«المساعدات الأمريكية لمصر».. منحة أم استحقاق قانوني - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
«المساعدات الأمريكية لمصر».. منحة أم استحقاق قانوني

«المساعدات الأمريكية لمصر».. منحة أم استحقاق قانوني




أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية قرارها بخفض المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر بما يصل إلى 300 مليون دولار في 22 أغسطس 2017، في إشارة إلى تدهور حقوق الإنسان في مصر باعتبارها السبب الرئيسي لهذه التخفيضات غير المتوقعة في المساعدات، فقد تكهن العديد من المحللين بأن العلاقات الاقتصادية والأمنية الوثيقة بين مصر وكوريا الشمالية التي تميزت بالترابط والتعاون المشترك فضلًا عن العلاقات الدبلوماسية طويلة الأجل التي يمكن إرجاعها إلى انضمام الدولتين إلى حركة عدم الانحياز والتضامن المشترك مع الاتحاد السوفييتي خلال الخمسينات والستينات، علاوة على مشاركة الطيارين الكوريين الشماليين بجانب مصر في حرب أكتوبر 1973، وقد اعتبرت القيادة السياسية في مصر أن كوريا الشمالية موردًا حاسمًا للتكنولوجيا العسكرية منذ السبعينيات، وعلى الرغم من الاضطرابات السياسية التي أعقبت الإطاحة بالرئيس “حسني مبارك” عام 2011، ظلت الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وبيونغ يانغ دون أن تغيير، إلا إنها في الآونة الأخيرة شهدت عدد من التغيرات نتيجة استمرارها في إجراء تجاربها النووية الأمر الذي ترتب عليه إعلان وزير الدفاع المصري “صدقي صبحي” قطع العلاقات العسكرية مع كوريا الشمالية، خلال زيارته إلى سول، واجتماعه مع “سونغ يونغ مو” الذي يعد الاجتماع الأول مع نظيره بعد توقيع مذكرة التفاهم بين كوريا الجنوبية ومصر حول التعاون الدفاعي في مارس.

بالإضافة إلى تنوع الترسانة المصرية من الأسلحة التي لم تعد تعتمد بشكل كامل على التوريدات الأمريكية، فضلاً عن اتباع الدولة المصرية سياسة الباب المفتوح في علاقاتها الخارجية التي يكللها المزيد من التوزان مع القوى الإقليمية والدولية دون الانحياز لطرف على حساب طرف أخر.

مواجهات كاشفة للتناقضات بين الإدارة الأمريكية والكونجرس:

فيما يتعلق بالقرار الأمريكي الخاص بتخفيض المساعدات الأمريكية؛ على الرغم من حالة الدفء التي تشهدها العلاقات الأمريكية المصرية التي تزامنت مع قدوم الإدارة الأمريكية برئاسة “دونالد ترامب” التي شهدت تبادل العديد من الزيارات رفيعة المستوى فضلًا عن إشادة الإدارة الأمريكية بالقيادة المصرية ودورها الفعال في محاربة الإرهاب والتطرف وسعيها الحثيث في دفع جهود التنمية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إلا أن الإدارة الأمريكية ما زالت متخبطة خاصة ًفيما يتعلق بوضع رؤية متكاملة لسياساتها الخارجية تجاه القاهرة ويرجع ذلك إلى العديد من المتغيرات؛ أبرزها أن المؤسسات الأمريكية رغم أنها مستقلة إلى إنها متشاركة في عملية صنع القرار السياسي، ما تجلى في هذا القرار الذي تزامن مع خفض المساعدات الأمريكية قبل أسابيع فقط من الموعد المقرر لاستئناف الولايات المتحدة والقاهرة مناورات “النجم الساطع” المشتركة التي تجري مرة كل عامين، التي أعيد تصميمها بناءً على حث واشنطن من أجل التركيز على مكافحة الإرهاب بعد توقّف دام أربع سنوات، وقبل ساعات من وصول الوفد الأمريكي رفيع المستوى الذي يضم كل من  “جاريد كوشنر” صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره، و”دينا باول” نائبة مستشار الأمن القومي الأمريكي، ومبعوث السلام في الشرق الأوسط “جيسون غرينبلات” إلى القاهرة لعقد اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في إطار جولة إقليمية تركز على تعزيز السلام الإسرائيلي – الفلسطيني، وإنهاء المواجهة بين حلفاء واشنطن التقليدين في الخليج.

بالإضافة إلى دور الكونجرس في صنع السياسة الخارجية الأمريكية وإدارة ملف المساعدات الخارجية، فالمؤسسة التشريعية الأمريكية تختلف عن باقي مؤسسات العالم من حيث الدور والمهام التي تقوم بها في صناعة السياسة الخارجية حيث أنها تفرض في بعض الأحيان رؤيا معينة على الإدارة الأمريكية من خلال إصدار عدد من التشريعات الخاصة بفرض العقوبات على بعض الدول. فالكونجرس له دور أساسي في إقرار الميزانيات الخاصة بالسياسة الخارجية والدفاع، التى تقدمها الولايات المتحدة، ويستطيع أن يزيد من حجمها كما يفعل مع إسرائيل أو يضع شروطاً عليها أو يجمدها كما يفعل مع مصر.

فقد تم ربط قطع المساعدات بسبب قضايا حقوق الإنسان في مصر ولكن في حقيقة الأمر هذا السبب يرجع إلى قانون “تعديل ليهي” الذي أصدره الكونجرس الذي يربط بين تقديم واشنطن جزء من المساعدات أو جميعها بمدى التزام هذه الدولة المقدمة لها المساعدات بمعايير معينة لحقوق الإنسان، كما يعطي لوزير الخارجية حق التأكيد أن الدولة المتلقية ملتزمة أم لا، علاوة على حق “تعليق” هذا الشرط إذا كان تطبيقه سيضر بمصالح الأمن القومي الأمريكي، وهذا يعني أن هناك حالة من عدم التوافق ما بين الكونجرس والإدارة الأمريكية انعكست على قرارتهم الخارجية بشأن تقديم المساعدات لمصر.

وفي المقابل؛ انتقدت القاهرة في بيان لوزارة الخارجية المصرية، واشنطن إثر تقارير عن وقفها المساعدات عسكرية مخصصة لها تصل قيمتها إلى 152 مليون دولار واعتزامها قطع معونات أخرى تبلغ قيمتها 96 مليون دولار نتيجة لما وصفته واشنطن بأنها مخاوف بشأن حقوق الإنسان فيها، حيث اعتبر البيان أن القرار يعكس “افتقارًا للحكمة”.

“المساعدات الأمريكية” كمحدد للعلاقات بين واشنطن والقاهرة:

بدأت واشنطن في تقديم مساعدات عينية إلى القاهرة قبل أكثر من عشرين عامًا على توقيع اتفاقية السلام، على هيئة توريد شحنات قمح أمريكي، وكان ذلك بداية عام 1953، ولم يكد يحل عام  1956 حتى بلغت المساعدات نحو 19 مليون دولار، إلا إنها قامت بتجميدها كعقاب على قرار تأميم قناة السويس، في أعقاب التعنت الأمريكي بسحب عرضها لتمويل السد العالي، وبعد عامين من حرب السويس سعى الرئيس الأمريكي “أيزنهاور” إلى استئناف العلاقات مع النظام المصري، الأمر الذي ترتب عليه توقيع ثلاث اتفاقيات تحت مظلة  “برنامج القانون العام 480 لفائض الحاصلات الزراعية” بقيمة 164 مليون دولار، وفي فبراير 1962 استجاب الرئيس “جون كيندي” إلى مطالب الرئيس “عبدالناصر” لتنفيذ خطط التنمية الاقتصادية، وأرسل وفدًا برئاسة “إدوارد ماسون”، الذي أوصى باستمرار المساعدات تفاديًا لزيادة الاعتماد المصري على الاتحاد السوفيتي، وبناء على ذلك قرر “كيندي” تقديم مساعدات بقيمة 390 مليون دولار رغم معارضة الكونجرس الأمريكي، إلا أنها توقفت مرة أخرى؛ في أعقاب الدعم المصري للثورة اليمينة التي أطاحت بالنظام الملكي الموالي للمملكة العربية السعودية.

وبعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، أضحت القاهرة وإسرائيل تتلقى مبلغ ثابتًا من المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، تحولت هذه المساعدات المقدرة بنحو 2.1 مليار دولار إلى منحة لا ترد، 815 مليون دولار مساعدات اقتصادية، و1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية، ورغم أن مبلغ بعد أن تم تخفيضه أصبح 1.8 مليار دولار، ولا يتجاوز 2% من إجمالي الدخل القومي المصري، إلا أنها لعبت دورًا خطيرًا في السياسة الداخلية للبلاد على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، ساهمت فيها تلك المساعدات في زيادة العجز التجاري، وجعلت القرار السياسي المصري مرهونًا بمصالح واشنطن و “إسرائيل”.

وفي أعقاب ثورة 30 يونيو 2013 جمدت واشنطن مساعدتها العسكرية السنوية البالغة 1.3 مليار دولار، وأوقفت المناورات العسكرية المشتركة “النجم الساطع”، ثم أوقفت تسليم مشتريات الأسلحة إلى مصر والصيانة والتدريب، مع استمرار إدانة النظام المصري بانتهاكات حقوق الإنسان في مصر وقمع الإسلاميين، ومع تولي الرئيس “عبدالفتاح السيسي” الرئاسة وإعلانه عن استراتيجية مكافحة الإرهاب مع تعزيز الجهود الرامية إلى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة أعلنت إدارة “أوباما”  في أبريل 2015، إعادة المساعدات العسكرية إلى مصر.

وفي المقابل؛ تعد “إسرائيل” منذ قيامها عام 1948 أكبر متلقي للمساعدات الخارجية من الولايات المتحدة– ما يصل مجموعه إلى 121 مليار دولار، معظمها في شكل مساعدات عسكرية، كما تميزت هذه المساعدات أنها دائمًا في زيادة مستمرة دون قيد أو شرط رغم الانتهاكات الإسرائيلية وسياساتها المتطرفة والعنصرية، فعلى سبيل المثال أنشأت إدارة “جورج بوش” الابن في 2007 مجموعة من المساعدات العسكرية لإسرائيل تمتد لـ10 سنوات، بمقدار 30 مليار دولار، للسنوات المالية 2009 وحتى عام 2018.

والجدير بالذكر أن هذه المساعدات تلقتها “تل أبيب” بالفعل والتزمت بها إدارة  الرئيس الأمريكي “باراك أوباما”، فخصصت 3.1 مليار دولار للعام المالي 2014، ونفس المبلغ المطلوب للعام المالي 2015، بالإضافة إلى مطالبة إدارة أوباما 96.8 مليون دولار أخرى للبرامج الأمريكية الإسرائيلية المشتركة و175.9 مليون دولار لنظام القبة الحديدية، وهو النظام الإسرائيلي المضاد للصواريخ قصيرة المدى، كما تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات مالية لا علاقة لها بالدفاع، فقد تلقت إسرائيل منذ عام 1973 منح سنوية من برنامج مساعدة الهجرة واللاجئين التابع لوزارة الخارجية للمساعدة في إعادة توطين المهاجرين في إسرائيل، وذلك وفقًا لتقرير صادر عام 2014 عن خدمة أبحاث الكونجرس تحت عنوان “مساعدات الولايات المتحدة الخارجية لإسرائيل“.

استقلالية القرار المصري في مواجهة القوى الدولية:

أدركت الإدارة المصرية أن قرار الولايات المتحدة الأمريكية بمنح مصر العديد من المساعدات هو قرار مرهون بالتطورات السياسية على الساحة الداخلية والخارجية التي تكاد تعصف بالعلاقات في كثير من الأحيان، فعلى الرغم من حالة التوافق التي شهدتها العلاقات بين الجانبين في كثير من الملفات الإقليمية والدولية إلا أن العلاقات الأمريكية المصرية مازالت مرهونة بالمصالح الأمريكية في المنطقة العربية.

لذا فقد حرصت القيادة المصرية على التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها حليف استراتيجي قوي ومؤثر في سياق النظام العالمي، دون امتداد هذا التأثير على القرار المصري الداخلي، بالتزامن مع الانفتاح والتعاون بشكل وثيق مع القوى الدولية الكبرى والصاعدة، لذا فقد اتسمت العلاقات بينهم بالشراكة الاستراتيجية والندية على مستوى الخطاب الرسمي والتعاون بينهم على كافة الأصعدة، كما أصبحت أولوية لدى صانع القرار المصري التعامل مع تنويع مصادر الأسلحة المصرية، كاستجابة للتطورات الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على استقلالية القرار المصري.

تجسد ذلك في توقيع القاهرة عقود بمليارات الدولارات لإمدادات الأسلحة مع فرنسا وألمانيا والصين روسيا، فضلًا عن القيام بالعديد من التدربيات المشتركة مع عدد من القوى الكبرى وفي مقدمتها روسيا الاتحادية، التي تجلت في إجراء أول عملية بحرية مشتركة أطلق عليها اسم “جسر الصداقة 2015” في 6 يونيو 2015، وجاءت هذه المناورات البحرية  في أعقاب صفقة أسلحة تبلغ قيمتها نحو ملياري دولار لموسكو لتزويد مصر بنظام الدفاع الجوي المتقدم S-300 والطائرات المقاتلة ميج والأسلحة الأخرى، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون العسكري، بين البلدين علاوة على مناورات “حماة الصداقة 1” في 2016 التي تجددت مرة ثانية في الشهر الحالي، وفى مايو عام 2015، زار وزير الدفاع “صدقى صبحى” الصين ووقع عقودًا على أسلحة ومعدات عسكرية جديدة مع نظيره الصيني تشانغ وان تشيوان، فيما وقعت مصر اتفاقيات مع ألمانيا لتزويد مصر بأربع غواصات هجومية تقليدية تعمل بالديزل والكهرباء، طراز 209، تم تصنيعها من قبل شركة ثيسنكروب بالإضافة إلى اتقافيات الرافال مع فرنسا.

وفي هذا السياق؛ لم تتوقف صادرات مصر من الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أعلنت السفارة الأمريكية في القاهرة في 22 يونيو 2015، أن الولايات المتحدة سلمت سفينتين تابعتين للقذائف الصاروخية السريعة إلى البحرية المصرية، لتدعم بشكل مباشر الأمن البحري والإقليمي الذي يشمل حماية المجاري المائية الحيوية مثل قناة السويس والبحر الأحمر، فضلًا عن استئناف مناورات النجم الساطع مرة ثانية في الشهر الجاري التي تتم في قاعدة “محمد نجيب” العسكرية.

المساعدات الأمريكية.. الأهداف والأسباب:

استندت المساعدات الأمريكية المقدمة إلى الدولة المصرية على تحقيق أهداف غير معلنة للإدارة الأمريكية كان أبرزها، كسب ود النظام المصري وضمان استمرارية التقارب المصري الأمريكي بعيدًا عن الاتحاد السوفيتي سابقًا، واستمرارية اتفاقية السلام مع إسرائيل التي تضمن لها استمرارية استقرار المنطقة، علاوة على تحقيق فوائد اقتصادية هائلة عبر تصريف فوائض الإنتاج العسكري الزائد عن حاجاتها الذي يمنحها شرعية داخلية وتأييد مطلق من أصحاب مصانع السلاح فضلاً عن ضمان استمرارية مساندة المجمع الصناعي العسكري للسياسات الداخلية للإدارة الأمريكية.

فعلى سبيل المثال؛ كانت المساعدات الاقتصادية موجهه بشكل كبير إلى دعم الموازنة العامة التي كان تهدر في دعم منظومة الأجور علاوة على تخصيص 16% منها لدعم برامج الديمقراطية في مصر، وتحمل هذه المساعدات في طياتها العديد من السلبيات على الاقتصاد المصري، فقد عجزت على تدعيمه وتحقيق أهداف التنمية، وفيما يتعلق بالمساعدات العسكرية؛ فبرغم من موافقة الكونجرس على تقديم مساعدة عسكرية بقيمة 1.3 مليار دولار لمصر، التي تعد ثاني أكبر مجموعة مساعدات بعد التي تقديمها إلى إسرائيل، إلا إن الجيش المصري لا يحصل على هذا المبلغ نقدًا، كما هو الحال مع “إسرائيل”، حيث يتم دفع جزء كبير من هذه المساعدات للمقاولين العسكريين الأمريكيين الذين يجمعون الدبابات والطائرات الحربية ويرسلونها إلى مصر منذ عام 1986، كانت واشنطن نقلت221  طائرة مقاتلة من طراز F-16 بقيمة إجمالية قدرها 8 مليارات دولار إلى مصر كجزء من حزمة المساعدات العسكرية على الرغم من أن المستشارين العسكريين الأمريكيين يقولون لسنوات إن القاهرة لديها ما يكفي من الطائرات والدبابات ولا تحتاج إلى أكثر من ذلك، وبالمثل، تم نقل أكثر من ألف دبابة أبرامز إلى مصر منذ عام 1992 بتكلفة إجمالية قدرها 3.9 مليار دولار على الرغم من أن ما يقرب من 200 منهم لم تستخدم أبدا.

ونتيجة لذلك، يقوم متعهدو الدفاع بكسب ملايين الدولارات سنويًا ويستخدمون عشرات الآلاف من العمال كنتيجة مباشرة للمساعدات العسكرية الأمريكية لمصر ودول أخرى في الشرق الأوسط، على حد قول “بروس بارون” رئيس شركة بارون للصناعات في أوكسفورد بولاية ميشيغان، وهي شركة مصنعة لأجزاء أبرامز M1A1 التي ترسلها الولايات المتحدة إلى مصر “إن المساعدات التي نقدمها لمصر تعود إلى الولايات المتحدة بالنفع عليها وعلى مئات العاملين في هذا المجال”.

وهنا لابد من التأكيد على أن المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدولة المصرية تأتي في إطار الحفاظ على المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، والحفاظ على التفوق النوعي والكمي لحليفتها الاستراتيجية في المنطقة علاوة على ضمان استمرارية التأثير على القرار المصري، حيث تدرك الإدارة الأمريكية أن القرار المصري مستقل دائمًا عن التجاذبات الدولية وعصي على الخضوع إلى أي قوى دولية كما إنه دائمًا يتميز بالريادة والاستقلالية فضلًا عن الاعتدال في المحافل والمنظمات الدولية والإقليمية، فمصر باب الوصل بين الغرب والشرق.

كما تدرك واشنطن أن التهديد أو التخفيض الفعلي للمساعدات الأمريكية يمثل دورًا مُتناميًا لفاعلين جدد في منطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن رجوع القوى الروسية التي تحاول استعادة نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي من خلال السيطرة على مصادر الطاقة خاصة الغاز الطبيعي في المنطقة، بالتزامن مع الحد من الهيمنة الأمريكية خاصةً في ظل إدارة الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، وتجلى ذلك مع اندلاع الثورات العربية خاصةً في حماية نظام “بشار الأسد” في سوريا، وإدخال نفسها مرارًا وتكرارًا في المواجهة بين الغرب وإيران حول القدرات النووية للأخرى، وفيما يتعلق بالعلاقات بالروسية المصرية، فقد شهدت طفرة نوعية خاصة مع وصول الرئيس “السيسي” إلى سدة الحكم الذي انعكس على التعاون الاقتصادي والعسكري علاوة على التوافق السياسي في إدارة العديد من الملفات الإقليمية الشائكة.

وهنا لابد من توضيح نقطة مهمة وهي مدى قانونية هذه المساعدات، هل هي فعلاً استحقاق قانوني أم إنها منحة تقدمها واشنطن ما تشاء إلى الدولة المصرية لتكون لها اليد العليا داخل الشأن المصري؟ تعد الولايات المتحدة قوى عظمى في النظام الدولي تفردت بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إلا إنها كانت أحد أقطاب النظام الدولي عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية الأمر الذي دفعها لتكون ركيزة أساسية في التأثير على القرار السياسي للعديد من الدول.

لعبت واشنطن دورًا بارزًا في الصراع العربي الإسرائيلي مهد الطريق أمامها في أن تقوم بدور الوساطة لإنهاء حالة الحرب بين إسرائيل والقوى الإقليمية العربية في المنطقة وفي مقدمتهم مصر التي أبرمت معاهدة السلام مع “إسرائيل” عقب انتصار أكتوبر 1973، لم تكن الولايات المتحدة طرفًا قانونيًا في اتفاق السلام بين مصر و”إسرائيل”، كما أن الاتفاق نفسه لا يتضمن أي بنود تلزم واشنطن بتقديم مساعدات اقتصادية أو عسكرية إلى مصر أو “إسرائيل”، إلا أن الولايات المتحدة ألحقت مذكرتين مرفقتين بالتزاماتها لكلا الجانبين وبوصفها وسيطًا بين الجانبين، تسعى إلى ضمان التوازن الإقليمي للسلطة والاستقرار والتعاون الإسرائيلي المصري لذا قامت واشنطن، بمساعدة من الكونجرس، بمنح كلا البلدين حزمة من المساعدات، كان الاتفاق ألا يقل مبلغ المساعدات الأمريكية لمصر عن ثلثي ما تحصل عليه إسرائيل من مساعدات أمريكية، ولكن الواقع العملي أثبت عكس ذلك، ومثل ذلك تعهد أمريكي في سجلات مباحثات السلام التي تمتلك نفس حجية الاتفاقيات، هذا يعني أن الولايات المتحدة تقوم بالتصرف منفردة في التعامل مع المساعدات الأمريكية المقدمة لمصر كما إنها ترهنها وفقًا للتطورات السياسية الداخلية.

وفي الواقع، هناك خوف في “إسرائيل” من أن خفض أو تجميد المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر سيكون له تأثير سلبي على أمن” إسرائيل” وعلى تفوقها النوعي في المنطقة، بل والأسوأ من ذلك، على اتفاق السلام نفس، وتعتقد إسرائيل أن أموال المساعدات الأمريكية هي السبب الوحيد لمصر في الالتزام بمعاهدة السلام، وأنه بدونها لن يشعر النظام المصري بأي التزام بالحفاظ عليه.

ختامًا؛ يعد قرار خفض المساعدات الأمريكية لمصر ما هو إلا نتيجة لاتساع هوة الخلاف بين الإدارة الأمريكية والكونجرس حول وضع رؤية متكاملة لسياسته الخارجية تجاه مصر في ظل ما تشهده الدولة المصرية من متغيرات داخلية وخارجية على كافة الأصعدة، وبالرجوع إلى أسباب القطع والتي تم إرجعها إلى حالة حقوق الإنسان في مصر فإنها لم ترق إلى مستوى الانتهاكات التي يمارسها كيان الاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني الأعزل، فضلاً عن تميزه بالعنصرية المجتمعية واتباع سياسات التهميش والاقصاء بين المهاجرين، ولكن مازالت المساعدات الأمريكية تتدفق باستمرار دون انقطاع أو إدانة، لذا يعد هذا السبب مفتعل لأسباب غير معلنة تهدف في النهاية إلى تقويض النفوذ والقرار المصري، فمن المتوقع على المدى القريب أن تستأنف البلدين المفاوضات لعودة العلاقات إلى مسارها الصحيح، وواشنطن لن توقف مساعدتها لمصر ليس فقط لأن مصر تدفع أضعاف ما تحصل عليه منها، لكن باعتبار مصر من الدول القيادة في المنطقة ففي حالة تغيير مصر منظومة التسليح لديها فستتبع كل الدول العربية نفس النهج، ما تجلى في صفة الرافال حيث تعاقدت مع باريس على شراء 24 طائرة رافال، اقتفت على أثرها دولة قطر على شراء 30 طائرة رافال.

———————————————————————————————-

المراجع:

  1. ” مصر تقرر قطع علاقاتها العسكرية مع كوريا الشمالية”، اسكاي نيوز عربي، 12 سبتمبر 2017. الرابط
  2. محمد كمال، ” مصر وجلسة الاستماع بالكونجرس”، المصري اليوم، 30 أبريل 2017. الرابط
  3. محمد كمال، “مصر وأمريكا والمعونة”، المصري اليوم، 27 أغسطس 2017. الرابط
  4. ” مصر تنتقد قرارا أمريكيا بوقف معونات عسكرية مخصصة لها”، BBC عربي، 23 أغسطس 2017. الرابط
  5. محمد نوار، ” مصر.. المعونة الأمريكية رغبة الاستغناء وإنهاء التبعية”. الرابط
  6. “ما هي حجم المساعدات الأمريكية لإسرائيل؟”، 2 مارس 2015. الرابط
  7. “الموافقة على خفض المعونة الأمريكية بنسبة 10% سنويًا لم تكن قرارًا صائبًا”، الأهرام الاقتصادي، العدد 2516، سبتمبر 2017.
  8. 8- Dr. Shaul Shay, “Egypt’s Arms Diversity Strategy”, Israel Defense. 25-6-2015. Available at
  9. 9- Yehuda Blanga, “Should Washington Withhold Aid to Egypt?”, Middle East, Vol 21, 2014. Available at
  10. 10- Samuel Ramani, “The Egypt-North Korea Connection”, The Diplomat, 28-8-2017. Available at
  11. 11- Eric Trager, “Washington’s Unfocused Decision on Aid to Egypt”, The Washington Institute for Near East Policy, 23-8-2017. Available at