رجال صنعوا نصر أكتوبر (الحلقة الأولى)..أسطورة الصاعقة المصرية «إبراهيم الرفاعي» - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
رجال صنعوا نصر أكتوبر (الحلقة الأولى)..أسطورة الصاعقة المصرية «إبراهيم الرفاعي»

رجال صنعوا نصر أكتوبر (الحلقة الأولى)..أسطورة الصاعقة المصرية «إبراهيم الرفاعي»




شكَّلت بطولات الشهيد العميد أركان حرب «إبراهيم الرفاعي» المُلقَّب بـ «أسطورة الصاعقة المصرية» علامة بارزة على طريق تحقيق نصر أكتوبر المجيد. فكان بحق من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ويصبو هذا التقرير إلى تسليط الضوء على أبرز المحطات في حياة الشهيد «الرفاعي»، وأهم بطولاته التي سطَّرت بأحرف من نور معجزات في تاريخ العسكرية المصرية.

هو الأسطورة الذي أشعل الضفة الشرقية لسيناء بنيرانه ونيران رفاقه، ولم يهدأ حتي تأكد أن سيناء تحررت وكانت له الشهادة مع أذان صلاة الجمعة في 19 أكتوبر قبل وقف إطلاق النار… اللواء محسن طه متحدثاً عن الرفاعي، وهو من المقربين للشهيد، والمشاركين له في عملياته

الموْلد والنشأة:

وُلد أسطورة الصاعقة المصرية العميد أركان حرب «إبراهيم الرفاعي» في السادس والعشرين من يونيو/ حزيران لعام 1931 بقرية الخلالة مركز بلقاس محافظة الدقهلية. وقد كان جده الأميرالاي «عبد الوهاب لبيب»؛ لذا نشأ «الرفاعي» على التقاليد العسكرية والزود عن الوطن بكل غالٍ ونفيس.

لم يكن رأفت الهجان وحده بل كان هناك أبطال بذلوا أرواحهم رخيصة كي يحصلوا علي ما كنا في حاجة إليه، خاصة تلك الوحدة الفدائية التي كان يقودها ذلك البطل الشهيد الذي تحول من يونية 1967 حتي أكتوبر 1973 الي أسطورة تبعث الرعب في قلوب جنود إسرائيل وكان ذلك هو الشهيد إبراهيم الرفاعي… صالح مرسي علي لسان عزيز الجبالي في روايته  كنت جاسوساً في إسرائيل

التحق «الرفاعي» بالكلية الحربية عام 1951، وتخرج فيها عام 1954 ثم انضم عقب تخرجه إلى سلاح المشاة، وكان ضمن أول فرقة قوات الصاعقة المصرية في منطقة أبوعجيلة. وقد عُيِّن مدرساً بمدرسة الصاعقة، وشارك في تأسيس ووضع أولى اللبنات لقوة الصاعقة المصرية. كما وقع عليه الاختيار لتدريب الفدائيين الفلسطينيين علي المهارات والأساليب القتالية.

لقد أتت مشاركة «الرفاعي» في حرب بورسعيد لرد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والتي واجه فيها العدو الصهيوني لأول مرة وجهاً لوجه، لتصقل مهارته وعبقريته القتالية وعلي إثرها التحق «الرفاعي» بفرقة المظلات. وأعقب ذلك اختياره لقيادة وحدات الصاعقة المصرية كرئيس للعمليات، وكان ذلك قراراً استثنائياً تقديراً لبطولاته في حرب اليمن عام 1962.

ضابط مقاتل من الطراز الأول جرئ وشجاع، ويُعْتمد عليه. يميل إلي التشبث برأيه ومحارب ينتظره مستقبل باهر… التقرير الذي سبق ترقية الرفاعي لقيادة وحدات الصاعقة

تأسيس المجموعة 39 قتال وأهم بطولاتها:

في أعقاب هزيمة الخامس من يونيو/ حزيران لعام 1967، اتجهت القوات المسلحة لتشكيل مجموعة صغيرة من الفدائيين في أغسطس 1968 بغية القيام ببعض العمليات الخاصة في سيناء، باسم فرع العمليات الخاصة التابعة للمخابرات الحربية والاستطلاع. وتصبو تلك المحاولة إلى أن تستعيد القوات المسلحة المصرية الثقة بنفسها، وكذا القضاء على إحساس العدو الإسرائيلي بالأمن. وعُرفت تلك المجموعة بمجموعة 39 قتال.

وقع الاختيار على «الرفاعي» لقيادة تلك المجموعة بأمر من مدير إدارة المخابرات الحربية آنذاك اللواء “محمد أحمد صادق”. وشرع «الرفاعي» على الفور في تشكيل المجموعة، واختار العديد من العناصر الأكفاء أمثال محيي نوح وأحمد رجائي عطية وغيرهم من رجال الصاعقة والصاعقة البحرية لتكون المجموعة بمثابة نواة لمحاربة التواجد الإسرائيلي في سيناء.

المجموعة 39 قتال هي احدي مجموعات المخابرات التي كلفت بتنفيذ عمليات فدائية وانها قامت باعمال بطولية بعد حرب 67، ففي الوقت الذي كانت قواتنا تتقهقر ناحية الغرب كان رجال المجموعة يتقدمون شرقًا… اللواء فؤاد نصار مدير ادارة المخابرات الحربية قبيل واثناء حرب اكتوبر عن مجموعة 39 قتال

 

كانت أولى عمليات هذه المجموعة نسف قطار للعدو عند الشيخ زويد ثم نسف مخازن الذخيرة التي تركتها القوات المصرية عند انسحابها من معارك 1967. واختار الشهيد البطل إبراهيم الرفاعي شعار رأس النمر رمزاً للمجموعة، وهو نفس الشعار الذي اتخذه الشهيد أحمد عبدالعزيز خلال معارك 1948 وبمرور الوقت كبرت المجموعة التي يقودها «الرفاعي» وزادت عملياتها العسكرية البطولية حتى أطلق عليها الإسرائيليون “مجموعة الأشباح”.

كان زاهداً في الدنيا، كنت أدرك أنه من الطبيعي أن يسعي بنو البشر جاهدين للفوز ببعض متاع الحياة الدنيا، أما هو فلا لم أره يوماً ولم أسمعه مرة يتحدث عن هذا. سألته يوماً الست بشراً مثلنا؟ فابتسم في حياء وتواضع وقرأ قوله تعالي «قُلْ متاع الدنيا قليل»… الصحفي عبده مباشر عن الشهيد الرفاعي في كتابه رجال أكتوبر

ومن ضمن العمليات التي اضطلع بها الشهيد «الرفاعي» ومجموعته عبوره لقناة السويس، والعودة بثلاثة صورايخ؛ وذلك في أعقاب تكليف الفريق أول «عبدالمنعم رياض» مجموعة 39 قتال بإحضار صاروخ واحد من الصواريخ التي كانت إسرائيل قد نشرتها على الضفة الشرقية للقناة لدراسة مدى تأثيرها على أفراد ومعدات الجيش المصري حال استخدامها. فكانت النتيجة عودة «الرفاعي» ورجاله حاملاً ثلاثة صواريخ وليس صاروخاً واحداً. وقد أفضى ذلك إلى عزل القائد الإسرائيلي المسئول عن قواعد الصواريخ وقتها. هذا فضلاً عن الفضيحة التي طالت الجيش الإسرائيلي بعدم قدرته على حماية أسلحته.

لن أستطيع أن أصور حقيقة مشاعري اليوم، فلأول مرة منذ 18 عاماً أعود لأرتدي اللباس العسكري الذي أشعر فيه بالشرف كله. إنني فخور بهذه الوحدة التي لا أستطيع أن أفرق فيها بين الضابط والجندي… السادات في لقائه مع أفراد المجموعة 39 قتال في 12 أغسطس 1971

ثأر المجموعة 39 قتال على استشهاد البطل عبدالمنعم رياض:

عقب استشهاد الفريق «عبدالمنعم رياض» طلب عبدالناصر القيام برد فعل سريع وقوي حتى لا تتأثر معنويات الجيش باستشهاد قائده، فعبر الرفاعي القناة واحتل برجاله موقع المعدية 6، الذي أُطْلقت منه القذائف التي كانت سببًا في استشهاد الفريق رياض، وأباد كل من كان في الموقع من الضباط والجنود البالغ عددهم 44 إسرائيليًا. ولم يكتف «الرفاعي» بذلك بل رفع العلم المصري على حطام المعدية 6، بعد تدميرها وكان هذا العلم يرفرف لأول مرة على القطاع المحتل منذ 1967، وبقي مرفوعًا قرابة ثلاثة أشهر. وجاء رد فعل إسرائيل على ذلك بتقديمها احتجاجاً إلى مجلس الأمن في 9 مارس 1969، بسبب الوحشية التي قام بها رجال المجموعة 39 في قتل عناصر الموقع ثأرا لقائده.

كان هناك العديد من الأبطال المصريين الذين سطَّروا معجزات في تاريخ العسكرية المصرية، ومن بينهم العميد الشهيد إبراهيم الرفاعي والذي أدي العديد من المهام الوطنية… المشير أحمد أسماعيل علي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة في حرب أكتوبر 1973 عن الشهيد إبراهيم الرفاعي في مذكراته

فور بدء معركة السادس من أكتوبر عام 1973، انطلقت مجموعة 39 قتال في ثلاث طائرات هليكوبتر لتدمير آبار البترول في منطقة بلاعيم شرق القناة لحرمان العدو من الاستفادة منها لتكون أول عملية مصرية في العمق الإسرائيلي. وقد أغارت المجموعة أيضاً على مواقع العدو الإسرائيلي كمطار شرم الشيخ في السابع من أكتوبر ثم رأس محمد ومطار شرم الشيخ للمرة الثانية طوال يوم 8 أكتوبر، ثم مطار شرم الشيخ للمرة الثالثة في 9 أكتوبر. ونجحت المجموعة في الإغارة على مطار الطور الإسرائيلي في 10 أكتوبر، واستطاع «الرفاعي» ومجموعته قتل جميع الطيارين الإسرائيليين الموجودين في المطار. ثم قاموا بدك مطار الطور مرة ثانية في 14 أكتوبر، وتدمير بعض الطائرات المرابضة به ما أصاب القيادة الإسرائيلية بالارتباك من سرعة ودقة الضربات. واضطلعت المجموعة بقيادة «الرفاعي» بالإغارة على آبار البترول في الطور يومي 15،16 أكتوبر. وقد كان لهذه الضربة أقوي الآثار في تشتيت دقة وتقليل كفاءة تصوير طائرات التجسس والأقمار الصناعية الأمريكية.

لم يكن أحد يتوقع أنه استشهد ولكنه سقط شهيداً قبيل وقف إطلاق النار بساعتين فقط وأقول للتاريخ عن إبراهيم الرفاعي إنه كان أباً حنوناً وقائداً شجاعاً شارك في كل العمليات التي نفذتها المجموعة… اللواء رفعت الزعفراني أحد القريبين من الشهيد، والذي كان إلي جواره وقت لحظة استشهاده

ثغرة «الدفرسوار» واستشهاد البطل «الرفاعي»:

في 18 أكتوبر طلب الرئيس أنور السادات من «الرفاعي» أن يعبر القناة حتى يصل لمنطقة «الدفرسوار» التي وقعت فيها الثغرة ليدمِّر المعبر الذي أقامه العدو ليعبر منه إلى الغرب، وإلا فإن قوات العدو يمكن أن تتدفق عبر قناة السويس. وقد استطاع «الرفاعي» ومجموعته تفجير المعبر ووقف الزحف الإسرائيلى إلى منطقة الدفرسوار. كما استطاع أيضاً أن يضع حداً للمذابح التي ارتكبها الإسرائيليون في هذه المنطقة لدرجة أن «أرييل شارون»، الذي كان قائد المجموعة الإسرائيلية، ادَّعى الإصابة، ليهرب من جحيم الرفاعي بطائرة هليكوبتر، ما دفع الجنرال «جونين» قائد الجبهة في ذلك الوقت إلى المطالبة بمحاكمته لفراره من المعركة.

وفي أثناء القتال الشرس الذي دار بين المجموعة بقيادة «الرفاعي» ومدرعات العدو، سقطت قنبلة من إحدى مدفعيات الإسرائيليين بالقرب من موقع «الرفاعي» لتصيبه ويسقط جريحاً، وتم نقله إلى مستشفي الجلاء ولكنه استشهد في يوم جمعة يوم 23 رمضان.

كان الرفاعي عادةً ما يرتدي حذاء ذا لون مختلف عن بقية المجموعة عندما رأى زملاؤنا حذاءه أبلغوا باللاسلكي أنه أصيب وسمعهم اليهود وعرفوا الخبر وكانت فرحتهم لا توصف حتى إنهم أطلقوا الهاونات الكاشفة احتفالاً بالمناسبة وذهبنا به لمستشفى الجلاء وحضر الطبيب وكانت الدماء تملأ صدره وقال لنا (أدخلوا أبوكم) فأدخلناه غرفة العمليات ورفضنا أن نخرج فنهرنا الطبيب فطلبنا منه أن ننظر إليه قبل أن نخرج فقال: أمامكم دقيقة واحدة فدخلنا إليه وقبلته في جبهته وأخذت مسدسه ومفاتيحه ومحفظته ولم نستطع أن نتماسك لأننا علمنا أن الرفاعي استشهد وكان يوم جمعة يوم 23 رمضان وكان صائماً فقد كان رحمه الله يأمرنا بالإفطار ويرفض أن يفطر وقد تسلمنا جثته بعد ثلاثة أيام وفي حياتنا لم نر ميتا يظل جسمه دافئاً بعد وفاته بثلاثة أيام وتنبعث منه رائحة المسك.. رواية أحد قيادات المجموعة أبو الحسن حول استشهاد الرفاعي