عرض كتاب.. الاختلالات البنيوية في الكيان الصهيوني «ملف» - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
عرض كتاب.. الاختلالات البنيوية في الكيان الصهيوني «ملف»

عرض كتاب.. الاختلالات البنيوية في الكيان الصهيوني «ملف»




محاولات دؤوبة اضطلع بها الكيان الصهيوني منذ اللحظة الأولى لإعلان تأسيسه عام 1948 استهدفت تكريس شتى الأساليب والحملات الدعائية لتشكيل صورة ذهنية حول هذا الكيان لدى الأوساط العربية بتكرار أسطورة “العدو الذي لا يُقْهر” مراراً وتكراراً، حتى كادت أن تنفذ إلى أذهان وأعماق الشعوب العربية، بيْد أن حرب السادس من أكتوبر لعام 1973 قضت على تلك الأسطورة بلا رجعة حتى أنه ليس ثمة مبالغة إنْ قلنا أن أولى منجزات تلك الحرب هي استعادة الثقة في قدرة الجندي العربي على قهر التفوق العسكري النوعي للكيان الصهيوني.

وفي هذا الإطار، يجادل كتاب “الاختلالات البنيوية في الكيان الصهيوني” إشكالية رئيسة مفادها أن الكيان الصهيوني، الذي يفتقد إلى الانسجام مع البيئة التي غُرس فيها بالقوة لفرض الأمر الواقع، يعاني جملة من الاختلالات الأصيلة المرتبطة بوجوده، التي أجملها في فئات أربع ألا وهي الاختلالات الاجتماعية، والاختلالات في مجال المياه وكذا الاختلالات المتصلة بالتركيبة الجغرافية والديموغرافية، فضلاً عن الاختلالات البنيوية العسكرية ما يجعل إمكانية وجوده، لفترة طالت أم قصرت، على شفا الهاوية لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار أن الكيان الصهيوني لم يفلح حتى الآن في إيجاد حلول باتة للإشكاليات التي تواجهه واقتلاع الأسباب المؤدية إلى اختلالاته البنيوية من جذورها، هذا إلى جانب ركونه بشكل كبير إلى الدعم الخارجي من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وفيما يلي محاولة لتسليط الضوء على أبرز جوانب تلك الاختلالات.

أولاً- الاختلالات الاجتماعية:

تعاني بنية المجتمع الصهيوني من عدة اختلالات يأتي في مقدمتها الاختلالات المتصلة بالبنية الاجتماعية لذلك الكيان، وفي هذا الصدد يتناول الكتاب إشكاليتيْن رئيسيتيْن؛ أولهما تنصرف إلى أزمة الهوية التي يعاني منها ذلك الكيان، وثانيهما تنصرف إلى أشكال عدة للانقسامات العميقة التي تعتري الهيكل الاجتماعي للكيان الصهيوني.

أزمة الهوية:

قامت الأيديولوجية الصهيونية على عدة منطلقات استهدفت التأكيد على أن لليهود هوية قومية تجمعهم، كما أن لهم إقليمياً هو من حقهم، وأن تلك القومية الهوية تغذيها روابط تاريخية مشتركة جنباً إلى جنب مع الأهداف التي يبتغون تحقيقها، بيْد أن التساؤل حول تعريف الهوية اليهودية يُواجه بالعديد من الإشكاليات التي تعكس أزمة حقيقية، فعلى سبيل المثال، هل اليهودي هو اليهودي الشرقي أم أنه اليهودي الغربي أم اليهودي الذي وُلد في فلسطين بصرف النظر عن كون الوالديْن شرقييْن أم غربييْن، هل هو اليهودي المتدين أم اليهودي الصهيوني أم اليهودي العلماني… إلى آخر تلك التساؤلات التي تعكس أزمة هوية للمجتمع الصهيوني.

لا ريب أن الدين يمكن أن يكون عنصراً فاعلاً في صياغة هوية اجتماعية بين الأفراد، لكننا حينما نتحدث عن صفة المواطنة، ثمة العديد من الروابط التي يجب أن تجمع بين مواطني الدولة الواحدة، وبالمناسبة قد لا يكون الدين واحداً من تلك القواسم المشتركة ولكن يظل جميع الأفراد المقيمين بإقليم الدولة ويخضعون لسلطة حكومتها المركزية حاملين لصفة المواطنة من الناحية القانونية، لقد اتخذ الصهاينة من وعد بلفور المشئوم دليلاً على أن هناك شعاً يهودياً، وعرَّف قانون العودة اليهودي على أنه “يُعد يهودياً كل من اعتبر نفسه في عداد اليهود”، فانطلق الكيان الصهيوني في استقبال المهاجرين اليهود من شتى بقاع العالم سواء من الشرق أو الغرب أو الأفارقة حتى أصبحت إسرائيل تضم أطياف عدة لا تجمعهم أية قواسم مشتركة إلى الحد الذي لم تُعد فيها الديانة اليهودية قادرة بدرجة كافية على تحديد هوية “المواطن الإسرائيلي”.

ومن بين الدراسات التي أوضحت مأزق الهوية في المجتمع الصهيوني، دراسة قام بها قسم الاجتماع بالجامعة العبرية. وقد أظهرت نتائجها أنه حوالي 58% من عينة البحث اعتبروا أنفسهم إسرائيليين، و19% اعتبروا أنفسهم يهوداً مقابل 23% غير متأكدين. إن نتائج تلك الدراسة تُظهر حالة كبيرة من الانفصام بين الأنا الفردي والأنا الجماعي، الذي يشير تناقضهما إلى أنه ثمة اختلال كبير تعاني منه البنية الاجتماعية للكيان الصهيوني.

أشكال الانقسامات الاجتماعية:

يطرح الكتاب أشكال عدة للانقسامات الاجتماعية للكيان الصهيوني، وفيما يلي سنسلط الضوء على جوانب ثلاث لتلك الانقسامات.

الجانب الأول.. الانقسامات العرقية:

إن القومية تعني شعوراً بالانتماء الذي تغذيه الروابط اللغوية والاتصال الجغرافي والتاريخ المشترك، فالأمة تتكون من أفراد تجمعهم ثقافة واحدة بكل ما تعنيه تلك الكلمة من نظم قيمية ومعايير ولغة ودين، كما تجمعهم الأرض أو الإقليم الذي يعيشون عليه إلى جانب الروابط الاجتماعية والسياسية التي تنشأ بينهم في إطار الدولة، لكن بالنظر إلى جنسيات المهاجرين إلى الكيان الصهيوني قد أظهرت تنوعاً أثنيا حقيقياً ومن ثم أضحى الحديث عن وجود قومية يهودية تجمع بين أولئك المهاجرين الوافدين من أستراليا وأمريكا اللاتينية مثل البرازيل والأرجنتين ودول أفريقية ودول أوروبية مثل هولندا وسويسرا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ضرباً من ضروب اليوتوبيا؛ فتلك الهجرات لا تعكس تنوعاً عرقياً فقط وإنما تنوعاً أثنياً يحول دون إمكانية وجود قواسم مشتركة وإمكانية لأن تنصهر تلك الجنسيات جميعها في بوتقة واحدة لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار الآلية التي تعاملت بها النخب الصهيونية، وهي نخب أوروبية بالأساس أي من اليهود الغربيين (السفارديم)، مع ذلك التنوع الكبير في المجتمع الإسرائيلي. وهي آليات تتسم بقدر كبير وواضح من الازدواجية في المعايير؛ إذ حاولت احتواء اليهود الشرقيين (الأشكيناز) في مؤسساتها، فمنحتهم السكن والخدمات الأخرى. لكن تلك المحاولات لم تسفر عن اندماج حقيقي لأولئك اليهود في المجتمع الصهيوني؛ إذ مارست تلك النخب تحيزاً واضحاً ضد اليهود الشرقيين من منطلق عدة مدركات عنصرية تبنتها تلك النخب حول اليهود الشرقيين، فهم في نظرها أقل تعليماً وأقل كفاءة وأكثر تخلفاً، كما جرت محاولات عدة من جانب النخب الصهيونية لمصادرة دور القيادات الشرقية وإفراغه من أي مضمون أو فاعلية من خلال استقطاب تلك القيادات وإغرائها المال والسلطة، هذا فضلاً عن العنف الذي انتهجته ضد أي حركات غير موالية للسلطة الحاكمة قد تنبثق عن اليهود الشرقيين.

الجانب الثاني.. الانقسامات الطبقية:

تحاول الأيديولوجية الصهيونية التأكيد مراراً وتكراراً على أن اليهود يشكِّلون شعباً واحداً مجرداً من أية مظاهر للأنظمة الطبقية، فإسرائيل كما يزعم مفكروها “مجتمع العاملين الذين يكدحون بأيديهم وعقولهم دونما استغلال أو طبقية”، لكن الناظر إلى الواقع الاجتماعي الصهيوني يرى أنه مجتمع يتألف من طبقات اجتماعية شديدة التباين إلى الحد الذي يصعب معه أن تشكِّل كل طبقة بحد ذاتها وحدة كلية متجانسة، وهذا التمايز الطبقي يتوازى مع التمايز الاثني والجغرافي، فعلى سبيل المثال، تم توطين اليهود الشرقيين في مناطق شبه صحراوية تتسم بانخفاض جودة الأراضي المزروعة ما يستتبع بالضرورة انخفاض المردود أو العائد المادي من تلك الأراضي مقارنةً بالأراضي التي مُنحت للمهاجرين الأوروبيين الذين يقيمون في أخصب الأراضي الزراعية، وانعكس ذلك على دخل الأسرة اليهودية الشرقية، الذي لا يعادل سوى 67% من دخل الأسرة اليهودية الغربية، ولكن هذا المعدل يتغير تبعاً للدورات الاقتصادية، فقد بلغ نحو 81%، ولكن هذا بالأخذ في الاعتبار أن عدد أفراد الأسرة الشرقية أكبر من عدد أفراد الأسرة الغربية، ومن ثم يعادل دخل الفرد اليهودي الشرقي حوالي نصف دخل اليهودي الغربي، ولذا كانت طبقة اليهود الشرقيين الأكثر معاناة حينما ارتفعت معدلات البطالة والغلاء لاسيما في الفترة التي سبقت عدوان 1956 وكذا العامين السابقيْن لعدوان 1967، الذي كان أن يؤدي إلى انفجار كلي لليهود الشرقيين، كانت الحرب هي المنقذ الوحيد لإسرائيل منه.

الجانب الثالث.. التباين في توزيع القوة:

يتجلى هذا التباين في توزيع القوة السياسية على نحو لا يتناسب مع الثقل الديموغرافي، فيكفي أن نعلم في هذا السياق أن اليهود الغربيين يحتفظون دائماً بمنصب رئيس الوزراء وحوالي 86% من أعضاء الحكومة و69% من أعضاء الكنيست و 100% من رئاسة البلديات هذا في الوقت الذي يمثَّل فيه اليهود الشرقيون حوالي 60% من إجمالي السكان بالكيان الصهيوني، كما أن كافة زعماء الأحزاب الإسرائيلية داخل أروقة الكنيست ليسوا من اليهود الشرقيين، كما لا تتعدى نسب توظيف السفارديم في الوظائف الحكومية الـ 3% من إجمالي تلك الوظائف بما لا يتناسب مع ثقلهم الديموغرافي.

يُعزى التباين الكبير في توزيع القوة إلى عدة عوامل أهمها غياب التنظيم عن طائفة اليهود الشرقيين؛ فهي لا تملك قيادات يمكنها التأثير بشكل فاعل في الحياة السياسية، في المقابل، تتسم الطائفة اليهودية الغربية بالتنظيم والقدرة على صناعة قيادات أثَّرت بفاعلية فيما يتصل بخلق التماسك الاجتماعي بين الفئات المختلفة لتلك الطائفة.

ثانياً- الاختلالات في مجال المياه:      

لقد جاء الاستيلاء على المياه العربية في قلب المخططات الجيوستراتيجية الصهيونية، وقد اضطلع الصهاينة بأولى الخطوات في هذا الاتجاه فور الإعلان عن تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948، كان أبرزها إنشاء شركتيْن للمياه، أولهما شركة ميكوروث للقيام بأعمال المسح، وإنشاء المشاريع المائية وصيانتها، أما الشركة الثانية فهي شركة ناحال للقيام بأعمال التخطيط للمشاريع المائية المزمع إنشاؤها.

ومع تدفق الهجرات إلى الكيان الصهيوني، كان في طليعة المشكلات التي واجهته هي تأمين الاحتياجات المائية لقاطنيه لاسيما في ضوء تزايد معدلات الاستهلاك المائي لهم مع تزايد المهاجرين، وفي هذا الصدد، كان حجم الموارد المائية التي تستهلكها إسرائيل عام 1949 نحو 350 مليون متر مكعب، وقد قفز هذا المعدل ليصل إلى 2110 مليون متر مكعب عام 1985. لذا نجد أن الكيان الصهيوني قد اتجه إلى السيطرة على الموارد المائية الفلسطينية تلبيةً لاحتياجات السكان. وقد أفضت المخططات الممنهجة لنهب تلك الموارد إلى تردي الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين الذين هجر كثير منهم حرفة الزراعة، واتجهوا صوب سوق العمل الإسرائيلية ليصبحوا مجرد أُجراء لدى أرباب العمل الإسرائيليين. هذا إلى جانب تردي أوضاعهم الصحية نتيجة للتقنين المفرط على استخدام ما هو متاح فعلياً من المياه.

لم تتوقف المخططات الصهيونية عند مجرد السيطرة على الموارد المائية في الأراضي الفلسطينية فحسب، بل انطلقت للسيطرة على منابع المياه العذبة فيما يجاورها من أراضٍ عربية، ولا أدل على ذلك من اجتياح إسرائيل للأراضي التي تقع فيها منابع نهر الأردن وروافده عام 1967، وكذا اجتياحها لجنوب لبنان في عامي 1978، 1982 وذلك بغية السيطرة على ما يُقدَّر بحوالي 450 مليون متر مكعب سنوياً من نهر الليطاني. وقد ظلَّ الهاجس الصهيوني لتأمين احتياجاته من المياه حاضراً وبقوة في مفاوضات التسوية العربية الإسرائيلية، التي تضمنت العديد من النصوص التي أحرزت دورها مكاسب مائية تصب في صالح الكيان الصهيوني؛ إذ جعلته شريكاً في المياه الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وألقت بمسئولية المشكلة المائية الفلسطينية على عاتق الدول العربية المجاورة التي عليها أن تزوِّد الفلسطينيين بكل ما يحتاجونه من مياه.

ثالثاً- الاختلالات الجغرافية والديموغرافية:

فيما يتصل بالموقع الجغرافي للكيان الصهيوني، نجد أنه يقع بين دائرتي عرض 29 و 33 درجة، وبين خطي طول 34 و 35 درجة. وهذا الموقع الجغرافي قد أكسبه العديد من الميزات لعل أهمها مشاطئة الكيان للبحريْن الأبيض المتوسط الذي يربط ين عدة قارات، والبحر الأحمر الذي يُعد واحداً من أهم طرق الملاحة فضلاً عن قرب الكيان الصهيوني من إمدادات نفط الخليج العربي وقناة السويس التي تعتبر شرياناً اقتصادياً مهماً ومدخلاً للتهديد المباشر للأمن القومي المصري والعربي. هذا إلى جانب الميزة الدينية المتمثلة في كون الأراضي الفلسطينية تتمتع بمكانة خاصة لدى أصحاب الديانات الثلاث. بيْد أنه بالرغم من هذا الموقع الجغرافي المتميز لإسرائيل بما يحتويه من مواطن قوة عديدة إلا أنه في الوقت ذاته ينطوي على الكثير من مواطن الضعف لعل من بينها إمكانية فرض حصار جغرافي على الكيان لكونه محاطاً من الدول العربية. ومن ثم، إذا أمكن التنسيق بين تلك الدول قاطبةً، فإنه من السهل تطويقه، وإمكانية غلق المنافذ البحرية في حرب شاملة مدعومة بإغلاق المجال الجوي ناهيك عن المسافة الشاسعة التي يبعدها هذا الكيان عن حلفائه في الولايات المتحدة وأوروبا.

وفيما يتصل بالتركيبة الديموغرافية للكيان الصهيوني، سلَّط الكتاب الضوء على ما يقترن بها من مواطن ضعف جنباً إلى جنب مع مواطن الضعف على النحو التالي:

مواطن القوة:

تزايد أعداد اليهود القاطنين بالكيان الصهيوني بمعدل خمسة أضعاف.

 تمتُّع السكان بالحيوية والنشاط لاسيما في صفوف المهاجرين اليهود فضلاً عن ارتفاع مستوى المهارات والقدرات الانتاجية، فيكفي أن نشير إلى بلوغ نسبة العلماء نحو 17.1% وبلغت نسبة الحرفيين والمنتجين حوالي 30%.

أما مواطن الضعف، فتكمن في:

 اعتماد الكيان الصهيوني اعتماداً مباشراً على المهاجرين لدعم قوته البشرية، ما أفضى إلى الافتقاد إلى حالة التماسك والانسجام المجتمعي نتيجة للتعدد الاثني الهائل بين صفوف المهاجرين اليهود.

 تركُّز الغالية العظمى لليهود الصهاينة في منتصف فلسطين ما يجعل تلك المنطقة هدفاً استراتيجياً للدول العربية.

 السكان العرب الذين يشكِّلون حوالي 15% من إجمالي تعداد السكان في مطلع الألفينيات، الذين يشكِّلون عبئاً أمنياً على السلطات الإسرائيلية.

 انخفاض الموارد والقدرات البشرية للكيان الصهيوني أي انخفاض عدد السكان، وهذا دفعه إلى التركيز على التفوق النوعي والركون إلى التقنيات الحديثة، وقصر مدة الحروب التي يخوضها هذا إلى جانب التوسُّع في تجنيد المرتزقة لا سيما في السلاح الجوي فضلاً عن تجنيد النساء. 

رابعاً- الاختلالات البنيوية في المؤسسة العسكرية الصهيونية:

يذهب الكتاب قبيل مناقشة الاختلالات البنيوية، أو بمعنى أقرب للواقع والموضوعية، الجوانب السلبية في المؤسسة العسكرية الصهيونية إلى تحليل الشخصية اليهودية من المنظور السيكولوجي وفقاً لعلماء النفس أمثال برونو ومارغريت مير وغيرهم، والذين قد ارتأوا أنه ثمة محددات ثلاث حاكمة للشخصية اليهودية ألا وهي التوراة، الشتات، الاضطهاد، بيْد أن هناك علماء آخرين أضافوا إلى تلك المحددات محدداً آخر ألا وهو المغالاة مع الذات ومع الآخرين، وقد استخدم بعضهم لفظة المغالاة لتصبح مرادفاً للتطرف. وتلك المحددات التي تحكم الشخصية اليهودية تنطبق على اليهود من مختلف الفئات سواء أكانوا شرقيين أم غربيين أم يهود وُلدوا بفلسطين أو من يطلق عليهم يهود الصابرا.

ساهمت المحددات السابقة في إكساب الشخصية اليهودية عديداً من السمات الخاصة من بينها القلق المفرط والخوف من المجهول فضلاً عن عدم الثقة في الشريك حتى ولو كان حليفاً وداعماً لهم، وبطبيعة الحال أكسبتهم تلك المحددات أيضاً الشعور بالنقص والدونية والضعة أو ما يُعرف بعقدة “البارانويا”، هذا إلى جانب مخزونهم أو خبرتهم السيئة إزاء المحرقة “الهولوكوست” التي تعرَّضوا لها على يد “هتلر” ومن ثم ولَّدت تلك الذكرى لديهم على أنه لا مكان يشعرون فيه بالأمان سوى إسرائيل، وبالتالي سيبذلون كل ما لديهم للمحافظة على هذا الأمن داخل الكيان الصهيوني بالاعتداء على العرب لتطهير أرض إسرائيل منهم. هذه العوامل قاطبةً أسهمت في تشكيل الشخصية العسكرية اليهودية التي تتسم بالعدوان والانطوائية والبرود الانفعالي والحقد أو ما يمكن وصفه، وفقاً للدكتور جمال حمدان في كتابه “اليهود انثروبولوجيا”، طابع البدوية الدموية العنيفة.

وفي معرض مناقشة الكتاب لأبرز أسس ومرتكزات العقيدة العسكرية الصهيونية، جرى إجمالها في 6 مرتكزات تركن إليها عقيدة القتال الصهيونية، على النحو التالي:

أولاً: الحق فوق القوة.

ثانياً: القتال أفضل وسيلة لتحقيق الهدف.

ثالثاً: العمل السياسي وسيلة لتحقيق الأهداف الصهيونية.

رابعاً: الاستيطان أداة رئيسة لتحقيق الهدف الصهيوني.

خامساً: القوة المسلحة الذاتية الوسيلة الأولى لإنجاز الهدف وتحقيق (التوسع والردع).

سادساً: الدولة والمجتمع رافدان دائمان للعسكرية الصهيونية لتحقيق أهدافها.

استراتيجية «الاقتراب غير المباشر»:

وجد الكيان الصهيوني، كما سبق وأشرنا، نفسه مطوقاً بعدد من الدول العربية. ومن ثم وضع نصب عينيه دائماً إمكانية أن تنهض تلك الدول جميعها، بالاستعانة بالتنسيق والتخطيط الملائميْن، بتطويق الكيان الصهيوني في حرب شاملة لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار ما يفرضه الموقع الجغرافي للكيان من مواطن ضعف قد تستخدمها الدول العربية لمجابهة التفوق النوعي الصهيوني من بينها، على سبيل المثال، بعد المسافة بين الكيان وحلفائه وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والدول الأوروبية. لذا فإن ما تحتِّمه الجغرافيا لا يمكن بأية حال تغييره، ومن ثم لجأت المؤسسة العسكرية الصهيونية إلى اتباع استراتيجية آلون ومفادها نقل المعركة إلى أرض العدو  أي المناورة والحركة على الخطوط الداخلية أو بمعنى آخر استراتيجية “الاقتراب غير المباشر”، وكذا الركون إلى عنصر المفاجأة أو المباغتة في العدوان أو الضربة الاستباقية والتي تُفْقد العدو توازنه معتمدةً على الحركة السريعة المفاجئة، وبالتالي لا يكون أمام الدول العربية سوى خيار الدفاع الاستراتيجي. وقد استخدم “موشي ديان” هذا التكتيك في 5 يونيو/ حزيران عام 1967. بيْد أن استراتيجية “الاقتراب غير المباشر” يتطلب تحقيقها وجود عدد من الافتراضات أهمها:

أولها: وجود حالة من ضعف التنسيق العسكري بين الدول العربية التي تطوِّق الكيان الصهيوني من جهة، وبين تلك الدول وبقية الدول العربية من جهة أخرى، أو وجود حالة من التشتت العربي.

ثانيها: الإغراق في القطرية أو بمعنى آخر انكفاء كل دولة عربية على حالتها وقضاياها الداخلية.

ثالثها: انخفاض المستوى التقني للضباط والجنود العرب مقارنةً بالمؤسسة العسكرية الصهيونية أي التفوق النوعي العسكري لإسرائيل.

لكن حرب السادس من أكتوبر والهزيمة التي مُني بها الكيان الصهيوني قد دفعا القادة العسكريين الصهاينة إلى عدم الركون بشكل تام إلى استراتيجية الاقتراب غير المباشر والضربات الاستباقية، والأخذ في الاعتبار بأن تغييراً واحداً في الافتراضات السابقة قد يُفضي إلى كارثة حقيقية تجابه الكيان، إذ انقلبت تلك الافتراضات رأساً على عقب إبَّان حرب السادس من أكتوبر؛ فأخذت دول محو المواجهة مصر وسوريا زمام المباغتة وقامت بضربة استباقية أفقدت العدو الصهيوني توازنه هذا فضلاً عن بلوغ أعلى مستويات التنسيق بين القيادات العسكرية في مصر وسوريا. ليس هذا فقط، بل كان هناك تنسيقاً بين دول المواجهة المطوِّقة لإسرائيل وبين الدول العربية الأخرى وتجلى ذلك في قطع إمدادات النفط الخليجي عن الولايات المتحدة والدول الأوروبية الداعمة للكيان الصهيوني.

كان من أبرز نتائج الهزيمة التي تلقتها إسرائيل في حرب أكتوبر، اتجاه المؤسسة العسكرية الصهيونية إلى تطوير استراتيجيتها العسكرية، من خلال استراتيجية مكمَّلة لاستراتيجية الحركة والمناورة على الخطوط الداخلية أو استراتيجية نقل المعركة على أرض العدو وهي الاعتماد على “قوة الصدمة” التي يُحْدثها درع المشاة الدرع الآلي، والاستفادة التامة من مزايا وفاعلية السلاح الجوي الإسرائيلي.

وفي الأخير، فإنه ثمة قناعات يرغب الكتاب في بثها للذات العربية أهمها أن الكيان الصهيوني، بوصفه قد فُرض بالقوة على الدول العربية وفي بيئة لا تلائمه على الإطلاق، يحمل في طياته بذور فنائه، ويتضح ذلك فيما استعرضناه آنفاً من اختلالات بنيوية تعتري الكيان سواء أكانت اجتماعية أم ديموغرافية أم جغرافية، وكذا ما يتعلق بتأمين احتياجاته المائية على المدى الطويل. هذا إلى جانب القصور الذي يشوب الاستراتيجيات التي تشوب مؤسسته العسكرية. فبقاء ذلك الكيان مرتهناً باستمرار العجز العربي عن استثمار مواطن الخلل تلك، على غرار ما حدث في حرب أكتوبر، وانكفاء كل دولة عربية على ذاتها. إن أسطورة “التفوق النوعي” العسكري الإسرائيلي التي يجري الترويج لها بإمكان الدول العربية مجتمعةً قهرها كما سبق وقهرت أسطورة “العدو الإسرائيلي الذي لا يُقهر” شريطة أن تأخذ الدول العربية في اعتبارها مواطن الخلل البنيوي الصهيوني، والاستفادة من العوامل الثابتة والحتمية التي تعمل في غير الصالح الصهيوني كمواطن الضعف التي يُرتِّبها الموقع الجغرافي للكيان الصهيوني كإمكانية تطويقه من قِبل الدول العربية المحيطة به. ذلك لأن الحروب ومهما كان هناك تفوقاً صهيونياً نوعياً على الصعيد العسكري، إلا أن الكثافة العربية داخل الكيان الصهيوني، وكذا كثافة الجيوش العربية بإمكانها أن تحسم المعركة على أرض الواقع. إذاً يكمن الرهان الحقيقي في قدرة المقاتل العربي على مجابهة أية ظروف مستقبلية قد تُفضي إلى مواجهة عسكرية.