1973.. حربٌ عسكرية أعقبها تطور الفكر الاقتصادي العالمي - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
1973.. حربٌ عسكرية أعقبها تطور الفكر الاقتصادي العالمي

1973.. حربٌ عسكرية أعقبها تطور الفكر الاقتصادي العالمي




كان لرحيل الرئيس المصري جمال عبدالناصر عام 1970، فاتحة لصراع و حرب على السلطة بين شرائح النخب السياسية البيروقراطية المهيمنة، التي كانت ترى أن حل الأزمة الاقتصادية يكمن في اتباع نمط الاقتصاد المخطط فيما يسمى بـالاقتصاد الاشتراكي، وثمة شريحة أخرى كانت تفضل العودة إلى آلية السوق من جديد وتفكيك القطاع العام وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر كحل وحيد للأزمة الاقتصادية العميقة.

صراعٌ؛ انتهت جدليته بمعاهدة السلام السوفيتية الأمريكية عام 1972، فقد أوضحت تلك المعاهدة للرئيس المصري آنذاك محمد أنور السادات أن مصر لم يعد بمقدورها الاعتماد على دعم الاتحاد السوفيتي، فبعد خروج مصر منتصرة من حرب أكتوبر بدأت في التواصل مع العالم الغربي خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وطرح الرئيس السادات خيارات تسوية الصراع.

وفي عام 1974، أعلن السادات اتباع سياسات الانفتاح الاقتصادي بإصدار قانون 43 لسنة 1974، لتشجيع الاستثمار الأجنبي ولتوصيل رسالة عالمية عن رغبة القيادة المصرية في الدخول إلى النظام الدولي الليبرالي، وكان السادات مقتنعًا أن تطبيق سياسات الباب المفتوح لابد لتنفيذها التحالف مع الغرب، واتخذ أولى خطواته في الاندماج مع الغرب بقرار عقد معاهدة السلام، فما كان من أمريكا سوى تعويض السادات عن المعونات السوفيتية المُنقطِعة منذ عام 1972، والمعونات العربية المُنقطِعة بعد معاهدة السلام، بمعونة سنوية بمقدار 2.1 مليار دولار، لم تكن تلك الأحداث خاصة بالشأن الشرق أوسطي فحسب بل امتدت أذرعها لترسم مجتمع اقتصادي دولي جديد.

1973.. تحولات في صناعة السياسات الاقتصادية العالمية:

في أعقاب الحرب العالمية الثانية شهد الاقتصاد العالمي طفرةٌ ذات أبعاد استثنائية وجهت الساسة الدوليين نحو ضمان ثبات أسعار الصرف، وتخفيف القيود المفروضة على التجارة الخارجية، وتقديم المعونة الاقتصادية إلى أشد البلدان فقرًا، لذا، بدأت الجماهير تشعر بأن حياتها تتحسن تقريبًا كل يوم، وأصبحت المنازل الجديدة والسيارات والسلع الاستهلاكية في متناول اليد بالنسبة للأسر المتوسطة، وظهرت مجموعة كبيرة من البرامج الاجتماعية الحكومية وعقود العمل الخاصة، لترسيخ الأمن المالي الشخصي، إلا أن كل هذا بدا رمادًا في أعقاب حرب عام 1973 في النصف الثاني من القرن العشرين.

ففي الرابع من نوفمبر عام 1973، توقفت حركة الاقتصاد العالمي تزامنًا مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي حينئذ «ريتشارد نيكسون» في 7 نوفمبر 1973، إعلان أن البلاد تتجه إلى نقص الطاقة الأكثر حدة منذ الحرب العالمية الثانية، ومع تطور قواعد الحرب عام 1973، وزيادة حدة الأزمة بدا وكأن الحلم الأمريكي في طريقه للانهيار.

لم يكن الحلم الأمريكي وحده في مهب الريح بل انضم إليه حلم اليابان، بالرغم من عدم تورط الحكومة اليابانية آنذاك في سياسات الشرق الأوسط، بل دعمت الموقف الشرق أوسطي بالمشاركة في المقاطعة العربية ضد إسرائيل، لكن ارتفاع أسعار النفط، هدد بنهاية عصر النفط الرخيص، وبالتالي انخفضت توقعات الحكومة بشأن النمو الاقتصادي بمقدار النصف، واتجهوا إلى سياسات ترشيد وتقنين استخدام النفط.

أزمة اقتصادية عالمية، وضعت ساسة وقادة الدول الديموقراطية في موضع جدلٍ جماهري كبير، فلم تستطع سياسات المسئولين المنتخبين والبيروقراطيين أن تؤثر في المشهد بشكل جدي، فمع ارتفاع أسعار النفط من بضعة دولارات للبرميل إلى أربعين دولارًا، عجزت النظرية الكينزية، التي تسمى بنظرية جانب الطلب، عن تفسير تواجد البطالة والتضخم في آن واحد؛ إذ لم تستطع النظرية الكينزية آنذاك أن تفسر حدوث التضخم والبطالة معًا، حيث كانت تفسيراتها النظرية قائمة على دراسة حالات الانتعاش الاقتصادي الذي يكون عادةً مصحوبًا عادة بارتفاع الأسعار، وعليه، فإن البطالة تنخفض مع ارتفاع الأسعار، أو التضخم، أي أن العلاقة بين البطالة والتضخم علاقة عكسية إذا ارتفع فيها أحد المتغيرين انخفض الآخر، وبالتالي لم يذكر في مضمونها دراسة واقعية لحالات الأزمات والانحسار الاقتصادي.

وبالتالي اتجه المجتمع الدولي إلى اتباع نظرية «جانب العرض» التي تقوم على أساس أن المنفعة تتسرب من الأثرياء إلى الفقراء، لأن الأغنياء هم الذين يدخرون ويستثمرون ومن ثم يقومون بتوظيف الفقراء في مشاريعهم، ما يزيد من دخل الفقراء ورفع مستوى معيشتهم، لذلك تنادي هذه النظرية بخفض الضرائب على الأغنياء لكي تزداد مدخراتهم واستثماراتهم وبالتالي يعود الاقتصاد مرةً أخرى إلى الانتعاش.

وعلى الرغم من اتفاق المدرستين على مبدأ تخفيض الضرائب كعلاج للبطالة وإعادة دورة النشاط الاقتصادي، إلا أنهما يختلفان في الطبقة التي يجب استهدافها في ذلك التخفيض، فالكينزيزن يخفضون الضرائب على الفقراء لزيادة الطلب، واقتصاديو جانب العرض يخفضون الضرائب على الأغنياء ورجال الأعمال لزيادة العرض.

إلا أن نظرية جانب العرض فشلت هي الأخرى، حيث ازدادت الهوة في العالم بين الفقراء والأغنياء، ولم يتسرب الخير من الأعلى للأسفل، ومن ثم اتجه الساسة إلى اتباع سياسات رأسمالية معاصرة ترمي إلى مبدأين أساسيين أولهما؛ ما أحدثه الأكاديمي الأمريكي بول رومر من ثورة في التفكير في النمو الاقتصادي من خلال الإصرار على أن الابتكار والمعرفة -عصر العولمة الاقتصادية- أهم بكثير من العمل ورأس المال، فوضع نظرية «النمو الذاتي»، التي تفيد بأن تعزيز التعليم ودعم البحوث العلمية وريادة الأعمال تساعد في تحسين النمو الاقتصادي أكثر من  استخدام الضرائب في علاج عجز الميزانية. وثانيهما؛ السيطرة على اقتصاديات الدول النامية وفرض نفوذها على مصادر الطاقة العالمية وهنا جاء دور فريدمان وهو الخصم الصريح للنظرية الكينزية فكما استطاعت مدرسة جانب العرض من خلق أنانية طبقية يقودها الأثرياء كان تطورها الفكري الذي وصل له فريدمان داعيًا إلى أنانية الدول الكبرى واتجاهها لاتباع سياسة الاحتلال السياسي لرسم أفاق نهضتها الاقتصادية.

فقد انشغل «ميلتون فريدمان» -أحد أهم منظري «النظرية النقدية»، ومن أبرز الأكاديميين المحسوبين على «مدرسة شيكاغو» في الاقتصاد- في صياغة التعريف الحقيقي للرأسمالية المعاصرة؛ الذي أطلقت عليه «نعومي كلاين» لفظ «مبدأ الصدمة» في كتابها الشهير «مبدأ الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث».

يرى فريدمان أن «الأزمات فقط، حقيقية أو متصورة، تنتج تغيرًا حقيقيًا»؛ فعند وقوع كارثة تُعتمد الإجراءات التي تتخذ بناء على الأفكار المتاحة؛ حيث يخزن بعض الناس سلع معلبة ومياه استعدادًا لكوارث كبرى؛ بينما يخزّن أتباع فريدمان أفكار السوق الحرة، فعند وقوع الأزمة، نجد فريدمان مقتنعًا بضرورة التحرك سريعًا، لفرض تغيير دائم قبل عودة المجتمع الذي اجتاحته الأزمة إلى «شدة وطأة ظروف ما بعد الكارثة»؛ بناءً على نصيحة مكيافيلي بوجوب إيقاع «الأضرار كلها مرة واحدة».

تعلم فريدمان لأول مرة كيفية استغلال الصدمة بمنتصف سبعينات القرن العشرين، عندما استشاره الجنرال «أوغستو بينوشيه» في السياسات والبرامج الاقتصادية بعد انقلابه في تشيلي. كان التشيليون حينها مصدومين بعد انقلاب بينوشيه العنيف، كما كانت البلاد أيضًا مصدومة بالتضخم الهائل. وعليه أشار فريدمان على بينوشيه بفرض تحول اقتصادي سريع الطلقات، يتضمن: خفض الضرائب، وتحرير التجارة، وخصخصة الخدمات، وخفض الإنفاق الاجتماعي، وتحرير الاقتصاد من الرقابة. حيث كان هذا هو التحول الرأسمالي الأكثر تطرفًا من أية محاولة سابقة، وأصبح يُعرف بثورة «مدرسة شيكاغو»؛ وقد صاغ فريدمان عبارة لهذا التكتيك المؤلم: «العلاج بالصدمة».

ثورة مدرسة شيكاغو -العلاج بالصدمة- من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط:

من المسلم به أن ضخامة التحدي الذي يواجه التنمية الاقتصادية في ظل الانفتاح الاقتصادي في الدول النامية ذات العجز المالي يتمثل في ندرة رؤوس الأموال، التي يعتبر توفرها شرط أساسي للقضاء على التخلف والتبعية الاقتصادية بأشكلها المتعددة. ومن هنا اتجهت الدول النامية ذات العجز نحو التمويل الأجنبي، لاسيما الاقتراض الخارجي بغية دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها.

وإذ كان من المفترض أن يكون التمويل الأجنبي هو عنصر ثانوي مكمل للادخار المحلي، إلا أن الدول النامية بما فيها الدول العربية المدينة اعتبرته الأساس الذي تقوم عليه التنمية الاقتصادية، وأخذت تتوسع فيه، حتى أصبحت تلك المديونية في السنوات الأخيرة عبئًا كبيرًا على الاقتصاديات المدينة، وعائقًا رئيسيًا لجهودها التنموية، وذلك بسبب دورها في استنزاف الموارد المالية من الدول المدينة إلى الدول الدائنة كمدفوعات خدمة لهذه الديون، التي أخذت تلتهم الجزء الأكبر من حصيلة صادرات تلك الدول، الوضع الذي جعلها في مأزق خطير، يتمثل في عدم قدرتها على خدمة ديونها وتمويل وارداتها في آن واحد، حتى أصبحت تلك الدول تطلب العون والإغاثة من الجهات الدائنة، والتي بدورها استغلت هذه الفرصة كوسيلة لتحقيق أهدافها الاقتصادية، وبما يتفق مع نمط تقسيم العمل الدولي السائد، الذي يستهدف استمرارية التبعية والسيطرة والاستغلال الرأسمالي لموارد الدول النامية.

وفي ظل سياسات الانفتاح الاقتصادي، ودفع عجلة التنمية في الدول العربية؛ وفقًا لما أشارت إليه البيانات الواردة في جداول المديونية الخارجية للدول العربية الصادر من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، فقد شهدت المديونية العربية نموًا سريعًا خلال الفترة من عام 1970 حتى عام 1992، فبعد أن كانت 5 مليار دولار عام 1970، قفزت إلى 68 مليار دولار عام 1980، ثم نمت بشكل طردي إلى أن بلغت 153 مليار دولار عام 1992 -أي أنها تضاعفت بأكثر من 30 مرة خلال الفترة الواقعة ما بين  1970 – 1992، ويمثل هذا النمو السريع لحجم هذه المديونية، تبعية الدول العربية للخارج. ناهيك عن ضعف الموارد المحلية في الدول العربية، سواء المخصصة للاستثمار، أو لتصحيح الاختلالات في موازين المدفوعات، كما أنها تشير من جهة أخرى إلى أن هذه الدول ما زالت تعيش فوق إمكاناتها الاقتصادية، محملة تكاليف ذلك لأجيالها القادمة.

تطور الدين الخارجي للدول العربية خلال الفترة 1970 – 1992 (بالمليون دولار)

الوضع الذي لا حل له سوى إعادة جدولة ديون تلك الدول للتخفيف من عبء خدمة تلك الديون، حيث يقصد بإعادة جدولة الديون «تعديل الشروط الأصلية الواردة في اتفاقيات القروض، وذلك بهدف إطالة آجال استحقاقها ومدة فترات السماح وفتح الاعتمادات المالية لتوفير السيولة اللازمة للدول النامية»؛ والملاحظ أن تجربة إعادة الجدولة ليست إلا حلًا قصير الأجل يهدف إلي التغلب علي مشكلة السيولة لدي الدول المدينة خلال إعطائها فرصة من الوقت لتمكنها من إعادة تصحيح أوضاعها الاقتصادية، وفق شروط صندوق النقد الدولي، حتى تستطيع الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين في المستقبل المنظور إلا أنها لم تكن نهاية الأزمة.

نهاية ثورة شيكاغو؛ حلمٌ صعب المنال أم حقيقة غائبة

تعد السياسات الاقتصادية التابعة للميثاق الكينزي -مبدأ التحفيز المالي- الذي يقوم على ضرورة تدخل الدولة في ظل الأزمات لمنع وقوعها بمثابة السقوط الصادم لمبدأ العلاج بالصدمة، حيث تقوم ركيزته الأساسية على حماية الإنتاج من خلال إجراءات الإنقاذ المالي للشركات والبنوك المتعثرة، ثم تحفيز الاستهلاك عن طريق تخفيض الضرائب، والتوسع في الإنفاق العام من ناحية، وتخفيض أسعار الفائدة وزيادة المعروض النقدي أو ما يسمي بالتيسير الكمي Quantitative Easing من ناحية أخرى.

وتقوم سياسات التحفيز المالي بلعب دورها في العملية الاقتصادية من خلال خلق «طلب» مصطنع، وكذلك «عرض» مصطنع وذلك لمكافحة الركود وخلق نشاط اقتصادي مصطنع على أمل أن يكسب الزخم الذاتي المطلوب مع الوقت، ومن ثم يخرج الاقتصاد من حالة الركود التي يعاني منها.

هذه المنهجية التي استهلت ركيزتها الرئيسة من منهج المدرسة الكينزية التي تراهن على فاعلية السياسة المالية في تحفيز الطلب العام، ومن ثم تحفيز النمو الاقتصادي، في مقابل مدرسة شيكاغو التي تراهن على دور السياسة النقدية في تحفيز النمو الاقتصادي من خلال التحكم في عرض النقود. وإن كان فكر مدرسة شيكاغو مسيطرًا خلال الألفية الأخيرة، فإن الوقت الحالي يمثل اختبارًا صعبًا لتلافيها لكنه الوقت الأنسب لسيطرة المدرسة الكينزية.

——————————————————————————————————————–

المراجع:

  • د. محمد السماك، قياس التبعية الاقتصادية للوطن العربي وتأثيراتها الجيوبولينيكية المحتملة، المستقبل العربي، يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، عدد 51، السنة التاسعة، سبتمبر 1986، ص62.
  • د. أحمد محمد أبو الرِّب، تحديات التنمية في الوطن العربي، طباعة المؤسسة الصحفية الأردنية، ط1 – 1979م، ص 64.
  • د. نادر فرجاني، هدر الإمكانية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط4، 1985، ص 79.
  • د. إبراهيم العيسوي، قياس التبعية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 13 – 17.
  • د. فليح حسن خلف، التنمية والتبعية في الاقتصاد العربي، الناشر مجلة النفط والتعاون، بغداد، العدد الأول كانون الثاني – شباط، 1986، ص43.
  • د. عبدالحسين وادي العطية، موقع الاقتصاد العربي في العلاقات الاقتصادية الدولية، بحث مقدم إلى ندوة العمل الاقتصادي العربي المشترك في مواجهة الأزمة الاقتصادية الدولية، 1987م، الناشر مجلة الوحدة الاقتصادية العربية، عمان، العدد السادس، السنة الثالثة، ديسمبر 1987م، ص99.
  • جامعة الدول العربية، الأثار المترتبة على الاقتصاديات العربية نتيجة توسيع عضوية السوق الأوروبية المشتركة، 1987، ص45.
  • د. عبدالحسن زلزلة، العمل العربي المشترك والاعتماد على الذات، المعهد العربي للتخطيط، الكويت، دار الشباب للنشر، 1987، ص 43.
  • د. يوسف إبراهيم يوسف، استراتيجية وتكنيك التنمية الاقتصادية في الإسلام، الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامي، 1401 هـ / 1981، ص 553.
  • د. سلمان رشيد سلمان، العلم والتكنولوجيا والتنمية البديلة، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1986، ص111.