الولايات المتحدة ومصر وبينهما كوريا الشمالية.. ماذا عن تسليح الجيش المصري؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

الولايات المتحدة ومصر وبينهما كوريا الشمالية.. ماذا عن تسليح الجيش المصري؟




 

استكمالاً للمقال السابق، نحن هنا كبشر دون تصنيف، أو مواطنين في دولة من دول هذه المنطقة، أمام مسارين لفهم ما يحدث في كوريا الشمالية أو ما يحدث في أي مكان أخر وتأثيره علينا، وكذلك كيفية استقبالنا له وموقعه في أولوياتنا سواء كأفراد أو كمواطنين ضمن منظومة الدولة، أو حتى بالحد الأدنى متابعة ما يحدث في العالم من باب العلم بالشيء، وليس كمواطن أميركي في ولاية فيرمونت، وفي كل منهما ستجد أن سردية البروباجندا بعيداً عن المعلومة أو الخبر المنقول بمهنية وموضوعية تعوّل على عامل هو الأهم في كل هذه العملية الإعلامية بمراحلها وتراكماتها، وبدونه لا يتحقق هدف التوجيه وتكوين “رأي شخصي” يوظف بشكل سياسي بشمولية لا تختلف كثيراً عن شمولية الإعلام الكوري الشمالي، هذا العامل هو المتلقي بذاته، الذي يحدد موقفه تجاه حدث أو قضية ما وفق معايير منها المصلحة والعلاقة والأفكار والوعي، وهي معايير تتوافق بنسب مختلفة مع ما هو مطروح وسائد من دعاية في مختلف وسائل الإعلام.

المسار الأول؛ هو أن تتقبل السائد المنشور عن كوريا الشمالية – أو غيرها من البلدان والقضايا والكيانات والأشخاص- دون أي جهد أو اجتهاد في تفسير أو فهم أعمق أو نقد لما يقدم لك بصيغة تبسيط مخل وتلخيص مبتسر على نمط “البوست اللي بيلخص كل حاجة” أو “أهم  5 حاجات عن كوريا السادسة ستدهشك لأنها مش موجودة”، ويكون رقم التفاعل مع هذا المنشور وإعادة نشره هو المعيار الأول والأخير لمصداقيته، وهذه العملية في حالة كوريا الشمالية تأتي كسلوك تفاعلي مباشر لما يذكره الكاتب السياسي والباحث الاقتصادي عامر محسن، بأن “في وسعك أن تُقارب مسألة بعيدةً عنك ولا يوجد بينك وبينها ارتباطٌ مباشر، أو أن «تخلقها في وعيك»، بأكثر من شكل، فلنأخذ كوريا مثالاً، من الممكن أن تنظر إلى كوريا الشمالية على أنّها أساساً بلدٌ وشعبٌ، وناسٌ مثلك؛ تتماهى معهم لأسباب إنسانية أو لأنّهم يعانون ويُقاسون أو لأنك تراهم مهددين ومضطهدين (ومن يرى الموضوع من هذه الزاوية، يُجمع عادةً على رفض العقوبات والحصار ضدّ البلد، ولو كان يُعادي النظام الكوري ويطالب بتغييره)، ومن الممكن أيضاً أن تنظر إلى القضية الكورية حصراً كقضيّة علاقات دوليّة: حكومتان تتنازعان وتقدّمان حججاً في القانون وخارجه، وأنظمة لها مصالح وأهداف تحاول فرض منطقها في لعبة القوة، وأخيراً، في وسعك أيضا أن ترى المسألة بأكملها على أنّها «رمز»، بالمعنى الإيجابي أو السلبي، فتختزل كوريا في عنوانٍ عريض يختصر ما تراه فيها («النّظام»، «العداء للإمبريالية»، خطر الحرب النووية، الخ)، فتكون كوريا «واسطة» للتعبير عن اصطفافك ومخاوفك ونظرتك إلى العالم، ما يحدث في هذه الحالة، اذاً، لا يقتصر على مصادرة للوقائع والتاريخ ــــ إذ تصبح تفاصيل و«خلفية» أمام الرمز الطاغي ــــ فكلّ تمثيل لقضيّة عامة، بعيدة، ينضوي على «مصادرة» ما، الأهمّ هو أنّك، هنا، لست تتكلّم على كوريا وقضيتها وحالها، بل تتكلّم حصراً عن نفسك، وتعبّر عن هويّتك أنت وانحيازاتك.

المسار الثاني: يحتاج إلى قليل من المجهود في التحري والبحث والتفكير وقدراً من التشكك، أي النقد بصفة مستمرة لكل ما يُقدم لك، حتى وإن كنت ترى نفسك فرداً متفرداً أو ضمن منظومة مثل الدولة، فكمواطن مصري على سبيل المثال، قد يهمك أن تعرف أن أزمة واشنطن مع بيونج يانج تؤثر على تسليح الجيش المصري، وهو أمر لا يتعلق فقط باتفاقية السلام والتحالف الاستراتيجي بين واشنطن والقاهرة، ولكن تصميم واشنطن من منظور “من ليس معنا فهو ضدنا” بتجاوز العلاقات الثنائية وحتى دور مصر في استراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط، بما في ذلك إيجاد معادلة عمل بين الأخيرة وحلفائها في المنطقة قائمة على فكرة الإدارة غير المباشرة وعدم التورط المباشر وفق أولويات مشتركة تخدم مصالح جميع الأطراف، يتم تحقيقها بشكل لامركزي لتكون في النهاية الصورة الكاملة لتحقيق الأهداف والغايات الأميركية، فإذا بقرار حجب شريحة المساعدات الأميركية لمصر مرتبط بخلاف مسألة حقوق الإنسان بشيء مثير للتأمل وهو العلاقات المصرية –الكورية الشمالية؛ فإذا بواشنطن ترهن المساعدات لمصر بضرورة إفصاح الأخير عن مدى علاقاتها مع كوريا الشمالية، وأن تكون القاهرة ملتزمة بحزم العقوبات التي تفرضها واشنطن على بيونج يانج، وهو الأمر الذي يعيد في الأذهان سياسة تبعية مباشرة على نمط الحقبة الاستعمارية، بما في ذلك اصطفاف “حلفاء” و”شركاء” واشنطن في سياساتها تجاه دولة أو عدة دول، وهو أمر قد يكون مفهوماً لو أننا في ظرف تاريخي مخالف، وهو أمر أيضاً بجديد على السياسات الخارجية الأميركية، من زاوية الإجبار الفوري بالضغط المباشر على “حليف” مثل مصر من أجل أن تلتزم الأخيرة بسياسات واشنطن تجاه كوريا الشمالية، أي أن تكون مصر ضمن أدوات معاقبة بيونج يانج.

هذا الأمر على منطقيته من وجهة نظر واشنطن، وتناسبه حتى مع عقلية “رجل الأعمال” ترامب وإدارته وتوجهاته ونمط الاستفادة المطلقة الذي طُبق في صورته القصوى مع 480 مليار دولار من السعودية لتجاوز مشكلاتها مع الولايات المتحدة، فإنه في الحالة المصرية يؤدي إلى فتح احتمالات غير آمنة لمستقبل العلاقات بين البلدين، ما ينعكس على مستوى استراتيجي بتغير محددات العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، ومتصل مباشرة بمسألة تأثير واشنطن على استراتيجية تسليح الجيش المصري والتحكم في مدى تطور بعض من أسلحته لضمان أمن إسرائيل، وهنا نجد أن العلاقات بين مصر وكوريا الشمالية رقم هام في هذه المعادلة.

 فالعلاقات العسكرية بين مصر وكوريا الشمالية منذ ستينيات القرن الماضي، وسلاح الجو الكوري الشمالي دافع في وقت ما إبان حرب الاستنزاف عن سماء القاهرة، مثله مثل سلاح الجو الروسي والجزائري، وهو أمر استمر بعد اتفاقية السلام 1979، والتوجه الاستراتيجي المصري نحو واشنطن، لكن بوتيرة أقل ومحصورة فيما يتعلق بالمحظورات التي حددتها واشنطن في تسليحها للقاهرة، المتمثلة في الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، فتكررت المعلومات طيلة الثمانينيات والتسعينيات حتى الأن عن برامج تعاون عسكري مع دول مثل الصين وروسيا والأرجنتين وكوريا الشمالية، والأخيرة كان أبرز أوجه التعاون معها كان برنامج صواريخ متعددة الطرازات عقب 1973، واستمر بغية معادلة التفوق الجوي الإسرائيلي حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، وبموازاة ذلك كان الاعتراض الأميركي والتخوف الإسرائيلي والسعي لتقييد مصادر تسليح الجيش المصري فيما يتعلق بالأنواع التي تخل من عقيدة التفوق العسكري الإسرائيلي على دول المنطقة التي تضمنها واشنطن، التي تعاملت معها القاهرة بأساليب مختلفة حتى الأن، لضمان عدم الإخلال بتوازن القوى العسكري، ما لجأت تل أبيب وواشنطن من وراءها عبر أسباب غير مباشرة للحد منه لصالح الأولى، حتى فيما يتعلق بأسلحة تقليدية.

ويتخطى الأمر الشق العسكري للشق السياسي المتمثل في محددات جديدة للعلاقات المصرية الأميركية، وهو في ظل انكماش مصري خارجي، فإن الإرادة الأميركية قد تتكرر على مستوى السعودية والإمارات؛ حيث تكون علاقة مصر بدولة ما “حليفة” يحدد ويقيد علاقاتها مع دول أخرى تستفاد منها في شتى الأوجه بما في ذلك الشق العسكري، ولعل التاريخ المصري في العصر الحديث يذخر بمثل هذه المعادلات التي كانت القوى الكبرى دوماً ما ترهن علاقاتها بمصر وجودتها بعلاقاتها مع دول أخرى دون أدنى اعتبار للاستقلالية طيلة عهد الاستعمار، ما تم كسره منذ 1954، بداية من صفقة الأسلحة التشيكية وتمويل السد العالي، ودور مصر الرائد في تأسيس منظمة دول عدم الانحياز، ثم انقلاب ذلك منذ 1979 ووهم الشراكة مع واشنطن، الذي انحدر للتبعية في أعقاب حرب الخليج الثانية، ثم أكثر تدهوراً من المنافسة على الوكالة الأميركية، وصولاً إلى تذييل الوكيل الإقليمي للسياسات الأميركية، وتحديد أولويات السياسة الخارجية طبقاً لأولويات “الحلفاء”، حتى وإن كانت تضر بالأمن القومي لمصر.