منافس جديد.. ما الدوافع الحقيقية لرفع سعر خدمة الاتصالات في مصر؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
منافس جديد.. ما الدوافع الحقيقية لرفع سعر خدمة الاتصالات في مصر؟

منافس جديد.. ما الدوافع الحقيقية لرفع سعر خدمة الاتصالات في مصر؟




يشهد قطاع الاتصالات رواجا ملحوظ نتيجة دخول الشركة المصرية للاتصالات إلى المنافسة في سوق المحمول الأسبوع الماضي وإطلاق حملاتها التجارية، وافتتاحها لأول مركز خدمة عملاء لتقديم خدمات الاتصالات المتكاملة.

وحدث ارتباكا داخل قطاع الاتصالات الخلوية ليس فقط نتيجة لدخول الشركة المصرية للاتصالات ممثلة في شركة (WE) للقطاع، بل نتيجة لاتخاذ الحكومة قرارا بزيادة أسعار كروت الشحن للشركات الأربعة بنسبة تصل لنحو 36%، وبدء التطبيق الفعلي للقرار منذ صباح يوم 29 سبتمبر الماضي.

هذا القرار الذي أعلنه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أثار الكثير من التساؤلات حول الدافع الرئيسي لرفع سعر الخدمة، في الوقت الذي صرح فيه رئيس القومي للاتصالات بأن رفع السعر جاء تلبية لرغبة الشركات الثلاث (فودافون، وأورانج، واتصالات) في رفع سعر الخدمة بسبب ارتفاع التكاليف التشغيلية جراء تحرير سعر الصرف، ويحاول هذا التحليل الإجابة على تساؤل رئيسي مفاداه، هل رفع سعر الخدمة نتيجة لارتفاع التكاليف التشغيلية لشركات المحمول بعد تحرير سعر الصرف؟ أم أن هناك منافسة تميل لصالح الشركة المصرية للاتصالات، المملوكة للدولة، ورفع السعر لتغطية تكاليفها الاستثمارية علاوة على تكاليف اقتناء خدمة الجيل الرابع للإنترنت 4G ؟

«محددات الانتشار».. الشركة المصرية للاتصالات:

تعتبر الشركة المصرية للاتصالات من أقدم مزودي خدمات الاتصالات الثابتة في منطقة الشرق الأوسط، والأقدم في منطقة شمال أفريقيا حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1854، وأنشئت الشركة بغرض إنشاء وتشغيل شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية، بجانب توفير خدمات إدارة وصيانة المنشآت والأجهزة بالتعاون مع الحكومة، والمنظمات الدولية لربط مصر بالعالم الخارجي.

بلغ رأس مال الشركة 17.7 مليار جنيه؛ موزعة على 1.7 مليار سهم في البورصة بقيمة أسمية 10 جنيهات للسهم الواحد، وقيمه سوقية تقدر بنحو 24.2 مليار جنية للسهم الواحد، وقد وصل عدد عملاء المصرية للاتصالات إلى 6.8 مليون عميل، خلال يوليو الماضي، وتمتلك الشركة المصرية للاتصالات نصيب كبير في سوق الإنترنت المنزلي حيث تمتلك شركه المصرية لنقل البيانات «TE DATA»؛ وهى الذراع الاستثمارية للمصرية للاتصالات في مجال تقديم خدمات الإنترنت، حيث تستحوذ على 64% من حجم سوق الـ «ADSL» بعدد مشتركين يقدر بنحو 1.8 مليون عميل تقريبًا.

كما تمتلك الشركة المصرية للاتصالات نحو 44.9% من شركةفودافون،علاوة على استحواذها على 20% من حصة شركة اتصالات مصر، مُقسمة على ربع سوق المحمول؛ بنحو 20 مليون عميل، بينهم 18 مليون فيفودافون و6 ملايين باتصالات مصر، بالإضافة إلى استحواذهاعلى 100% من سوق الأراضي وأيضًا 100% من خدمات البنية التحتية و90% من البوابة الدولية، خاصة أن البوابة الخاصة بشركة اتصالات مصر خاصة بعملائها فقط.

هل السوق بحاجة الى شبكه رابعة؟

بلغ عدد المشتركين في خدمات المحمول في الشبكات الثلاث 108.9 مليون شخص في 2017، بنسبة 111.5%، ما يوضح مدى تشبع السوق، وفي ظل تأكيد الخبراء على أن النمو يأتي من زيادة عدد المشتركين، فإن التشبع يقف عائقًا أمام النمو ويقلل فرص دخول أي منافس آخر إلى سوق المحمول في مصر خاصًه وأن المنافسة بين الثلاث شركات لم تعمل على تحسين الخدمة أو تخفيض الأسعار للمستهلك وذلك نتيجة احتكار القلة وتقسيم السوق بين الثلاث شركات بالاتفاق.

لكن بعد أن أعلنت الشركة المصرية للاتصالات تفعيل خدمة المحمول ودخولها سوق المنافسة مع الشركات الثلاثة، أعلنت شركات المحمول زيادة في قيمة كروت الشحن بنسبة 36% بسبب تحميل شركات المحمول تكلفة تشغيل إضافية لنحو 45% بسبب قرار التعويم الذى اتخذه البنك المركزي آخر العام الماضي، بخلاف التكلفة الاستثمارية التي تكبدوها من أجل شراء رخصة الجيل الرابع وتفعيلها.

وأعلنت شركات المحمول زيادة في أسعار كروت الشحن بقيمه 13% في سبتمبر 2016 عند تطبيق ضريبة القيمة المضافة على عملاء الهاتف المحمول سواًء الفاتورة أو الكارت، ثم تفعيل زيادة 1% لتصل إلى 14% في يوليو 2017، ومؤخرًا تم تطبيق زيادة آخري لتصل إلى 36%.

وترجع هذه الزيادةإلى عدةأسباب أهمها:

1- تعويم سعر صرف الجنيه: حيث أدى ذلك إلى رفع تكاليف التشغيل من خلال رفع أسعار كلًا من الوقود والكهرباء التي تعمل على تشغيل وتغذية محطات توليد الترددات الخاصة بالشبكة.

2- ضريبه القيمة المضافة: التي فرضتها الحكومة على بعض المنتجات الاستهلاكية،وكانت شركات المحمول تتحمل الضريبة عن مستهلكي كروت الشحن حتى تم إضافة ضريبة القيمة المضافة، فأصبح المشتركون يدفعون الزيادة المقررة، لكن الشركات كانت تعوضها بدقائق محمول إضافية علي الكارت.

3- شراء رخصة الجيل الرابع: حيث اشترت شركات المحمول رخصة تفعيل ميزة الجيل الرابع للاتصال وكلف هذا الشركات فاتورة تُقدر بحوالي22 مليارات دولار، الأمر الذى جعل من رفع أسعار كروت الشحن على المواطن طريقه لسداد هذه المصروفات.

وعلى الرغم من بيان وزير الاتصالات بزيادة تكاليف التشغيل على شركات المحمول إلى 45%، ولأسباب لا علاقة لها بالشركات، ولكن نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء والسولار وغيرهم، إلى جانب تكاليف ضخ خدمات جديدة باستثمارات جديدة،قررت الشركة المصرية للاتصالات الدخول في سوق المحمول الذى يصل حجم إيراداته إلى 35 مليار جنية سنويًا و تعويض خسائرها من اعتمادها فقط على الخطوط الأرضية و زيادة أرباحها التي كانت تعتمد فيها على مصدرين رئيسيين؛ وهما عوائد المكالمات الدولية التي لا تتخطى حاجز المليار جنيه سنويًا، بجانب أرباحها من شركة فودافون مصر؛ التي بلغت 218 مليون جنيه في الربع الثاني من 2014، بسبب انحصار خدمات المصرية للاتصالات في الصوت و الإنترنت الثابت الذى يصل عدد مستخدميه إلى 6.8 مليون عميل واحتكارها لنسبة 64% من سوق الإنترنت الثابت بعدد مشتركين بلغ 1.8 مليون عميل.

مقترح إنشاء ما يسمى بـ«الكيان»:

مع بداية الأزمة في أواخر عام 2014،جرى عرض مُقترح يسمح للشركة المصرية للاتصالات بتقديم خدمات المحمول، كما تسمح لشركات المحمول بتقديم خدمات الهاتف الثابت، والإنترنت السلكي، والبوابات الدولية للاتصالات،كما تم الإعلان عن إنشاء «كيان موحد» لتطوير وتأجير البنية الأساسية، تشارك فيه وزارات الدفاع والنقل والاتصالات والاستثمار بالتعاون مع شركات المحمول.

وأكد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أن «الكيان الموحد» سيبني البنية التحتية ويؤجرها فقط، دون الترخيص له بتقديم خدمات للشركات، في حين أن المصرية للاتصالات تقوم ببناء البنية التحتية، ثم تقدم من خلالها خدمات للشركات وفقًا لرؤيتها الخاصة وبالأسعار التي تشترطها، وقد تم إلغاء فكره الكيان عام 2015.

وزارة الاتصالات محتكر أم مضارب؟

تحكم الدولة قبضتها على سوق الاتصالات، حيث يصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تراخيص المحمول والإنترنت، ويوافق على خطط الأسعار، كما يملك وزير الاتصالات الحق في تحديد أسعار الخدمات رغم حصول جاهز تنظيم الاتصالات على نسبه 2% من أرباح شبكات المحمول بغض النظر عن نسبتها التي بلغت 44.9% من فودافون عن طريق المصرية للاتصالات، و20% من اتصالات مصر كما تستحوذ على 100% من البنية التحتية، و90% من البوابة الدولية، فكيف تحقق الشركة المصرية للاتصالات خسائر رغم كل هذه الأصول التي تمتلكها وحصصها الثابتة في شركات المحمول التي تدر عليها عائد سنوي ثابت؟

لكن الأهم هل تعتبر وزارة الاتصالات بدخولها سوق المحمول محتكر ذو نفوذ سيستغل سيطرته القانونية في النفاذ واحتكار السوق على حساب الشركات الأخرى من خلال منشآته التابعة له، التي تتحكم في تشريعات وقوانين وحتى أسعار العروض داخل الشركات؟ أم أنه سيتجه إلى سياسة السوق المفتوحة والمنافسة الحرة التي تعود بالنفع على المواطن شأنها شأن أي سوق سلعي آخر تتحدد فيه الأسعار بناء على عوامل الطلب والعرض الحر.

المواطن الخاسر الوحيد:

تمثل الثلاث أطراف المعادلة الاقتصادية لحساب المكاسب والخسائر نتيجة رفع أسعار كروت الشحن، أولها شركات الاتصالات التي لا تبدو خاسرة بأي حال من الأحوال، هذه الحقيقة تثبتها لغة الأرقام عن أرباح تلك الشركات والمرشحة للزيادة ربما بذات نسبة رفع كروت الشحن، أي بنسبة 36%.

وعلى الرغم من توقع شركة «فودافون» تراجع إيراداتها بشكل كبير خلال العام الجاري، في ظل الإجراءات الاقتصادية، إلا أن الشركة استطاعت تحقيق إجمالي إيرادات بلغ 13 مليار جنيه بانتهاء العام المالي الخاص بالشركة في الفترة من 1 أبريل 2016، وحتى 31 مارس 2017، بحسب البيانات الرسمية.

كما أن أرباح الشركة قبل الفوائد والضرائب بلغت نحو ٥.٨ مليارات جنيه، بينما بلغت الأرباح التشغيلية حوالي ٣.٣ مليارات جنيه، فيما أظهرت النتائج بلوغ عدد العملاء ٤١ مليون عميل بنهاية مارس ٢٠١٧.

كما أعلن مجلس إدارة شركة أورانج مصر للاتصالات أنه حقق مجمل أرباح وصلت إلى نحو 4.5 مليارات جنيه للعام المالي المنتهي في يونيو 2017، بمعدل زياده بلغ 4.97% عن العام الماضي.

شركة «اتصالات مصر» جمعت إيرادات بقيمة 2.5 مليار جنية خلال الربع الثاني من عام 2016، وبلغ صافي أرباح الشركة عن نفس الفترة 540 مليون جنيه، مقابل 180 مليون خلال الربع الأول بزيادة 200%.

وبذلك فإن الرابح الأول من قرار رفع السعر يتمثل في الشركة المصرية للاتصالات صاحبة الشبكة الرابعة للمحمول (WE)، ويبدو أن قرار رفع أسعار كروت الشحن قد صمم خصيصا لها، بعد دخولها السوق بأيام معدودة فقط، بينما حققت الشركة صافي أرباح 2.7 مليار جنيه خلال 2016.

الرابح الثاني في المعادلة يكمن في التجار والموزعين، الذين طالبوا بهامش ربح بعد زيادة أسعار كروت الشحن إلا أن أزمة المستهلكين لا تتعلق بكبار التجار، لكنها بصغار الموزعين والبائعين، فإنهم لن يكتفوا بيع كروت الشحن بأسعارها المعلنة (نفس الرقم المدون على الكارت) بل سيضطرون إلى زيادتها جنيهًا أو نصف الجنيه على الأقل مبرر ذلك أن التجار الكبار، بعد هذه الزيادة، سيخفضون هامش ربح الموزعين الصغار الذي يحصلون عليه (جنيهان لكل 100 جنيه)، وبالتالي لن يربحوا شيئًا إذا باعوا كارت الشحن بسعره الرسمي.

وختاما فإن خسار شركات المحمول الأخرى ليس مبررا يمكن أن يساق لرفع أسعار خدمات الاتصالات خاصة مع تحقيقها مجتمعه لأرباح في الربع الأخير من عام 2016 والنصف الأول من عام 2017، بل إن دخول منافس جديد للسوق يحتاج لتغطية تكاليفه الاستثمارية قد يكون مبررا كافيا لرفع أسعار الخدمة، والمحصلة النهاية أن المواطن الغارم الأول جراء رفع أسعار الخدمة اتساقا مع الاتجاه العام لرفع الأسعار في الوقت الذي لا تحرك فيه دخول الأفراد ساكنا.

———————————————————————————————-

المراجع:

  1. نشاط مرتقب فيقطاع الاتصالات بعد انطلاق شبكة “we”،المصري اليوم، الرابط
  2. الشركة المصرية للاتصالات، جريدة المال، ،الرابط
  3. القصة-أبعاد سياسية وراء زيادة كروت الشحن.. والمواطن «مطلوب منه التنفيذ في صمت»، الرابط
  4. لماذا رفعت شركات المحمول أسعار كروت الشحن رغم دخول منافس جديد؟، الرابط
  5. تعرف على أبرز المحطات في رحلة زيادة أسعار كروت الشحن 3 مرات خلال عام واحد، اليوم السابع، الرابط
  6. شركات المحمول: رفع أسعار كروت الشحن بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل بنسبة 45%، اليوم السابع، الرابط
  7. رئيس شعبة الاتصالات يطالب بهامش ربح للتجار بعد زيادة أسعار كروت الشحن، اليوم السابع،الرابط
  8. وزير الاتصالات: تكلفة تشغيل المحمول زادت 45%.. ومفاوضات لتحديدها للمواطنين، اليوم السابع ، الرابط
  9. الاهرام الاقتصادي، الاتصالات في قبضه الشركات الدولية، العدد2519