الكاريكاتير والسياسة.. تشريح ظاهرة الإسلاموفوبيا في رسوم تشارلي إبدو - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
الكاريكاتير والسياسة.. تشريح ظاهرة الإسلاموفوبيا في رسوم تشارلي إبدو

الكاريكاتير والسياسة.. تشريح ظاهرة الإسلاموفوبيا في رسوم تشارلي إبدو




تسعى تلك الورقة البحثية إلى التعاطي مع فن الكاريكاتير كأداة من أدوات التنظير السياسي، حيث تجعلنا نتجاوز الوهلة الأولى التي يصدرها الطابع البسيط والسلس والموجز لفن الكاريكاتير بمفاهيم جماهيرية اعتيادية إلى النظر في ذلك الطابع بما يمنحه من إمكانات غير تقليدية للتحليل السياسي عبر تحليل مضمونها والدور الذي يلعبه كأداة من أدوات الخطاب السياسي.

وعليه تعمد تلك الورقة إلى طرح تساؤل رئيسي هو: كيف يمكن لفن الكاريكاتير أن يكون أداة للتنظير السياسي؟ ومن هنا يتم طرح عدد من التساؤلات الفرعية المساعدة على فهم الوظيفة التنظيرية للكاريكاتير السياسي وهي:

كيف يشكل الطابع الساخر والنقدي اللاذع للكاريكاتير دلالة سياسية جادة؟ وكيف يمكن هيكلة الطابع البصري وتوظيفه في تصدير رسالة أو مغزى سياسي معين؟

 

أولاً – الكاريكاتير والتنظير السياسي:

نسعى في هذا القسم من الورقة البحثية إلى تشريح تلك الإمكانات التي يمنحها الطابع الفني والخصائص ذات الذائقة الجمالية لفن الكاريكاتير من قدرات وفرص بإمكانها أن تمثل أدوات للتنظير السياسي أكثر استبصاراً وعمقاً وأكثر قدرة على التحليل من خلال قدرتها على تجاوز الواقع السياسي بتلك السمات الخاصة بطبيعتها الفنية الخيالية إلا أن استثمارها في التنظير السياسي يجد له تطبيقات عدة.

الطابع الرمزي للكاريكاتير السياسي:

يتسم الكاريكاتير بكونه رسوم رمزية مليئة بالإشارات المركزة والإيحاءات الضمنية التي تحمل معها إشارة ساخرة لكنها لاذعة بشأن مسألة محددة وبشدة، إلا أنها تكون هي المغزى وراء ذلك التعبير لكنها تأتي متخفية وراء الدعابة، لذا تمنح تلك الرمزية التنظير السياسي فرصة للتحليل عندما يتمكن الباحث أن يفهم تلك الموازنة التي يقدمها الكاريكاتير؛ بين ما يعبر عنه الكاريكاتير من حقيقة، وما يسعى لإضفائه من طابع خيالي بالسخرية أو الصورة التي تكون محاولة للتخفيف من وطأة تلك الحقيقة أو ربما التواري خلف ذلك الخيال.

 الطبيعة المتماهية للكاريكاتير السياسي:

 

تشكل تلك الخاصية دوراً هاماً في التحليل السياسي حيث تمنح الباحث والمحلل لتلك الرسوم فرصة أكبر من فرص الـتأويل بما تصنعه من تماهي ومزج في رسالتها بين العام والخاص، بين الداخل والخارج، وبين المحلي والعالمي، وما بين الجاد والهزلي. يرجع طبيعة تلازم تلك الخاصية بفن الكاريكاتير كذلك إما لوجود تخوفات من علانية التصريح بالمدلول المقصود أو بسبب طبيعة الفن غير المباشرة عادة في التعبير.

 الطابع البصري للكاريكاتير:

يمنح عنصر الصورة التي يتسم بها فن الكاريكاتير طاقة تعبيرية أكثر تأثيراً وتعبيراً وتجاوزاً من تلك الطاقة التحليلية المقننة في حدود الكلمات والتعبير اللغوي، حيث تصبح أكثر سرعة في الوصول للهدف منها، رغم ما قد يصيب هذا الهدف من تدفق الاحتمالات التأويلية ذات النهايات المفتوحة وفقاً للطاقة التحليلية للباحث إلا أن تلك الطبيعة رغم صعوبتها للتنظير والتحليل السياسي كونها مراوغة إلا أنها تمنح التنظير السياسي مساحة ثرية للاستبصار والتحليل.

يتسم كذلك الطابع البصري بكونه موجه لجمهور وفئة أعرض بكثير من فئة الجمهور القاريء أو المثقف أو المحلي فقط، وينعكس ذلك في التنظير السياسي في عداد مستويات التحليل التي يفردها الباحث في تفسيره للمستهدف من ذلك الخطاب، والهدف من وراءه، وإمكانات تأثيره.

ثانياً- الكاريكاتير والحركة السياسية:

تتجاوز إمكانات الكاريكاتير السياسي التأثير في حدود استخدامه كأداة للتنظير السياسي أي على المستوى الفكر والتنظير الأكاديمي إلى الانتقال للتأثير المباشر في الواقع السياسي بقدرتها على تحريك ذلك الواقع والتعاطي مع أحداثه الكبرى، من خلال كونها قادرة على  تخليق قدرة على الفعل السياسي.

ومن بين أكثر النماذج دلالة على ذلك ما يمكن أن نسوقه هنا من تأثير فن الكاريكاتير في حركة المقاومة الفلسطينية مثال الفنان الفلسطيني ناجي العلي ورسومه التي مثلت تأثيراً كبيراً في القضية الفلسطينية وتعرض للاعتقال من قوات الاحتلال الإسرائيلية ومن الجيش اللبناني، وقد اشتهر بشخصيته الشهيرة حنظلة التي جسدت بوصف ناجي العلي أيقونة الانهزام والضعف في الأنظمة العربية، وتم اغتيال ناجي العلي في يوليو 1987 بلندن.

يمكن كذلك الإشارة إلى نماذج أخرى للكاريكاتير السياسي التي لعبت دوراً هاماً في الدفع بالحركة السياسية على مستوى عالمي منها الصحف الكاريكاتورية الفرنسية خلال الفترة ما بعد عام 1848م أثناء فترة حكم نابليون الثالث، فقد زادت حساسية الحكومة الفرنسية تجاه الحركات الفنية الناقدة لسياستها الخارجية من خلال رسوم الكاريكاتير عدا تلك التي تعزز سياستها الخارجية وتدعمها، فقد سمحت للرسوم الكاريكاتورية المهاجمة لروسيا وقت أن بلغت حرب القرم ذروتها.

كذلك خلال الفترة 1870، كان على الصحف الكاريكاتورية أخذ تصريح لنشر رسوم ناقدة لبعض القادة الأجانب مثل الإمبراطور الألماني أو القيصر الروسي.

ثالثاً- الكاريكاتير والخيال والتنظير السياسي:

يسعى هذا التحليل إلى تشريح بعض الرسوم الكاريكاتورية لجريدة شارلي إبدو، سعيًا لإدراك دور الخيال في التنظير السياسي، حيث يساهم الخيال بدور فعال وكفء في إثراء كل من العلوم السياسية على مستوى التحليل والتنظير وكذلك السياسة على مستوى الممارسة.

تكمن أهمية الخيال بالنسبة للعلوم السياسية خاصة التنظير السياسي فى كونه كاشف له عن مستويات مختلفة من التحليل، فيزوده بذلك بالعديد من التأويلات والتفسيرات التى تعمق بالضرورة من كفاءة التنظير وإثرائه بأدوات ومنظورات غير تقليدية على المستوى المنهاجي، كذلك تسهم في فهم أعمق للظاهرة السياسية وإمكانات التغيير في الواقع السياسي.

يمثل كذلك الخيال دور محوري ليس فقط في فهم الواقع لكن في تجاوز ذلك الواقع والتسامي عليه سعيًا لإدراك ما وراء الظاهرة المكشوفة وصولاً لما هو غير مدرك، والكشف عنه ما يكشف لنا عن مساحات جديدة لا تصل إليها الأكاديميا بأدواتها العلمية المنضبطة ونظرياتها التى قد لاتلائم بالضرورة ديناميكية الظاهرة الإنسانية واتسامها الدائم بالتغير والخروج عن التنميط والثبات، كما تفتح العناصر الخيالية الأفق السياسي ليس فقط فيما يتعلق بمجال التنظير بل فيما يتعلق بالتغيير في الواقع وكيفية خلق رؤية تتيح بالفعل التغيير من أسفل كما ظهر ذلك في السياسيات الجديدة للحركات الاجتماعية وكيف استخدمت عناصر الخيال على مستوى الخطاب السياسي والتعليمي والتثقيفي في تحريك المجتمع المدني مثال ذلك حركة زاباتيستا Zabatista Movement بالمكسيك منذ عام 1994، التي ارتكزت بالأساس على الخيال في الخطاب الثقافي السياسى “The political imagination in the cultural political discourse”، حيث يستخدم الخيال والتأثير باستخدام الكلمات التى تحمل في طياتها تأويلات مختلفة قد تلهم الشعوب وتحفزهم وتستثير حميتهم نحو التغيير، وكذلك قد تكون تلك الكلمات ذات رسائل وأبعاد موجهة لمختلف مستويات الفاعلين السياسيين سواء كان ذلك داخل الدولة أو علي مستوى الدول والسياسات العالمية.

يُعد كذلك من بين أهم أسباب أهمية الخيال على مستوى التنظير السياسي هو إتاحة الخيال مساحة أوسع للباحث السياسي من استخدام الأقنعة التي تجعله قادرًا على تقديم النقد والفحص والكشف عما لا يجرؤ أن يقوله بمباشرة، حيث يتمكن حينها من أن يُطلق أفكاره دون قيد وإنما يُغلفها بخياله سعيًا منه للإفصاح عن تحليله وكشفه لظواهر قد تكون نقدية للسلطة أو الدولة أو المجتمع.

رابعاً- تشريح ظاهرة الإسلاموفوبيا في رسوم تشارلي إيبدو:

 نبذة عن العمل الفني:

 

تتعرض هذه الورقة بالتحليل لبعض الرسوم الكاريكاتورية التي نشرت بجريدة تشارلي إبدو، التي يعبر تحليلها عن مفهوم كامن فى الوعي الغربي أو الحضارة الليبرالية الغربية بشكل عام رغم كونها داعية وراعية لثقافة التعددية والحريات وقبول الآخر، ورغم ما يسترعيه الغرب من انتباه نحو ثقافة ليبرالية تعددية إلا أن تلك الرسوم بما تحويه من خيال ساخر تكشف لنا عن ملامح التخاصم مع هوية الآخر المسلم وظهور الإسلاموفوبيا في أعمالهم التي ترى في كل ما هو مسلم إرهابي، كما نستعرض في تلك الأعمال تباعًا ما خلفته من تداعيات على السياسة العالمية كحادث تشارلي إبدو في يناير 2015، كذلك حادث هجمات باريس في نوفمبر2015، وكذلك اشتهرت جريدة تشارلي إبدو برسومها ذات الطابع الساخر اللاذع تجاه الإسلام والمسلمين، فدائماً ما تميل إلى نقد المقدسات الدينية لدى المسلمين والسخرية من رموز ذلك الدين سواء طقوس دينية أو من الأنبياء أو من العبادات, كذلك تقاليد الحضارة الإسلامية .

يعد كذلك من بين ما يجب أن يذكر هو اشتهار الجريدة بذلك الطابع الساخر من العقائد حتى تجاه المسيحية واليهودية، فقد انتقدت الكنيسة وبابا الفاتيكان من قبل وسخرت من الراهبات وطقوسهن، كما تنتقد كذلك اليهودية وتعتمد دائماً ذلك الطابع “Theme” في تعاملها مع الدين.

ترد جريدة تشارلي دائماً عن تلك الانتقادات الموجهة لها بكون أنها تعمل داخل فرنسا في ظل نظام يتبنى العلمانية، وأنها تعمل وفقاً للقانون الفرنسي العلماني وليس وفقا للقانون السماوي، لذا فمن خلال الأعمال التي سيرد طرحها هنا للتحليل سنجد ذلك الطابع الحاد من التعبير عن أحقيتها في النقد للدين والسياسة، وفي أحقيتها في التعبير بكافة أشكاله وبدون قواعد تملكها سوي اعترافها بحقها في التعبير والإبداع .

يلاحظ من خلال ذلك أنها تنتهج ما تقوم به الجرائد الصفراء من تناول التابوهات الثلاثة من دين وجنس وسياسة، والعمل علي التأليف والتوليف بين تلك القضايا سعيًا لتحقيق قدر من الإثارة، وكذلك يمكن رصد مفهوم المقاومة وإمكانيات التلذذ به عند تصديها لتلك القضايا حيث تستمر في ذات النهج حتى بعد كل عملية تفجيرية أو إرهابية تتعرض لها.

 الدلالات والإسقاطات السياسية في العمل الفني:

 

يمثل العمل الأول إحدى الرسوم المركزية ذات الدلالة عند الحديث عن دور الخيال المتمثل هنا في الفن الهزلي في إبراز الأفكار الكامنة في العقل الغربي اتجاه الإسلام والمسلمين، ومدى رسوخ مفهوم الإسلاموفوبيا في الوعي السياسي والثقافي لديهم، حيث يرجع هذا العمل الذي نشر في جريدة تشارلي إبدو في 2006 بينما كان تكرارًا لما نشر من قبل في الجريدة  الدنماركية يولان بوستن Jyllands- posten””، وفي العمل تم تصوير النبي وهو يبكي متبرئًا من الإسلامين الأصوليين وما يرتكبونه بأسمه من أعمال إرهابية كدفاع عنه وعن الإسلام، وبأنه من السييء أن يكون محبوبًاً من حمقى، وهنا يمكن أن نتجه نحو تحليلين:

 الأول: يتمثل في تحدي تشارلي إبدو المفهوم والمعتقد الديني لدى المسلمين بحرمانية تجسيد الرسول ورسمه أوالتصريح بشكله فقامت بإعادة نشره بعد 6 شهور من نشره في جريدة يوستين بولاند، في محاولة لدحض فكرة فلسفية ربما تتمثل لديهم في مقاومة التقاليد والعادات.

 التأويل الثاني: هو حرية الرأي والتعبير والإبداع التي لا تقبل وجود مناطق محظورة للحديث عنها، ظهر ذلك الهاجس كذلك فى العديد من الإسكتشات التي ظهرت في مكاتب الجريدة في محاولة لتصور شكل للرسول بينما هي في الواقع محاولة لكشف وكسر حاجز الخوف، وكذلك مقاومة فكرية لمفهوم كامن في أذهان الغرب ألا وهو الإسلاموفوبيا.

نجد هنا بنية القوة في العمل الفني مستمدة من قوة الحضارة الليبرالية الغربية بإرثها الليبرالي التعددي الذي يعطي لتلك الحضارة الحق للدفاع عما اعتبرته صنيعتها من حريات وقيم وثقافة لها حق الهيمنة، ومن الممكن كذلك تأويل ما تم التعبير عنه بشكل غامض، وهو رسم دون وجه وملامح أي أنه مزعم آخر من مزاعم الاحترام لثقافة الآخر، في حين أنها تقاوم بسلاح ساخر قواعد ثقافة وقيم الآخر الذي تراه إرهابيًا خارجًا عن منظومتها الثقافية والقيمية وكذلك السياسية فتسعى لاستخدام السخرية كقناع يُخفي وراءه ما هو كامن من توجهات تجاه الآخر، وتصدير صورتها كحضارة كبري راعية للحضارات الأخرى.

ويمكن كذلك الإشارة إلى مفهوم تخاصم الهويات الذي أشار إليه تشارلز تايلر في تحليله لمسائل التعدد والاختلاف في النظم الليبرالية الغربية حول أن الحضارة الليبرالية الغربية التي تدعو للقيم الداعمة للحريات وقبول الآخر قد تكون هى الصانعة لهويته المعادية لتلك القيم، وكذلك قد تكون هي التي ترسخ لهويته العنيفة برفضها لقيمه وهويته.

تثير كذلك تلك القضية مسألة هامة حول إعادة بحث العلاقات داخل المجتمعات الليبرالية وإلى أي مدى تلتزم تلك المجتمعات بالمعايير التي تحاكم بها الآخر، كذلك تعيد فتح مسائل الأقليات العرب والمسلمين داخل فرنسا، لاسيما القانون الجديد الذي يجرم ارتداء البوركيني على شواطىء فرنسا، وما قامت به الشرطة الفرنسية من إجبار لإحدى النساء المحجبات بخلعه على الشاطيء.

يدفعنا ذلك إلى فحص علاقات القوة بين الأنظمة ذاتها العربية والغربية، ومدى غلبة الحضارة الأقوي كنظام دولي وكثقافة مهيمنة، ويثير التساؤلات عمن يخضع لثقافة الآخر, وعن محددات تلك العلاقة و طرق المقاومة هل ستكون مقاومة ثقافية أم تستلزم غلبة مادية.

أما العمل الثاني، فقد نشر في 2013 عقب سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر وسقوط نظام مرسي، حيث يصور أحد الإخوان المسلمين وهو ممسك بالقرآن كواقٍ له من الرصاص وقد كُتب تعليق “غير قادر على وقف الرصاص.” بالإشارة للقرآن، وفي هذا دلالة سياسية ومحاولة لكشف الاتجاه الفكري للإخوان المسلمين حيث أن رسم القرآن كواقٍ له من الرصاص قد يرمز لمحاولة الإخوان المسلمين دائمًا استخدام الدين في حماية مصالحهم بغض النظر عن الرسالة الدينية، كما يُشير كذلك إلى عدم مصداقية تلك الجماعة في التعامل مع الدين واستغلالهم له فى مآرب السياسة وتصديرهم للدين حال تهديد سلطتهم.

يمكن لنا هنا رؤية بنية السلطة التي ترغب شارلي باستخدام الرسوم الساخرة في تهديدها حيث ترتكز على ما هو مقدس غير قابل للمساس ألا وهو الدين، بينما تعمد الرسوم على تقويض تلك السلطة وإظهار أساسها الواهن.

تُعبر كذلك الرسوم عن علمانية اتجاهها وهو فصل الدين عن السياسة حيث ترغب في ترسيخ عدم جدوى الدين في شئون السياسة وقد ظهر ذلك من خلال العبارة ” القرآن غير قادر على وقف الرصاص”، كذلك تظهر بعض الجوانب الجمالية في الصورة كدلالة اللون الأحمر على الأحداث الدموية التي تسبب فيها إدخال الدين في السياسة، كما تظهر كذلك في طريقة إمساك ذلك الإسلامي بالقرآن كمجرد أداة وقائية لا يقدسها أو يخشى عليها كما كان يروج وإنما مجرد أداة مادية لوقايته.

أما العمل الثالث، فظهر على غلاف المجلة في ذكرى حادث شارلي إبدو، وهنا جاء التجسيد لمفهوم الإسلاموفوبيا أكثر وضوحا حيث مثلت صورة الإله وهو يحمل سلاحًا في إشارة لأفكارهم حول اقتران الإسلام بالإرهاب، واقتران الإسلام كحضارة بثقافة العنف والعدوان.

نجد هنا إعادة تجسيد ورسم الصورة النمطية للإسلام كحضارة إرهاب، وكذلك إعادة إنتاج وتصدير نفس المفاهيم للعالم في كل محاولة تسنح لهم بالتعبير عن تلك الفكرة المسيطرة تجاه الإسلام، رغم ما أثير في أعقاب أحداث تفجير تشارلي إبدو فى  يناير 2015 و نوفمبر من العام ذاته عقب هجمات باريس، ويجسد ذلك العمل جرأة أكبر فى استباحة مقدسات الإسلام ودرجة أكبر في التعبير الكاشف من خلال تجسيد الله، في محاولة لاستخدام الأداة الساخرة في مقاومة ما يرونه من جانبهم إرهابًا وكذلك إمكانيات فرض سلطة فكرية تستنهض مقوماتها من قيم حضارتها الليبرالية حول الحريات وحقوق التعبير والرأى والإبداع، يلفت كذلك ذلك العمل النظر إلى الرغبة المستمرة لدى الجريدة في المقاومة وليس المقاومة وفقط وإنما تصعيد المقاومة بمزيد من الاستباحة للمقدسات.

أثارت تلك الرسوم وغيرها من الرسوم التى تناولت بالسخرية موقفها من الإسلام وما أثارته من حوادث إرهابية  التى كانت بمثابة أزمة كاشفة عن تجذُّر الإسلاموفوبيا ليس فقط في باريس وإنما كأحد الأزمات الكامنة في قيم وثقافة الحضارة الليبرالية الغربية لا تفصح عنها علانية، وإنما يتسنى لنا تحليلها من تناولها لأزمات كاشفة بعلاقتها مع “الآخر”، فتكشف لنا عن ازدواجية المعايير بل تناقضها بالكامل و كذلك عن أزمات الهوية وكيف تخلق الحضارة الليبرالية بذلك  الهويات القاتلة التي تدعي أنها صنيعة الحضارة الإسلامية.

تكشف لنا تلك الأزمات التي نعمد لتتبعها هنا إلي العملية التي تقوم بها الحضارة الليبرالية الغربية لإعادة رسم وإنتاج صورة نمطية للإسلام كحضارة إرهاب وكيف تقوم بتصديرها للعالم وترسيخها في الثقافات العالمية، كذلك نتناول هنا كيف أن تلك الأحداث وهي تشارلي إبدو وهجمات باريس كيف تم فيهما إعادة إنتاج أحداث 11 سبتمبر مرة أخري، وكيف فتحت الباب أمام مساءلة فرنسا عن أوضاع الأقليات العرب بها خاصة المسلمين.

الخاتمة:

نخلص من ذلك التشريح السابق تفنيده من خلال تحليل دلالات وتأويلات ذات احتمالات عدة للرسوم الكاريكاتورية لجريدة تشارلي إبدو الفرنسية إلى فرضيتنا الرئيسية التي تم الارتكاز عليها في بنية تلك الورقة وهي قدرة الخيال السياسي الذي يحرر من خلال الرسوم الكاريكاتورية على منح الدراسة الأكاديمية للتنظير السياسي وللظواهر السياسية طاقة تحليلية واسعة وقدرة عميقة على التأويل والاستبصار خلال مستويات تحليل تتجاوز تلك المستويات الظاهرة والمباشرة إلى أخرى غير مباشرة ومستترة إلا أنها رغم ذلك قد تكون الأكثر دلالة على الحقيقة، وأكثر دقة في رؤيتها للظاهرة كونها تجد ما يمنحها الستار لتنفذ من وراءه بحقيقة قد لا يمكن فهمها وتشريحها بواسطة الأدوات والمناهج التقليدية في التنظير والتحليل السياسي التي لا تمتلك بطبيعتها تلك المرونة التي يمنحها الخيال السياسي للرسوم الكاريكاتورية، كذلك، يمنح الخيال قناعاً يمكن من وراءه التعبير عن تلك الرؤى والأفكار والقضايا ذات الطبيعة الحساسة التي لايمكن التعبير عنها صراحة وبجرأة لكن يصبح من الممكن من خلال قدرة الخيال على التعالي على الواقع دون الانفصال عنه أو الهروب منه.

————————————————————————————————–

الهوامش

  1. Lee Cynthia Baily,. A Semiotic Analysis of Political Cartoons. Cambridge: Cambridge University press, 2003) p—.

  2. Lawrence H. Streicher, On Theory of Political Caricature. Comaparative Studies in Society and History. Vol.9, Issue4, 1976 pp.427-430.

  3. Lee Cynthia Baily, Ibid, pp. 430-435.

  4. Christopher J. Gillbert, Return of the Ridiculous or Caricature as Political Cliché, Communication, Culture, and Critique. September 2014, vol.7, issue3, pp. 390-395.

    Arjan Al Fasseed, Naji al-Ali: The Timeless Conscience of Palestine, The Electronic Intifada, 22July 2004, Available on: https://electronicintifada.net/content/naji-al-ali-timeless-conscience-palestine/5166

  5. Robert Justin Goldstein, Political Caricature and International Complications in Nineteenth Centurty- Europe, Michigan Academican, Volume xxx, March 1998, pp. 107-122. Available on: http://www.caricaturesetcaricature.com/article-10259459.html

  6. Claude Bellanger et al., Histoire Générale de la Presse Française, vol. 2 (Paris: Presses Universitaires de France, 1969), 352; Mary Lee Townsend, “Language of the Forbidden: Popular Humor in ‘Vormarz’ Berlin.” (Ph.D. diss., Yale University, 1984), 277, 281; Moshe Carmily-Weinberger, Fear of Art: Censorship and Freedom of Expression in Art (New York: Bowker, 1986), 157.

    Archives Parlementaires de 1787 à 1860, vol. 98 (Paris: Paul Dupont, 1898), 407, 741, 744; Journal Officiel (hereafter JO), 8 June 1880, 6212-13.

    David Kunzel, The Early Comic Strip: Narrative Strips and Picture Stories in the European Broadsheet front c. 1450 to 1825 (Berkeley: University of California, 1973), 443.

  7. Hillier, 45; Robert B. Holtman, Napoleonic Propaganda (Baton Rouge: Louisiana State University Press, 1950), 166.

  8. Ibid.

  9. Stanley Applebaum, French Satirical Drawings from “L’Assiette au Beurre,” (New York: Dover, 1978), xiv; Hillier, 118.

    K. Bruhn, Antonio Gramasci and the Plabra Verdadera:The Political discourse of Mexico’s Guerrilla Forces. Journal of Interamerican Studies and World Affairs, Vol.41,No.2, 1999. Pp29-30.

  10. Rich, P. and De Los Reyes, G., Mexican Caricature and the Politics of Popular Culture. The Journal of Popular Culture, (1996) Vol (30). Pp. 133–145. doi:10.1111/j.00223840.1996.00133.x

  11. Lee C.Machdonald. . Myth, Politics and Political Science ,The western Political Quarterly,Vol22, No. 1, 1969, P141-144.

  12. C. Elliot “The readers’ editor on… the Guardian’s values and Charlie Hebdo’s cartoons of Muhammad”, The Guardian, (19 January 2016), Available on: http://www.theguardian.com/commentisfree/2015/jan/19/guardian-values-charlie-hebdo-cartoons-muhammad

    سايد مطر، (2015 ). مسائل التعدد والاختلاف في الأنظمة الليبرالية الغربية: مدخل لدراسة أعمال تشارلز تايلر، القاهرة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص18، ص186-188

  13. Charli Hebdo, 5 Febrauary 2006, P.the cover.

  14. Charlie Hebdo, 10 July 2013, No. 1099,P. the cover.

  15. Charlie Hebdo, 10 January 2016,No.-,P. the cover.