فرص وتحديات حرب إسرائيل القادمة (تقدير موقف) - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
فرص وتحديات حرب إسرائيل القادمة (تقدير موقف)

فرص وتحديات حرب إسرائيل القادمة (تقدير موقف)




ملخص تنفيذي

مسار الصراع المسلح في فلسطين منذ بداية موجات الهجرة الصهيونية، حتى حرب يونيو1967، كان قرار المبادرة وفعلها الميداني في يد الصهاينة، وإن حولوا هذا الهجوم في روايتهم إلى دفاع بحجج أسطورية توراتية أو براجماتية عملية، وهو أمر يتسق مع بنيوية الكيان الصهيوني باختلاف زاوية العدو والحليف والصديق منذ نشأته؛ فعلى سبيل المثال كان أول عمل عسكري صهيوني منظم موجه نحو الوجود العسكري البريطاني بجانب استهداف العرب في فلسطين بعد إعلان الانتداب 1922، وعلى نحو متواتر خاصة منذ إصدار الكتاب الأبيض حتى إلغاء الانتداب، على الرغم من دور بريطانيا الأساسي ودور انتدابها في فلسطين، الذي أسس لشرعية التواجد الصهيوني بوعد بلفور وقبله باحتضان الصهيونية في أوروبا وبعده بالانتداب، لكن ليس بالحدود التي يرتضيها الصهاينة الأوائل، فتأتي حرب 1948 حسب الرواية الصهيونية كحرب دفاعية وليست حرب احتلت على أثرها ما تبقى من فلسطين التاريخية – ماعدا غزة والضفة والقدس الشرقية الواقعين وقتها تحت الحكم المصري والأردني- متجاوزين بذلك كل الحدود والتقسيمات التي أقرتها بريطانيا ومن بعدها الأمم المتحدة.

وحتى حرب 1967، تصر تل أبيب أنها حرب دفاعية، بمنطق عسكري وهو نقل الحرب خارج حدود الكيان الآمنة، وخلق دائرة جغرافية تؤمن الجبهة الداخلية، باحتلال ما تبقى من فلسطين بالإضافة لسيناء المصرية وهضبة الجولان السورية. لكن بعد هذه الحرب وكافة المعارك التي دخلتها إسرائيل فقدت فيها المبادرة والمبادأة، وهو الأمر الذي تأكد في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر1973، وما تلا ذلك من عمليات عسكرية وغزو إسرائيلي للبنان من 1981 حتى حرب تموز 2006، حيث كانت تل أبيب في رد فعل دائم مع مقاومة تأسست ونمت تحت ظل الأنظمة العربية حتى السبعينيات، وبعيداً عنها منذ الثمانينيات بعد أن مالت معظم هذه الأنظمة للتصالح مع إسرائيل كشرط أساسي للسير في ركاب واشنطن، وتحولوا بالنسبة لتل أبيب على مدار العقود الثلاث الماضية من خانة العدو إلى خانة المحايد فالشريك وأخيراً الحليف.

هذا الأمر على صورته الرسمية القاتمة، إلا أنه يحمل متغيرات هامة في سيرورة الصراع مع الكيان الصهيوني ومقاومته؛ فأولاً فقدت إسرائيل المبادرة والمبادأة العسكرية منذ حرب 1973، وتحولت حروبها إلى آلية دفاعية تحافظ على مركزية الآلة العسكرية الصهيونية في الكيان الصهيوني، والأهم أنه على الجهة الأخرى بدأت مقاومة إسرائيل تنتقل من الدفاع للتوازن للهجوم، وفقدت إسرائيل للأبد فكرة شن الحروب وقتما تريد وأينما تريد، بتوازن ردع وحسابات تنتهي إلى أن تل أبيب تستطيع أن تبدأ معركة لكن لا تستطيع أن تنهيها، بخلاف أن قائمة “الأعداء” الإسرائيلية خلال العقود الثلاث الماضية لم تضم سوى حركات المقاومة وحتى الأن بشكل تبتعد فيه عن الاشتباك مع أياً من الجيوش النظامية المحيطة بها، خاصة وأنها تضمن تحييد الجيش المصري بمعاهدة السلام وما تلاه من تفاهمات وصلت لحد التحالف مع القاهرة بشكله الجديد المتعلق بـ”السلام الدافيء”، وكذا انهيار العراق بعد الغزو عام 2003، وأخيراً الحرب في سوريا وإنهاك الجيش السوري في معارك داخلية قدمت فيها إسرائيل جبهتها الأمامية عبر الجماعات التكفيرية كحائط صد أولي سرعان ما استفاقت عليه بعد ست سنوات من الحرب في سوريا على واقع استراتيجي جديد يميل لغير مصلحتها ويمثل خطر وجودي عليها بكلمات رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي قبل شهرين.

نظرية المجال الحيوي وتطورات العقيدة الأمنية:

الملاحظ أن مرونة تل أبيب في تصنيف الأعداء والحلفاء لا تقتصر فقط على برجماتية سياسية، ولكن استثمار وتوظيف المتغيرات في الشرق الأوسط لصالحها بعد 1973 حتى الأن؛ فلا تنظر إسرائيل إلى قائمة المخاطر والتهديدات بنفس الزاوية التي كانت ترتب وفقاً لها أولوياتها السياسية والعسكرية منذ نشأتها، بل تتطور وفق معطيات الواقع وبدرجات ما بين التهديد الأمني والتهديد الوجودي؛ فمثلاً أضحت مصر منذ 1979 خطر تم احتوائه باتفاقية السلام 1979، ما لبث إلى أن تطور ببطء إلى شراكة ثم إلى تحالف سياسي، بينما نظرت تل أبيب إلى  حركات المقاومة من نفس التوقيت على نفس المقياس لكن بشكل معاكس، من تهديد أمني إلى خطر عسكري إلى تهديد وجودي، وذلك بالتوازي مع تغير جوهر العقيدة الأمنية لإسرائيل، سواء بتغير الظروف الموضوعية للبيئة السياسية التي كانت معادية وقت نشأة الكيان، أو بتغيرات ذاتية مرتبطة في مختلف بلدان الشرق الأوسط وتوظيفها سلباً أو إيجاباً لصالحها، حتى 2011، حيث بدأت إسرائيل منذ هذا التاريخ ووفق المتغيرات التي حدثت في المنطقة تعديل عقيدتها الأمنية بشكل مرن مستدام يمكن تلخيصها في: تأكيد التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإنشاء ثلاثة مجالات استراتيجة للكيان في الخليج وشرق المتوسط وشرق أفريقيا، ومنع وإحباط التهديدات العسكرية المحتملة، وأخيراً إنشاء آلية داخل الكيان للتكيف مع المتغيرات المتلاحقة في المنطقة.

ولكن قبل التطرق إلى هذه المتغيرات والتعديلات ومساراتها المكثفة وسريعة الوتيرة في السنوات الأخيرة، من المهم التطرق إلى محددات العقيدة الأمنية للكيان الصهيوني منذ نشأته وهي: المبادأة بالحرب، ونقل المعركة إلى أرض العدو، حد جغرافي فاصل على حدود المواجهة (جنوب لبنان قبل 2000 وهضبة الجولان المحتلة)، تحقيق نصر سريع وحاسم باستخدام أسلوب حرب البرق (الحرب الخاطفة التي لا تستغرق فترة طويلة)، المبادرة بالهجوم، تقليل الخسائر البشرية.

ويمكن القول أن بعد حرب 1967 فشلت معظم هذه المبادئ في تحقيق ما تهدف إليه، ففي حرب 1973 فقدت إسرائيل ميزة المبادأة والمبادرة بالهجوم، كذلك في تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، حيث أصبح مبدأ تقليل الخسائر البشرية محل تساؤل بعد أن فقدت إسرائيل مئات من قواتها بنهاية التسعينات بسبب مبدأ الحفاظ على أرض فاصلة، كذلك بعد هزيمة الجيش الصهيوني عام 2006 وتعرض الجبهة الداخلية للقصف وتعثر الجيش الإسرائيلي لعشرات الأيام في عدة كيلومترات من أراضي جنوب لبنان أفقد الإسرائيليين أهم ميزتين في عقيدتهم العسكرية؛ نقل المعركة إلى أرض العدو والحرب الخاطفة، ما تم التأكيد عليه في حرب غزة 2009، وقصف تل أبيب في 2012 من جانب المقاومة الفلسطينية.

هذه الهزائم المتوالية بجانب تغير موقف جُل الدول العربية تجاه إسرائيل، أثبتت أن العقيدة الأمنية العسكرية لتل أبيب تحتاج إلى إصلاح جذري، تمثل بشكل أولي في تغييرات تكتيكية وإجرائية في نهج الدفاع، فمن مشروعات التصدي للصواريخ الباليستية ومتوسطة وقصيرة المدى (القبة الحديدية، مقلاع داوود، السهم) والضربات الوقائية خارج الحدود، إلى الاغتيالات والحرب المعلوماتية والسيبيرانية، بعض من هذه الوسائل والأساليب “الدفاعية” المشار إليها تعتمدها إسرائيل منذ الستينات (الاغتيالات على سبيل المثال)، إلا أنها كانت في النهاية استثنائية وتحتاج إلى المرور بمراحل معقدة سياسياً وتتطلب تمهيد ظرف إقليمي ودولي يسمح بتنفيذها دون توابع سلبية، لكن الجديد هو أن يتم اعتماد هذه الوسائل ضمن مجال استراتيجي جديد بالتحالف مع دول إقليمية، أي خلق مجالات تحالف استراتيجي ثلاث جهات: مع دول شرق أفريقيا (أوغندا، أثيوبيا، جنوب السودان، كينيا) ودول شرق المتوسط (اليونان، قبرص، دول البلقان)، كذلك مع الدول المحيطة بها التي تربطها بها علاقات رسمية (مصر والأردن وقطر) وأن تعزز علاقتها الإقليمية الحالية بأكبر قدر ممكن، والمجال الاستراتيجي الثاني في منطقة الخليج من خلال إقامة علاقات رسمية أو غير رسمية مع دول الخليج، فبدأت إسرائيل في الفترة الأخيرة مرحلة جديدة من إدارة علاقاتها الخارجية بدول المنطقة، على أساس ثلاثة محددات استراتيجيه، أولها أن تكون لها الريادة واليد العليا في معادلة العلاقات هذه، سواء على مستوى العلاقات الثنائية بينها وبين دول لها علاقات رسمية معها مثل الأردن ومصر وتركيا واليونان وقبرص، أو مع الدول التي ليس بينها وبين تل أبيب علاقات رسمية وإنما مصالح مشتركة مثل السعودية ودول الخليج، التي دافعها الأساسي في تطوير علاقاتها بإسرائيل هو التصدي لإيران، وثاني هذه المحددات هو أن تمتد مجالات التعاون بين إسرائيل وهذه الدول على أساس جيوسياسي وليس فقط عبر اللقاءات السرية والعلنية، أي أن يكون هناك تماس مباشر مع دول الجوار العربي، سواء كان هذا التماس اقتصادي مثل غاز شرق المتوسط وتقاطعه مع علاقاتها الخارجية مع كل من مصر واليونان وقبرص، أو أمني في مع مصر والأردن وكذلك الدول الداعمة للجماعات المسلحة في سوريا مثل قطر والسعودية، التي توفر عبر هذه الجماعات حزام أمني لحدود إسرائيل مع سوريا، وثالث هذه المحددات استثمار وتوظيف مجالات التعاون السابقة مع الدول المحيطة بها إلى خلق فرص لتوسيع النفوذ الإسرائيلي في ما يعرف في الأدبيات الجيوسياسية الإسرائيلية بدول ما وراء الطوق، التي تعتبر دائرة من ثلاث دوائر حسب نظرية الأمن الإسرائيلي المعروفة بـ”الدوائر الثلاث”، التي تعد أحد ركائز العقيدة الأمنية لإسرائيل.

هذه النظرية التي دُشنتها إسرائيل في خمسينيات القرن الماضي تشير باختصار إلى ثلاث دوائر جيوسياسية تحيط بها، الأولى هي دول الطوق ممثلة في مصر والأردن وسوريا ولبنان –ومؤخراً قطاع غزة-، والثانية هي الدول العربية المحيطة بدول الطوق وهي العراق وتركيا والسودان وليبيا والسعودية، والثالثة هي الدائرة الأبعد وفيها دول مثل الهند وإيران وباكستان وأثيوبيا ودول القرن الأفريقي مع ترك القوس مفتوحاً حسب دواعي التطورات على مدار العقود السابقة. ودول الدائر الثالثة هذه تمثل للسياسة الخارجية لإسرائيل فرص جذب أو تنفير لها ولدول الدائرة الثانية والأولى، أي إن لم تستطيع إسرائيل إقامة علاقات إيجابية معها تستثمر لصالح صراعها مع دول الدائرة الأولى والثانية، فأنها تعتمد أن تكون علاقة دول الدائرة الثالثة وبالحد الأدنى على عدم وفاق مع دول الدائرة الأولى والثانية، لتطور هذه النظرية على مدار العقود السابقة خاصة منذ أواخر السبعينيات حسب متغيرات طرأت على مجموع هذه الدول، أهم هذه المتغيرات هي معاهدة السلام مع مصر التي حولت الأخيرة من عدو إلى صديق وبالحد الأدنى طرف محايد، وأيضاً الثورة الإيرانية التي حولت طهران من حليف موثوق لإسرائيل في عهد الشاه، إلى عدو إقليمي ما لبث بعد ثلاث عقود إلى أن أصبح العدو الأول لإسرائيل على مستوى المنطقة وربما العالم، ما دعا إلى تمدد علاقات إسرائيل بحسب النظرية نفسها إلى دول أخرى مثل أذربيجان المحاذية لإيران، وأخيراً توسيع “السلام الدافئ” ومناخ التحالف بين دول عربية وإسرائيل، الذي أدى إلى تغير جذري في هذه النظرية وإن لم يجنبها تماماً.

التهديد الاستراتيجي والحلول التكتيكية:

على الرغم من مناخ التحالف بين دول عربية وإسرائيل غير مسبوق في مداه وعمقه وتشعبه، الذي يعد التغير “الإيجابي” الأهم في مسار علاقات الكيان الصهيوني بدول المنطقة منذ 1948، الذي تجاوز في مداه اتفاقيات السلام الثنائية بين تل أبيب والقاهرة وعمان، وتطوره من شكل ثنائي إلى نمط تحالف سياسي يوطد أساسه الاقتصادي والثقافي والإعلامي في السنوات الأخيرة، وتجلى السابق في جو محموم من المنافسة لقيادة تعميم التطبيع مع إسرائيل بين الدول العربية الحليفة لواشنطن، خاصة دول “الاعتدال العربي”: السعودية والإمارات ومصر، الذي تشكل مسألة إدارة العلاقات العربية- الإسرائيلية وقيادتها ليس فقط محوراً للتلاقي وتوطيد التحالف بينهم، ولكن أيضاً عامل منافسة فيما بينهم، وخصومة مع أطراف إقليمية أخرى مثل قطر وتركيا، بالتالي من البديهي أن يكون مناخ التكامل تارة والتنافس تارة والخصومة تارة أخرى في صالح دولة الاحتلال، لكن رئيس الموساد الإسرائيلي، يوسي كوهين، لديه رأى أخر في هذا السياق أبعد ما يكون عن أن التغيرات الحالية في المنطقة التي في ظاهرها وباطنها تصب في مصلحة إسرائيل، يراها هو في تقرير رسمي عرضه على الحكومة الإسرائيلية بحضور رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الأسبوع الماضي “تسير عكس مصلحة إسرائيل!

وغني عن الذكر أن العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل  شهدت طفرة كبيرة في السنوات الأخيرة، لدرجة لم تعد السرية المطلقة تناسبها، بل أن الأمر وصل إلى حد التنسيق العلني في كافة المجالات؛ دبلوماسية واقتصادية وعسكرية، هذه الطفرة التي قادها من الجانب الخليجي وتنافس عليها السعودية والأمارات وقطر، أتت على خلفية أولويات مشتركة وتقاطع مصالح هذه الدول مع إسرائيل ضد إيران، ولهذا لم يكن من المستهجن أن تشهد فعاليات هذا التقارب الخليجي- الإسرائيلي تقدماً على مستويات سياسية ودبلوماسية وعسكرية حتى، بوتيرة متسارعه مفاعيلها متقاربة في مداها الزمني على كافة المستويات، ما يصادق تصريحات نتنياهو التي قالها بمناسبة تعيين كوهين أواخر العام قبل الماضي بأن “الموساد يقدم يد العون في النواحي الدبلوماسية، بمساهمته بتطوير إسرائيل السياسية والدبلوماسية في كل أنحاء العالم، بما يشمل دولا عربية وإسلامية (..) ففي الأسبوع الماضي في باريس التقيت زعماء عرب وإسلاميين معتدلين قدروا موقف إسرائيل بتصديها للتطرف الراديكالي للقوى الإسلامية المتطرف”.

يعد يوسي كوهين من القلائل في تاريخ جهاز الموساد الذي يجمع بين الخبرة الميدانية والإدارية وكذلك الخبرة السياسية في العمل العام، فترأس شعبة عملاء الخارج في الموساد، “تسوميت” وهي المسئولة عن رصد وتجنيد العملاء حول العالم، وتوقع ذوي الشأن في إسرائيل منذ 2013 أن يكون هو رئيس الموساد الجديد، وأن تعينه وقتها مستشار للأمن القومي يأتي كإعداد وتجهيز لشغله هذا المنصب، تجهيز مرجو منه إدخاله المطبخ السياسي لنتنياهو، وتعريف كوهين بالمتطلبات الاستراتيجية لسياسة إسرائيل الخارجية، وليس فقط السياسة الأمنية.

وتعكس مراحل اختيار كوهين وتفضيله على المرشحين الأخرين رؤية وأولويات نتنياهو والسياسة الخارجية لتل أبيب بشكل عام، التي على أساسها تم اختيار هذا شخص لهذا منصب، وهي أولويات على رأسها تطوير العلاقات بين إسرائيل وبين دول عربية، على رأسها السعودية والإمارات بالإضافة إلى مصر، وإدارة هذه العلاقات وفق أرضية عمل مشترك تتمثل مصلحة إسرائيل فيها كالتالي:

• طبيعة المرحلة الحالية في استراتيجية إسرائيل الخارجية التي تقوم على أساس توصيات استراتيجية سابقة بفتح مجالات تعاون استراتيجي بين دولة الاحتلال وبين دول عربية معتدلة، بما في ذلك دول الخليج.

• التعاون مع هذه الدول يقوم على أساسين رئيسيين؛ التصدي لإيران، وكذلك التعاون ضد الإرهاب، الذي بحسب المفهوم الإسرائيلي يتضمن حركات المقاومة كحزب الله.

• يتطلب تحقيق السابق إقامة علاقات طبيعية بين تل أبيب وهذه الدول، لكن بشكل غير علني في معظم الأوقات، وهو الأمر الذي أُسست عليه علاقة دولة الاحتلال بهذه الدول في العقديين الأخيرين، حيث تفضل هذه الدول إدارة العلاقات الثنائية في الغرف المغلقة، مع تدريج في إعلانها من حين إلى أخر, وهذا يتطلب إدارة مرنة تتوافر لدى الموساد من حيث السرية ومن حيث مراكمة الخبرات في هذا الشأن.

هنا يأتي تقدير رئيس الموساد كدلالة على توجهات إسرائيل الخارجية، وكتصديق على بوصلة الاندماج مع دول الخليج على أساس تقاطع المصلحة ضد إيران، وبخلاف الإنجازات المهولة التي تحققت في هذا السياق، فإن القلق الذي أبداه كوهين بخلاف اعتباره تصديقاً لتوجه الحكومة الإسرائيلية الاستراتيجي في السنوات الأخيرة بتعزيز علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، وتعميم التطبيع مع الدول العربية، فإنه في الوقت ذاته يرى أن هذه الجهود غير كافية أمام متغيرات لا تستطيع إسرائيل أن تجاريها حتى وإن تحقق لها تطبيع شامل وتحالف سياسي مع القوى العربية الرئيسية على النحو السابق ذكره.

موقع “والا” الإسرائيلي، نشر مقتطفات من ملخص لتقرير رئيس الموساد، جاء فيه أن المتغيرات “الإيجابية” فيما يخص تعميق العلاقات بين إسرائيل ودول عربية– التي يفتخر بها نتنياهو مراراً- لا توازن التغيرات “السلبية” التي حققها خصوم إسرائيل والدول العربية المتحالفة معها مؤخراً، أي إيران وحركات المقاومة، ليس فقط من حيث تبدل معطيات الواقع الإقليمي ذو السيولة الكبيرة في السنوات الست الأخيرة وعدم التأكد من محاولات الثبات في مبادرات إستراتيجية طويلة المدى، لكن لتوظيف هؤلاء الخصوم معطيات هذا الواقع المتغير وأيضاً مفاعيل راهنت عليها إسرائيل وحلفائها للإضرار بخصومهم لصالحهم، مثل الجماعات الإرهابية التي دُحرت في العراق وسوريا، وأضافت عملية القضاء عليها عوامل قوة وخبرة وشرعية، لدرجة تجعل أمر مثل التحالف العربي- الإسرائيلي الأخير غير مكافئ لما تحقق في سوريا والعراق من ميل المعادلات الميدانية والسياسية لصالح خصوم هذا الحلف!

الحرب القادمة: بدون واشنطن ليس أمامنا إلا الدفاع!

النقطة السابقة شكلت في حد ذاتها محور لتحركات إسرائيل السياسية بعيدة المدى في المنطقة كمحدد لعقيدتها الأمنية وكذا منطلق لبوصلة أهدافها الاستراتيجية الإقليمية، ليس فقط في تعزيز التحالفات  مع دول عربية، ولكن حتى تحديد أولويات المخاطر والتهديدات وكيفية معالجتها، ما يراه مسئولون عسكريون وأمنيون وذوي صلة بأنه غير كافي لمعالجة وتحييد هذه المخاطر، فيقول المعلق العسكري أمنون أبراموفيتش في أعقاب المناورات الأخيرة الشهر الماضي:”تفاخر رئيس الوزراء المكرر بتطور العلاقات بين إسرائيل ودول عربية كالسعودية والإمارات وكل الدول التي تدور في فلكهم لا تنفي واقع تهديد كبير على حدودنا وسيطول الداخل، وتحييد هذا لا تقوى عليه حدود قدرتنا العسكرية والسياسية حتى بالتحالف مع هذه الدول، العامل الحاسم أولاً وقبل أي شيء أخر عند واشنطن وموسكو، هؤلاء من يستطيعوا أن يبعدوا إيران عن حدودنا”.

فالمناورات الأخيرة التي أجرتها قوات الاحتلال في شمال وشرق فلسطين المحتلة، التي امتدت إلى تطبيق مناورات على الجبهة الداخلية وصولاً إلى سيناريوهات التصدي لتوغل عسكري “معادي” من الشمال أو الشرق، وتأتي المناورات في وقت حرج وحساس فيما يتعلق بتطورات الأوضاع العسكرية والسياسية في المنطقة وتحديداً في سوريا والعراق ولبنان، وارتباط ذلك بخلق واقع جيوستراتيجي جديد مفاده تأسيس وجود مستدام لمحور المقاومة يحيط بفلسطين المحتلة بشكل يشكل تهديد استراتيجي على المستوى الراهن والمتوسط والبعيد على وجود إسرائيل بحسب تصريحات مختلفة لمسئولين إسرائيليين طيلة الأسابيع الماضية، كجزء من مناخ جدال عام في الداخل الإسرائيلي بين مختلف الدوائر السياسية والعسكرية والأمنية، وصل بطبيعة الحال إلى الإعلام، يدور حول ما احتاطت به حكومة نتنياهو أمام المتغيرات الجيوستراتيجية والإستراتيجية الجديدة بعد الإنجازات الميدانية التي حققها محور المقاومة من العراق وحتى لبنان مروراً بسوريا، التي أجهضت أي مخططات من شأنها الحفاظ على مصالح إسرائيل على ضوء تطورات ما بعد 2011، وهو الأمر الذي على الجانب الأخر يحاجج نتنياهو بأن العلاقات مع دول عربية وتقويتها لمستوى تحالف تكفي لأن تكافئ وتجابه هذا الخطر الأعظم الذي لا تقدر إسرائيل على مواجهته بتصريحات عسكريين إسرائيليين.

أبرز هؤلاء العسكريين كان النائب السابق لرئيس أركان جيش الاحتلال، الجنرال يائير جولان، الذي قال في مداخلته في ندوة نظمها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن “حدود قدرة تل أبيب على مواجهة المتغيرات الاستراتيجية في المنطقة التي تميل لمصلحة إيران محدودة بدون الولايات المتحدة، فالتهديد الإيراني كبير للغاية والتعاون بيننا وبين واشنطن مهم أكثر من أي وقت مضى في سياق هذا المتغير الخطير”، داعياً في الندوة التي حضرها ممثلاً عن وزير الأمن الإسرائيلي، أفيجدور ليبرمان، إلى عدم مساواة تهديد داعش لإسرائيل بتهديد إيران لها، فعلى حد تعبيره “الإيرانيون أكثر خطورة من داعش لأنهم يملكون تقدماً على كل المستويات بشكل بنيوي أكثر من داعش، من حيث قدرة التصنيع والكوادر العلمية والكثير من الشباب الذين يمتلكوا الموهبة في كثير من المجالات، بما في ذلك البنية التحتية الأكاديمية بما يشبهنا بشكل كبير، وبذلك هم أخطر من داعش، وأعتقد أننا لا نستطيع مواجهتهم وحدنا لهذه الأسباب التي تجعل خطرهم ليس أمراً مؤقتاً وظاهرة لها مدى زمني معين ولكن خطر استراتيجي يتطور بقفزات كبيرة إذا ما نظرنا له من زاوية كيفية العمل التي تضطلع بها طهران وحلفائها في المنطقة”.

الجنرال الإسرائيلي الذي ترك منصبه السابق في هيئة الأركان الإسرائيلية، لتكليف جديد في وزارة الأمن، يضطلع بمهمة حساسة وهامة للغاية هي تطوير العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهي المحرك الأساسي لتوجهات إسرائيل العسكرية والأمنية والسياسية منذ نشأتها، التي لم يجري تطويرها بشكل موسع منذ أن صاغها مؤسسو الكيان من عهد بن جوريون، وهو الأمر الذي ألح في صوغها بناء على معطيات جديدة فرضها العقد الأخير منذ حرب تموز 2006، ومتغيرات ما بعد 2011 حتى داعش وما بعد داعش، التي تبدل فيها الخطر الأكبر على إسرائيل من وجود بيئة معادية من جيرانها العرب، إلى تحييد هؤلاء الجيران بشتى الطرق منذ 1979 مروراً بأوسلو ووادي عربة، وصولاً للمبادرة العربية للسلام والتحالف بين تل أبيب وعواصم عربية مهمة مثل الرياض وأبو ظبي، ما لم ينهي فرص متنامية تهدد استمرار وجود إسرائيل، الممثلة في محور المقاومة، الذي انتقل من مقاومة مدعومة تدافع إلى مقاومة تؤسس لواقع استراتيجي يردع ويوازن القوة الإسرائيلية في مرحلة يعتبرها الكثيرون سابقة لمرحلة بداية المبادرة والمبادأة، بواقع بديهية الدفاع ثم التوازن ثم الهجوم.

جولان أشار إلى بديهية النظر إلى “التهديد الإيراني” أنه ليس تهديداً عسكرياً فقط، ولكن تهديد استراتيجي بكافة أشكاله وتفريعاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، حيث ترسيخ فكرة إمكانية مقاومة وتهديد إسرائيل وحصارها، على خلاف ما كانت تُهدد به إسرائيل سابقاً، حيث قال “لا يوجد تهديد مماثل يمكن مقارنة التهديد الإيراني به، لقد تعاملت بشكل شخصي مع تهديدات عسكرية ضد إسرائيل، عندما كنت أتولى قيادة الجبهة الشمالية كنت أرى عناصر داعش جنوب الجولان في دوريات قرب السياج الحدودي معهم بنادق ak-47 وهذا لا يدل على شيء، هذا تهديد متخلف وصغير ومحدود على الرغم من الشعارات والعزم البادي فيها، لكنني أعرف كيف أتعامل مع الأمر”، في إشارة إلى جوهر الاختلاف بين ما تشكله هذه الجماعات الإرهابية ذات التهديد المنعدم ضد إسرائيل، وبين ما يشكله محور المقاومة من خطر حقيقي على استمرار إسرائيل في المستقبل المتوسط، مضيفاً “إسرائيل ليست بالقدرة التي تمكنها على محاربة إيران بشكل مباشر لأن تل أبيب لا تملك مقدرات عسكرية كالتي تملكها واشنطن، نعم لدينها قوة تؤلمهم وتؤثر فيهم ولكنهم بالمقابل يستطيعوا أن يؤثروا علينا، أي أنها حرب استنزاف متنوعة الأساليب، لكن النتيجة الأكثر نجاعة وذات تأثير جذري بما فيها الانتصار عليهم لا يمكننا القيام بها وحدنا”.

وفي سياق متصل، ينبغي الإشارة إلى أن المناورات التي أجرتها إسرائيل مؤخراً اتسمت بطابع دفاعي وهو أمر يعد جديد ومستحدث على العقيدة العسكرية الإسرائيلية إذا ما تم وضعه في إطار هدف المناورات الأكبر وهو “منع توغل بري” داخل فلسطين المحتلة من الشمال أو الشرق من جانب قوات هجينة تمتلك إمكانيات وتكتيكات احتلال المدن والمفاصل الاستراتيجية الجغرافية ذات العمق الممتد والسيطرة عليها والتمركز بها على غرار ما حدث في العراق وسوريا، مثل قوات حزب الله أو الحشد الشعبي، وغيرها من الأطر العسكرية لمحور المقاومة بخلاف الجيوش النظامية الاعتيادية، هذا الأمر في ذاته يشير بقوة إلى تخوفات إسرائيلية من حرب قادمة قد تكون لأول مرة مفروضة عليها من حيث التوقيت والمكان وليس كمبادرة إسرائيلية كحروب سابقة خاضتها تل أبيب منذ 1948، التي منذ 1973 فقدت فيها المبادأة والمبادرة، أو بالحد الأدنى استطاعت بعد أكتوبر 1973 أن تبدأها في لبنان أو غزة لكن لم تستطع إنهائها بمنطق تحقيق الأهداف وإحراز نصر، ليتدهور هذا حالياً إلى فقد إسرائيل قدرة وميزة المبادرة والتدرب على مناورات “دفاعية” بالكامل غايتها الحيلولة دون نجاح حزب الله دخول فلسطين المحتلة في أي مواجهة عسكرية قادمة!

ختام واستشراف

هذه المتغيرات الاستراتيجية بشكل عام يمكن تلخيصها في واقع جيوستراتيجي جديد ولوجيستي مفاده أن الطريق من طهران لبيروت مروراً ببغداد ودمشق صار معبداً أمام إيران وحلفائها وحركات المقاومة المختلفة، التي تجعل حزب الله بعبارة وردت في التقرير السنوي الخاص بالفرص والتهديدات قبل عامين “قوة في حجم دولة تهدد إسرائيل بشكل وجودي تخطى المعالجة الأمنية والعسكرية وإمكانية الردع المتبادل”، وبالتالي فإن هذا الأمر على مقياس أعم يشكل كابوساً لدى صانعي ومتخذي ومقدري القرارات في الكيان الصهيوني.

هذا الأمر لا يشكل قلقاً لدى إسرائيل فقط، وإن كانت تختص بقدر أكبر من حيث البُعد الوجودي وحدية الصراع بينها وبين محور المقاومة، ولكن أيضاً يشكل قلق للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة بمقاييس مختلفة من حيث المصالح والفرص والمخاطر، وتولد عن هذا القلق في الشهور الأخيرة سلسلة من الإجراءات بين التحدي والاستجابة للحيلولة من تحقق واقع جيوستراتيجي جديد يصل بين طهران وبيروت، أي أن لا يكون هناك عائق في شكل دولة أو نظام أو جماعة أو كيان يعطل أن تكون الجغرافيا الواصلة بين العاصمتين خالصة لمحور المقاومة، وانعكاسات ذلك على مستوى لوجيستي يضاعف المخاطر التقليدية على إسرائيل لأمديه غير مسبوقة، ويضعف أيضاً من موقف واشنطن على مقياس إقليمي في تحقيق مصالحها بالشكل الأمثل، فيما يحد من مساعي الرياض –التي وصلت علاقاتها بإسرائيل لمستويات غير مسبوقة – وأبوظبي في التصدي للنفوذ الإقليمي لطهران، بل ويعقد كافة خطواتهم لتحجيم هذا النفوذ سواء بشكل منفرد أو تحت مظلة واشنطن، أو بالتحالف مع إسرائيل، وبالتالي فإن الحرب القادمة على أي جبهة حتى وإن ستحظى فيها إسرائيل بدعم غير مسبوق وغطاء سياسي وإعلامي عربي هو الأول من نوعه من حيث الإعلان والمباشرة، فإنه يتبقى نقطة ضعف جوهرية حاسمة تكمن في بنيوية التعويل على تل أبيب كعامل حاسم في الصراعات الإقليمية، وتعويل الأخيرة بشكل كبير على خارطة تحالفاتها الجديدة بأنها كافية لدحض المخاطر المحيطة بها في هذا الواقع الاستراتيجي الحرج. وهذا الأمر يجعل إسرائيل لأول مرة منذ نشأتها أسيرة رد الفعل لا الفعل نفسه، ما يرتبط بتغيرات جذرية في عقيدتها الأمنية والعسكرية وجهوزيتها على مستويات عديدة، أقلها على سبيل المثال استعدادها للاستمرار في حرب قادمة لفترة طويلة تتجاوز كل حروبها السابقة من حيث البُعد الزمني، وكذا البُعد المكاني الذي سيكون ولأول مرة العمق الإسرائيلي مهدد ليس على مستوى إلحاق الضرر ولكن على مستوى وجودي حده الأدنى عمليات برية داخل فلسطين المحتلة، أو قصف أهداف استراتيجية– مثل ديمونة وحاوية الأمونيا في حيفا- يجعل إسرائيل الحديثة القوية المتطورة جزء من الماضي!