الجيوبولتيكا الاقتصادية..مستقبل المنطقة العربية في ظل الحرب الاقتصادية الصامتة - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

الجيوبولتيكا الاقتصادية..مستقبل المنطقة العربية في ظل الحرب الاقتصادية الصامتة




إن الجغرافيا هي قدر الأمم، تستطيع أن تختار جيرانك تستطيع أن تلبس ما تشاء تستطيع أن تأكل ما تشاء ولكن لا تستطيع اختيار أبويك، الجغرافيا هي أيضًا لا يمكن اختيارها، هي قدرك ولا بد لك أن تتعايش معها، وهذا القدر يفرض عليك أشياء يمكن اعتبارها ميزة وأخرى يمكن اعتبارها نقيصة وعليك أن تُحسِن استثمار مزاياك وأن تتغلب على النواقص التي ساقها القدر الجغرافي إليك.

هكذا فإن المكون الأساسي لعالمنا هو البحر واليابسة أو البحر والأرض وهو المكون الانطلاقي لعلم الجيوبولتيك باعتبار أن هذين هما قرينا الوجود، لكل شيء ميزة ولكل شيء نقيصة، وبنظرة متعمقة ومتأنية لأصول الصراعات نجد أن الجيوبولتيكا تلعب دورًا كبيرًا في نشوء هذه الصراعات ورحى الثور في حسم هذه الصراعات ومنظار استشرافي  لمستقبل المناطق.

وبالنظر إلى الفلسفة التاريخية لعلم الجيوبولتيكا نستشرف علاقات وارتباطات البنية الحضارية بتفاعلات وهيمنة قوتي البر والبحر، وبالتالي فإن الانتقال إلى الإيروكراتيا (القوة الجوية) ومن ثم إلى الأثيروكراتيا (حرب النجوم والفضاء) مجرد تطور طبيعي لهيمنة استراتيجية البحر على استراتيجية البر لا إشارات إلى مراحل ثورية جديدة، وعلى هذا يمكن القول إن عفوية الماء في توسعها الشمولي الذي يتحقق بالضبط على حساب اليابسة والمدى الخاضعين لها تقليديًا، إنما تضع في خدمتها العفويتين الأخريين: الجو والفضاء (الأثيروكراتيا).

وظهر التجلي التاريخي لعلم الجيوبولتيكا في انهيار المعسكر الشرقي، في البيروسترويكا وسقوط الاتحاد السوفيتي، فسلطان البحر تجسد في سيطرة الغرب التكنوقراطي، ناهيك عن تحدي المحيط الذي تم اكتشافه، التحدي المتمثل في الوثبة القنو-صناعية، التي انسكبت في الحضارة الغربية المعاصرة، وأخضعت العالم بأسره واكتسبت شكلًا نهائًيا في الأوتوقراطيات الكونية لأميركا، بداية العالم المعاصر، بداية الليبرالية الرأسمالية.

وبالنظر إلى الأدبيات الليبرالية الرأسمالية نجد أن حرية النشاط الاقتصادي تُقدم باعتبارها عنصر بشري هام، وتراهن على أنها (اليد الخفية) في بناء المجتمعات وفقًا لما رواه آدم سميث في أهم أدبيات الرأسمالية، لقد كان هذا الفكر ومازال فرديًا بالكامل، فهو لا يطور القدرات الفردية بقدر تعزيزه للنزعات الفردية والذاتية.

في اليد الخفية لآدم سميث رسالة إلى البحث عن المصلحة الفردية، ومن هناك يتم بناء المجتمعات ضمنيًا، فالجميع في سياق بحثه عن مصلحته الخاصة، يجبر على التعامل الجيد مع الآخرين، ومن هنا تتعاظم أخلاقيات هذا المجتمع بطريقة قسرية وإجبارية تحت شعار المصلحة، المصلحة فقط.

لقد تطورت لغة النظرية إلى أن أصبحت بالكامل لغة سلطة، حيث بات كل شيء متاحًا لتحقيق المصلحة الخاصة التي تصب في النهاية في المصلحة العامة، وبالنظر إلى المصلحة الخاصة كهدف أساسي لا يمكن له أن يتقاطع بهذا النحو الأخلاقي اليوتوبي مع المصلحة العامة، فالتجربة التاريخية أثبتت أن المصلحة الخاصة تعني أن كل شيء متاح لتحقيق هذا الهدف، المصلحة الخاصة تعني نهاية المجموع، المصلحة الخاصة تعني فوضى ليست محكومة بقوانين داخلية آي أنها بنيوية فيها، عضوية، وبالاستناد إلى علم الجيوبولتيكا في ظل عالم تحكمه الأدبيات الليبرالية الرأسمالية نجد شرقًا أوسطًا تديره حربٌ اقتصاديةٌ صامتةٌ بين دويلتي الخليج العربية الإمارات وقطر.

ما الدوافع لحرب اقتصادية صامتة في المنطقة العربية؟ّ

تبدأ القصة من ميناء جوادر الباكستاني، مرورًا بميناء تشابهار الإيراني، حيث يحظى الميناءان المطلان على بحر العرب، بأهمية جيواستراتيجية وجيوسياسية في تحديد مصير المنطقة، ويقع الميناءان، في ممرات الاتصال بين آسيا الوسطى، وجنوب آسيا، والشرق الأوسط، وفي نقطة رئيسية تتقاطع فيها خطوط النقل البحري الدولي وتجارة النفط، كما أن إمكانية تطويرهما بحيث يتصلا مباشرة بالمحيط الهندي الذي يعبر منه سنويًا 100 ألف سفينة، ويعد مسارًا لمرور 70% من التجارة النفطية، يزيد من الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لهما.

ميناء تشابهار، مشروع إيرانيّ – هنديّ قديم تَوقَّف لعدة سنوات جَرَّاء العقوبات الدوليَّة المفروضة على إيران، وعاد المشروع مؤخرًا للحياة بعد توقيع اتِّفاقيَّة شراكة بملايين الدولارات بين الهند وإيران وأفغانستان، تتكفل فيها الهند بجزء كبير من تطوير الميناء وإنشاء شبكة سكك حديديَّة تصل الميناء بأفغانستان لتحقيق أهداف اقتصاديَّة واستراتيجيَّة طَموحة تخدم مصالح الأطراف كافَّةً، وفي مقدمتهم الهند وإيران.

يهدف ميناء تشابهار في الأساس إلى تعظيم المصالح الإيرانيَّة أوَّلًا، كزيادة صادراتها النِّفْطيَّة وغير النِّفْطيَّة، والنفاذ إلى عمق آسيا، لكنه يكاد يخدم المصالح والأهداف الهنديَّة بشكل أكبر عندما ننظر إلى طبيعة هذه الأهداف، خاصَّة بعيدة المدى منها، التي من بينها محاولة الهند تهميش باكستان، جارتها اللدود، إضافة إلى منافسة الصِّين في بسط السيطرة والنُّفُوذ على دول آسيا، لهذا كان الدعم المادّي الهنديّ للمشروع سخيًا وسريعًا، خاصة بعد تخفيف العقوبات الغربيَّة المفروضة على طهران، إذ سعَت الهند بقوَّة وراء توقيع عقد المشروع حتى لا تخسره لصالح دول منافسة لها في المِنطَقة، تحديدًا الصِّين، إلى أن وُقِّعَت الاتِّفاقيَّة بينها وبين إيران وأفغانستان في مايو 2016.

وإلى جوار ذلك سيعود المشروع بالنفع على أفغانستان الحبيسة بفتح طريق لها نحو المحيط بدلًا من ميناء كراتشي الباكستانيّ، وتحقيق مصالح اقتصاديَّة، والتحرُّر من سيطرة باكستان على أفغانستان في مقابل خدمة المصالح الإيرانيَّة والهنديَّة.

إلا أن الصين سبقتهما بخطوة؛ فقد اشترت الشركة القابضة الصينية  (COBHC)، عام 2013، حقوق تشغيل ميناء جوادر الباكستاني، لمدة 40 عامًا، بهدف إدخاله في العمل حتى نهاية 2015، ووقعت في هذا الإطار، باكستان والصين اتفاقًا بقيمة 46 مليون دولار حول مشروعات الطاقة والبنية التحتية، فيما تعتزم بكين ربط ميناء جوادر مع ميناء كاشغر (شمال غربي الصين)، من خلال بناء طريق طوله 3 آلاف كيلومترات، وتسعى الصين لتحقيق مصالحها الاقتصادية، باستيراد حاجاتها من النفط والغاز من الشرق الأوسط عبر الميناء المذكور، وتصدير المعادن المستخرجة منها إلى أفريقيا عبره أيضًا.

في ظل هذ الصراع الذاتي (الليبرالي الرأسمالي) لم تسع الصين ولا الهند لخدمة المجتمع الدولي بقدر خدمة كلًا منهما لصراعهما على السلطة الدولية والنفوذ الدولي؛ تلك السلطة التي لا تخدمها محادثات دبلوماسية بل يخدمها الواقع الجيوبولتيكي، فسرعان ما انتشر هذا السرطان ليصل مؤخرًا إلى الخليج العربي في عباءته الاقتصادية الخفية.

فطرف الخيط يبدأ من إعلان قطر عن استثمار 15% من إجمالي قيمة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، في إطار تدشين حكومة باكستان لمشروعات تطويرية ضخمة بإقليم بلوشستان الذي يعتبر الأقل تطورًا بين أقاليمها الأربعة الآخرى والأكثر وفرة بالمعادن الطبيعية والأقل كثافة سكانية الذي يطل من عليه ميناء جوادر العميق، إضافة إلى  إقامة مناطق لعمليات التصدير والتجارة الحرة في الميناء، حيث سيتم وصل خط للسكة الحديدية يرتبط بشبكات خط السكة الحديد القائم في المنطقة لتحسين الأنشطة التجارية في المنطقة مع الربط إقليم إكسينيانج الصيني بباكستان؛ الربط الذي يعتبر بمثابة بوابة مائية لإقليم اكسينيانج ودول آسيا الوسطى، لرغبة الصين في تحويل أجزاءها الغربية إلى منطقة بارزة في مجال الأنشطة الاقتصادية والتجارية.

و قامت كل من بكين وإسلام أباد والدوحة بتحديد مشروعات تصل تكلفتها إلى حوالي 12 بليون دولار للاستثمارات في باكستان من ضمنها، مطار إسلام أباد الدولي، ومصفاة لتكرير النفط في جوادر، ومشروع بونجي للطاقة الهيدروليكية، وأخيرًا مشروع نيلم–جهلم للطاقة الهيدروليكية، وبهذا فإن العالم يشهد دبي جديدة تنشأ على تخوم الأقاليم الباكستانية بدعم قطري صيني.

تلك الخطوة التي جاءت في ظل انشغال الإمارات في السيطرة على الموانئ الاستراتيجية باليمن وأخيرًا بسيطرتها على مشروعات تطوير قناة السويس بمصر إلا أن هذا كله محفوف بمخاطر اتجاه العالم كله لبوابة جوادر الباكستاني – الصيني – القطري؛ الأمر الذي يثير جدلًا كبيرًا حول إمكانية استمرار دبي السياحية في وجه جوادر الباكستاني أم أن الإمارات ستتجه للمعسكر الإيراني – الهندي ممثلًا في تشابهار الذي تواجهه تحديات كبيرة في ظل القطيعة العربية لقطر بدعوى علاقاتها مع إيران.