مصر والعراق.. نحو مزيد من التعاون والتكامل من جديد - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
مصر والعراق.. نحو مزيد من التعاون والتكامل من جديد

مصر والعراق.. نحو مزيد من التعاون والتكامل من جديد




يشكل التقارب المصري العراقي نمط جديد من التفاعلات قيد التشكل، وبات لمصر فرص أكبر للعب دور أكبر في العراق، هذا الدور تحتمة المصلحة الوطنية المصرية، والمتغيرات الإقليمية والدولية التي باتت جلية بعد تراجع الدور الأمريكى فى العراق، وتزايد النفوذ التركى بل احتلاله جزءاً من الأراضى العراقية، علاوة على ذلك أن العراق لايزال ساحة رئيسية لمواجة إرهاب داعش الذى امتد لقلب سيناء.

لاشك أن الترحاب العراقي بالدور المصري على المستويين؛ الرسمي والشعبي، يمثل مرتكزا لهذه التفاعلات، إذ تضرب العلاقات المصرية العراقية في عمق التاريخ، وهناك تعاون كبير على كل المستويات؛ السياسية والاقتصادية بل وتطوير بعض نظم الأسلحة، كذلك شاركت مصر والعراق، فى إنشاء مجلس التعاون العربى عام 1989 مع اليمن والأردن، واحتضنت العراق ملايين من العمالة المصرية فى الثمانينات والتسعينات من القرن الماضى الذين لم يشتركو فقط فى عملية البناء بل تطوع الكثير منهم فى الجيش العراقى أثناء سنوات الحرب مع إيران قبل اندلاع الحرب الأمريكية على العراق ونزوح عدد كبير من العمالة المصرية الى خارج البلاد.  

• مراحل تطور العلاقات بين البلدين:

مرت العلاقات بين مصر والعراق بمراحل جيدة بين البلدين منذ تأسيس الدولة العراقية عام1921، وآخرى سيئة وصلت الى حد الحرب حيث كان البلدين يتمتعان بعلاقات جيدة في أيام نظامهما الملكي، وزادت هذة العلاقات بين البلدين بعد حرب 1948، وساءت العلاقات بعد انتهاء الحكم الملكى فى مصر، كما أن العراق شارك في حرب 1973 وكان ثالث أكبر جيش عربي في الحرب بعد الجيش المصري و السوري فساهم بشكل كبير في تحرير سيناء, بعد ذلك بقيت العلاقات مستقرة، إلا أنها ساءت بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل  عام 1976، كما أنها انقطعت تماما بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، وما زاد العلاقات سوءا بعد مساندة مصر فى عهد الرئيس حسني مبارك القوات العربية لتحرير الكويت بعد غزو العراق للكويت عام 1991، إلا أن العلاقات بين البلدين عادت جزئيا بعد غزو العراق في 2003.  

ظلت العلاقات تتأرجح بين البلدين تارة بين المصالح التجارية والإقليمية وتارة بين العلاقات الدبلوماسية والسياسية لكن بدت علامات الرضا والسعى إلى التكافل والتعاون مرة آخرى بين البلدين إبان تدهور العلاقات المصرية السعودية وقطع توريد البترول السعودى إلى مصر حيث كانت العراق أول من قدم يد العون إلى مصر في تلك الأزمة.  

• حجم التبادل التجارى:

تعتبر مصر من أهم الدول العربية التي حققت مستويات عالية مـن التبادل التجاري مــع العراق خلال الفترة 1997-2001 حيث بلغت 1.4 مليار دولار في إطار مذكرة التفاهم بين البلدين، وقد بينت نتائج منحنى التبادل التجاري خلال الفترة (2005 – 2008) اتجاها تصاعديا، وشهد عام 2008 زيادة واضحة في حجم التبادل التجاري بمعدل نمو سنوي بلغ 77%، حيث بلغ حجم التبادل التجاري في هذا العام 369 مليون دولار، وحافظ إجمالي التبادل التجاري في عام 2009 على نفس المستوى السنة السابقة دون أن تظهر زيادة واضحة في هذا الرقم حيث بلغ إجمالي التبادل التجاري 370 مليون دولار ووصل إجمالي التبادل التجارى بين البلدين إلى مليار و400 مليون دولار.

وفى إطار السعى إلى الوصول بمعدلات أعلى من ذلك فى التبادل التجاري بين البلدين، صرح السفير العراقي لدى القاهرة عن نية بلاده أن يكون التبادل التجاري مع مصر على غرار تبادلاتها مع تركيا التي وصل حجمها إلى 15 مليار دولار، وكذلك أيضا إيران، ذلك لأن العراق تنظر إلى مصر باعتبارها “عمود الخيمة العربية”.  

وتنوعت سلع التبادل التجاري بين تلبية احتياجات الشعب العراقى من سلع الغذاء من خلال اتفاق بين وزارتي التجارة المصرية والعراقية يتضمن قيام شركات القطاع الخاص المصرى بتلبية احتياجات السوق العراقية من بعض السلع والمنتجات الغذائية فى إطار حرص مصر على مساندة العراق فى إعادة الإعمار، في المقابل تمتلك العراق ثروة بترولية كبيرة يمكن أن تلبي احتياجات السوق المصري بتسهيلات ميسرة عن باقي الأسواق النفطية الآخرى الأمر الذي جعل وزير الصناعة المصري “طارق قابيل” يؤكد على إمكانية قيام مصر بتزويد العراق بالبضائع، مقابل تزويد العراق لمصر بالنفط الخام، فضلا عن توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين لمنح إعفاءات في هذا الشأن لزيادة قيمة التبادل التجاري بين البلدين.

كما أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بنشاطيه الاستيرادي والتصديري الذي يصل إلى مليار و400 مليون دولار لا يعكس قطعاً الإمكانات المتاحة للتبادل التجاري بين البلدين والرغبة المتبادلة للارتقاء به إلى معدلات عالية تماثل معدلات التبادل التجاري بين العراق وبعض دول الجوار خاصة في ظل امتلاك مصر قاعدة إنتاجية وصناعية ضخمة تؤهلها للارتقاء بحجم التبادل والاستحواذ على جزء كبير من احتياجات السوق العراقي، كما تمتلك العراق فرصة كبيرة في سوق النفط لمصر يمكن أن تعود مرة آخرى بعد انسحاب أمريكا من العراق واستقرار الأمور مرة آخرى كما كانت قبل 2003.

• صفقات النفط تعيد الروح إلى منحنى التبادل التجاري:

شكل انقطاع توريد شركة أرامكو السعودية للإمدادات البترولية التي تقدر بنحو 700 ألف طن في أكتوبر 2016، بادرة أمل للتعاون النفطي الكثيف بين الجانبين المصري والعراقي، لذا تم إبرام اتفاقاً مع شركة تسويق النفط العراقية “سومو”، لتوريد 12 مليون برميل سنويا بواقع مليون برميل شهريا من نفط البصرة الخفيف لمدة سنة قابلة للتجديد وبشروط دفع ميسرة.

بعد أن كان الاستيراد النفطي ينحصر في استيراد نحو 200 ألف برميل بترول شهرياً عبر شركة ميدور، ودخل الاتفاق حيز التنفيذ منذ منتصف شهر مايو الماضي، حيث استلمت مصر نصف شحنات النفط العراقى منذ مايو الماضي الأمر الذي مهد إلى عودة العلاقات الاقتصادية بين البلدين مرة آخرى عن طريق تنمية التبادل التجارى بين البلدين خاصة بعد انسحاب أمريكا من العراق وتراجع العمليات الإرهابية وتدنى نشاط “داعش” في العراق.

• بروتوكولات التعاون تمهد لفرص تجارية واستثمارية كبيرة:

العلاقات الاقتصادية والتجارية بين العراق ومصر تنظمها العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات التي شكلت بيئة تشريعية جيدة لتسهيل حركة التبادل التجاري بين البلدين وكذا تزايد الفرص الاستثمارية وهي:

1- البروتوكول التنفيذي لإقامة منطقة التجارة الحرة بين البلدين الذي جرى توقيعه في 18 يناير 2001 ودخل حيز التنفيذ في 16 أغسطس 2001، ويقضي بتحرير كافة السلع المتبادلة ذات المنشأ الوطني في كلا البلدين من القيود الجمركية وغير الجمركية المفروضة عليها.

2- يعد العراق ومصر عضوين بارزين في اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري وبرنامجها التنفيذي لإقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى بين الدول العربية، وبذلك فإن هذه الاتفاقية تشكل إطاراً ناجحاً لتنظيم العلاقات التجارية بين البلدين، كونها اشتملت على جملة من التفضيلات والامتيازات الممنوحة للسلع ذات المنشأ العربي المتبادلة في إطار المنطقة بشكل أدركت هذه التفضيلات والامتيازات وعلت على ما هو موجود في اتفاقيات الإطار الثنائي.

3- مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجالات الكهرباء والطاقة: وقعت في القاهرة من قبل وزير الكهرباء العراقي ووزير الكهرباء والطاقة المصري في 10 نوفمبر 2003.

4- مذكرة تفاهم في مجالات الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية: وقعت في القاهرة من قبل وزير الأعمار والإسكان العراقي، ووزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المصري، في 18 نوفمبر 2005.

5- مبادرة للتعاون الاستراتيجي بين جمهورتي العراق ومصر في مجال البترول والغاز: وقعت في بغداد بين وزير النفط العراقي ووزير البترول المصري بتاريخ 20 مايو 2009.

6- هناك (9) مذكرات وقعت خلال زيارة وفد الاستثمار المصري إلى بغداد للفترة من 11: 13 أغسطس 2009 بين وزير الاستثمار المصري ورئيس الهيئة الوطنية للاستثمار العراقية.

• مصر والعراق نحو شراكة استراتيجية تضمن التكامل والتنمية من جديد:

كشف الملحق التجارى للسفارة العراقية عن وجود قائمة بالفرص الاستثمارية المتاحة أمام القطاع الخاص المصري لدخول السوق العراقية، أعدتها دائرة الاستثمارات بوزارة الصناعات والمعادن لطرحها على القطاع الخاص المصري الراغب في دخول السوق العراقية، ووضعت خريطة مفصلة بالمصانع التى تحتاج العراق إلى تشغيلها سواء بأسلوب المشاركة أو التأهيل والتطوير مقسمة قطاعيا، والتكلفة التقديرية لهذه المشروعات، إلى جانب التوزيع الجغرافي للمصانع وطاقتها الإنتاجية المقررة، وتنقسم القائمة إلى 76 فرصة استثمارية متاحة بأسلوب التأهيل والتطوير وأيضا المشاركة مع الحكومة أو القطاع الخاص، ويأتي قطاع النسيج والملابس والجلود والدباغة فى صدارة القائمة حيث يوفر 11 فرصة استثمارية، يليه قطاعات الصناعات الإنشائية والمعدات ومكونات كهربائية والمحولات بـ7 فرص لكل منها، ثم قطاع الزجاج والحراريات بـ6 فرص، ثم قطاعات التعدين والصناعات المطاطية والإطارات والغذائية بـ5 فرص لكل منها، و4 فرص استثمارية فى قطاع البتروكيماويات، و3 فرص استثمارية فى قطاعات الأدوية ومستلزماتها والحديد والصلب والأسمنت.

• العمالة المصرية في العراق:

اشتهرت العمالة المصرية بالمشاركة الفعالة والبناءة لنهضة دول الخليج في كل المجالات من تعليم وهندسة وطب وغيرها من الأعمال اليدوية كالبناء حيث يتميز العامل المصري عن غيره من الجنسيات الآخرى بقوته وتفاعله الشديد بين مختلف الجنسيات والأعراق المختلفة، وقد عمل عدد كبير من المصريين يقدر بنحو 250 ألف مصري لسنوات طويلة بالعراق فى عقد الثمانينيات تركوا خلالها بصمة كبيرة بين الشعب العراقى وساهموا في النهضة التى شهدتها قبل غزو الولايات المتحدة الأمريكية لها عام 2003.

وتمتع المصريون بسيرة حسنة فقد ساهموا بجهد كبير في إعمار العراق إبان حربها مع إيران طوال عقد الثمانينيات‏.‏ ولذلك كانت لهم أفضلية بالنسبة للجنسيات الأخرى في العراق وكانوا يعاملون مثل مواطنيه وكانت منطقة “المربعة” في بغداد أكبر تجمع للمصريين في العراق حيث كان يقطنها نحو ‏200‏ ألف مصري قبل حرب الخليج الثانية عام ‏1991‏ وفي هذا الوقت تراوحت أعداد المصريين في العراق بين ‏4‏ و‏6‏ ملايين التى بدأت فى الانخفاض شيئاً فشيئا إبان الحرب والمشكلات التى تبعتها من صعوبة فى التحويلات خارج البلاد وغيرها من أحداث كانت من المفترض أن تؤثر بالسلب على حجم العمالة المصرية وعلى العلاقات بين البلدين مثل أزمة النعوش الطائرة و الجمعة الحزينة التى شهدت مقتل عدد كبير من العمال المصريين فى العراق على اثر اشتباكات دامية بين العراقيين والمصريين.

برغم ما عانته العمالة المصرية في العراق من أزمات “النعوش الطائره” و “الجمعة الحزينة” إلا أن استقرار الأمن في محافظات العراق يمهد العودة من جديد.

• ما بعد “داعش” والاحتلال الأمريكي:

عانى العراق كثيرا من الحرب التى شنتها أمريكا عليه ودمرت خلاها كل ثرواته من آبار بترول واحتياطات نقدية وغيرها، ومن بعدها داعش الذى شرد وقطع الآواصر الجغرافية للعراق واستغل الباقى منها فى تمويل عملياته الإرهابية، لكن الآن أضحت محافظات العراق تحت السيطرة الأمنية وانحسر الدور الأمريكي في العراق، وقد تم القضاء على معظم مملكة تنظيم داعش الإرهابي بعد أن كان قد احتل ثلث العراق في سعيه لتكوين الخلافة، وكذا استرداد معظم آبار البترول التى كان يسيطر عليها، كما أن بعد هزيمة التنظيم في الأنبار والفلوجة أصبح الطريق بين بغداد والأردن آمنا، الأمر الذى يذيد من فرصة التبادل التجاري بين العراق ومصر من خلال إعادة فتح معبر “اربيل” الحدودي الذي يسهل تدفق السلع المصرية إلى الأسواق العراقية، كما يمكن أيضا فتح منفذ “عرعر” على الحدود العراقية السعودية لمرور البضائع المصرية من خلاله إلى العراق، تزامنا مع وجود توجيهات من رئيس مجلس الوزراء العراقي بإعطاء الأولوية لدخول البضائع المصرية إلى الأسواق العراقية الأمر الذى يفتح باب أمام المستثمر المصري والبضائع المصرية لدخول العراق علما بأنها تعتمد بنسبة قد تصل إلى100% على الواردات من الخارج فى قطاعات كثيرة، نظرا للضرر الذى لحق بعدد كبير من المصانع العراقية في السنوات الماضية.  

وختاما؛ عادت العلاقات السياسية لتفتح الباب من جديد لدخول المصريين إلى الأسواق العراقية للمساهمة في إعادة الإعمار وبناء العراق الجديد ليصبح وجهة المصريين الجديدة لتوفير فرص العمل والدخول فى شراكات اقتصادية وتجارية جديدة بعد توقف وشبه انعدام للتبادل التجارى بين البلدين لمدة 13عام تقريبا، الأمر الذي تشجعة الحكومة العراقية التي تعمل على جذب المستثمر المصري مرة آخرى إلى العراق، والعمل على إزالة كل المعوقات التي تواجة المستثمرين من الجانبين سواء فى تصاريح الدخول أو فى الترويج للمنتجات داخل الأسواق، كما أن البصمة التي تركتها العمالة المصرية طوال نحو 20 عاما مازالت حتى الآن محل ثقة بين أهل العراق رغم تعدد المشكلات التي تعرضت لها العمالة المصرية في العرق، كما أن عودة الاستثمارات تطرح فرصة زيادة العمالة المصرية في العراق من جديد، كما مهدت فترة الاستقرار التي بدأت في الانتشار بين محافظات العراق، البساط للمنتجات المصرية لتشق طريقها إلى العراق عن طريق المعابر الحدودية بين العراق والأردن ومنها إلى الشرق العربي فهناك عددا من الفرص فهل ستجيد مصر استغلالها؟

—————————————————————————————————–

المراجع :

  1. “العلاقات المصرية العراقية”، الهيئة العامة للاستعلامات. الرابط
  2. “وزير الصناعة يبحث مع نظيره العراقي تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين” الهيئة العامة للاستعلامات، 24 أغسطس 2017. الرابط
  3. “السفارة العراقية: بضائع مصر لها أولوية ومستعدون لإعادة فتح مصرف الرافدين” اليوم السابع،  18 أغسطس 2017. الرابط
  4. “اتفاق نفطي بين العراق ومصر وبوساطة روسية إيرانية”، الرابط
  5. “عودة أمجاد المصريين للعراق بعد 13 عاما من القطيعة الاقتصادية”، اليوم السابع، الرابط
  6. “العراق يبدأ تحميل أول شحنة بترول خام إلى مصر”، المصرى اليوم، 4مايو 2017. الرابط
  7. “وزير الخارجية: مصر مستعدة لمساعدة العراق في مرحلة ما بعد “داعش”، المصرى اليوم،  . الرابط
  8. “الملحق التجاري العراقي لـ”الوطن”: مصر تحتل المرتبة الأولى في اهتماماتنا العربية”، الوطن. الرابط
  9. “الغرفة التجارية تبحث زيادة العلاقات الاقتصادية المصرية العراقية” وطنى. الرابط