بن سلمان في تل أبيب.. إسرائيل تبارك العرش السعودي؟! - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
بن سلمان في تل أبيب.. إسرائيل تبارك العرش السعودي؟!

بن سلمان في تل أبيب.. إسرائيل تبارك العرش السعودي؟!




على الرغم من اتساقها مع السياقات الحاكمة للتحالف السعودي-الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، وتسارعه لنحو غير مسبوق في العاميين الماضيين، فإن ورود أنباء عن زيارة أمير سعودي “من البلاط الملكي” لإسرائيل قد تكون مفاجأة للكثيرين. لكن على الرغم من هذا التناقض الظاهري، فإنه منذ أمس يدور حديث في أروقة الصحافة والإعلام وكواليس الساسة في تل أبيب عن أن هذا الأمير الكبير هو ولي العهد في السعودية محمد بن سلمان وهو إن صح فهي بالطبع مفاجأة قد تنبئ بالكثير من التغيرات المستقبلية التي بجوارها تتقزم كافة أشكال وفعاليات التقارب والتحالف بين دول عربية وإسرائيل في السنوات الأخيرة.

تبدأ القصة من خبر أذاعه “راديو إسرائيل” عن أمير مهم من “البلاط الملكي  السعودي” زار تل أبيب الأسبوع الماضي؛ في زيارة غير رسمية تم التكتم عليها ولم تكن المكاتب الرسمية أحد محطاتها بل أحد الفنادق في تل أبيب، وأنها لم تستغرق سوى ساعات قليلة، ولم تنفها المصادر الرسمية ممثلة في مكتب رئيس الوزراء والخارجية وإنما اكتفوا بعدم التعليق تاركين الأمر للتكهنات ثم للتسريبات في الوسط الإعلامي ث، وهي دورة اعتيادية. وهو خبر لم يعد يثير دهشة الإعلام الإسرائيلي في ظل مناخ تقاربي وحتى  تنافسي شهد لقاءات منوعة بين السرية الرسمية بين مسئولي إسرائيل ودول خليجية على رأسها السعودية والإمارات، لكن الجديد أنه تم في تل أبيب على عكس الغالب؛ حيث كان دوماً يتم في دولة ثالثة أو في فاعلية غير حكومية وبين مسئولين سابقين بدرجات استشارية حالية.

هنا يكمن السبب الأهم والأدعى لاهتمام الإعلام الإسرائيلي بزيارة “الأمير صاحب السمو الملكي” الذي زار تل أبيب مؤخراً وليس بسبب جنسيته فقط، فشخص بمستوى منصب بن سلمان كولي للعهد، والملك الفعلي للسعودية يعطي دفعة قوية لمنهجية تفاخر مسئولي الحكومة الإسرائيلية وعلى رأسهم نتنياهو، بمدى العمق والقوة التي وصلت لها العلاقات بين تل أبيب وعواصم عربية بخلاف القاهرة وعمان، وذلك في ظل حالة من الجدال والمناقشات في أروقة  السياسة والإعلام أن إنجاز حكومة نتنياهو الأهم على مستوى الخارج هو تطور العلاقات بين الكيان الصهيوني ودول عربية لآمدية ومستويات غير مسبوقة، وهل هذا “الإنجاز” كفيل بتحييد أكبر المخاطر على أمن ومستقبل ووجود إسرائيل كما يدعي نتنياهو، أم أنه مجرد “إنجاز” إعلامي دون تحقيق أي فائدة سياسية تقلل بالحد الأدنى من الأخطار المتزايدة حول إسرائيل.

مؤسسة ومديرة تحرير موقع “المصدر” الإسرائيلي، غردت على تويتر قائلة “زيارة بن سلمان لإسرائيل توازي في أهميتها زيارة السادات”. هذا الأمر بخلاف الجدال السابق في الداخل الإسرائيلي، وتأثير زيارة بن سلمان المفترضة عليه، فإنه يشير بشكل مباشر لمرحلة جديدة في العلاقات/الصراع العربي الإسرائيلي منذ نشأة الكيان الصهيوني، التي شكلت زيارة السادات للقدس 1977 نقطة تحول هي الأهم حتى التحالف الحالي القائم بين تل أبيب وعواصم خليجية تلتحق بها باقي الدول التي تدور في فلكهم، بما يتجاوز حتى العلاقات الرسمية بين الكيان وبين مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، أو بالأحرى هي خارج ما يخص القضية الفلسطينية، التي شكلت المحور الرئيسي بين تل أبيب والقاهرة بعد معاهدة السلام طيلة الثمانينيات والتسعينيات، أما الأن وحسب وتعليق الإذاعة العبرية أتت الزيارة في توقيت تهتم فيه تل أبيب بتحقيق “مصالح السلام الإقليمي بعيداً عن مشكلة الفلسطينيين”، وهو ما يتطابق مع تصريحات نتنياهو المتواترة مؤخراً عن مدى العلاقات الجيدة والغير مسبوقة مع دول عربية، مشيراً في اجتماع “الكابينت” – المجلس الوزاري- المصغر الأسبوع الماضي أن” التعاون بين إسرائيل ودول عربية لم يسبق له مثيل في تاريخ الدولة حتى بعد توقيع اتفاقيات سلام مع بعض من هذه الدول (..) هذا تطور عظيم يتخطى عقبة عدم التوصل لتسوية مع الفلسطينيين قد تكون غير مقبولة لمعظم الإسرائيليين”.

وعلى أن لقاءات بين مسئولين من دول مجلس التعاون ومن السعودية تحديداً كانت أمر اعتيادي ودوري في السنوات الأخيرة في ظل مناخ التقارب والإفصاح عنه في الآونة الأخيرة بشكل منهجي، فإن زيارة بن سلمان لتل أبيب إذا ما صحت فإنها لا تعكس فقط مدى تعمق العلاقات بين تل أبيب والرياض بدواعيها المتغيرة والثابتة، ولكن أيضاً ارتباط مصير الطرفين بعضهم البعض في ظل واقع جيوسياسي يتغير على نحو ليس مؤقت ولكن استراتيجي يميل لغير مصلحة الحليفين بتصريحات مسئولي الرياض وتل أبيب بمن فيهم نتنياهو، ورئيس جهاز “الموساد”، وغيرهم من الساسة والعسكريين والأمنيين؛ حيث تأسيس تواجد إستراتيجي لمحور المقاومة لمرحلة ما بعد هزيمة داعش، وإجهاض سيناريوهات تغيير جغرافي واستراتيجي يصب في مصلحة إسرائيل والسعودية وغيرهم من حلفاء واشنطن في سوريا العراق، ليتضح أن العكس هو ما حدث في الأشهر الأخيرة من الحرب في سوريا والعراق، حيث أسست إيران وحلفائها واقع جديد مستدام مفاده لا يقف فقط عند استعادة الأرضي المحاذية لفلسطين المحتلة من قِبل الجيش السوري وحلفائه، ولكن التمركز العسكري لمحور المقاومة بشكل استراتيجي في سوريا، غيته وبوصلته إسرائيل، وهو وما يؤسس لواقع تصبح فيه مقدرات المقاومة العسكرية واللوجيستية مضاعفة على نحو غير مسبوق؛ فبعد أن كان الأمر يقتصر على محدودية نقل السلاح والمعدات عبر سوريا إلى لبنان، والعكس منذ أواخر 2012، صار الأن محور جغرافي استراتيجي يربط طهران ببيروت الأراضي العراقية والسورية.

هذه المتغيرات الاستراتيجية بشكل عام يمكن تلخيصها في واقع جيوستراتيجي جديد ولوجيستي مفاده أن الطريق من طهران لبيروت مروراً ببغداد ودمشق صار معبداً أمام إيران وحلفائها وحركات المقاومة المختلفة، التي تجعل حزب الله بعبارة وردت في التقرير السنوي الخاص بالفرص والتهديدات قبل عامين “قوة في حجم دولة تهدد إسرائيل بشكل وجودي تخطى المعالجة الأمنية والعسكرية وإمكانية الردع المتبادل”، وبالتالي فإن هذا الأمر على مقياس أعم يشكل كابوساً لدى صانعي ومتخذي ومقدري القرارات في الكيان الصهيوني.

هذا الأمر لا يشكل قلقاً لدى إسرائيل فقط، وإن كانت تختص بقدر أكبر من حيث البُعد الوجودي وحدية الصراع بينها وبين محور المقاومة، ولكن أيضاً يشكل قلق للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة بمقاييس مختلفة من حيث المصالح والفرص والمخاطر، وتولد عن هذا القلق في الشهور الأخيرة سلسلة من الإجراءات بين التحدي والاستجابة للحيلولة من تحقق واقع جيوستراتيجي جديد يصل بين طهران وبيروت، أي أن لا يكون هناك عائق في شكل دولة أو نظام أو جماعة أو كيان يعطل أن تكون الجغرافيا الواصلة بين العاصمتين خالصة لمحور المقاومة، وانعكاسات ذلك على مستوى لوجيستي يضاعف المخاطر التقليدية على إسرائيل لأمديه غير مسبوقة، ويضعف أيضاً من موقف واشنطن على مقياس إقليمي في تحقيق مصالحها بالشكل الأمثل، فيما يحد من مساعي الرياض وأبوظبي في التصدي للنفوذ الإقليمي لطهران، بل ويعقد كافة خطواتهم لتحجيم هذا النفوذ سواء بشكل منفرد أو تحت مظلة واشنطن، أو بالتحالف مع إسرائيل.

وبخلاف الصورة العامة السابقة، والمتعلقة في جوهرها بمتغيرات المنطقة، فإنه على مستوى داخلي في كل من السعودية وإسرائيل، وكذا في علاقاتهم الثنائية يقف الأمر عند معطيات جديدة لا يمكن تجاهلها؛ مثل قُرب تولي محمد بن سلمان الحكم بشكل رسمي، وهزيمة إسرائيل في خلق بيئة جغرافية حليفة أو محايدة على حدود فلسطين المحتلة شمالاً وشرقاً بدافع من توظيف واستثمار ما حدث بعد 2011 وصولاً لداعش، بل تعززت هذه البيئة المعادية لدرجة جعلت فخر نتنياهو الأبرز على المستوى الخارجي المتعلق بتطور العلاقات مع دول عربية غير مكافئ للتطورات الاستراتيجية الأخيرة التي أنجزها محور المقاومة في سوريا ولبنان والعراق، وهو ما يحتم رد فعل من جانب تل أبيب والرياض بشكل أصيل وكذلك كونهم المرتكز الأهم للوكالة الأميركية في المنطقة.