ماذا بعد انفتاح حماس علي «مشروع التسوية»؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
ماذا بعد انفتاح حماس علي «مشروع التسوية»؟

ماذا بعد انفتاح حماس علي «مشروع التسوية»؟




قد يكون النظر إلى تطورات الأوضاع في غزة والقضية الفلسطينية ككل من زاوية صراع المحاور الرئيسية في المنطقة، ووقوع غزة بين رحايا تطاحن اثنين منهما بشكل رئيسي  منذ 2013، هي الطريقة الأقرب لتفسير منطقي يجعل من صورة الرئيس عبد الفتاح السيسي تملأ شوارع غزة بحراسة شرطة حماس، بديلاً عن صور أمير قطر ورئيس تركيا.

هذه الالتفافة التي حملت عنوان المصالحة، التي تجرى محاولاتها الثالثة في أقل من 5 أعوام، تخللهما حربين شنتهما إسرائيل على القطاع عامي 2012-2014، والأخيرة بالذات شكلت ذروة التطاحن بين المحور القطري- التركي- الإخواني، والمحور السعودي- المصري- الإماراتي، سواء في مجريات وطول أمد الحرب الأطول ضمن سلسلة الحروب على قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي، أو مداولات وقف إطلاق النار التي تأرجحت فيها حركة حماس وهي في قلب الحرب بين المحورين، حتى وإن يعني ذلك موافقتها على ورقة شروط قطرية- تركية فضلتها إسرائيل عن الورقة المصرية، التي مثلت أساس يبنى عليه حتى في نظر محور المقاومة، الذي ضغط على حماس لقبولها بدلاً من التي تفضلها إسرائيل.

العودة لحافة الصراع أم الانحياز لأحد أطرافه مجدداً؟

وجدير بالذكر أن عدوان 2014 كان دافعه الرئيسي على مقياس صراع المحاور والمتغيرات الإقليمية في منطقة اتسمت  السياسة الإقليمية فيها بالسيولة والتغيرات المتلاحقة المتسارعة الوتيرة، هو اختبار تل أبيب لتأثيرها على قوة مكونات هاذين المحورين ومدى تأثير كل منهما على مسارات القضية الفلسطينية والتقارب والتحالف مع إسرائيل، وذلك بعد ذروة صدام بين المحورين ذروته ما حدث في مصر يونيو 2013، وخروج مصر من محاولات تبعية موقفها الخارجي لقطر وتركيا إلى السعودية والإمارات، وما تبع ذلك على مدار العاميين الماضيين من تباينات وخلافات بين هذه الدول الثلاث لم تعكر تكامل كل منهم فيما يخص التقارب مع إسرائيل. هذه المنهجية تطورت من طوعية الاصطفاف خلف مصر في الثمانينيات والتسعينيات تحت مظلة السياسات الأميركية فيما يتعلق بـ«عملية السلام» – الجدير بالذكر أن مقاطعة مصر بعد توقيع اتفاقية السلام كان ليس لأن مصر عقدت اتفاقية مع إسرائيل ولكن لأنها عقدتها بشكل منفرد بعيد عن باقي الدول وبشكل أهلّ القاهرة لأن تصبح الحليف الأهم لواشنطن في المنطقة- إلى مشاركة مصر فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي تجلت ذروته في مبادرة السلام السعودية- العربية 2002، وصولاً إلى مزاحمة مصر في ملفات تتعلق بإسرائيل سواء التطبيع معها أو فيما يخص حل القضية الفلسطينية من منظور أميركي وما يتبع ذلك من ملفات مثل قطاع غزة وحركات المقاومة فيها وحركة حماس وسلاحها، ما خرجت شراكة مصرية- إماراتية أخيرة بحل المصالحة بشمول أكبر يفضي إلى احتواء حركة حماس، التي باتت مجهدة من تراكمات الفشل في الحكم والإدارة، والتعاطي مع المتغيرات الإقليمية وتخبطها بين المحاور منذ حسمها العسكري في 2007.

التوازن الدقيق، واللعب على حافة صراع المحاور قد تكون حماس أجادته في السنوات الثلاث الأولى من تفردها بالحكم في غزة، لكن بعد 2011 وتعاظم الدور الإقليمي للمحور القطري-التركي-الإخواني، الذي ضم في سنتي ازدهاره مصر بعد وصول جماعة الإخوان المسلمين للحكم، جعل حماس ترمي بكل ثقلها في خدمة أهداف هذا المحور، حتى وإن كان على حساب سبب وجود الحركة الأساسي، وهو مقاومة إسرائيل، فابتعدت الحركة عن محور المقاومة، بل وصل الأمر إلى ميل الحركة قيادة وكوادر ومقاتلين إلى صف الجماعات المسلحة في سوريا، ونقل تكتيكات وتجهيزات قتالية لهذه الجماعات كانت بالأساس لُقنت ونقلت لكوادر حماس لتوظيفها في صراعها مع إسرائيل لا لإفادة الجماعات المسلحة في حربها في سوريا.

بدايات الاستدارة الحتمية وتجنب الأسوأ

هذا الانسحاب الحمساوي لخدمة أهداف هذا المحور الإقليمية، سرعان ما ارتد عليها بشكل مركز بعد يونيو 2013؛ حيث تلقت الحركة الكم الأوفر من الآثار السلبية التي نتجت عن إسقاط حكم جماعة الإخوان في مصر، وتراجع المحور القطري-التركي-الإخواني في المنطقة، فوقعت الحركة بين رحى صراع المحورين على النحو السابق ذكره، الذي بدأ على مستوى إقليمي بمصر 2013 مروراً بحرب غزة 2014، وأخيراً الأزمة الخليجية كحلقة كانت ستعد الأخيرة لولا تغير الموقف الأميركي المؤسساتي، التفافات تركيا الإقليمية والدولية نحو إيران وموسكو، وارتباط ذلك بملفات سوريا والعراق وتسويات ما بعد داعش، وهو ما تعاطت معه حماس طيلة الثلاث سنوات الماضية بتصاعد في الانفتاح على المحور المصري-الإماراتي-السعودي، من بوابة التنسيق الأمني مع القاهرة أولاً، مروراً بتعاطيها مع المصالحة الخليجية 2014، وصولاً لتجميد علاقاتها مع الدوحة عشية الأزمة الخليجية وإنهاء تواجدها هناك، والذي كان نظيره هو عدم شمول حماس في قائمة المنظمات الإرهابية التي أعلنتها دول المقاطعة، كذلك عدم شمول علاقة الحركة بالدوحة في قائمة الشروط الـ13، وبالتالي عدم تضمين حماس ضمن «الحركات الإرهابية» التي ترعاها قطر، وذلك ضمن إطار تمهيدي للتسوية والمصالحة، أو بمعنى مصري-إماراتي أدق، تدجين واحتواء حركة حماس بعيداً عن المحور التركي-القطري، حيث كان الصراع منذ حرب 2014.

لكن بجانب هذا الضغط على حركة حماس، فإن الحركة كانت تدرك أن هناك مناخ من «التنافس» عليها بين المحورين، فحاولت أن توازن علاقاتها حسب المتغيرات المتلاحقة، وكذلك الأمر حالياً بخطاب قادة حماس الإعلامي والداخلي حول موقع الحركة وعلاقاتها بمختلف القوى الإقليمية ومحاولة التوازن بينهم حتى وإن كان يعني ذلك التخلي عن الحكم والإدارة، سواء من منظور تراكم الفشل والإخفاق وتلافي سخط شعبي في غزة، أو العودة لمربع حركة المقاومة لا كسلطة فلسطينية جديدة لم تجيد حماس التعاطي معها داخلياً وخارجياً طيلة العشر سنوات الماضية. فزاوية النظر الحمساوية لصراع المحاور وتطورات الأوضاع في المنطقة في ظل تقارب عربي- إسرائيلي غير مسبوق، وقرب انتهاء الحرب في سوريا لصالح محور المقاومة، وانكماش الدور القطري- التركي لحدود النجاة والاستمرار في ظل حصار غير معلوم مداه، كانت تراعى أن هناك تنافس بين مكونات محور «الاعتدال» العربي حول إدارة الملفات في غزة، وهذا الأمر خلق هامش مرونة لدى حماس جعل ترجع إلى مربع اللعب على حافة الصراع ولكن مع فارق التخلي عن السُلطة وإرجاعها إلى ثنائية صراع أبومازن- دحلان، سيمكنها بالحد الأدنى على المدى المستقبلي القريب تجنب ما هو أسوأ.

هنا يمكن تلخيص موقف المحاور الثلاثة من حماس والعكس كالتالي:

بالنسبة لمحور المقاومة فهناك أساس جوهري حاكم لعلاقة الحركة منذ نشأتها بهذا المحور وهو مقاومة العدو الإسرائيلي، وبالتالي فإن هذا المعيار الحاسم لاستدامة العلاقات بين الحركة وهذا المحور، لا عن درجة عمقه وفاعليته، وهو على المدى المنظور رهن اختبار موقف حماس من المقاومة المسلحة وميلها من عدمه إلى منطق تصفية القضية الفلسطينية، أما عن مواقف الحركة في سنوات ما بعد 2011، فإنها تخضع لمنطق الهوامش المتاحة والتطورات الإقليمية فيما يخص ما يتجاوز النقطة المفصلية السابقة عدا الموقف من إسرائيل ومن التحالف العربي(السني)– الإسرائيلي؛ فعلى سبيل المثال تحتفظ الحركة بثقل علاقاتها مع محور المقاومة عبر جناحها المسلح “كتائب القسام” بشكل أساسي، أما عن السياسات الإقليمية فإنها رهن التحدي والاستجابة، فعلى سبيل المثال تحاول حاليا حركة حماس إصلاح علاقاتها بدمشق، وإن كان هذا يتم بوتيرة هادئة متحسسة من تخريب مسارات الحركة في التسويات الأخيرة المتعلقة بقطاع غزة والقضية الفلسطينية عبر انفتاحها على المحور المصري-الإماراتي-السعودي بدرجات مختلفة بين مكوناته.

بالنسبة للمحور القطري-التركي، الذي يعاني من تراجع وانكماش مستمر، وصل به على مستوى السياسات الإقليمية، وتحديداً ما يخص القضية الفلسطينية وقطاع غزة لعدم الفاعلية، بتفاهم المكتب السياسي لحماس والدوحة وأنقرة على الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات «الطيبة» المحملة بامتنان الماضي والعلاقات الايدلوجية، أكثر من كونها علاقات تؤثر على قراراها فيما يخص غزة أو القضية الفلسطينية ومساراتها المستقبلية؛ أي أنه تلاقي من الطرفين على أن استمرار العلاقات بينهم بنفس وتيرة ما بعد 2011 غير مفيد وغير ممكن بالنسبة لكل منهما.

بالنسبة لمحور «الاعتدال» العربي، أو التحالف العربي-الإسرائيلي، فإنه يبدو أن الدافع الأساسي للاستدارة الجبرية لحماس هو تسجيل إنجاز على مستوى صراع هذا المحور مع ما تبقى من نفوذ إقليمي فاعل خاص بالقضية الفلسطينية تحديداً لقطر وتركيا، وهو الأمر الذي يعني بالنسبة للقاهرة وأبو ظبي بالخصوص اجتذاب حركة حماس واحتوائها وتدجينها في مسعى إقليمي جديد عنوانه التحالف مع إسرائيل و«السلام الدافئ»، يليه أو بالتوازي معه فرصة إبعاد حماس عن محور المقاومة، وذلك لمجابهة أو  معادلة الانجازات الميدانية والسياسية التي حققها هذا المحور في السنوات الأخيرة، وتحضيراً لجولات قادمة من اتساع الصراع لا ينبغي فيه أن تكون هناك «ثغرة» غزة أو عقبة فلسطين في طريق تعميق التحالف العربي الإسرائيلي وتفعيله.

هنا يتبقى سؤال هام، يتعلق برؤية حماس تجاه منظور رعاة المصالحة لها ولموقعها الإقليمي؛ فهل تتجاوب الحركة مع محاولات تدجينها من جانب التحالف العربي الإسرائيلي، وليس فقط إبعادها عن المحورين الآخرين؟ وهو ما يعني أن حماس أضحت بالحد الأدنى محيدة بعد ميلها لهذا التحالف، ما ينبثق منه تساؤل هام أخر يتعلق بتأثير ذلك على مستقبل حركة حماس وتماسكها الداخلي؛ حيث تشكل المسائل المرتبطة باستمرار مقاومتها المسلحة لإسرائيل بُعداً داخلياً يضاف للبعد الخارجي المتعلق بعلاقاتها مع المحاور الثلاثة، وهو ما قد يؤدي بالحركة للتشظي خاصة بعد عدم تعليقها على تصريحات أبو مازن الخاصة باقتلاع السلاح من غزة وعدم السماح بتكرار «حزب الله» في القطاع على حد تعبيره.. إجابة هذه الأسئلة ستتكشف بالتأكيد في الشهور القادمة مع استبيان حماس مساراتها الداخلية في المستقبل بعد تخليها عن السلطة لتبقى بين خيارين: أن تعود لمربع حركة المقاومة، أو تتماهى مع رعاة المصالحة في مساعيهم الإقليمية.