مصادرة أموال الشركات.. الطريق إلى عزوف الاستثمارات - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

مصادرة أموال الشركات.. الطريق إلى عزوف الاستثمارات




كشاب في العقد الرابع من عمري، قررت في بداية حياتي العملية الاعتماد على الذات بدءً من الدراسة حتى الالتحاق بسوق العمل، وجدت أن تأسيس كيان اقتصادي استثماري هو الأقرب إلى عقليتي، فأسست ذاك الكيان، تعلمت الكثير والكثير في مجالي من أجل الارتقاء والمنافسة، وربما أصبحت مؤسساً لـ “مجموعة مالتبيلز للاستثمار”، وهي شركة لإدارة الأصول والاستشارات المالية مقرها دبي، وتركز على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 

ولعشقي للعلم والمعرفة قررت يوماً ما تأسيس سلسلة مكتبات “أشاد بها معظم صفوف الشباب”، ثم بدأت أنظر لحال البلد الذي ينال منه الجميع، وفي العديد من وسائل الإعلام بدأت كتابة روشتات اقتصادية للنهوض بالبلد في كل النواحي الاقتصادية والاجتماعية. وبالنهاية استيقظت من حلمي المُحقق على أرض الواقع، لأرى نوع من التعسف في هدم هذا الحلم، اذ بالدولة التي أسعى لإنقاذها مما هي فيه تقوم بالتحفظ على هذا الصرح الاستثماري وذاك الصرح العلمي، فأي دولة تسعى للنهوض تُقبل على مثل تلك الخطوة؟؟، أي دولة ترغب في نشر العم والثقافة تُغلق مكتباتها؟؟، أي دولة تُشجع على الاستثمار يُمكن أن تجذب المزيد من التدفقات النقدية الأجنبية في ظل انتهاج مثل تلك التصرفات؟!.

وهذا لسان حال المستثمرين الشباب من المصريين، فيما يمثل عائق أمام أي مبادرات شبابيه للقيام بمشروعات تقوم على الإبداع تساعد على خروج الاقتصاد من كبوته.

الحكومة تتحفظ على أموال وممتلكات الشعب

قررت لجنة التحفظ وإدارة أموال الإخوان التحفظ على شركة “راديو شاك” و”كمبيوتر شوب للتوزيع”، و”موبايل شوب” للتوكيلات التجارية وكل فروعها بالمحافظات، ويأتي ذلك ضمن تحفظ اللجنة على 19 شركة مملوكة لجماعة الإخوان وفروعها المختلفة بالمحافظات، كذلك قررت اللجنة التحفظ على الشركة العربية الدولية للتوكيلات التجارية والمملوكة للمتحفظ عليه عمر الشنيطي والمالكة لمكتبة” ألف”، هذا وقد تم تنفيذ قرار التحفظ على عدد 37 فرع بمختلف محافظات الجمهورية، منها القاهرة، والجيزة، وأسيوط، والإسماعيلية، والسويس، والمنوفية، والدقهلية، والساحل الشمالي.

كما تحفظت اللجنة على شركة “بيزنس نيوز للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع المملوكة للمتحفظ عليه مصطفى صقر، والمالكة لجريدة “ديلى نيوز”، وشركة بيزنس ميديا جروب للدعاية والإعلان، وشركة “كابيتال ماركتس انستتيوت”، ومن ضمن الشركات المتحفظ عليها أيضا شركة كمبيومصر لتكنولوجيا المعلومات، دلتا للاتصالات، دلتا لإدارة العقارات والأصول، دلتا كول سنتر، دلتا سوفت وير”، شركة دلتا أر إس للتجارة.

وخاطبت اللجنة البنك المركزي، بقرارات التحفظ والمنع من التصرف في الأموال والممتلكات العقارية والمنقولة والسائلة والحسابات المصرفية والودائع والخزائن والسندات وأذون الخزانة المسجلة طرف البنوك فيما يخص الـ19 شركة وفروعها المتحفظ عليها من جانب اللجنة.

وكل تلك الإجراءات تتعارض مع نصوص قوانين الاستثمار، التي تتضمن، بابا لضمانات الاستثمار وحوافزه لتأكيد طرد الصورة الذهنية الناجمة عن قرارات التأميم، التي تمت في أوائل الستينيات من القرن الماضي، بل وهناك مادة تنص على: “لا يجوز الحجز على أموال الشركات أو الاستيلاء أو التحفظ عليها أو تجميدها أو مصادرتها”. بينما تتم عمليات التحفظ على الأموال على جميع الأموال، وجميع الحسابات والأرصدة البنكية بالعملة المحلية والعملات الأجنبية، وعلى الودائع أياً كان مسماها وعلى جميع أنواع الأسهم والأوراق المالية والسندات المالية والأطيان الزراعية، والمنقولات سواء كانت مملوكة لهم ملكية مباشرة أو غير مباشرة.

هذا وتخالف تلك الإجراءات ما جاء بقانون الاستثمار الجديد المتضمن التزام الدولة بتوفير المناخ الجاذب للاستثمار، وكذلك حماية الدولة للملكية بأنواعها الثلاثة العامة والخاصة والتعاونية، مع إقرار القانون بأنه لا يجوز فرض الحراسة عليها ولا يتم انتزاع الملكية إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يدفع مقدماً وفقاً للقانون. وتضمنت التعديلات الجديدة للقانون مواد تنص على  عدم جواز التحفظ على أموال المشروعات، وأنه لا يجوز لأية جهة إدارية إصدار قرارات تنظيمية تضيف أعباء مالية أو إجرائية تتعلق بإنشاء أو تشغيل المشروعات، بل ومن حق المستثمر تملك المشروع الاستثماري وإدارته واستخدامه والتصرف فيه، وجني أرباحه وتحويلها للخارج.

أثر مصادرة الأموال على التدفقات الاستثمارية

بشكل مباشر، تؤثر قرارات التحفظ على أموال الشركات بشكل سلبي على الاستثمار خاصة الاستثمار الأجنبي المباشر، ذلك لأن رأس المال بطبيعة الحال يُعرف بأنه “جبان”، أي أنه يخشى أية عوائق أمنية أو سياسية أو قانونية في الدولة التي يتوجه لبدء استثماره بها، لذلك مثل تلك القرارات من شأنها أن تُولد لدى  المستثمرين تخوف من المجيء للاستثمار فى مصر والتفكير جيدا قبل اتخاذ هذا القرار. ومن ثم لابد على الحكومة أن تعلن أسباب ودلائل التحفظ حتى لا يُصبح التخوف مرسخ في عقول المستثمرين الذين يفكرون في المجيء إلى مصر، فما هي الضمانة في الوقت الحالي لأي مستثمر يرغب في بدء نشاط استثماري في مصر.

والملاحظ أن الحكومة تتخذ خطواتها بصورة عشوائية دونما أي تخطيط يُذكر، فحينما اتخذت الحكومة قراراً بإغلاق محلات راديو شاك وكمبيوتر شوب وموبايل شوب التي تستحوذ على 80% من سوق الإلكترونيات في مصر، هل خططت لتوفير بديل لتلك المنافذ؟، هل وضعت الدولة المستهلك في نصب أعينها وتعاملت معه على إنسان له الحق في المعرفة، أم أنها بدأت تنتهج سياسات تعسفية بحتة لا تأخذ في اعتبارها مصلحة المواطن المستهلك في تلك الدولة.

ومن ثم تعتبر تلك القرارات رسالة سلبية للدول الخارجية بأن مصر تؤمم الأموال وتطرد المستثمرين،  وفي حقيقة الأمر تلك الإجراءات التعسفية ضد الشركات وقرارات التحفظ على الأموال ليست ولية اللحظة، بل  بدأت نهاية 2013 واستمرت على مراحل خلال الأعوام السابقة، ومنذ بداية اتخاذ هذه القرارات؛ بدأ الاستثمار الأجنبي المباشر يحجم عن ضخ أموال جديدة للسوق المصرية، واضح جدا عكس ما تدلى به وزيرة الاستثمار من  تصريحات بأن الاستثمارات الأجنبية في ارتفاع مُستمر.

وبالنظر إلى الأرقام التى تعلنها وزيرة الاستثمار نجد أن 75% منها تلك الاستثمارات فى قطاع البترول والغاز الذى لا يتأثر بظروف البلد السياسية والاقتصادية كما أن الـ25% المتبقية عبارة عن استثمارات لا تفيد المواطنين مثل استحواذ الأجانب على شركات موجودة بالفعل أو شراء العقارات والأراضي أو زيادة رؤوس أموال شركات معينة، وكلها استثمارات لا تخلق فرص عمل للمواطنين يستفيدون منها، فأي استثمار أجنبي تتحدث الوزيرة عن زيادته الفترة المُقبلة؟، فالملاحظ خلال الفترة الماضية تراجع وتيرة استثمارات الدول العربية المتدفقة إلى مصر، حيث انخفضت مساهمة الإمارات إلى 5% في الربع الأول من 2017، مقابل 17% في الفترة المقابلة من العام 2016، وتركزت الاستثمارات الإماراتية خلال الفترة في مجموعة اللولو للتجزئة، ومجموعة ماجد الفطيم.

وكقاعدة عامة، لن يأتي مستثمر خاص ويضخ أمواله في مصر إلا وكان هدفه الأولي هو العمل بتلك القطاعات والمجالات التي تحقق له أكبر عائد استثماري ممكن وبأقل تكلفة ممكنة وفي أسرع وقت ممكن، وتلك الأهداف عادةً ما تتحقق في القطاعات المتعلقة بالتجارة السلعية أو تقديم الخدمات، وبخاصة السياحية، والاستثمار العقاري، والاستثمار في قطاع النفط والغاز، الذي يحقق وفرات مرتفعة للشركات النفطية العالمية. وقطاعي الطاقة والعقارات بصفة خاصة، هي من القطاعات الاقتصادية كثيفة استخدام رأس المال، ولن توفر مزيداً من فرص العمل التي تخفف من حدة مشكلة البطالة في المجتمع، فضلاً عن أن عوائد تلك المشروعات تأتي في صورة أرباح تعود بصورة رئيسية على أصحاب رؤوس الأموال، سواء محليين أو أجانب.

ونهايةً، نجد أن قرارات التحفظ على الأموال ستؤدى بطبيعة الحال إلى استمرار عزوف المستثمرين الأجانب عن دخول القطاعات الحقيقية الأساسية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية بالسوق المصري حتى لو أصدرنا قانون استثمار جديد. ولنا أن نتخيل مدى التأثير السلبى الذى يوقعه حبس رجال الأعمال أو مصادرة أموالهم على تدفقات الاستثمار على المستوى الإقليمي والعالمي، فمعظم الدول التي تجد مشكلة بينها وبين رجال أعمال بعينه؛ عادةً ما تقوم بعمل تسوية مادية وليس بتقييد حريته، فتلك الأمور مخيفة، بل مرعبة لرجال الأعمال الأجانب، لذلك زيادة قرارات مصادرة أموال رجال الأعمال والشركات، من شأنه أن يُحد من الاستثمارات الحقيقية في مصر، وبالتالي تتحول مصر إلى مُتلقي للأموال الساخنة فقط، وهي رؤوس الأموال سهلة التسييل بغرض الخروج من الدولة.