طي الكتمان: اتجاهات الفقر في دول مجلس التعاون الخليجي - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
طي الكتمان: اتجاهات الفقر في دول مجلس التعاون الخليجي

طي الكتمان: اتجاهات الفقر في دول مجلس التعاون الخليجي




سعت دول مجلس التعاون الخليجي لتأمين مستقبل اقتصادي للأجيال القادمة فهي تمتلك أكثر من 35% من احتياطي النفط العالمي، كما أنها تدير 2.5 تريليون دولار من الأصول، أي ما يعادل 37% من إجمالي أصول كل الصناديق السيادية في العالم، لكن حاضرها يشهد مشكلة إنسانية تسمى الفقر.

فلا تخلو الدول الخليجية الست القائدة للنمو الاقتصادي في إقليم الشرق الأوسط من وجود فقراء بين سكانها، يصل إلى أن يسكن مدناً بأكملها، ويتحكم في فئات بعينها، وعلى الرغم من بروز مشاهده للعيان في الأحياء والمدن الفقيرة إلا أن الحكومات لا توفر بيانات رسمية عن حجمه ونطاقه وأسبابه بالصورة المرجوة، وعليه، فإن منظمات كالبنك الدولي، ومنظمة التعاون والتنمية، البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تخلو منشوراتها من بيانات الفقر في دول الخليج، لكن ذلك لا يعني انتفاء الظاهرة بل يعني كتمانها.

نطاق الظاهرة

تخلو بيانات المنظمات الدولية المعنية بالفقر من أي إحصاءات حديثة أو قريبة عن الفقر في دول الخليج الست، وذلك يعود لتكتم الحكومات المعنية برصد ونشر هذه الإحصاءات، إلا أن مظاهر الفقر التي يعيشيها الآلاف من سكان الخليج جلية وواضحة لكل شاهد،  فعلى سبيل المثال نجد أن الأمم المتحدة أعربت عن صدمتها من مظاهر الفقر في بعض المدن بالمملكة العربية السعودية، في بداية هذا العام، من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مقررها المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان فيليب ألستون.

سبق وأن حددت وزارة الخدمات الاجتماعية بالسعودية خط الفقر عند 480 دولار شهرياً، وفي هذا الصدد قام أحد الاقتصاديين بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران بحساب آخر لخط الفقر وحدده عند 533 دولار شهرياً، وبناء على ذلك صرح بأن نسبة الفقر بين سكان السعودية تصل إلى 35%، فيما حددت منظمة borgen project  خط الفقر بالسعودية عند 17 دولار يومياً، وبناء على ذلك فإن حوالي 20% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وتظهر التقديرات أنه من 2 مليون إلى 4 مليون فقير يعيشون في الرياض، كما تظهر الأحياء الفقيرة في مدن مهمشة كعسير وجيزان ونجران.

ينتشر الفقر بصورة أكبر بين العمال الوافدين إلى دول الخليج، ففي الكويت يعيش الفقراء من العمال والرعاة في الصحراء، كما يظهر الفقر أيضاً بين المهاجرين غير الشرعيين والخادمات وهم يتعرضون لسوء المعاملة من قبل أرباب عملهم، ما يبرز بشدة أيضاً في دولة قطر، حيث يعيش حوالي 1.4 مليون شخص وافد فيما يسمى “معسكرات العمل” طبقاً لما نشرته وزارة التخطيط التنموي في منتصف العام 2016، وهم بالأساس من العمال الذين جاءوا للعمل في تأسيس وتطوير البنية التحتية الخاصة بالتحضير لكأس العالم 2022، ووفقاً لمنظمة العفو الدولية فإن هؤلاء العمال لا يعيشون في مساكن آدمية بل في مساكن “ضيقة ورهيبة” – على حد وصفها- كما أنهم يعانون من ديون ثقيلة، ولا يتقاضون أجورهم لمدة أشهر.

 أما في البحرين، فإن حوالي 12.5%  من السكان يعيشيون تحت خمسة دولارات في اليوم، طبقاً لborgen project.

وبالاتجاه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن آخر الإحصاءات الرسمية الحكومية المتوفرة تعود إلى ما قبل الأزمة المالية العالمية في 2008، التي أظهرت نسبة الفقر عند 19.5% من السكان، بينهم 7.2% من الإمارتيين، وكان مجلس دبي الاقتصادي حدد خط الفقر عند 80 درهم شهرياً، لكن الجدير بالذكر أن حجم الناتج المحلي الإجمالي للإمارات ارتفع من 104 مليار دولار في ذلك الوقت إلى 370 مليار دولار في الوقت الحالي، ما قد يشي بتقليل نسبة الفقر.

أسباب الفقر

إن عدد من الأسباب تقود إلى حدوث فقر في كل دولة، لكن هناك أسباب أيضاً لحدوث الفقر بين فئات معينة من السكان دون أخرى، ما نبرزه فيما يلي:-

• اتساع التمييز، واللامساواة:

فتعاني دول الخليج العربي من التمييز على أكثر من أساس، الأول هو الجنسية، والثاني هو المذهب الديني، أما الثالث فهو النوع، والتمييز على أساس الجنسية هو القاسم المشترك في أحداث الفقر داخل الاقتصادات الخليجية، حيث يتم التفريق في الأجور بين المواطنين الأصليين والأجانب أو العمالة الوافدة. فعلى الرغم من أن خط الفقر في السعودية محدد عند 480 دولار شهرياً إلا أن متوسط العمالة الأجنبية يحصل على أقل من 266 دولار شهرياً، وفي الكويت يأتي أغلب الفقراء من الأسر القبلية التي استقرت في البلاد في الـ 30 عام الأخيرة ولكن لم تمنح الجنسية الكويتية، وسبقت الإشارة إلى ما يعانيه العمال الأجانب في معسكرات العمل في قطر.

أما الأساس الثاني من التمييز فهو التمييز على أساس المذهب الديني، ما يبرز بشدة في البحرين، بين السنة والشيعة، فتزداد نسبة الفقر بين السكان الشيعة، وتبرز اللامساواة في الدخول بين الشيعة والسنة بشكل واضح، وقد كان ذلك من ضمن أسباب المظاهرات الاحتجاجية ضد النظام الملكي السني في العام 2011.

يبرز التمييز على أساس النوع بشكل أكبر في السعودية، فتزداد اللامساواة في العمل بين الرجال والنساء، حيث تبلغ نسبة البطالة بين الرجال 11.7%، بينما تصل بين النساء إلى 32.8%، وفي البحرين تبلغ نسبة البطالة بين الذكور في الفئة العمرية 15-24 عام حوالي 8.5% بينما ترتفع إلى ضعف ذلك بين النساء فتصل إلى 16.8% وفقاً لبيانات منظمة العمل الدولية في عام 2014.

على نحو غير واسع، توجد لا مساواة على أساس جغرافي، ففي دولة الإمارات العربية المتحدة تستحوذ إمارتا أبو ظبي ودبي على 83.2% من الثروة في البلاد، بينما تعيش الخمس إمارات الأخرى على الدعم المالي من الحكومة الفيدرالية.

• البطالة:

البطالة هي سبب رئيسي في حدوث الفقر في أي اقتصاد، وبعض الدول الخليجية تعاني من نسب بطالة أكثر في خانة العشرات، ففي السعودية بلغت البطالة 10.5% وفي الإمارات بلغت 14% بحلول العام 2014، ولكن تنتشر البطالة أكثر في الفئة العمرية 19-25 عاماً فتبلغ في السعودية حوالي 30%، وفي البحرين تصل إلى 28%، وحوالي 23% في سلطنة عمان، كما تبلغ 24% في الإمارات.

1- الثقافة الاستهلاكية وارتفاع تكلفة المعيشة:

تنتشر الثقافة الاستهلاكية، ومستوى الإنفاق الباذخ بين سكان دول الخليج، ما يدفع الكثيرين منهم إلى الاقتراض من البنوك، ولذلك ينتشر استئجار المنازل أكثر من امتلاكها بين المقيمين في دول الخليج، ففي الكويت يوجد 500 ألف مواطن يعيشيون في بيوت مستأجرة، ترتفع إيجاراتها بسرعة، بينما تقدم أكثر من 106 ألف شخص للحصول على منازل مقدمة من الحكومة.

وفي الإمارات العربية المتحدة، أشار بحث لوزارة الشؤون الاجتماعية إلى أن المعايير العالية هي من أكثر عوامل الفقر شيوعاً، تليها تكلفة المعيشة المرتفعة، حيث أن أغلب الأسر في الإمارات تركز على الصورة المجتمعية، فعلى سبيل المثال يجب أن تحصل الأسرة على سيارة حتى لو عن طريق الاقتراض من المصارف، وقد أشارت وزارة الشؤون الاجتماعية إلى أن حوالي 89% من الأسر التي تحصل على مساعدة من الهلال الأحمر لديها قروض تجعلها غير قادرة على سداد تكلفة المعيشة.

2- الإجراءات التقشفية:

مع بداية انهيار أسعار النفط  في العام 2014، وخلال ثلاث أعوام تكبدت الميزانيات العامة لدول الخليج خسائر قاسية وسجلت عجزاً متزايداً، ما دفع هذه الدول إلى إعلان إجراءات تقشفية بموجبها تم إقرار ضرائب جديدة كالقيمة المضافة، بالإضافة إلى تخفيض الدعم على السلع والخدمات الأساسية. وبالرغم من أن هذه الإجراءات مازالت مستحدثة في الآونة الأخيرة، ولا يمكن أن يعزى إليها حدوث الفقر منذ سنوات، إلا أن مثل هذه الإجراءات من شأنها أن توسع من ظاهرة الفقر في المستقبل القريب.

السعي الحكومي

بطبيعة الحال تتخذ الحكومات الخليجية إجراءات حيال مكافحة الفقر، ولكن يلاحظ أن أغلب الجهود الحكومية تتركز في جانب التخفيف من وطأة الفقر من خلال تقديم المساعدات، وليس التقليل من نسب الفقر من خلال محاربة التمييز و تضييق الفوارق بين الطبقات وخلق الوظائف.

ففي الكويت جميع المواطنين مؤهلين للحصول على المساعدات الاجتماعية من الدولة، ومنها التحويلات المباشرة للأرامل والطلاب، وللأسر في حالات الطلاق والشيخوخة والإعاقة، ووفاة الوالدين، والمرض، والصعوبات المالية.

 أما قطر ففي ردها على الانتقاد الحقوقي الموجه لها بسبب ضيق عيش العمالة الوافدة إليها في معسكرات العمل، فقامت ببناء “مدينة العمل” واتسعت لتشمل دور للسينما والترفيه والملاعب والمحلات التجارية، ولا يقتصر الأمر على الحكومة فقد قدمت بعض المنظمات الأهلية المساعدة للعمال المهاجرين وعلى رأسها “ريتش أوت إلى آسيا” روتا، فقد أطلقت مشروعها الرمضاني العام الماضي وقد جمع أكثر من 100 متطوع لحزم وتوزيع المساعدات الغذائية على 200 أسرة محتاجة.

وفي السياق نفسه، ينص القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2001 في الإمارات على أن الأرامل والأيتام والاحتياجات الخاصة والمسنين والمطلقات ومجموعات أخرى، يمكنهم الحصول على مساعدات مالية من الحكومة، وتقدم الحكومة الاتحادية الدعم لحوالي 27.1% من المواطنيين الإماراتيين.

ويبدو أن المملكة السعودية وسلطنة عمان تنتهجان منهج للحد من ظاهرة الفقر، فقد نجحت سلطنة عمان – طبقاً لمنظمة borgen project في خفض نسبة الفقر إلى النصف في الفترة من 1990 إلى 2015، أما السعودية فلدى حكوماتها هدف للحد من الفقر، فقد أنشات الصندوق الوطني لمكافحة الفقر منذ العام 2002، وحالياً صدرت توجيهات عليا للحكومة لتحديد خط أحدث للفقر من خلال بيانات دخول وإنفاق الأسر المعيشية، لتحديد حجم ونطاق الفقر في البلاد وتحديد آليات مواجهته.

——————————————————————————————————————–

المراجع:

  • أربيان بيزنز “توجيهات عليا لتحديد خط الفقر في السعودية”، 21/3/2017.
http://arabic.arabianbusiness.com/politics-economics/2017/mar/12/435051
  • روسيا اليوم بالعربية، ” الأمم المتحدة مصدومة من مستوى فقر السعودية”، 19/1/2017. https://goo.gl/Dk3vV8
  • حسين الأسرج، “إشكالية البطالة في دول مجلس التعاون الخليجي”، مركز الخليج لدراسات التنمية، يناير 2014.
https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=2411584
  • Scott Lucas, “Saudi Arabia feature wealthy land”, EA world view, 27/3/2016.
http://eaworldview.com/2016/03/saudi-arabia-feature-poverty-wealthy-land/
  • Robert Cornet, “Poverty in Kuwait: Is there or isn’t there?”, Borgen Project, 1/11/2016.
https://borgenproject.org/poverty-in-kuwait/
  • Kuwait times, “There are no poor in Kuwait”, 24/12/2013.
http://news.kuwaittimes.net/poor-kuwait/
  • Meagan Foy , “Understanding poverty in Bahrain”, Borgen Project,11/1/2017.
https://borgenproject.org/understanding-poverty-in-bahrain/
  • The National, “Any poor Emiratis out there?”, 6/8/2011.
https://www.thenational.ae/lifestyle/any-poor-emiratis-out-there-1.417165
  • Morgan Leahy, “How Much Do We Know About Poverty in the United Arab Emirates?”, Borgen Project, 7/1/2017.
https://borgenproject.org/poverty-in-the-united-arab-emirates/
  • Dustin Jayroe “Progress made in poverty in Oman”, Borgen project 6/4/2017.
https://borgenproject.org/progress-made-poverty-in-oman/
  • Alexis Pierce, “Qatar continues labor camps”, Borgen Project, 9/8/2016.
https://borgenproject.org/qatar-continues-labor-camps/