محطات حاسمة.. حرب الاستنزاف بين عزيمة وإيمان المصريين بالنصر - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
محطات حاسمة.. حرب الاستنزاف بين عزيمة وإيمان المصريين بالنصر

محطات حاسمة.. حرب الاستنزاف بين عزيمة وإيمان المصريين بالنصر




تحل الذكرى الـ44 لحرب أكتوبر 1973 بين إسرائيل والدول العربية، وما زالت تتكشف العديد من الوقائع والحقائق حول ما جرى في هذه الحرب الفاصلة وما سبقها، فقد كان ذلك تمهيدا واستعدادا حقيقيا لتحرير الأرض واستعادة الحقوق المغتصبة، مثلت حرب الاستنزاف التي أعقبت هزيمة يونيو 1967، مرحلة تعب وآلام وأمل تمهيدا لتحقيق النصر الأكبر، فلم يرض الشعب المصري والعربي وقادته بالهزيمة، وإنما كان هناك إصرار على تجاوز هذه المرحلة واستعادة ما سلب عدوانا وبالفعل لم تمض إلا سنوات قلائل لتستعيد المنطقة العربية كرامتها وتضمد جراحها النازفة.

سبق فوز أكتوبر، انتصارات واستعدادات أدت إلى هذا النصر الحاسم وهي حرب الاستنزاف التي تخللتها العديد من المراحل  لتشمل تنفيذ عمليات عسكرية سببت إنهاك وضعف لقوات الاحتلال الإسرائيلي وفهم نقاط ضعفه وقوته وكذلك معرفة ما سيحتاجه الجيش المصري في حربه الأكيدة مع العدو من تدريب وأسلحة متقدمة تستطيع التصدي للترسانة الإسرائيلية المقدمة من دول الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالفعل أكسبت حرب الاستنزاف الجيش المصري خبرات عسكرية في كيفية التعامل مع العدو وفهم أساليبه وكشف تحصيناته ومدى وفاعلية أسلحته المستخدمة ضد القوات المصرية، والأهم من ذلك ساهمت حرب الاستنزاف في عودة الروح المعنوية والثقة إلى المقاتل المصري في نفسه ومعداته وقياداته التي فقد جزءا كبيرا منها بفعل نكسة 1967، وكما عادت الروح المعنوية للجيش وللفرد المقاتل عادت الثقة للشعب المصري أيضا الذي استعاد ثقته في القيادات السياسية والجيش وصولا إلى حرب أكتوبر.

أولا ـ أسباب ودوافع اندلاع حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل:

شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حرب 1967 ضد مصر والأردن وسوريا واستطاعت احتلال مناطق كبيرة في البلدان الثلاثة لتحتل سيناء من مصر والجولان في سوريا والضفة الغربية من الأردن إلى جانب احتلال قطاع غزة من الأراضي الفلسطينية، لتضاف إلى ما استولت عليه من قبل في 1948، وجعلت هذه الحرب الخاطفة إسرائيل في حالة انتشاء وغرور  وأنه لن تقوم للعرب قائمة بعد هذا اليوم لكن لم تقبل مصر هذا الوضع وبدأت في إعادة ترتيب صفوفها وبناء الجيش مجددا هذا على مستوى الداخل، فيما يتعلق بسياستها الخارجية بدأت تعديل أوضاعها والتصالح مع بعض الدول العربية والانسحاب من حرب اليمن التي كانت أحد  الأسباب الرئيسية في هزيمة 67 وضعف الجيش وضعف العلاقات العربية خاصة مع السعودية ودول الخليج العربي والأردن.

تعرضت الدول العربية المواجهة مع إسرائيل لخسائر كبيرة في الأفراد والمعدات، حيث استشهد حوالي 15 – 25 ألف من العرب، فيما أصيب 40 – 45 ألف، ووقوع 4000 – 5000 فرد في الأسر، وتدمير  70- 80% من العتاد الحربي للجيوش العربية الثلاثة، بخلاف احتلال الأراضي من الدول الثلاث، والاعتداء الإسرائيلي رغم غدره لم يدم أو ينعم طويلا في البقاء بالأراضي المصرية فنشطت العمليات العسكرية للجيش والكمائن بجانب عمليات المقاومة التي بدأت مع مرحلة الصمود والردع حتى وصلت ذروتها في حرب الاستنزاف.

بعد تعرض مصر للهزيمة في يونيو 1967، بدأت القيادة السياسية والعسكرية تنفيذ مرحلة الصمود لوقف أي تقدم للقوات الإسرائيلية، وتلتها مرحلة الردع حيث تنفيذ عمليات حربية لمنع العدو من تقوية دفاعته في سيناء ورفع الروح المعنوية للقوات، وصولا لذروة العمليات في مرحلة الاستنزاف بغرض إنهاك قوات العدو  ليس فقط عسكريا وإنما إنهاك الداخل الإسرائيلي عن طريق الضغط على الاقتصاد الإسرائيلي ومضاعفة خسائره بما يجبره على الدخول في مفاوضات حقيقة أو  إجبارها على الانسحاب من المناطق المحتلة.

وساهمت مرحلة الاستنزاف بشكل خاص في التأثير على معنويات وقدرات جيش الاحتلال بشكل كبير، بجانب دخول الاتحاد السوفيتي على خط الحرب بشكل كبير عن طريق دعم مصر عسكريا وتزويدها بصفقات أسلحة قادر على ردع سلاح الطيران الإسرائيلي الذي كان يغير من وقت لآخر على القوات المصرية الموجودة غرب قناة السويس بل تنفيذ عمليات داخل العمق المصري، وخشيت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الدول الأوروبية من تكريس الاتحاد السوفيتي لوجوده العسكري في المنطقة العربية وبالتالي حاولت التهدئة بين إسرائيل والدول العربية، لتتقدم واشنطن في أغسطس 1970 بمبادرة “روجرز” لوقف إطلاق النار بين الطرفين وبدء مفاوضات دبلوماسية قادها السفير الأممي جونار يارنج لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الذي يقضي بالتوصل لسلام دائم وعادل وانسحاب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها في 1967.

وبشكل لافت قبل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مبادرة “روجرز” الأمريكية رغم التأكد من عدم تنفيذ إسرائيل للمبادرة، وأراد بذلك إعطاء فرصة للقوات المصرية لإعادة بناء نفسها وتقوية دفاعاتها خاصة بعد طول حرب الاستنزاف مع قوات الاحتلال التي دامت لثلاث سنوات، وبالفعل بدأت مرحلة وقف إطلاق النار في أغسطس 1970 حتى أكتوبر 1973، وخلال هذه الفترة تولى الرئيس الراحل محمد أنور السادات استكمال ما بدأه سلفه من تطوير ودعم للقوات المسلحة وبناء الجبهة الداخلية استعدادا لخوض الحرب ما حدث بالفعل، وساهم في دعم ذلك حرب الاستنزاف الطويلة التي أنهكت قوات العدو الإسرائيلي.

ثانياـ مراحل حرب الاستنزاف:

 لم تكن الفترة بين نكسة 1967 ونصر أكتوبر 1973 فترة سكون واستسلام لكنها صنفت إلى عدة مراحل ساهمت جميعها في تحقيق الهدف النهائي وهو إعادة بناء القوات المسلحة لدخول معركة تحرير الأرض، وهذه المراحل وضعت بشكل دقيق من قبل القيادة المصرية التي أدركت وجود ضعف كبير في قواتها ساهم فيما آلت إليه الأمور بنكسة يونيو، وكان لزاما للخروج من هذا الوضع رسم خطط استراتيجية وعسكرية دقيقة ومحددة بتوقيتات زمنية، ما أعلنه الرئيس الراحل عبد الناصر من أنه يهدف إلى استنزاف قوات العدو، وفي هذا الشأن تنقسم حرب الاستنزاف التي سبقت نصر  أكتوبر إلى:

1ـ مرحلة الصمود :

بدأت  هذه المرحلة في الفترة من يونيو 1967  حتى أغسطس 1968،  وكانت تهدف إلى سرعة إعادة بناء قوات الجيش المصري، ووضع خطة دفاعية عن الضفة الغربية لقناة السويس، وخلال هذه الفترة لم تكثف مصر الاشتباكات مع إسرائيل لتهدئة جبهة الحرب حتى يمكن تنفيذ خطة بناء الدفاعات العسكرية عن منطقة غرب القناة ما استغرق عاما كاملا ليتم الانتقال إلى مرحلة الردع، وشهدت فترة  الصمود العديد من العمليات العسكرية الناجحة ما كان لها تأثيرات سياسية وعسكرية رغم قلتها مثل معركة “رأس العش” التي وقعت يوم 1 يوليو 1967، حينما حاولت القوات الإسرائيلية احتلال مدينة بور فؤاد، لتتصدى لها قوات محدودة من الصاعقة المصرية وأفشلت المهمة الإسرائيلية ، لتساهم في رفع الروح المعنوية للمقاتل المصري وعودة ثقته في نفسه وفي قدرته على القتال رغم ضعف العتاد العسكري في مقابل قوة سلاح العدو.

ونجحت خطة مرحلة الصمود في  بناء خطوط دفاعية في نطاقات عميقة غرب قناة السويس، وتم تكوين احتياطيات الجبهة خفيفة الحركة ووجود مدفعية بأعيرة نارية مختلفة والدخول في عمليات تراشق بالنيران وتكثيف عمليات القنص لقوات الاحتلال على الضفة الشرقية للقناة، بجانب عمليات عسكرية أخرى، دفع إسرائيل في نهاية هذه المرحلة إلى الانتقال من خانة المهاجم إلى رد الفعل بسبب زيادة عمليات القوات المصرية، من دفع للدوريات والكمائن إلى الضفة الشرقية للقناة بشكل شبه يومي، وفي مناطق واسعة ومتفرقة، ما  أجهد القوات المعادية والانتقال بعد ذلك إلى مرحلة الردع.

2ـ  مرحلة المواجهة أو الدفاع النشط:

بدأت في الفترة من سبتمبر 1968 إلى فبراير 1969، ولم تدم طويلا حيث بقيت حوالي 6 أشهر فقط كمرحلة انتقالية للانتقال إلى مرحلة الدفاع بعد تقدم مستوى القوات المصرية في مرحلة الصمود التي انتقلت إلى خانة المهاجم والمبادر، حيث تمكنت مصر من دفع وحدات قتالية إلى صفوف العدو بعد اكتمال بناء الدفاع العسكرية غرب القناة وبدأت في مهاجمة العدو لمنعه من تقوية دفاعاته شرق القناة وداخل سيناء وساهمت هذه المرحلة في رفع الروح المعنوية بشكل كبير للقوات المصرية تدريبها للدخول في مرحلة الحرب الحقيقة والعبور شرق القناة.

ومن أشهر المعارك في هذه المرحلة  معركة المدافع يوم 8 سبتمبر 1968 و 26 أكتوبر 1968، حيث استطاعت قوات المدفعية المصرية المرابطة غرب القناة فتح نيرانها بكثافة ولعمق 20 كم على القوات الإسرائيلية، ما أذهل إسرائيل التي فشلت في الصمود أمام المدفعية المصرية لتحاول بعد ذلك تشتيت القوات المصرية ووضع القيادة السياسية في حرج أمام الشعب لتهاجم في 31 أكتوبر من العام ذاته مدينة نجح حمادي في قنا ليثبت أنه قادر على الوصول إلى العمق المصري وفي الجنوب.

ونتيجة لفشل القوات الإسرائيلية في وقف العمليات العسكرية للقوات المصرية أدخلت سلاح الطيران للرد على استنزاف مصر لها رغم أن القيادات السياسية داخل إسرائيل كانت لا تنوي تفعيل هذا السلاح إلا مستقبلا وكانت لا تتوقع سرعة الرد المصري وبالفعل بعد إقدام الطيران الإسرائيلي على الوصول للعمق المصري هدأت مصر الاشتباكات مع قوات الاحتلال لتعيد ترتيب صفوفها  مرة أخرى والحصول على أنظمة دفاع جوي متقدمة من الاتحاد السوفيتي الذي وافق بالفعل ما ساهم في ردع الطيران الإسرائيلي.

3ـ مرحلة الاستنزاف أو التحدي:

امتدت هذه المرحلة في الفترة من مارس 1969 حتى يوليو 1970، وقد جاءت لتمثل مرحلة جديدة والرد على تكثيف إسرائيل لاستخدام سلاح الجو  سواء ضد القوات المرابطة غرب القناة أو ضد الأهداف المدنية، وزادت القوات المصرية من أعمال الدوريات والتراشق مع قوات العدو  من أجل زيادة إنهاك إسرائيل وجرها إلى حرب طويلة المدى غير قادرة على تحملها  وإضعافها اقتصاديا، وبالفعل ساهمت هذه المرحلة في تحقيق الأهداف المرجوة من إنهاك العدو وتقييد حركته على الضفة الشرقية للقناة والحد من عمليات الغارات الجوية.

وبدأت هذه المرحلة بشكل فعلي يوم استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض يوم 9 مارس 1969، ففي يوم 8 مارس فتحت المدفعية المصرية نيرانها على حصون خط بارليف، وأهداف الأخرى، لتصل إلى حوالي 40 ألف قذيفة، اشتركت فيه 34 كتيبة مدفعية، يعاونها حشد من أسلحة الضرب المباشر كالمدافع المضادة للدبابات، والدبابات الثقيلة عيار 122 مم، لتصل الخسائر في صفوف القوات الإسرائيلية إلى حوالي 29 دبابة، و30 دشمة في خط بارليف، وإسكات 20 بطارية مدفعية، وتدمير مناطق إدارية، وبعد هذا اليوم ردت المدفعية الإسرائيلية ليستشهد الفريق عبد المنعم رياض وبعض القادة، وردا على ذلك كثفت القوات المصرية من غاراتها وهجماتها ضد نقاط العدو،  ففي 13 مارس 1969، أغارت القوات المصرية على موقع للجيش الإسرائيلي، في منقطة جنوب البحيرات، ولعدم قدرة إسرائيل على المواجهة المباشرة قصفت قطار السكة الحديد في مساره بين الإسماعيلية والسويس في منطقة الشلوفة.

وتوالت العمليات المتبادلة وخاصة من قبل الطيران الإسرائيلي بسبب كثافة عمليات المدفعية المصرية، وفي خلال شهري يونيو ويوليو، توالت الغارات من قبل الجانبين، حيث استهدف الطيران الإسرائيلي فق مواقع منعزلة على ساحل خليج السويس والبحر الأحمر، أهمها الإغارة على الجزيرة الخضراء شمالي الخليج يوم 19 يوليو 1969، أو بدءا من يوم 20 يوليو ، بدأت محلة جديدة من حرب الاستنزاف بتوسيع عمليات الطيران لتنفذ  العملية بوكسر، حيث تم تنفيذ 500 طلعة جوية القت 2500 قنبلة بإجمالي 500 طن على أهداف محددة خلال 10 أيام، لإجبار مصر على تشتيت قواتها وتخفيف الحشد في جبهة القناة ولم تتوقف عند هذا الحد إلا بعد تدخل واشنطن  والتوصل لاتفاقية “روجرز” التي أوقف إطلاق النار  بين الجانبين.

وتقدمت بها واشنطن في يونيو 1970  ونصت على “تعلن أطراف النزاع في الشرق الأوسط، وتنفذ وقفا محدوداً لإطلاق النار مدته 90 يوما، وفي هذه الفترة ينشط السفير جونار يارنج لينفذ قرار مجلس الأمن رقم 242، وبالتحديد فيما يتعلق بالتوصل إلى اتفاق سلام عادل ودائم، يقوم على الاعتراف المتبادل والسيادة ووحدة الأراضي والاستقلال السياسي، بسحب إسرائيل قواتها من الأراضي التي احتلتها في معركة 1967 “. وقبلت مصر بها من أجل إعادة ترتيب صفوف  قواتها ورفع كفاءتها العسكرية وكذلك وجدت إسرائيل فيها فرصة لوقف استنزافها وخاصة اقتصاديا  ليبدأ سريان الاتفاق في 8 أغسطس 1970.

ثالثا ـ أبرز عمليات حرب الاستنزاف:

نفذت القوات المصرية طوال فترة حرب الاستنزاف عدة عمليات ضد قوات العدو حققت أهدافا سياسية وعسكرية كبيرة رغم الفارق في التسليح بين الجانبين ومن أبرز هذه العمليات:

1ـ معركة رأس العش: وقعت يوم 1 يوليو 1967، حينما حاولت قوات العدو توسيع وجودها شرق بورسعيد واحتلال مدينة بور فؤاد، لكن تصدت لها قوات صاعقة مصرية مكونة من 30 فرد بأسلحة خفيفة، وأرادت إسرائيل احتلال هذه المنطقة وهي الوحيدة المتبقية في سيناء ولم تنجح في ذلك وظلت المدينة في أيدي القوات المصرية حتى حرب أكتوبر.

2ـ إغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية إيلات: تمت العملية يوم 21 أكتوبر 1967، حيث تمكنت زوارق البحرية المصرية من إغراق المدمرة ايلات في شمال شرق بورسعيد، باستخدام صواريخ سطح ودمرت المقاتلة بالكامل بجانب الخسائر  في الأرواح.

3ـ معركة الجزيرة الخضراء:

تقع الجزيرة الخضراء في منتصف الطرف الشمالي لخليج السويس وهى جنوب مدينة السويس بحوالي 5 كم وتبعد عن ميناء الأدبية بحوالي 6 كم، وتتمثل الأهمية الاستراتيجية للجزيرة في أنها توفر السيطرة التامة على المدخل الجنوبي للقناة والملاحة في خليج السويس، ويمكن لموقعها أيضا  توفير الحماية للأهداف الحيوية بالمنطقة بصد الهجمات الجوية بجانب استخدامها في عمليات الرصد والمراقبة، وشنت القوات الإسرائيلية يوم 19 يوليو 1969 عملية عسكرية للسيطرة على الجزيرة لموقعها المتميز  وتدمير  محطات الرادارات والدفاع الجوي، بجانب كسر الروح المعنوية للجيش المصري.

وتكبدت القوات الإسرائيلية خسائر  فادحة في هذه العملية لتخسر  2 زورق إنزال متوسط، ومن 3-4 قارب مطاط صغير ، ومقتل حوالي 30 فردا من قوات الإغارة بما فيهم قائد مجموعة الاقتحام، فيما سقط من صفوف الجيش المصري 16 شهيدا و14 مصاب.

ولم تكن فترة حرب الاستنزاف مرحلة عسكرية فقط وإنما كان يسير معها جهد استخباراتي ساهم في كشف الجواسيس وزرع  آخرين داخل إسرائيل، فمثلا استطاعت اجهزة المخابرات القبض على المصرية هبة عبدالرحمن سليم التي تجسست لصالح الموساد الإسرائيلي وجندت المقدم مهندس صاعقة فاروق عبد الحميد الفقي الذي كان يشغل منصب رئيس أركان حرب سلاح الصاعقة مستغلة عشقه لها ورغبته في الارتباط بها وهو ما سهل لها كشف الكثير عن اعمال الجيش المصري ودفاعاته وتمكن من تسريب وثائق وخرائط عسكرية موضحًا عليها منصات الصواريخ “سام 6” المضادة للطائرات وقد دمرت إسرائيل الكثير منها بفضل هذا الجاسوس ونجحت اجهزة المخابرات في كشف ضابط الصاعة ليرشد بدوره عن هبة سليم ويتم القبض عليها وإعدامها رغم الوساطة الأمريكية.

كذلك تم القبض “طناش راندو بولو” خلال فترة رئاسة اللواء  احمد اسماعيل على للمخابرات العامة في العام 1970 ، وكان بولو  مصري من أصول أجنبية وهو صاحب مزارع عنب و على اتصال بسلطات عالية في الدولة، و عمل لحساب السفارة الأمريكية وإسرائيل و كان يرسل معلومات عسكرية و سياسية مهمة لإسرائيل إلى ان تم القبض عليه في 1970 ويموت داخل السجن بأزمة قلبية.

رابعاـ التأثيرات الإيجابية لمعارك الاستنزاف على حرب أكتوبر:  

حققت حرب الاستنزاف العديد من الإيجابيات التي قادت إلى نصر حقيقي وسريع في أكتوبر 1973، فهي لم تكن مجرد مناوشات متقطعة أو غير مدروسة مع قوات العدو  وإنما وضعت خططا محددة بتوقيتات زمنية للوصول إلى مرحلة متقدمة جعلت القوات المصرية صاحبة الفعل بعد أن كانت تقتصر على رد الفعل والدفاع فقط ومن أبرز التأثيرات الإيجابية لحروب الاستنزاف:

1ـ إعادة الثقة في القيادات السياسية والعسكرية ورع الروح المعنوية للفرد المقاتل، فمن كانوا في هزيمة 1967 هم من شاركوا في نصر أكتوبر قيادة وجنودا ليؤكد أن الفرد المصري قادر على المواجهة واستعمال الأسلحة المعقدة والحديثة في أوقات زمنية قصيرة واستيعاب التدريبات وهو ما مكن القوات المصرية من اقتحام اكبر مانع مائي في التاريخ وهو خط بارليف الذي تخطى ارتفاعه 20 مترا  بطول 170 كم على طول خط قناة السويس من الضفة الشرقية وتكلف أكثر من نصف مليار دولار .

2ـ معرفة نقاط القوة والضعف لدى الجيش المصري والعمل على إصلاح نقاط الضعف ودعم الجيش بما يحتاجه من أسلحة وعتاد حربي ليكون قادر على المواجهة مع قوات العدو.

3ـ دراسة نقاط الضعف لدى القوات الإسرائيلية ومعرفة الثغرات التي يمكن استغلالها في إنهاك العدو وإيقاع أكبر قدر من الخسائر المادية والبشرية.

4ـ توحيد الدول العربية وإعادة العلاقات بين مصر والدول العربية التي قطعت علاقتها بها بسبب مشاركتها في حرب اليمن، وقد ساعدت عودة العلاقات وإنهاء الخصومات في مؤتمر الخرطوم بالسودان في أغسطس 1967 بعد النكسة مباشرة وإعلاء اللاءات الثلاث “لا صلح لا تفاوض لا اعتراف” بدولة الاحتلال الإسرائيلي، كما أكدت القمة على وحدة الصف العربي وإنهاء جميع الخلافات والتعاون لإزالة العدوان الإسرائيلي وتقديم الدعم الاقتصادي والعسكري لمصر وسوريا والأردن.

5ـ الضغط السياسي على الدول الغربية من أجل تحريك عملية السلام وإنهاء حالة “اللاسلم واللاحرب”، ما حدث بالفعل فقد أجبرت حرب الاستنزاف الولايات المتحدة على التقدم بمبادرة “روجرز”  ووقف إطلاق النار وإجبار إسرائيل على الالتزام بها، لتستغل مصر  بعدها خرق إسرائيل للاتفاق وتشن حرب تحرير الأرض في أكتوبر  1973.

 ——————————————————————————————————————-

المصادر:

1ـ مصطفي ابو سديره – معركه الجزيره الخضراء، المجموعة 73 مؤرخين،  الرابط.
2ـ القصة الكاملة لأخطر وأصغر جاسوسة مصرية جندها الموساد، وكالة سبوتنيك، 6/3/2017، الرابط.
3ـ قضية راندوبولو، المجموعة 73 مؤرخين ، الرابط.
4ـ محمد الغباري، محاور الاعداد الاستراتيجي لحرب أكتوبر، السياسة الدولية، عدد210، اكتوبر 2017، المجلد 52.