مستقبل التسوية الفلسطينية في ظل إدارة ترامب - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
مستقبل التسوية الفلسطينية في ظل إدارة ترامب

مستقبل التسوية الفلسطينية في ظل إدارة ترامب




مدخل:

حرصت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الظهور بصورة الداعم للسلام بين العرب وإسرائيل، وأعلنت أغلبها رفض التوسع في عملية الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين بعد حرب 1967، ثم تبنت جميع الإدارات حل الدولتين كأساس مرجعي لعملية التسوية منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.

وفي ظل إدارة أوباما، مرت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنحى سلبي نسبيا، بسبب دعوة أوباما للإسرائيليين تجميد بناء مستوطنات جديدة في الأراضي المحتلة، ما قابلته إسرائيل بإعطاء نتنياهو الإذن ببناء 1600 وحدة سكنية في القدس الشرقية في مارس 2010، أي أثناء زيارة جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي السابق لإسرائيل، ما خلق توترا بين حكومتي البلدين.

واتسعت الفجوة بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو مع تخلي إدارة أوباما عن دعمها للرئيس المصري الأسبق مبارك إبان ثورة 25 يناير، في وقت كانت تعتبر إسرائيل فيه الأخير واحدا من أهم حلفائها في المنطقة، وتبع ذلك دعم إدارة أوباما لصعود تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة وبالتحديد جماعة الإخوان المسلمين، وهو خيار لا تفضله إسرائيل على أي حال.

ثم تكلل الخلاف مع عقد إدارة أوباما للاتفاقية النووية مع إيران، وهي الاتفاقية التي رفضها نتنياهو علنا، واعتبرتها الحكومة الإسرائيلية تخلي من الإدارة الأمريكية عن الدفاع عن أمن إسرائيل. 

ومع تولي دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية في مطلع العام الجاري، تحسنت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية إلى حد كبير، خاصة مع اختلاف المنهج الأمريكي في التعاطي مع ملفات الشرق الأوسط، وأبرز هذه التحولات هو وجود قناعة لدى إدارة ترامب بضرورة مواجهة الصعود الإيراني وجماعات الإسلام السياسي، على العكس من إدارة أوباما.

وفي خضم هذه التحولات حرصت إدارة ترامب على إعادة وضع ملف تسوية القضية الفلسطينية على الطاولة، وانطلق ذلك من التوجه الأمريكي نحو تشكيل تحالف إقليمي بين أكبر الدول العربية السنية وإسرائيل لموازنة الحلف الإيراني في المنطقة، كما تراهن الإدارة الأمريكية الجديدة أن يؤدي نجاحها في ملف التسوية إلى تقليل حدة رفض الرأي العام العربي للسياسات الأمريكية في المنطقة، وقبل ذلك أن يؤدي حل القضية الفلسطينية إلى فقدان جماعات المقاومة الإسلامية ذريعة وجودها، ما يمهد إلى إنهاء دورها بالتبعية.

وبناء على هذا، بدأت إدارة ترامب في إجراء لقاءات مع ممثلي السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيل كخطوة تمهيدية لطرح مبادرة أمريكية تخص ملف التسوية، وتبع ذلك زيارة جاريد كوشنر-كبير مستشاري ترامب وصهره – للمنطقة بغرض التباحث حول مستقبل ملف التسوية، وجاء اختيار كوشنر للدلالة على مدى اهتمام ترامب بملف التسوية.

وفي ضوء ما تقدم، تسعى الورقة إلى الوقوف على فرص نجاح إدارة ترامب في تحقيق التسوية السلمية فيما يخص القضية الفلسطينية، والإجابة بشكل رئيسي على سؤال هل ستنجح إدارة ترامب في تحقيقها أم لا، في إطار ذلك قسمنا الورقة لمحورين رئيسيين، الأول يتعلق بموقف إدارة ترامب والمؤسسات الأمريكية من إسرائيل ومن ملف التسوية، والمحور الثاني نحلل من خلاله معوقات إتمام التسوية، من خلال تناول المبادرات المعلنة حتى هذه اللحظة، وكذلك مدى جاهزية الوضع الفلسطيني للقبول بالتسوية، ومن ثم يمكن لنا الوقوف على فرص تحقيق التسوية في ظل إدارة ترامب. 

أولا-إدارة ترامب وإسرائيل:

كانت انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة من أقل المرات التي تحدث فيها المرشحون عن القضية الفلسطينية، واتسمت تصريحات ترامب عن إسرائيل بالمبالغة والتناقض أيضا، بالشكل الذي يُصّعب الجزم بمدى جديتها من الناحية السياسية، إلا أنها أفصحت عن بعض توجهات الإدارة الجديدة حيال المنطقة، وجاءت أبرز التقاطعات مع إسرائيل فيما يلي:

يتفق ترامب مع الحكومة الإسرائيلية على تفكيك الاتفاق النووي مع إيران، ما اعتبره ترامب أولويته الأولى في الشرق الأوسط، كما يسعى ترامب إلى إبعاد السفن الإيرانية عن مياه الشرق الأوسط حال ممارستها أي أعمال عدائية.

  أعلن ترامب أثناء حملته الانتخابية نيته نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس، ووصف ترامب إدارته أثناء حملته الانتخابية بأنها ستكون الأكثر دعما لإسرائيل طيلة التاريخ.

في دلالة على مدى اهتمام ترامب بالعلاقات مع إسرائيل، قام بتعيين محاميه الشخصي دافيد فريدمان سفيرا لأمريكا لدى إسرائيل، ويُعرف عن فريدمان دعمه لحركة الاستيطان الإسرائيلي، كما سبق وأن اتهم أوباما بمعاداة السامية ووصف الليبراليين الأميركيين الذي ينتقدوا الحكومة الإسرائيلية بأنهم “أسوأ من اليهود الذين عملوا كمراقبين في معسكرات النازية”.

يتفق ترامب أيضا مع الحكومة الإسرائيلية في تعاطيه مع ملف الإرهاب، حيث يسيطر عليها النظرة الشمولية لكل تيارات الإسلام السياسية، وبهذا تصبح مساحة التوافق مع إسرائيل أكبر من أي وقت مضى، لاسيما مع التركيز على مواجهة حركات الإسلام السياسي مثل حماس وحزب الله، وهي الحركات التي تعتبرها إسرائيل من أبرز التهديدات بالمنطقة.

تحرك ترامب لإقناع الرئيس المصري بسحب مشروع القرار الذي قدمته مصر داخل مجلس الأمن لإدانة الاستيطان، ما يعد دليلا قويا على أن ترامب لن يحاول العمل على أية اتفاقات دولية من شأنها دعم حل الدولتين، طالما إسرائيل ترفض ذلك.

وعلى صعيد المؤسسات الأمريكية، اختار ترامب بعض السياسيين الذين يحملون وجهة النظر الجمهورية التقليدية المتعلقة بضرورة حل الدولتين، مثل وزير الخارجية ريكس تيلرسون، والأخير يحظى بدعم ثلاثة من كبار القادة الجمهوريين مثل كونداليزا رايس وروبرت غيتس وجيمس بيكر، وجميعهم يؤمنون باقتراب التوازن بين العرب وإسرائيل.

 كما حذر جيمس ماتيس وزير الدفاع من خطورة التخلي عن حل الدولتين، واعتبره يزيد من حجم كراهية العرب لإسرائيل، ويؤثر على النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.

وتخشى بعض المؤسسات من جنوح ترامب للتصعيد مع إيران، ما قد يحض الأخيرة إلى استكمال الأخيرة مشروعها النووي في ظل فقدان أمريكا الدعم الدولي اللازم لفرض عقوبات دولية على طهران، أو القيام بأي عمليات عسكرية تجاه الأخيرة، وحتى في حيال نجاح إسرائيل وأمريكا توجيه ضربة لإيران، فإنه من المرجح أن تلجأ طهران لتجديد برنامجها النووي والقيام بهجمة انتقامية وهكذا، وتخشي المؤسسات الأمريكية من أن يؤدي هذا الى تأسيس حرب ممتدة في الشرق الأوسط.

ثانيا- معوقات إتمام التسوية:

يمكننا إيراد أبرز معوقات التسوية على النحو التالي: 

الاختلاف حول المرجعية التفاوضية:

إدارة ترامب: كما أشارنا في النقطة السابقة، تحاول إدارة ترامب غض النظر عن العمليات التفاوضية السابقة، وتسعى إلى تقديم حلا جديدا لعملية التسوية لا يلتزم بمسألة حل الدولتين، ولمحت مؤخرا هيذر نويرت -الناطقة باسم الخارجية الأميركية-أن الاعتراف بحل الدولتين يمثل انحيازًا، في إشارة إلى رفض الإدارة الأمريكية للانطلاق من المبادرة العربية كأساس لعملية السلام.

كما أشارت بعض التقارير الصحفية المنسوبة إلى مصادر فلسطينية إلى تطلع الأميركيين إلى اتفاق سلام إقليمي، وأنهم يحاولون ضم الفلسطينيين إلى تفاهمات شاملة، ولا يتعاملون بخصوصية مع القضية الفلسطينية، حتى أن الإدارة الأمريكية لم تقدم رؤية واضحة حتى الأن حول خطة عمل المفاوضات، ويبدو أنها تراهن على حل القضية الفلسطينية في إطار إقليمي أوسع يتضمن دول تحالف الرياض وإسرائيل، ومن ثم فرضه على الطرف الفلسطيني، وهو خيار لم يعلن أحد عن قبوله حتى الأن على الأقل.

الموقف الإسرائيلي: على الرغم من عدم وجود طرح رسمي واضح المعالم بخصوص هذه الصفقة المزعومة، إلا أن ثمة تسريبات إسرائيلية (أنكرتها مصر) حول اجتماع عقد في العقبة فبراير 2016، بين نتنياهو والسيسي وعبد الله الثاني وجون كيري، للتباحث بشأن تسوية للصراع من خلال مشروع لتبادل الأراضي.

ووفقا لتسريبات إسرائيلية وتصريحات قيادات حركة حماس تطور هذا الاقتراب ليطرح تصور شامل حول التسوية النهائية، تقوم على تأسيس كيان فلسطيني، وكونفدرالية مع الأردن ومصر، وإنهاء مشكلة اللاجئين وتوطينهم، مع التأكيد على يهودية إسرائيل، في سبيل إحلال سلام شامل في المنطقة، وهو خيار ينهي تماما مسألة قيام دولة فلسطينية مستقلة علاوة على غلق ملف اللاجئين.

ج. الموقف العربي: برغم وجود تناقضات كبرى أخرى بين الأطراف العربية-الفلسطينية، إلا أنه ثمة اجماع على ضرورة الانطلاق من المبادرة العربية كمرجعية تفاوضية، ودعت القمة العربية في مارس 2017 إلى إعادة إطلاق مفاوضات سلام فلسطينية -إسرائيلية جدية وفاعلة وفق جدول زمني محدد لإنهاء الصراع على أساس حل الدولتين، وقالت إن “السلام خيار عربي استراتيجي، تجسده مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002، التي دعمتها منظمة التعاون الإسلامي، التي لا تزال تشكل الخطة الأكثر شمولية وقدرة على تحقيق مصالحة تاريخية”.

وحرصت مصر والإمارات والأردن والسعودية التأكيد الرسمي على هذا الموقف إبان إطلاق جولة المباحثات بين ترامب، ووفد السلطة الفلسطينية خلال الأشهر الماضية.

2-الاستقطاب الإقليمي والوضع الفلسطيني الداخلي:

ارتبطت تاريخيا القضية الفلسطينية بشكل التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، بدءا من تشكيل تحالف إقليمي عربي عام 1948 لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ثم لاحقا في تشكيل تحالف إقليمي مناوئ للتوجهات المصرية في السلام مع إسرائيل، وحتى مطلع القرن الحالي، انقسمت التحالفات في الشرق الأوسط على أساس الموقف من التسوية الفلسطينية إلى محوري “المقاومة” و”الاعتدال”.

وتشهد المنطقة عدة تحولات متلاحقة منذ عام 2011 في شكل التحالفات الإقليمية، ومؤخرا جاء مؤتمر الرياض بعد صعود ترامب لرئاسة الولايات المتحدة ليؤسس لتحولات جديدة في تحالفات دول الإقليم، ما انعكس على الوضع الفلسطيني، الذي يعد بدوره غير جاهزا على أي حال للمضي قدما في عملية التسوية، وانعكست حالة الاستقطاب الإقليمي على توجهات الأطراف الفلسطينية على النحو التالي:

السلطة الفلسطينية والأردن: يتشارك الملك عبدالله الثاني مع الرئيس الفلسطيني أبو مازن في التمسك بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويعد أبو مازن خصماً مشتركاً لكل من حماس ودحلان (والإمارات بالتبعية) وإسرائيل، كما أن علاقاته بمصر تشهد قدرا كبيرا من الفتور منذ تولي السيسي للسلطة وانحيازه لتيار دحلان.

 ومن ثم يصير من الضروري لإتمام هذه الصفقة تنصيب زعامة فلسطينية جديدة تسمح بتمرير صفقة من هذا النوع، ولجأت السلطة الفلسطينية خلال العام الماضي إلى تضييق الخيارات على حركة حماس من خلال تحميلها مسؤولية الأوضاع في القطاع والامتناع عن تقديم الدعم لها، بالإضافة إلى اتباع إجراءات مثل الامتناع عن تمويل الكهرباء، وعن تسديد رواتب موظفي الحكومة، وإحالة الكثير منهم للتقاعد ، ما ساهم في تعزيز الحصار على غزة، وجاء هذا بغرض دفع حماس  نحو القبول بشروط السلطة فيما يتعلق بملف المصالحة الفلسطينية، وأدت هذه الخطوات إلى تعقيد ملف المصالحة كما سنوضح لاحقا.

بينما تتعاون الأردن مع أبو مازن بسبب خشيتها من اقتطاع إسرائيل بعض أراضي الضفة الغربية، وهي منطقة كانت تحت سيطرة الأردن في فترات سابقة، ولا ترحب الأردن بتحمل مسئولية الدولة الفلسطينية المزعومة في الضفة لما يمثله ذلك من تحدي للمملكة في ظل تردي أوضاعها الاقتصادية، كما تقنن المبادرة الإسرائيلية استمرار وجود اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، ما ترفضه الأخيرة، وفي ظل تعاونها مع السلطة، تحاول الأردن الاحتفاظ بمسافة واحدة مع الفصائل والمجموعات الفلسطينية، نظرا لامتداد أغلبها داخل الأراضي الأردنية.

حماس: يمكننا تناول موقف حركة حماس من خلال نقطتين رئيسيتين، الأولى هي الموقف من التسوية المحتملة، والثانية موقف الحركة من الحصار:

تعزز التركيبة الداخلية الجديدة للحركة من القول بإن حماس لا تريد التسوية الأن بأي صيغة بسبب انتفاء الرغبة الإسرائيلية في الاعتراف بأحقية الحركة في التفاوض، وأن التسوية الإسرائيلية المقترحة تؤدي بالضرورة إلى نزع سلاح حركة حماس، وهذه الضرورة قد تقوض فرص مشاركتها في عملية التفاوض، خاصة بعد الإهانة الرمزية من رئيس الوزراء الإسرائيلي للوثيقة السياسية الجديدة للحركة، عبر الظهور في فيديو مصور وهو يقوم برميها في سلة المهملات، لذا يمكن القول إنه من الصعب أن يقبل قادة الحركة بتقديم بعض التنازلات التفاوضية، في ظل سيطرة الصقور والجناح العسكري على القرار السياسي للحركة، ما يجعل الحركة تفضل إرجاء إتمام المصالحة الفلسطينية.

تمثل الأوضاع في غزة عاملا ضاغطا على حركة حماس، ولجأت مؤخرا للانفتاح على محمد دحلان المعروف بقربه من دولة الإمارات المناوئة للحركات الإسلامية، ويمكننا تفسير انفتاح الحركة على تيار الاعتدال العربي بصفة عامة لتحقيق حزمة من الأهداف، أبرزها تحسين الأوضاع في غزة، من خلال استثمار الدعم الإماراتي للقطاع، ما من شأنه أن يؤدي الى تحميل أبو مازن مسئولية تدهور الأوضاع في غزة، ما يفقده الدعم الشعبي اللازم لتمرير التسوية، واستغلال التقارب مع دحلان في تكريس صورة عباس كرئيس لا يحظى بإجماع الفلسطينيين في الضفة وغزة، وأخيرا التقارب مع محور الاعتدال العربي، بهدف تحسين فرص الحركة في البقاء، انتظارا لما ستسفر عنه المتغيرات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل الهجمة الدولية على تيار الإسلام السياسي في الشرق الأوسط.

رباعي الرياض ودحلان: في ظل التباعد بين تحالف الرياض (الذي يشمل دول مصر والسعودية والإمارات) مع دولة قطر، حاولت هذه الدول تكثيف تدخلها في الشأن الفلسطيني بغرض تخفيض نفوذ دولة قطر في قطاع غزة بالتحديد، كما تحاول دولة الإمارات الدخول على خط الترتيبات الإقليمية الجديدة، وتمثل القضية الفلسطينية مدخلا مركزيا يخدم هذا التوجه، كل هذا دفع الإمارات إلى الدفع بورقة دحلان في غزة في الترتيبات الجديدة؛ وتأتي هذه الشراكة في إطار عدد من التطورات الإقليمية الهامة، بشكل يمكن معه اعتبار هذه الشراكة أحد الركائز الرئيسية لخدمة المصالح الإماراتية ودعم دورها الإقليمي.

واللافت هو تخلي هذه الدول عن موقفها المعلن ضد جماعات الإسلام السياسي، ولجوئها إلى الانفتاح على حركة حماس في صورة تقديم الدعم الاقتصادي اللازم لاستقرار الأوضاع في القطاع، ما تكلل في مشاركة دحلان و7 من تياره في جلسة المجلس التشريعي الفلسطيني في غزة خلال يوليو الماضي، وحضر الجلسة الطارئة 22 من نواب كتلة التغيير والإصلاح الممثلة لحماس، بينما تغيب نائبا فتح المواليان للرئيس محمود عباس، ويمكن القول إن هذا التوجه الإماراتي يعتبر بمثابة الخطوة الأولى نحو الدفع بدحلان لخلافة موقع أبو مازن.

ويجدر الإشارة إلى لعب القاهرة دورا بارزا في التوسط بين تيار دخلان وحماس، حيث استضافت الأولى لقاءات بين الطرفين خلال شهر يونيو الماضي، واستفادت القاهرة من هذه الوساطة من عدة أوجه، حيث اتفقت القاهرة على بعض الترتيبات الأمنية مع حركة حماس بما يخدم الجهود المصرية في مكافحة الإرهاب في سيناء، علاوة على التأكيد على محورية الدور المصري في الملف الفلسطيني، خاصة في ظل عودة الحديث عن التسوية النهائية.

خاتمة- فرص التسوية في ظل إدارة ترامب:

يتضح لنا مما سبق جنوح إدارة ترامب ناحية تعضيد تحالفها مع دولة إسرائيل، وتوافق الأجندات الأمريكية والإسرائيلية فيما يخص الأوضاع في الإقليم بصفة عامة، ما قد يصعب من لجوء إدارة ترامب إلى فرض صيغة للتسوية لا تلقى قبولا إسرائيليا، ما يفسر أيضا ذهاب إدارة ترامب الى إعلان فشل حل الدولتين في تحقيق السلام في المنطقة، ودعوة ترامب إلى التخلي عنه.

ويواجه ذلك التوجه معارضة شديدة من الفلسطينيين سواء الهيئات والجماعات السياسية أو المواطنين، ويبدو أنه ليس من مصلحة أي فصيل فلسطيني الموافقة على التخلي عن حل الدولتين، ما تكلل بنشوب التوتر في القدس على أثر قيام إسرائيل بمنع المصلين من دخول المسجد الأقصى.

 ويؤدي موقف أمريكا الحالي إلى وقوفهما في مرمى الاتهام الفلسطيني بدعم إسرائيل، وعدم التزامها الحياد كوسيط مشترك، ما قد يؤدي إلى فقدان أمريكا ورقة القبول الفلسطيني بها كوسيط للتفاوض، وربما جاءت زيارة أبو مازن للصين خلال أغسطس الماضي تمهيدا لموازنة الدور الأمريكي في عملية التفاوض، وهو وضع لن تقبله أمريكا على أي حال، لذا من المرجح أن تؤجل عملية التسوية لحين إتمام بعض الخطوات الأخرى مثل التأسيس لسلام إقليمي يجمع إسرائيل ودول حلف الرياض، وكذلك تغيير الهيكل الحالي للسلطة الفلسطينية.

في الأخير يمكن القول إن أمريكا لا تملك فرض التسوية بالقوة، ولن تستطيع المضي قدما في تنفيذ حل لا يحوز إعجاب الفلسطينيين، والخيار الأفضل هنا هو مشاركتها إسرائيل في تنفيذ خطة مواجهة الصعود الإيراني وهو ما تمت أولى خطواته عبر إعادة صياغة التحالفات في المنطقة، ووجود إسرائيل كحليف عملي لدول السعودية والإمارات ومصر، وربما تتجه هذه الدول إلى إجراء بعض المعاهدات القانونية مع إسرائيل للتمهيد التعاون عبر القنوات الرسمية، ما يمكن أن يمثل ورقة ضغط على الفلسطينيين.

ويعتبر هذا خيارا مفضلا لدى إسرائيل بطبيعة الحال، من ناحية يضمن لهم اعترافا رسميا من قبل الدول العربية، دون أن تقدم أي نوع من التنازلات للفلسطينيين، علاوة على تضييقه لخيارات الفلسطينيين أيضا، الذين قد يواجهوا تهميشا غير مسبوق لقضيتهم، ما قد يدفعهم إلى القبول بالعرض الإسرائيلي أو محاولة تغيير تحالفاتهم الإقليمية واللجوء لدول غير عربية مثل إيران أو تركيا.

كما أن البيئة الداخلية الإسرائيلية غير مهيأة أيضا لتقديم تنازلات للفلسطينيين، ونقصد هنا صعود الاتجاه اليميني في إسرائيل وتقلص شعبية اليسار بين اليهود الأصغر سنا، والوضع الإقليمي برمته والشعور الإسرائيلي بالتهديد الإيراني وقوى الإسلام الراديكالي، لذا نذهب للترجيح بتأجيل عملية التسوية، وربما عدم نجاح ترامب في تمريرها على الأقل اثناء فترة رئاسيته الأولى.

——————————————————————————————————————–

المصادر:

  • Dana H.Allin, Steven N. Simon, “Trump and the Holy Land“, Foreign Affairs, Vol 96, No 2, March 2017, pp 37-45.
  • ” كوشنر ووفده يلتقي عباس وسط غضب السلطة من الموقف الأمريكي”، وكالة أمد للإعلام، 24-8-2017، على الرابطhttps://www.amad.ps/ar/Details/188466
  • ” الرئيس الفلسطيني يجمد التحركات الدبلوماسية ضد إسرائيل مانحاً الأميركيين فرصة”، صحيفة الشرق الأوسط، العدد 14153، 28 -8- 2017، على الرابط: https://goo.gl/hrsBQB .
  • ” محمد دحلان يشارك في جلسة النواب من المجلس التشريعي في غزة عبر الفيديو كونفرانس”، فرانس 24، 27-7-2017، على الرابط: https://goo.gl/Y9n7N8 .
  • نص حوار يوسف العتيبة سفير الإمارات في واشنطن مع مجلة The Atlantic، أغسطس 2017.
  • زياد عقل، ” رؤية دونالد ترامب وإدارته لملفات الصراع في الشرق الأوسط”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 21-1-2017، على الرابط: http://acpss.ahram.org.eg/News/5659.aspx