوف كأحد أسباب ونتائج الاستبداد على السواء حيث يدرك الجميع التهديد الدائم المحيط به وأنه لافرار منه طالما بقي نظام الحكم، كما يدرك الجميع حتمية انهيار ذلك النظام الاستبدادي آجلاً أم عاجلاً ما يجعل الخوف حاضراً دائماً.

ب- آليات نظم الحكم الاستبدادية:

• سلطة النظر:

تُفند الرسائل بعض أهم آليات نظم الحكم الاستبدادية لبسط سيطرتها على محكوميها من بينها فرض الرقابة البصرية أو ما يعرف بسلطة النظر، التي تناولها المفكر السياسي ميشيل فوكو؛ حيث تلجأ السلطة الاستبدادية إلى فرض نمط بصري من الرقابة يشعر الجميع بأنه مراقب حتى وإن لم يكن هناك رقابة مباشرة؛ حيث يصبح الجميع مراقب من الجميع، بل أصبح الفرد يشعر دائماً بذلك الشعور من الرقابة الذي يجعله يسلك المسلك الذي ترغبه السلطة تلقائياً ويولد في ذاته شعوراً بالخوف الدائم من تلك الرقابة ما كان واضحاً في ذلك النظام الذي فرضه أوزبك داخل القصر من فرض رقابة الأتباع على زوجاته في كل مكان فهن مراقبات دائماً بواسطة هؤلاء الأتباع.

• السلطة واللذة:

اتضحت سلطة النظر في أغلب الرسائل بل كانت الوسيط الذي يفند به مونتسكيو القضايا التي يطرحها على اختلافها في الرسائل الفارسية، فنجده يربط سلطة النظر بآلية أخرى من آليات ممارسة السلطة الاستبدادية وهي اللذة، حيث ترتبط السلطة واللذة بعلاقة حلزونية متداخلة فتتعاظم السلطة بتعاظم اللذة والعكس صحيح. وتتحقق تلك اللذة هنا ومن ثم السلطة عبر السلطة البصرية التي يملكها أوزبك على نساء القصر، حيث يُفرد مونتسكيو أحد القضايا الحساسة في طبيعتها مع السياسة التي لا تنفك عنها في الحقيقة إلا أنه يتم تهميشها على اعتبارها أحد أركان الثالوث المحرم وهي ما تحويه ممارسة السلطة من لذة على كافة أطرافها في علاقتها مع السياسة؛ حيث يجد أوزبك لذة في سيطرته على نساء قصره وتتعاظم تلك السلطة واللذة على السواء طالما لم يفتر إحداهما.[2]

تناول مونتسكيو دوراً آخر لسلطة النظر في الجانب الآخر وهي باريس؛ حيث سافر أوزبك لطلب الحكمة وبحثاً عن المعرفة. ويفصل مونتسكيو كيف استخدم أوزبك النظر في مراقبة وتتبع المجتمع الفرنسي وتسجيل مشاهداته وعقد المفارقات بين فرنسا وإيران أو الغرب والشرق، حيث أخذ يطالع المجتمع الفرنسي ويراقب نساء فرنسا وما يحظين به من حرية وما يمارسن من عادات وسلوكيات واختلاط بالرجال في مجتمعهن رافضاً ذلك كله بكونه يدفعهن دفعاً نحو الرذيلة لغياب الرقابة والسلطة والوصاية على طبيعة المرأة العاجزة، كما يراقب وبدقة الموضة في باريس وأزياء النساء الكاشفة إلا أنه لا يتلذذ بذلك كله؛ حيث تغيب سلطته على ذلك الجمال ومن ثم تغيب اللذة كما سبق وأشرنا لتلك العلاقة الحلزونية بين اللذة والسلطة.

ج- التركيب النفسي لمؤسسة الاستبداد:

• التركيب النفسي للحاكم:

تمكن مونتسكيو عبر صياغة تلك الرسائل ورسم شخوصها أن يمنحنا صورة كلية لما تكون عليه مؤسسة الاستبداد، كما تمكن مونتسكيو من إبراز أحد أهم العوامل الكاشفة عن جذور الاستبداد وطبيعة إحلاله وهو التركيب النفسي الذي خلق القابلية لدى الحاكم والمحكوم على السواء لفرض الاستبداد من جانب الحاكم والتهيؤ لقبوله من جانب المحكوم.

يظهر التركيب النفسي لشخصية المستبد أوزبك الذي يدفع دائماً بوجود عنصر النقص في رسم شخصيته والتناقض في عدم الاعتراف بذلك النقص بمزيد من تضخيم صورة الذات أمام نساءه وأمام الأتباع، ويظهر ذلك بتمام الحرص والعناية برسم صورته بمظهر القوي العالم بالأمور ما ظهر منها وما بطن، كذلك يتبين دائماً الخوف المهيمن في مراسلاته مع أقرانه وهو مستوى آخر من العلاقات الندية التي يفصح فيها عن بعض ما يساور نفسه من خوف من انهيار سلطته وفقده زمام أمور نظام حكمه، وخوفه من خيانة زوجاته وأتباعه له وهو ما يعني الخروج عليه وانهيار سلطته.

التركيب النفسي للمحكومين:

يتضح كذلك التركيب النفسي للمحكومين من تتبع النهج الذي تتبعه نساء أوزبك في القصر أو مؤسسة الاستبداد حيث يتضح ترسخ الاقتناع الكامل بأن الاستبداد والتسلط هو خير حماية لهن، وأن طبيعتهن الفطرية طبيعة ناقصة فاسدة  تميل للخطيئة دائماً، ولا يمكن أن تترك حرة.

يظهر كذلك عنصر آخر للتركيب النفسي لدى المحكومين ألا وهو الخديعة، حيث تخدع النساء أوزبك بإظهار الامتثال لتسلطه، إلا أن تتباين ممارساتهن المخادعة وحيل الخروج من السلطة الانضباطية التي تفرض عليهن، بالتحايل والخداع ومحاولة التخلص من رقابة الاتباع، أو خيانة أوزبك مع أتباعه وحراس القصر.

تظهر كذلك إحدى السمات التي تبرز تناقض التركيب النفسي لدى المحكومين وهو التلذذ بالسلطة الاستبداية، حيث يظهر في مراسلات نساء أوزبك إليه ما يصفن من شعور بالخوف من أن يكف أوزبك عن حمايتهن المعهودة بقهرهن وفرض سلطانه عليهن.

تبين كذلك من تشريح ملامح شخصية الأتباع من تبين البنية النفسية الحاكمة لتراتبية الاستبداد، حيث تخلق السلطة الاستبدادية شعور بالنقص يتم تعويضه عبر مستويات السلطة المختلفة، ويظهر ذلك من محاولة الأتباع تمرير القمع والسلطوية التي يمارسها عليهم أوزبك عبر ممارسة القمع والقهر على نساء القصر وذلك بتفويض من أوزبك ذاته وتحت اسم الرقابة، وهكذا نجد مؤسسة الاستبداد مؤسسة تحكمها القواعد التي يسنها الحاكم المستبدلكنها تجد بيئتها النفسية لدى المحكومين، كما تجد قابلية للتمرير عبر مختلف مستويات المؤسسة الاستبدادية.

ثالثاً- خاتمة:

يخلص هذا التحليل في النهاية للدفع بإشكالية هامة ألا وهي العلاقة المعرفية بين الفن كوسيط معرفي يمكن من كشف مستويات مختلفة من الظاهرة السياسية والدراسة الجادة للعلوم السياسية، حيث يمكن الفن باعتماده الخيال في صياغة أفكاره من تجاوز الجمود الأكاديمي الذي قد يعجز في كثير من الأحيان عن لمس واستشعار الكثير من الجوانب ذات الأهمية في دراسة الظاهرة السياسية مثل التركيب النفسي الذي سبق وتناوله التحليل السابق، ما قد تعجز الدراسة الأكاديمية بمناهجها الصارمة عن ملاحظة ذلك وتحليله في سياقه وبدقة عند تناول ظاهرة الاستبداد. يتبين من هنا أهمية إفساح المجال للفن بداخل الدراسة الأكاديمية للعلوم السياسية وتجاوز النظرة القاصرة لدوره كإنتاج مادي لا يتجاوز خصوصية أفكار من ينتجه، بل النظر إليه كوسيلة منهاجية قادرة على تمكين الباحث السياسي أو دارس العلوم السياسية عن فهم الظاهرة السياسية بشكل أكثر عمقاً وكشفاً واستبصاراً ما تمكنه الوسائل التقليدية الاعتيادية لدراسة العلوم السياسية.

————————————————————————————————-

الهوامش:

[1] أرنولد هاوزر(2015 ). الفن والمجتمع عبر التاريخ.(فؤاد زكريا، مترجم)، القاهرة: الهيئة العامة للكتاب. الجزء الثاني، ص ص 85-88 .

[1][1]  نشير هنا إلى أنه تم استعارة ذلك التعبير “مؤسسة الحريم” كما صاغه د. محمد صفار أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة، بإحدى محاضراته توصيفاً لما يشكله المنزل أو البلاط كما في سياق الرواية من مؤسسة بتعبير العلوم السياسية لما يشمله من إجراءات تنظم شئون الفاعلين بداخلها وهم هنا الرعايا أو المحكومين الممثلين في نساء القصر وهن الحريم.

Cyril, B. (1972). Art and Politics. Proceedings of the Aristotelian Society, Supplementary Volumes, Vol. 46

Iain, M., Robert, P. (2011). Dramatization as Method in Political Theory. Contemporary Political Theory, Macmillan Publishers Ltd. Vol. 10, 4, 482–501.

Machdonald, Lee. (1969). Myth, politics and political science, The western Political Quarterly, Vol22, No1, P. 141-144

James, F. (1961). Political Science and Political Fiction. The American Political Science Review, Vol. 55, No. 4, PP 859-860 Retrieved from: http://www.jstor.org/stable/19525

Michelis, M. (2013). Art as a Thinking Process. In Mara Ambrožicˇ & Angela Vettese. (Eds.) Università Iuav di Venezia: Sternberg Press.

[2] ستيف نيل (2013). الرجل على الشاشة. استكشاف الذكورة في سينما هوليوود. ستيفن كوهان وإنا راى هارك ( محرر). القاهرة: الهيئة العامة للكتاب. ص ص27- 43.