«البريكس» ومستقبل نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

«البريكس» ومستقبل نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري




 

 

يضع البنك وصندوق النقد الدوليان عدد من الإجراءات التي تعتبر منهاجاً يسير عليه في كافة الدول التي يقوم بإقراضها، وقد رأينا ما خلفته هذه البرامج في اقتصاديات تلك الدول مثل اليونان والبرازيل والأرجنتين وما لحق بها من كوارث اقتصادية أدت إلى انهيار الاقتصاد القومي لها.

ولعل هذا يثبت أن صندوق النقد والبنك الدوليين كانا مجرد آلية من آليات الهيمنة الأمريكية في السياسة العالمية التي بدأت تتلاشى وينحصر دورها بعد تولى “دونالد ترامب” رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية حيث أن سياساته الانطوائية والحمائية التي يتبعها ستؤثر بالسلب على الدور الذي لطالما تمسكت به الولايات الأمريكية قرابة النصف قرن بعد الحرب العالمية الثانية ففي الهيمنة على مجريات التجارة العالمية.

«البريكس»..المعادلة الصعبة

تراجع الدور الأمريكي كان حافزًا لإنشاء اتحاد الدول الخمس فيما عرف بـ”البريكس  BRIC”، و هو نظام مالي جديد يهدف إلى رفض سياسات صندوق النقد الدولي ويضم 5 دول؛ (روسيا، الصين، الهند، جنوب أفريقيا، البرازيل)، وهذه الدول لا تتشارك في أي حدود جغرافية ولا إقليمية، كما تتفاوت أيضًا في معدلات النمو فيما بينهم حيث تحقق كلًا من الصين والهند معدلات نمو بين 6-8% سنويًا، وفي المقابل تتدني معدلات النمو الاقتصادي للبرازيل وروسيا، لكن تشترك هذه الدول الخمس في كونها اقتصاديات صاعدة تعتبر الأكثر سرعة في الخروج من الانكماش الاقتصادي الذي تعرضت له كل دولة منهم في فترة من الفترات فضلاً عن تبادل المنافع الاقتصادية بينهم كان الحافز الأكبر على إقامة هذا الاتحاد.

تأسست المجموعة عام 2006 أثناء منتدى بطرسبورغ الاقتصادي، وتبلغ المساحة الإجمالية للدول الخمسة مجتمعة 39.7 مليون كم2، بنسبة 29.8% من المساحة العالمية الكلية أي أكثر من 25% من مساحة العالم، كما يبلغ عدد السكان الإجمالي لتلك الدول قرابة 3 مليار نسمة، بنسبة 42.1% من التعداد العالمي، ويبلغ حجم الناتج المحلى الإجمالي لهذه الدول 16.4 تريليون دولار يمثل نسبته 22.3% من إجمالي الناتج العالمي ويقع مقر المجموعة في مدينة “شنجهاي” الصينية، وارتفعت حصة الاقتصاد الكلي لدول “البريكس” من 12% إلى 23% وزاد نصيبها من التجارة الدولية من 11% إلى 16%.

وتعتبر أبرز إسهامات المجموعة الاقتصادية تتمثل في تحقيق نتائج مثمرة مع افتتاح بنك دول “البريكس” للتنمية، وكذلك إطلاق صندوق النقد الاحتياطي للطوارئ عام 2015، الذي يبلغ رأس ماله ما يقرب من ٢٠٠ مليار دولار، مقسمة إلى ١٠٠ مليار دولار، كرأسمال بنك “بريكس” الدولي للتنمية، إضافة إلى ١٠٠ مليار دولار أخرى لصندوق الاحتياطي النقدي، وفي هذا السياق؛ ترفض “بريكس” سياسات الحمائية المتمثلة بفرض ضرائب ورسوم على الواردات من السلع والخدمات، التي بدأ الرئيس الأمريكي اتخاذ خطوات على طريق تطبيقها، وفى المقابل ترى دول المجموعة إنها تمثل تقييدًا لحركة التجارة العالمية.

لماذا مصر؟

بلغت نسبة إسهامات دول «البريكس» في نمو الاقتصاد العالمي ما يقارب الـ50%، وفقًا لإحصاءات صندوق النقد الدولي، وتتشارك كل دولة فيما بينهم بميزة نسبية عن الأخرى؛ حيث تتميز روسيا بغناها بالموارد المعدنية، كما تتميز الصين بكونها أكبر مصنع على مستوى العالم وكونها قاعدة صناعية قوية، والهند تتمتع بموارد فكرية وبشرية تؤهلها لأن تكون رأس مال فكرى كبير، وجنوب أفريقيا تتميز بالموارد الطبيعية، كما تنتج البرازيل منتجات زراعية كبيرة تستطيع أن تشارك بها الخمس دول في الاتحاد.

إذًا لكل بلد ميزة تنافسية تستطيع أن تشارك بها داخل الاتحاد فما هي الميزة النسبية التي تمتلكها مصر لكى يتم دعوتها لحضور الدورة التاسعة لقمة مجموعة البريكس؟

أولًا: موقع مصر الاستراتيجي وقناه السويس؛ حيث تعتبر مصر هي مركز التجارة العالمية كونها تملك قناة السويس التي تربط بين تجارة الشرق والغرب، الأمر الذى يجعل من الضروري لإتمام عمليات التجارة بين الصين وروسيا والهند مع حليفتهم البرازيل في الغرب انضمام مصر إلى اتحاد مجموعة “البريكس” من أجل تحقيق أكبر استفادة من توفير رسوم الشحن المروري في القناة وتوفير خدمات لوجيستية من الداخل المصري.

ثانيًا: السوق المصري الضخم، كما تمتلك مصر سوقًا اقتصاديًا يحوى نحو 100 مليون مستهلك ويتميز السوق المصري بقابليته الكبيرة للبضائع الصينية كما تعد أيضًا روسيا حليفًا استراتيجيًا لمصر في المجال العسكري والاقتصادي، ما يفتح أبواب أخرى من التبادل الاقتصادي والعسكري بين مصر بعد انضمامها وبقية دول المجموعة.

ثالثًا: المصالح الاقتصادية المشتركة، حيث أن مصر والصين تربطهم مصالح اقتصادية كبيرة حقق منحنى التبادل التجاري منها قفزة كبيرة خلال الأعوام القليلة الماضية بين البلدين حيث بلغ 11 مليار دولار في العام الماضي بعد أن كان 5 مليارات دولار في عام 2010. كما أن هناك عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين الجانب المصري والصيني أهمها تبادل العملات بين البلدين الأمر الذى يجعل الانضمام إلى المجموعة أمرًا ليس ببعيد.

ماذا تستفيد مصر من الانضمام إلى «البريكس»؟

تعتبر جميع إجراءات الاصلاح الاقتصادي التي تتخذها مصر في طريقها لإحداث نقلة نوعية في معدل النمو الاقتصادي التي تحملها المواطن من أجل مساندة الدولة في برنامج الإصلاح الاقتصادي عديمة الجدوى بدون الانفتاح على العالم الخارجي وزيادة معدلات الإنتاج والتصدير، ولابد أن يسبق ذلك تنمية في مجال الاستثمار، ولن يتأتى ذلك إلا بزيادة الروابط مع العالم الخارجي.

هذا، وتعتبر مشاركة مصر في القمة للمرة الأولى فرصة لتعزيز التعاون بينها وبين مجموعة «البريكس»، وطرح برنامجها الاقتصادي للاستفادة بمزيد من الاستثمارات التي يمكن أن تحصل عليها من هذا الاتحاد، ما يفتح الباب إلى العمل على زيادة عجلة الإنتاج وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري في الخارج بدون رسوم جمركية أو ضرائب على منتجاتها، خاصة وأنها تتمتع بقدرات اقتصادية واعدة.

هذا إلى جانب موقعها الاستراتيجي المميز الذى يمكنها من المساهمة بفاعلية في دعم مجموعة «البريكس» كما تعد فرصة لتوضيح التدابير التي قامت مصر بها لتشجيع الاستثمار التي تشمل صدور قانون الاستثمار الجديد وما يوفره من حوافز غير مسبوقة وتسهيل للإجراءات التي تحفز وتشجع الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر وتوفر المناخ الجاذب له، الأمر الذى يخلق بيئة جديدة داخل الاقتصاد المصري حيث أن وفرة المعادن بحاجة إلى استثمارات جادة يمكن أن تضعها على خارطة العالم للتعدين، بالإضافة إلى أن موقع قناة السويس الاستراتيجي ومشروع تنمية محور قناة السويس بحاجة لاستثمارات جادة لجعل هذه المنطقة من أكبر مناطق الخدمات اللوجستية، كما أن مصر شريك هام للصين في تحقيق مبادرة الحزام والطريق، كما أنها تمثل محورا هاما ونقطة مفصلية من مفاصل التجارة الدولية التي تقع على طريق الحرير التي تحتاجها الصين لتمرير تجارتها، ومن هنا تأتى أهمية مصر بالنسبة لأى تجارة تمر عبر دول المجموعة.

العمل على نقل خبرات التنمية من الدول الاعضاء بالمجموعة حيث يعتبر النموذج البرازيلي الذي كان من أنجح التجارب في التعامل مع التضخم عن طريق رفع إنتاجية وكفاءة الاقتصاد بشكل عام من أفضل النماذج المتبعة في الدول المشابهة لمصر، وذلك عن طريق  خصخصة الشركات بالتوازي مع التوسع في الإنفاق العام على الخدمات والحماية الاجتماعية، وبالنظر إلى ما قامت به الهند من تطبيق نظام تكنولوجي متطور لحصر المستفيدين من الدعم وربطهم الكترونياً بمنظومة الدعم الحكومي يشابه التجربة المصرية في خفض دعم الخبز.

استفادت مصر فعليا من المجموعة في عده مشروعات، حيث بدأت استثمارات هذه الدول في التدفق على مصر على مدى سنوات ماضية ليصل عدد الشركات المؤسسة من دول المجموعة في مصر إلى ٢٣١٨ شركه بقيمة رؤوس أموال تصل إلى ما يقرب من 2 مليار دولار تعمل في عدة قطاعات اقتصادية حيوية، منها قطاعات الصناعة والخدمات والإنشاءات والاتصالات والتكنولوجيا، وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر ومجموعة «البريكس» حتى نهاية ٢٠١٦ قيمة 20 مليار دولار، كان للصين نصيب الأسد منه.

أبرز هذه المشروعات، مشروع محطة الطاقة الشمسية في “دراو” بمحافظة أسوان بالتعاون مع البنك الآسيوي، بجانب المنطقة الصناعية الروسية في شرق بورسعيد التي تمثل أوجه الاستفادة من هذا التكتل الاقتصادي، كما أجبرت منطقة تنمية محور قناة السويس الصين على إعادة النظر في الاستفادة منها ومن القناة في خدمة طريق الحرير بعد أن كان يمثل تهديد لها.

تمثل هذه المشروعات جانب من الاستثمارات التي تتبناها مجموعه البريكس في الدول الخارجية التي يجب أن تقتنصها مصر في ظل آلية “بريكس بلس” التي تنتهجها المجموعة لتوسيع التعاون مع الدول غير أعضاء في المجموعة حيث بلغ إجمالي الاستثمارات الخارجية 197مليار دولار.

ختامًا: تمثل مجموعة البريكس طريق أمل جديد، لأن نشاطها الاقتصادي يعتمد على تبادل المنافع واستثمار الميزات النسبية لدى كل عضو وليس ضخ الأموال والقروض كما في صندوق النقد الدولي؛ ما يعطى دافع أكبر إلى محاولة مصر الانضمام إلى «البريكس» لتعزيز نشاطها الاستثماري وزيادة فرص الاستثمار الخارجي وإدارة عجلة الاقتصاد نحو تسريع معدلات النمو، ونقل خبرات وتجارب دول المجموعة الصناعية لمصر. يجب أن تتبع الحكومة المصرية سياسة الباب المفتوح ولن يتأتى ذلك إلا بالانخراط في الاتحادات الدولية لزياده تفاعلها مع العالم الخارجي وعدم الاعتماد على مصدر واحد لتمويل سواء في الاستثمار أو في مجال الاقتراض من الخارج.