إعلام «الأزمات» ورحلة البحث عن المهنية المفقودة - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

إعلام «الأزمات» ورحلة البحث عن المهنية المفقودة




أضحى للإعلام والاتصال دور متزايد في عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية للأفراد، وتشكيل وعيهم في شتى المجالات الثقافية والاجتماعية والبيئية والسياسية لاسيما أننا نعيش في ذروة ثروة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال؛ إذ أصبح الآن بمقدور وسائل الاتصال الجماهيري Mass Communication كالتلفاز والإذاعة والصحافة الولوج إلى قاعدة عريضة من المواطنين بشكل قد يفوق إمكانية أية مؤسسة أخرى، بخلاف المؤسسة الإعلامية، على التواصل مع ذلك العدد الهائل من الأفراد في وقت واحد داخل حدود الدولة الواحدة أو ربما يتجاوزه ليصبح الاتصال عابراً للحدود والقوميات، ويمكن تبيان عِظَمْ تأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري فيما يتصل بالجانب المعرفي للمواطنين وتشكيل وعيهم في استعراض مقولة عالم الاجتماع “شارلز ميلز”، ومفادها أن جانباً ضئيلاً فقط من الحقائق الاجتماعية التي تتشكَّل في أذهاننا حول العالم قد توصَّلنا إليها بأنفسنا، بيْد أن الجانب الأكبر قد وصل إلينا عن طريق وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري.

ولعلَّ الإعلام المصري يشهد الفترة الراهنة أزمات عدة تدور جميعها في فلك واحد ألا وهو الافتقاد لأبسط القواعد والأبجديات المهنية ما أفضى بدوره إلى التشكيك بمصداقيته، وزيادة حدة الاستقطابات والتجاذبات في الداخل المصري، ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد فحسب، إذ أن غياب القواعد المهنية عن المشهد الإعلامي في مصر ألقى بظلاله على العلاقات المصرية بعدد من الدول العربية، وظهر ذلك بصورة جلِّية في الأزمات التي اندلعت في السنوات القليلة الماضية في وقت يُنْتظر أن ينهض فيه الإعلام بالمسئولية الاجتماعية الملقاة على عاتقه في فترة لعلها من أعتى الفترات التي واجهتها مصر في تاريخها المعاصر.

وفي هذا الإطار، يصبو التقرير إلى تسليط الضوء على أزمات الإعلام المصري، التي يمكن إجمالها في تدني ثقافة الحوار، واستعداء الآخر، وإشعال فتيل الأزمات الخارجية. هذا فضلاً عن القصور الدعائي الذي يعتري الأداء الإعلامي في الترويج لإنجازات الدولة المصرية في المجالات المدنية والعسكرية على الصعيدين الداخلي والخارجي بغية تقديم توصيات نحو إعلام أفضل يعيد لمصر من جديد ريادتها الإعلامية لدول المنطقة، ويضطلع بمسئوليته في عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية للمواطنين، التي هي بمثابة حجر الزاوية في عملية التحول الديمقراطي الحقيقي.

الوظائف الأساسية للإعلام:

بتسليط الضوء على الوظائف الرئيسية للإعلام ووسائل الاتصال الجماهيري، ارتأى عالم الاتصال “دينيس ماكويل” أن الإعلام والاتصال الجماهيري يخلقان حاجات ودوافع جديدة لم تكن موجودة من قبل لدى الفرد، وهذا يدفعه إلى اللجوء لوسائل الإعلام بغية إشباع تلك الحاجات والدوافع. ومن ثم فإن للإعلام والاتصال الجماهيري، وفقاً لـ “ماكويل”، وظائف أربع أساسية تتمثل فيما يلي:

أولاً: الوظيفة الإعلامية، فوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تخلق لدى الفرد الحاجة إلى معرفة ما يدور حوله من أحداث في المجتمع المحيط، وكذا في العالم الخارجي ومن ثم يلجأ الفرد إلى وسائل الإعلام لإشباع وتلبية تلك الحاجة من خلال تزويده بالمعلومات والمعرفة التي يحتاجها.

ثانياً: تحديد الهوية، إذ تخلق وسائل الإعلام لدى الفرد الحاجة إلى دعم القيم الشخصية التي يحملها؛ ولذا يلجأ الفرد إلى وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري لإشباع تلك الحاجة ومن هنا يكمن دور وسائل الإعلام في عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية للفرد، وبلورة القيم التي يحملها ومن ثم التوجهات والآراء التي سيتبناها اتساقاً مع ما يحمله من قيم ومعتقدات.

ثالثاً: التفاعل الاجتماعي، فوسائل الإعلام والاتصال تخلق لدى الفرد دافعاً للاتصال مع الآخرين، والاحتكاك بأفراد المجتمع مستغلةً الطبيعة الإنسانية التي تجنح إلى الاجتماع والتواصل والحوار، ومن ثم يكون من المفترض أن تخلق وسائل الإعلام قنوات للاتصال بين مختلف فئات وأطياف المجتمع، وتبني جسوراً للتعاون والمشاركة بين أفراد المجتمع.

رابعاً: الترفيه، يتمثل في رغبة الفرد في الهروب من الواقع ومشكلاته Escapism، وبالتالي يلجأ الفرد إلى وسائل الإعلام التي توفِّر له وسائل للتسلية والترفية والراحة وشغل وقت الفراغ.

الإعلام ودوره في تشكيل الصورة الذهنية:

من خلال استعراض الوظائف الأساسية لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري عند “ماكويل”، يتراءى لنا أخطر تلك الوظائف وأكثرها تأثيراً على الفرد ألا وهي تحديد الهوية؛ فوسائل الإعلام، كما سبق وأشرنا، تلعب دوراً كبيراً في تشكيل القيم التي يحملها الفرد، التي تسهم بدورها في بلورة توجهاته وصياغة آرائه، ولذا كان لزاماً الإشارة إلى دور الإعلام والاتصال في تشكيل ما يُسمى بـ “الصورة الذهنية”.

إن مصطلح “الصورة الذهنية” أو Stereotype ظهر لأول مرة في أوائل الألفية البائدة على يد “والتر لييبمان”، الذي كان عميداً للصحفيين الأمريكيين آنذاك وأكبر محللي السياسة الخارجية الأمريكية، وأحد أهم المنظِّرين الليبراليين والمساهمين في الحملات الدعائية الحكومية، ويشير هذا المصطلح إلى التأثير الذي تُحْدثه وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في ذهن المتلقِّي ما يدفعه إلى تكوين صورة ذهنية معينة حول قضية ما ومن ثم يتبنى آراء وتوجهات بصدد تلك القضية انطلاقاً من تلك الصورة الذهنية، وقد خدم هذا المفهوم نظرية “لييبمان” حول “الثورة في فن الديمقراطية”، إذ أوضح “لييبمان” كيف يمكن لوسائل الإعلام الأمريكية استغلال سطوتها على ذهن المتلقي عن طريق بث رسائل معينة وتكرار تلك الرسائل بما يُفضي إلى تشكيل صور ذهنية معينة تمهِّد السبيل لخلق ما يُسمى بـ “الإجماع العام” أو “العقل الجمعي” لجعل الرأي العام الأمريكي يؤيد قضايا وتوجهات ما كان ليتبناها لولا تأثير وسائل الإعلام، وتلك القضايا والتوجهات، وفقاً لـ “لييبمان”، تتسق في الأغلب الأعم لتوجهات النخبة الحاكمة القادرة على إدارة شئون الدولة وحمايتها من “القصور” الذي تتسم به رؤية وإدراك العامة لطبائع الأشياء ومجريات الأمور. 

أسطورة الإعلام الأمريكي:

يظل الإعلام الأمريكي ووسائل الاتصال الجماهيري، شئنا أم أبينا، اتفقنا أم لم نتفق، مضرب الأمثال في التأثير على الرأي العام وتوجيهه، فبإطلالة على إسهام المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” حول “سطوة الإعلام… الإنجازات الهائلة للبروباجندا”، نجد أن “تشومسكي” سلَّط الضوء على صناعة العلاقات العامة الأمريكية، وكيف استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الحملات الدعائية ووسائل الإعلام لجعل الرأي العام يتبنى توجهات ما كان ليتبناها لولا وُظِّفت وسائل الإعلام لخدمة أجندة الحملات الدعائية. تلك الأسطورة الإعلامية لم تُخْلق من فراغ، إذ يُنْفَق عليها بلايين الدولارات سنوياً لضمان جودة تلك الصناعة، وقد نجحت العلاقات العامة الأمريكية وكذا الإعلام الأمريكي في حفز الرأي العام لتأييد المغامرات الخارجية لنخبه الحاكمة، فإذا بنا نلاحظ التحوُّل الجذري في موقف المواطنين الأمريكيين إزاء خوض غمار الحرب العالمية الأولى من السلب إلى الإيجاب أي من الرفض التام للتدخل الأمريكي إلى جانب الحلفاء إلى تأييده بنهاية المطاف بدعوى إنقاذ أوروبا من المذابح التي يرتكبها الألمان، وذلك الأمر قد تكرَّر ثانيةً فيما يتعلق بـ “الذعر الأحمر” أي إثارة الرعب من الأيديولوجية الشيوعية.

لم يتوقف الأمر عند توظيف وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الجماهيري لتأييد سياسات النخبة على المستوى الخارجي فحسب، بل تجاوزه إلى استغلال سطوة الإعلام على الرأي العام الأمريكي لتأييد سياسات النخبة الحاكمة في الداخل، منها على سبيل المثال، تأييد زيادة الإنفاقات العسكرية في مقابل خفض الدعم الموجَّه للرعاية الاجتماعية، وكذا الإنفاقات على قطاعات الصحة والتعليم في عهد “دونالد ريجان”.

دائماً ما ينجح الإعلام الأمريكي، إذا اتسقت توجهاته والإدارة الأمريكية، في خلق صورة ذهنية معينة لدى الرأي العام في سبيل تحقيق “إجماع عام” حول قضية معينة؛ فمثلاً نجح الإعلام الأمريكي بالتواطؤ مع إدارة بوش الإبن في تصوير “صدام حسين” وكأنه “هتلر الجديد” القادم لتدمير العالم، ومن ثم استثارة الحس الوطني لدى المواطن الأمريكي من خلال رفع شعار “أيِّدوا قواتنا” لتبرير الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. إذاً الإعلام الأمريكي لم ينجح فقط في تبرير الغزو أمام المواطن الأمريكي بل نجح أيضاً في تجنيد الرأي العام وحشده لتشجيع الجيش الأمريكي على غزو العراق والإطاحة بـ “هتلر الجديد” إنقاذاً للبشرية.

إن تأثير الإعلام الأمريكي لم يتوقف قط على المستوى القومي بل تجاوز ذلك إلى الدول الأخرى خاصة الدول الغربية؛ إذ تمكَّن من تكوين صورة ذهنية مجحفة حول الإسلام كدين والمسلمين كبشر بما يخدم الأجندة الأمريكية، وخصوصاً في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001؛ إذ دأبت وسائل الإعلام على تصوير المسلمين بالإرهابيين لحشد الرأي العام ضد المسلمين، وكسب تأييده في غزو أفغانستان عام 2001، ثم غزو العراق 2003 بدعوى “الحرب العالمية ضد الإرهاب” ما أفضى إلى بزوغ ظاهرة “الإسلاموفوبيا” وتصاعد حدة العداء ضد كل ما يمت للإسلام بصلة، واضطهاد الجاليات المسلمة بالمجتمعات الغربية.

ورغم زعم البعض أن الإعلام الأمريكي في المرحلة الراهنة يشهد تراجعاً لأسطورته، واستشهدوا على ذلك بإخفاق الإعلام في الانتخابات الأمريكية السابقة وخروجه، لأول مرة، عن مهنيته وحياده إزاء المرشحيْن المتنافسين على الرئاسة وهما “دونالد ترامب” وغريمته “هيلاري كلينتون” ما رسَّخ الاعتقاد بفوز “كلينتون”، على عكس ما جاءت به نتيجة الانتخابات في نهاية الأمر، التي شكَّلت صدمةً قويةً لدى متابعي وسائل الإعلام الأمريكية، إلا أنه لم يزل إعلاماً قوياً تخوض بعض مناصته سجالاً قوياً أمام الرئيس الحالي للولايات المتحدة في حين أن البعض الآخر تحتفي بـ “ترامب” وإنجازاته كما ترتئيها، ولازالت المنصات الإعلامية المعارضة لـ “ترامب” كشبكة CNN تحظى بمصداقية الشعب الأمريكي بحسب استطلاع للرأي أجرته شركة “سيرفاي مانكي”، وهي واحدة من أشهر شركات استطلاع الرأي عن طريق الإنترنت والتطبيقات الرقمية، بحسب ما نشرته بي بي سي عربي في 5 يوليو/ تموز الجاري، يُظهر أن 50% يثقون في CNN مقابل 43% لترامب بصفة عامة، وأن 55% لصالح CNN مقابل 40% لترامب من المستقلين غير المنتمين للحزبين الديمقراطي والجمهوري، وقد أُجري ذلك الاستطلاع على 4.965 مواطناً أمريكياً فوق سن الـ 18 في الفترة بين 29 يونيو/ حزيران الماضي إلى 3 يوليو/ تموز الجاري.

وفي ظل ذلك الزخم الإعلامي الأمريكي، ثمة درس جدير بالتعلم مفاده أنه مهما اختلفت الآراء حول أداء النظام الحاكم وفاعلية سياساته، يظل هناك توافقاً وإجماعاً عاماً حول إعلاء مصلحة الوطن العليا، وذلك الأمر نراه بشكل جلي حينما تحشد الإدارات الأمريكية مواطنيها بدعوى “مصلحة الوطن” أو “الأمن القومي الأمريكي”.

لم يسلم العرب من سطوة الإعلام الأمريكي، وهو أمر آخر جدير بالملاحظة والاهتمام؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، حرص الإعلام الأمريكي على نعت بعض الرؤساء الأمريكيين بالغباء والطيش والعدوانية أو الدموية كـ “جورج دبليو بوش”، وتكرار تلك الرسائل أدَّى إلى تشكيل صورة ذهنية للرئيس السابق “بوش” لدى العرب والمسلمين تحمل ذات المعنى، وقد هيَّأ ذلك العرب نفسياً لتقبُّل أية سياسات حمقاء لـ “بوش” حتى لو كانت غزو العراق! وللأسف يستمر ذلك النهج حتى وقتنا الحاضر؛ إذ يجري في أغلب الأحيان التشكيك في صحة “ترامب” العقلية، وإدارته للدولة بعقلية رجل الأعمال ومن ثم علينا كـ “عرب ومسلمين” تقبُّل سياساته العنصرية الفجَّة تجاه المسلمين، والقرارات التي أصدرها لحظر دخول رعايا دول مسلمة بعينها للولايات المتحدة، وطالما أنه رجل أعمال في المقام الأول فلا مانع إطلاقاً من إبرامه صفقات تسلح مع دول خليجية بمئات المليارات من الدولارات، ولا مانع أيضاً من إصداره قرار بحظر حمل الأجهزة الإلكترونية على متن الطائرات، الذي كان يهدف أساساً لضرب بعض شركات الطيران الخليجية ألا وهي الخطوط الجوية القطرية، وطيران الاتحاد الإماراتية وشركة طيران الإمارات في مقتل!!!  

إننا حينما أوردنا التجربة الأمريكية فيما يتعلق بالإعلام وصناعة العلاقات العامة والحملات الدعائية كتجربة يحتذي بها الإعلام المصري، لم نبتغِ استلهام التجربة بحذافيرها أي بسلبياتها وإيجابياتها معاً، وما يتضمنه ذلك من تزييف الإعلام الأمريكي لبعض الحقائق لخدمة أغراض سياسية أو استعداء الآخر “المسلم” إنما جُل القصد يكمن في تسليط الضوء على نقاط قوة الإعلام الأمريكي من إتاحته لمنصات تعرض الآراء على اختلافها بمهنية وبما يرقى بالذوق العام ووعي المواطن فضلاً عن نجاحه في خلق “إجماع عام”، وحشد المواطنين حول الأهداف القومية الكبرى، وهي نقاط يفتقدها إعلامنا المصري، وهذا بدوره يدفعنا إلى استعراض أبرز أزمات الإعلام في مصر في وقتنا الحاضر الذي، وبلا ريب، يشهد أسوأ عصوره من غياب للمهنية وتدني في ثقافة الحوار فضلاً عن إشعاله فتيل الأزمات مع عدد من الدول العربية والأفريقية؛ لذا ارتأينا عرض أزمات ثلاث رئيسة لإعلامنا المصري بغية تسليط الضوء على أزمات تكاد تعصف بمهنيته، وتقف كحجر عثرة أمام الدو المنوط بالإعلام الاضطلاع به من تنشئة اجتماعية وسياسية للمواطنين، وخلق “إجماع عام” حول المصالح العليا للدولة المصرية بلا “تخويف” أو “تخوين”.

أولاً- الإعلام المصري… بين تدني “ثقافة الحوار” و”استعداء الآخر”:

“الاختلاف في الرأي لا يُفْسد للود قضية” مقولة ضربت بها وسائل الإعلام المصرية،  على اختلاف ضروبها، عرض الحائط، والمقصد هنا، أن الإعلام المصري بدءًا من ثورة الخامس والعشرين من يناير ومرورًا بالأزمات والقضايا التي تلتها؛ بات يفتقد لأبسط قواعد المهنية، وأبجديات التواصل المتمثِّلة في “حوار بنَّاء” يضم كافة فئات المجتمع وأطيافه تحت مظلة واحدة، ويرقى بمستوى الوعي الثقافي والنضح الفكري لدى المواطنين؛ إذ أضحت وسائل الإعلام، على اختلاف أصنافها حكومية كانت أو خاصة، تمارس نوعاً آخر من الإرهاب لا يقل عن الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الراديكالية وهو “الإرهاب الفكري” ووصم هذا الآخر، إذا لم يحمل أيديولوجية معينة ويتبنى ذات الرأي الذي تتبناه وسائل الإعلام وتروِّج له، بأنه “خائن” لا يراعي البتَّة مصلحة الوطن العليا، ومن ثم يكون من المبرَّر إقصاؤه عن ساحة الحوار.

 في الوقت الذي يفتقد فيه الإعلام المصري لأبسط القواعد المهنية من استيعاب لكافة فئات المجتمع عن طريق النهوض بثقافة الحوار، تبلغ وسائل الإعلام الأمريكية والغربية ذروة التزامها بالحوار كأساس تُبنى من خلاله جسور التواصل بين المواطنين؛ إذ لم تعد وسائل الإعلام الأمريكية والغربية تعنى بالالتزام بقواعد الحوار، وتكفل حق الرد للجميع فحسب بل تعدت هذا الأمر إلى تبنِّي “مناظرات” بنَّاءة بين شخصيات تتبنى وجهات نظر مختلفة تماماً تبلغ حد “التناقض”، وكل منها يسعى إلى عرض وجهة نظره وتفنيد الحجج والأسانيد التي يركْن إليها في تأييد وجهة النظر تلك كالمناظرات التي نتابعها بين المرشحين، الذين يخوضون غمار الانتخابات الرئاسية، التي تعكس ما وصلت إليه تلك المجتمعات من نضج فكري ورسوخ للقيم والممارسات الديمقراطية.

إنَّ أولى الخطوات التي تمهِّد الطريق لمجابهة تلك الأزمة، أن يعي الإعلام دوره في تأصيل الثقافة والممارسة الديمقراطية في المجتمع، وهذا لن يتأتَّى إلا بتعزيز ثقافة “الحوار” وكفالة حق الرأي والتعبير للجميع بصورة حقيقية لا من خلال خطب وشعارات جوفاء ليست من الممارسة الفعلية في شئ، وكذا تعزيز ثقافة “احترام وقبول الآخر”؛ ذلك لأن الاختلاف هو سنة الله فى كونه، وطبيعة جُبلت الناس عليها. فالمجتمعات التي تضطهد “الآخر”، وتُجِّرم ثقافة “الاختلاف”، وترُّوج لخروج هذا الآخر عن السياق المجتمعي أو الإجماع العام هي مجتمعات لم ولن يفلح سعيها في التحول نحو الديمقراطية التي تُبنى بالأساس على قيم الحوار والثقة المتبادلة والتفكير الإيجابي والحُجَّة والمواطنة المسئولة، وتنأى بنفسها عن خطاب “العبث والتنفير”، الذي يفرِّق المجتمع شيعاً بدلاً من أن يوحِّد صفوفه ويجمع شتاته.

الإعلام المصري وصناعة الأزمات الخارجية:

لم تتوقف أزمات الإعلام المصري على الصعيد الداخلي من زيادة حدة التجاذبات والاستقطابات، وتعالى نبرات “التخوين” واستعداء الآخر وتحويل المجتمع عن بكرة أبيه إلى مجتمع يفتقد للحد الأدنى من ثقافة الحوار وقبول “الآخر” فحسب، بل تجاوزت تلك الأزمات الحدود القومية المصرية ليشعل الإعلام فتيل الأزمات الخارجية مع عدد من الدول العربية والأفريقية ليتحول الإعلام المصري إلى صانع للأزمات بامتياز بعد أن كان حاضناً، خلال الخمسينيات من الألفية البائدة، لإذاعات عربية وأفريقية موجَّهة كإذاعة “صوت العرب” و”صوت أفريقيا” التي كانت تُبث بعدة لغات أفريقية من بينها لغة “الهوسا” و”الأمهرية” و”الصومالية”، التي كانت منصة لحركات وتنظيمات التحرير العربية والأفريقية ورسَّخت جسوراً للتواصل بين مصر والشعوب الأفريقية والعربية على اختلاف ثقافاتها، ولازالت هي إرثنا المتبقي من عصر شهد دوراً مصرياً إقليمياً فاعلاً على الساحتين العربية والأفريقية معاً.

 وفي هذا الصدد ستكون لنا إطلالة على أبرز تلك الأزمات في السنوات القليلة المنقضية:

الأزمة مع دولة السودان:

اندلعت تلك الأزمة عقب زيارة الشيخة “موزا بنت ناصر” لدولة السودان في مارس/ آذار الماضي، التي زارت إبَّانها الأهرام السودانية في منطقة مروي، في زيارة تفقدية للأهرام البجراوية التي يقوم بترميمها المشروع القطري السوداني للآثار لينجرف الإعلام المصري في سيل من تراشق للألفاظ والسخرية اللاذعة من تلك الزيارة إلى حد الذي وصف فيه بعض الإعلاميين المصريين، وللأسف، الأهرام السودانية بأنها ليست بأهرامات بل إن الوصف الأدق لها هي “جبنة مثلثات”، وقد أفضت حدة مثل تلك التصريحات، التي تفتقد لأبسط أبجديات الدبلوماسية مع دولة تمثل بالأساس عمقاً استراتيجياً لمصر تستدعي كل صغيرة وكبيرة من الجهد الخارجي المصري ما يحول دون توجُّهها قوى إقليمية ودولية بما يهدِّد الأمن القومي لمصر، إلى غضب الجانب السوداني على المستوى الرسمي؛ إذ اتَّهم السفير السوداني لدى مصر “عبد الحليم محمود” الإعلام المصري بشن حملة ممنهجة ضد دولة السودان تستهدف الإساءة إلى تاريخ السودان وحضارتها، أما عن وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة السودانية، “أحمد بلال عثمان”، فقد أشار إلى أن “الأهرام السودانية أقدم من نظيرتها المصرية بألفي عام”، مضيفاً أن تصريحات الإعلام المصري هي في مجملها تصريحات مسيئة إلى حضارة وآثار السودان.

استمر التصعيد من الجانبيْن المصري والسوداني؛ إذ منعت السلطات المصرية الكاتب الصحفي السوداني “الطاهر ساتي” من دخولها، وأعادته إلى السودان تحت حراسة أمنية مشددة بعد تدخُّل السفير السوداني لدى مصر. اللافت للنظر أن تلك الخطوة جاءت بعد أيام قليلة من زيارة وزير الخارجية “سامح شكري” لدولة السودان في محاولة لتهدئة الموقف على إثر التراشق الإعلامي بين الجانبيْن، وأدان اتحاد الصحفيين السودانيين تلك الخطوة فضلاً عن مطالبته الحكومة السودانية اتخاذ ذات الإجراءات في التعامل مع الصحفيين المصريين.

ولم يكد يمضي شهران على زيارة “موزا” لدولة السودان والتراشق الإعلامي بين مصر والسودان حتى أعلنت الأخيرة في مايو/آيار الماضي حظر دخول السلع الزراعية والحيوانية المصرية، وكانت السودان فرضت في مارس/ آذار الماضي، كأحد أبرز تداعيات التوتر في العلاقات المصرية السودانية، حظراً شاملاً على الصادرات الزراعية المصرية، وعزت الحكومة السودانية ذلك القرار إلى اعتبارات تتعلق بالمخاوف الصحية. ولايزال “التوتر” سيد الموقف حتى اللحظة الراهنة في العلاقات المصرية السودانية.

الأزمة مع المغرب:

أثارت تصريحات صادرة عن إعلامية مصرية عام 2014 اتهمت فيها الاقتصاد المغربي بأنه “اقتصاد قائم على الدعارة” موجة غضب عارمة من الجانب المغربي، ولولا سرعة اعتذار السفارة المصرية بالمغرب في محاولة لتدراكها ذلك التصريح الأحمق، معلنةً اتخاذ الإجراءات اللازمة للحيولة دون وقوع مثل تلك “السقطات الإعلامية المؤسفة” مستقبلاً لشهدت العلاقات المصرية المغربية توتراً غير مسبوقاً.

جدير بالإشارة هنا إلى تصريحات رئيس الغرفة المصرية المغربية المشتركة “إبراهيم أبو عميرة” ومفادها أن التصريحات المسيئة لإعلامية مصرية حول الاقتصاد كادت أن تتسبب في تعطل مشروعات يُرْتقب تنفيذها بين الجانبيْن المصري والمغربي، بينها استثمارات لآل “ساويرس” مالك القناة، التي بثَّت تلك التصريحات، آنذاك.

الأزمة مع السعودية:

 لم يتعلَّم الإعلام المصري الدرس جيداً من الأزمات التي سبق وأشعلها بتصريحات هوجاء غير مسئولة، وانطلق مرةً أخرى يستكمل رحلته في البحث عن أزمات جديدة لمصر مع دول عربية، وقد كانت المملكة السعودية وجهة الإعلام المصري هذه المرة في أكتوبر/ تشرين الأول؛ ففي أعقاب تصويت مصر على مشروع قرار روسي في مجلس الأمن بشأن سوريا، تعارضه السعودية ودول الخليج، يدعو إلى الاسترشاد بالاتفاق الأمريكي الروسي لإيصال المساعدات إلى المناطق السورية المحاصرة، ويحث الأطراف على وقف الأعمال العدائية فوراً، والتأكيد على التحقق من فصل قوات المعارضة السورية المعتدلة عن “جبهة فتح الشام”، النصرة سابقاً، المصنفة إرهابية كأولوية رئيسية، انتقد مندوب السعودية الدائم في الأمم المتحدة ذلك السلوك التصويتي المصري واصفاً إيَّاه بـ “المؤلم” ليبدأ التراشق بين الإعلاميْن المصري والسعودي، وقد اتَّخذت الأزمة منحنى متصاعداً بعد أن أعلنت وزارة البترول المصرية أن شركة “أرامكو” السعودية أبلغت الهيئة المصرية العامة للتبرول بالتوقف عن إمدادها بالشحنات النفطية لحين “إشعار آخر”، وبدلاً من أن يمارس الإعلام دوراً متعقِّلاً في سبيل احتواء ذلك التصعيد، انطلق يسكب الزيت على النار بفجاجة ليستمر التلاسن والتراشق بين الجانبيْن.

نحو إعلام “مسئول”:

بتبيان مواطن “الخلل” التي تعتري أداء الإعلام المصري، كان لزاماً تقديم جملة من التوصيات في سبيل تصحيح مسار الإعلام المصري ينهض بأعباء مسئوليته الاجتماعية في مرحلة فارقة من تاريخ مصر، أبرزها ما يلي:

تفعيل أدوار الإدارات الإعلامية في وزارات الدولة قاطبةً ما يمكِّنها من إطلاق حملات دعائية على أسس استراتيجية ممنهجة لحشد وتعبئة المواطنين إزاء الأهداف القومية الكبرى، لعلَّ أبرزها في الوقت الراهن استراتيجية 2030، التي لم تُبذل في سبيل الإعلان عنها أية جهود إعلامية حقيقية توفِّر للاستراتيجية حاضنة شعبية تكْسب بنودها زخماً حقيقياً يستنهض عزائم وهمم المواطنين، ويكون منوط بهذا إدارات تفعيل التواصل بين الوزارات المختلفة وبعضها البعض بما يمكِّنها من تنسيق العمل فيما بينها وينأى بها عن منهاج “الجزر المنعزلة”، الذي ولايزال، يسيطر على الحكومة المصرية.

 تشكيل جهاز رقابي مستقل وتخويله كافة الصلاحيات والسلطات لممارسة دور رقابي على الاداء الإعلامي بنوعيْه الرسمي والخاص، ومحاسبة من يتجاوز أبجديات المهنة الإعلامية، وينحرف بأدائه عن حدود اللياقة والذوق العام.

 تفعيل المادة 68 من الدستور المصري التي تنص على “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً”، التي لا تدع مجالاً لأية محاولات من شأنها تضليل الرأي العام أو انتهاك حق المواطن في الحصول على المعلومة بشفافية بعيداً عن أية مغالطات.

 إعادة النظر فيما يتعلق بتطوير اتحاد الإذاعة والتليفزيون، الذي لا يتناسب أدائه وتأثيره على الجمهور المتلقي سواء في الداخل المصري أو على الصعيد الخارجي مع الميزانية الضخمة التي تُخصَّص له شهرياً يما يناهز 220 مليون جنيه. وثمة العديد من الأطروحات التي قدَّمها خبراء إعلاميين في هذا الصدد خاصة فيما يتعلق بالتوظيف الاستثماري لبعض أصول الاتحاد من أراضي والترددات المخصصة للاتحاد وتفعيل الشراكة بين القطاعيْن العام والخاص في إدارة بعض القنوات، وكذا استثمار الأرشيف المرئي والمسموع للاتحاد وإعادة عرضه على قنوات جديدة بما لا يتطلب استحداث بنية أساسية إضافية.

 الحاجة الماسة إلى تفعيل دور الهيئة العامة للاستعلامات، التي هي بمثابة الجهاز الإعلامي الرسمي، ويُناط بها شرح السياسات العامة للدولة في مختلف المجالات على الصعيدين الداخلي والخارجي، وتقديم صورة مصر إلى الرأي العام العالمي. وكذا ضرورة تفعيل إصدارات الهيئة بوضع استراتيجية جديدة للتسويق لاسيما تلك الإصدارات المرتبطة بالقارة الأفريقية مثل أفريقيا قارتنا الإلكترونية ودورية آفاق أفريقية، وتطوير المكاتب الإعلامية التابعة للهيئة بالدول الأفريقية.

 استكمالاً للنقطة السابقة، لابد من إعادة هيكلة وتفعيل أدوار الإذاعات الموجهة للقارة الأفريقية لتعود كما كانت في الخمسينيات، وكذا الاهتمام بالمؤسسات الإعلامية التي لعبت مصر الدور الأساسي في إنشائها معهد تدريب الإعلاميين الأفارقة، ووكالة أنباء عموم أفريقيا PANA، التي يُناط بها تعزيز التعاون بين الدول الأفريقية في مجال تبادل المعلومات؛ وذلك من شأنه إعادة تشكيل صورة ذهنية عن مصر لدى شعوب القارة ما يتسق ومصالح مصر المصيرية والاستراتيجية في القارة.

 ضرورة التنسيق بين وسائل الإعلام المصري والمؤسسات الإعلامية الأكاديمية والمراكز البحثية بما يكفل جودة المحتوى الإعلامي المقدَّم والالتزام بالمعايير المهنية، وتدريب كوادر إعلامية يمكنها الاضطلاع بدور إعلامي فاعل.

——————————————————————————————————————–

المراجع:
  1. محمد شومان، “أزمة الإعلام المصري إلى أين”، الحياة اللندنية، متاح على الرابط التالي:
         http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/9017029/  
  1. “العلاقات السعودية المصرية: شرخ أم أزمة عابرة، بي بي سي عربي، متاح على الرابط التالي:
         http://www.bbc.com/arabic/interactivity-37913246
  1. جهاد عمر، “ترامب وصراعه مع الإعلام… هل سينجو الرئيس الأمريكي بنفسه؟”، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، متاح على لرابط التالي:
        https://elbadil-pss.org/2017/07/15/
  1. على جمال الدين، “تراشق إعلامي بين مصر والسودان بعد زيارة الشيخة موزا لأهرامات مرَوي”، بي بي سي عربي، متاح على الرابط التالي:
        http://www.bbc.com/arabic/art-and-culture-39353230
  1. “مندوب السعودية ب UN: تصويت مصر لصالح مشروع قرار روسيا مؤلم”، سي إن إن بالعربية، متاح على الرابط التالي:
         https://arabic.cnn.com/middleeast/2016/10/09/
  1. “ما السبب وراء توتر العلاقات المصرية السودانية؟”، بي بي سي عربي، متاح على الرابط التالي:
         http://www.bbc.com/arabic/interactivity-39632604
  1. خليل علي حيدر، “ثقافة الحوار… أين هي؟”، العربية. نت، متاح على الرابط التالي:
           http://www.alarabiya.net/latest-news
  1. عبد المغيث جبران، “هكذا وضعت الخيّاط استثمارات مصرية في المغرب على كفّ عفريت”، هسبريس المغربية، متاح على الرابط التالي:
          http://www.hespress.com/medias/236480.html
  1. نعوم تشومسكي، أميمة عبد اللطيف (ترجمة)، السيطرة على الإعلام… الإنجازات الهائلة للبروباجندا (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2003).