اقتصاديات الحج .. ارتفاع العائدات رغم التقشف - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
اقتصاديات الحج .. ارتفاع العائدات رغم التقشف

اقتصاديات الحج .. ارتفاع العائدات رغم التقشف




 

استقبلت مكة والمدينة المنور حوالي 2.2 مليون حاج هذا العام، ومن المقدر أن تبلغ إيرادات الحج حوالي 4.2 مليار دولار.

يأتي كل عام موسم الحج ليمثل مشهد اقتصادي نشط يرتفع الطلب بشكل حاد، ويتسع المعروض من السلع والخدمات، ليترك تأثيرات إيجابية متعددة على أداء مؤشرات الاقتصاد الكلي للسعودية.

ومؤخراً أصبح الحج محاط بعدد من المخاطر التي تؤثر على عدد الحجيج من عام لآخر، فترتفع المخاطر الجيوسياسية للحجيج القادم من الشرق الأوسط وأفريقيا، كما يؤثر تباطؤ النمو العالمي والاتجاه المتزايد نحو التقشف على قدرة الحجيج على الإنفاق.

 وعلى الجانب الآخر تسعى السعودية إلى تطوير قطاع الحج واستهدافه لعدد أكبر من الحجيج، كجزء من رؤيتها للتنمية عام 2030، وتتطلع إلى أن يلعب الحج دوراً هاماً في تحريك النمو غير النفطي بالمملكة.

تطور عائدات الحج:

الحج تلك الشعيرة المقدسة لجموع المسلمين، يعد من الناحية الاقتصادية الموسم السياحي المؤكد الوحيد، ففي عدة دول في الشرق الأوسط تأثرت السياحة الترفيهية والتثقيفية بقسوة جراء تصاعد المخاطر الأمنية والجيوسياسية، بينما يظل موسم الحج هو الموسم السياحي الوحيد الذي يأتي إليه رواده سعياً على الرغم من أي مخاطر، ذلك أنه فرض عين خامس على المسلمين.

ومن ناحية اقتصادية يمثل كل من الحج والعمرة قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد، فتستقبل السعودية سنوياً حوالي 12 مليون معتمر سنوياً، ومن 4 إلى 5 ملايين معتمر داخلياً، و بين 1.5 إلى 3 ملايين حاج، أي أن الحرم المكي يستقبل حوالي 20 مليون زائر سنوياً.

وعلى الرغم من أن الحج موسم مؤكد لا يخلو من الحجيج، لكنه يتناقص، ما تبين في السنوات الأخيرة ، فقد انخفضت إيرادات الحج من 16.5 مليار دولار في عام 2012 إلى 8.4 مليار دولار في عام 2014، ومن المتوقع – وفقاً لدراسة حديثة أعدها مركز السجيني للاستشارات الاقتصادية والإدارية، أن تبلغ إيرادات الحج حوالي 4.2 مليار دولار، في هذا العام، وقد ساهم في هذا التناقص عاملان رئيسيان، الأول وهو قرار المملكة العربية السعودية بتخفيض عدد الحجاج القادمين من الداخل بنسبة 50%، والقادمين من الخارج بنسبة 20%، حتى العام 2015، بسبب عمليات التوسعة، أما العامل الثاني فهو الضغوط المالية وإجراءات التقشف التي أصبحت اتجاه منتشر في الدول النامية وإقليم الشرق الأوسط، وفي بلدان  أوروبية أيضاً.

التأثيرات المباشرة على المؤشرات الكلي:

إن العدد الضخم السابق ذكره من الحجاج والمعتمرين يقدم إنفاق ضخم داخل الأراضي المقدسة، ويستهلك عدد متجدد من الخدمات، والسلع، وانطلاقاً من هذا النشاط فإن موسم الحج يلقي بتأثيرات مباشرة على مؤشرات الاقتصاد الكلي السعودي، وذلك كما يلي:

 الناتج المحلي الإجمالي، كما سبق الذكر فإن موسم الحج يقدم إيرادات تظل قيمة مضافة كبيرة حتى وإن كانت متناقصة، وطبقاً لإحصاءات سعودية فإن موسم الحجم يساهم في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3% في المتوسط خلال السنوات الأخيرة.

 تنشيط الطلب الكلي، يضخ الحجيج من دخولهم إنفاقاً كبيراً ومتعدد داخل الأراضي المقدسة، بما يسهم في تنشيط الاستهلاك الخاص، ويؤدي إلى تنشيط الطلب الكلي، فيعد الموسم الرائج للتجارة وللخدمات خاصة الفندقية والسكنية والنقل، ووفقاً لدراسة مركز السجيني للاستشارات الاقتصادية والإدارية، فإن 10% من إنفاق الحاج يصرف على الغذاء، و 14% على شراء الهدايا، وحوالي 31% على النقل والمواصلات، و40% على السكن، ويفضل حجيج الداخل حملات الحج المنخفضة التكلفة، إذا يقدر متوسط  تكلفة حملات الحج المخفضة بحوالي ألف دولار.

تنشيط القطاعات الإنتاجية، إن زيادة العرض تكون استجابة طبيعية لزيادة الطلب الذي يحدث في موسم الحج، وعليه، فإن القطاعات المعنية بخدمة الحجيج تقدم إنتاجاً أكبر من أي وقت آخر، فعلى سيبل المثال يوجد في السعودية مشروع للاستفادة من الأضاحي والهدي، الذي يديره البنك الإسلامي للتنمية، ونتج عنه تأسيس مصنعين لاستخلاص مادة الجيلاتين الحلال التي تستخدم في صناعة الكبسولات الطبية، وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع الواحد حواي 600 طن من الجيلاتين سنوياً، فيما تتمثل أكبر القطاعات الإنتاجية المستفيدة من الحج، قطاع الفنادق، والنقل والمواصلات، فتقدر نسبة الإشغال في فنادق مكة حوالي 80% في المتوسط داخل المنطقة القريبة من الحرم، فيما تعمل 65 شركة نقل في خدمة الحجيج ومن المتوقع أن تتقاسم أرباحاً تصل إلى حوالي 106 مليون دولار هذا العام.

ووفقاً لدراسة مركز السحيني، يعمل في موسم الحج نحو 20 ألف شاحنة، تبلغ استثماراتها أكثر من 1.6 مليار دولار، إضافة إلى إنشاء قطار المشاعر المقدسة مؤخراً، الذي تبلغ تكلفته 1.8 مليار دولار، علاوة على مشروع خادم الحرمين الشريفين الذي يربط بين مكة والمدينة المنورة، أما عن قطاع التغذية والإعاشة للحجيج فيبلغ حجمه 10 مليارات دولار، تستحوذ منطقة مكة على 2 مليار دولار منهم.

 تحسن أداء القطاع الخارجي، إن موسم الحج شأنه شأن أي موسم سياحي تتم معاملاته في إطار القطاع الخارجي للاقتصاد، فيكون الإقبال أكبر ما يكون على شراء الريال السعودي مقابل العملات الأخرى، لا سيما العملات القوية كالدولار واليورو، وتنشط الرحلات الجوية والبحرية الدولية، علاوة على التقاء أصحاب أعمال من مختلف الدول، ومن ناحية أخرى فإن شركات أجنبية ترغب بتقديم استثماراتها وخدماتها لخدمة الحرم وتوسعته.

الحج في رؤية  2030:

بطبيعة الحال، تولي الحكومة السعودية أولوية خاصة للحرم المكي، ولخدمات الحج والعمرة، وتحتل محور رئيسي في رؤية السعودية 2030، وقد بدأت الحكومة منذ سنوات عمليات توسعة للحرم المكي، الذي كانت طاقته الاستيعابية سابقاً  حوالي 600 ألف مصل، لكنها حالياً وصلت إلى 2.2 مليون مصل، ومر الحرم بـ 3 عمليات توسعة، وستستمر العمليات حتى عام 2020، وتقدر تكلفتها الإجمالية بحوالي 100 مليار دولار.

تشتمل الرؤية على عدد من المشروعات، أهمها مشروع جبل عمر للفنادق، دخل منها 12 فندق خمس نجوم في الخدمة، وباكتماله سيوفر المشروع 30 فندقاً جديداً على بعد امتار من الحرم المكي، وطبقاً لما هو مخطط من قبل الحكومة، فإن المملكة ستستطيع استقبال حوالي 3.7 مليون حاج عام 2020، وحوالي 6.7 مليون حاج عام 2042، وتستهدف الرؤية الوصول بإيرادات الحج إلى 47 مليار ريال أي 12.5 مليار دولار، وأن تستقبل المملكة حوالي 30 مليون معتمر وحاج  بحلول العام 2030.  ومن المقرر أن يستوعب مطار الملك عبد العزيز 30 مليون مسافر نهاية هذا العام، وأن تصل طاقته الاستيعابية إلى 80 مليون مسافر عام 2035.

ونهاية فإن قطاع الحج والعمرة هو أحد أهم المحركات للنمو غير النفطي بالمملكة، وعلى الرغم من المشروعات المستمرة والمتزايدة والباهظة التكلفة التي تؤسسها المملكة لتطوير هذا القطاع إلا أن ثمة ما ينقصها، فبداية يفترض بالمملكة أن تفتح الباب بدرجة أكبر للشركات العالمية لتقدم استثماراتها إلى هذا القطاع، وربما يجدر بالمملكة أن تستهدف زيادة أكبر في نسبة مساهمة قطاع الحج والعمرة في الناتج المحلي الإجمالي.

ومن ناحية أخرى فإنه ينبغي على المملكة توسعة عرض خدمات النقل والسكن للحجيج بحيث تتنوع تكلفتها، ويسمح بوجود شريحة أوسع من رحلات التكلفة المنخفضة والمتوسطة، وبذلك سيزداد أعداد المتقدمين إلى الحج .

——————————————————————————————————————–

المراجع:

1-    سي إن إن العربية، “اقتصاد الحج: دخل بمليارات الدولارات وعوائد قد تعادل النفط”، 5/10/2014.
https://arabic.cnn.com/business/2014/10/05/islamic-finance-hajj
2-    رصيف 22، “ماهي أرباح السعودية من الحج”، 5/9/2016. https://goo.gl/SiFWTw
3-    الخليج أون لاين، “مشاريع توسعة الحرم تكلف 100 مليار دولار”، 9/9/2016. http://klj.onl/Z2qQ7t
4-    روسيا بالعربي، “السعودية.. الإعلان عن عائدات الحج 2030″، 11/9/2016. https://goo.gl/w2Ze9y
5-    الشرق الأوسط، ” دراسة سعودية: عوائد الحج تتجاوز 4 مليار دولار هذا العام”،28/8/2017.
https://goo.gl/usP4B3