الوجود الأمريكي في أفغانستان.. بين خصخصة الحرب والخطط العسكرية البديلة - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
الوجود الأمريكي في أفغانستان.. بين خصخصة الحرب والخطط العسكرية البديلة

الوجود الأمريكي في أفغانستان.. بين خصخصة الحرب والخطط العسكرية البديلة




مع استمرار الصراعات والحروب وتورط العديد من القوى الكبرى في مستنقعات الصراع لسنوات دون تحقيق النتائج المرجوة من التدخل العسكري المكلف ماديا وبشريا، عادت فكرة المرتزقة إلى الساحة مجددا وهي فكرة قديمة جديدة، فكما كان في السابق يمكن الاستعانة بهم في مناطق الصراع دون إطار تنظيمي أو قانوني، ظهرت تحت ستار الشركات الأمنية المتخصصة “متعهدون مدنيون” ليس فقط في حماية المؤسسات والأفراد داخل الدول وإنما الانخراط في حروب خارجية مثل الفاعلين من الدول.

يأتي إثارة هذا الملف مع دعوة مؤسس شركة “بلاك ووتر” الأمنية الأمريكية إريك برنس، في 12 أغسطس 2017 إلى خصخصة الحرب في أفغانستان والاعتماد على المتطوعين من أجل وقف العمليات التي تنفذها حركة طالبان ضد القوات الحكومية وكذلك قوات حلف شمال الأطلنطي “الناتو”، فمنذ تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في أكتوبر 2001، بأفغانستان لم تستطع تحقيق أهدافها هناك فما زالت طالبان تسيطر على حوالي 40% من الأراضي الأفغانية إلى جانب استمرار هجماتها ضد خصومها، واستغل إيرك برنس وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض الداعم لشركات السلاح ورجال الأعمال ليطلق دعوته هذه وسط استغلال حالة السخط الأمريكي على طول أمد الحرب التي امتد لـ16 عاما بدون نتائج واضحة مع استمرار الخسائر الاقتصادية والبشرية.

وليست هذه أول مرة تستعين بها الولايات المتحدة أو غيرها من الدول بالشركات الأمنية في المشاركة في عمليات أمنية وعسكرية، تبدأ من حماية الدبلوماسيين والسفارات والموالين لهم مرورا بتدريب قوات تابعة للنظام الخاضع لهم في الدول التي تتدخل فيها، وصولا إلى تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة واستجواب المعتقلين، وسبق أن نفذت شركة “بلاك ووتر” مثل هذه المهام من قبل في العراق منذ احتلال الولايات المتحدة لها في 2003، وتورطت الشركة في أعمال غير إنسانية استهدفت المدنيين مثل حادثة ساحة النسور في بغداد التي قتل فيها 17 شخصا فيما أصيب 20 آخرون بشكل غير مبرر في سبتمبر 2007، إلى جانب المشاركة في عمليات استجواب وتعذيب للمعتقلين كما جرى في سجن “أبو غريب”.

منذ تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في أكتوبر 2001،  في أفغانستان لم تستطع تحقيق أهدافها هناك فما زالت طالبان تسيطر على حوالي 40% من الأراضي الأفغانية

أولاـ ظهور الشركات الأمنية ومهامها:

وجد المرتزقة الذين يقاتلون لصالح قوة أو دول معينة منذ فترات طويلة، إلا أن المفهوم الحالي لشركات الأمن «شركات المتعاقدين العسكرية»  ( Army Contractors and Suppliers ) ظهرت بداية تأسيسها لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تم تأسيس شركة “داين كورب” (DynCorp) من قبل جماعة من المحاربين القدامى في الولايات المتحدة عام 1946، فيما توضح كتابات أخرى أنها بدأت فعليا مع تأسيس شركة « ووتش جارد انترناشيونال » « Watch Guard International »  في فترة منتصف الستينيات من القرن الماضي، على يد الكولونيل الإنجليزي السير ديفيد سترليتغ.

وتتخصص هذه الشركات في تقديم خدمات أمنية متعددة بداية من تأمين المنشآت وتولي عمليات التدريب لبعض القوات العسكرية النظامية، نظرا لأنها تضم قادة وضباط سابقين عملوا في الخدمة العسكرية من قبل وبالتالي مؤهلين لتقديم تدريبات عسكرية مختلفة للدول التي تحتاج إلى تطوير قواتها كما جرى في العراق وليبيريا وبعض دول الخليج العربي.

وبرز استخدام الشركات الأمنية في الحروب بشكل واسع مع الاحتلال الأمريكي للعراق ليتحولوا إلى مرتزقة حروب بشكل فعلي وليس مجرد شركة دولية، وتحولت العراق لملاذ للكثير من هذه الشركات، حيث يقدر عدد أعضاء الشركات الأمنية في العراق فقط بين 30 إلى 50 ألف شخص، يعملون ضمن 130 شركة أمنية، وهم من جنسيات أجنبية مختلفة بالإضافة إلى عراقيين يعملون بأجور زهيدة لدى هذه الشركات، ويقدر حجم أعمالها في العراق ما يقارب 100 مليار دولار.

ولم تكتف هذه الشركات بالمشاركة في العمليات العسكرية داخل الدول التي تشهد نزاعات وحروب كما حدث في الصومال ودول البلقان ورواندا في التسعينيات من القرن الماضي، بل تورطت في دعم انقلابات عسكرية ودعم النظم السلطوية حفاظا على مصالحها، فمثلا شركة جنوب أفريقيا تسمّى “النتائج الحاسمة” ( ( Executive Outcomes تأسست عام 1989، وشركة “لفدان” الإسرائيلية والبريطانية “ساندلاين”، و”داين كورب” الأمريكية تورطوا في تدبير انقلابات في أفريقيا بسبب الرغبة في السيطرة على النفط والمعادن النفيسة مثل الماس في أنجولا وسيراليون.

أما الآن فخفتت التدخلات العسكرية لهذه الشركات وانخفضت أعمال مشاركتها في العمليات العسكرية بجانب الدول، رغم أنه ترددت في عام 2014 معلومات حول مشاركة هذه الشركات في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، لكن لم يحدث هذا حتى الآن فالأمر يتخطى إمكانيات وقدرات هذه الشركات بجانب التعقيدات السياسية، لكن أحدثت اختراق في محاربة الإرهاب، حيث استعانت نيجيريا بمرتزقة في القتال ضد جماعة “بوكو حرام” التي تنشط شمالي البلاد، وأكدت ذلك مصادر أمنية ودبلوماسية في مارس 2015، إذ جلبت نيجيريا مئات المرتزقة من جنوب أفريقيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق للقتال ضد جماعة “بوكو حرام” وهذه القوات على صلة برؤساء شركة “إجزكيوتيفأوتكامز” العسكرية الخاصة في جنوب أفريقيا، ويحصل هؤلاء المقاتلون على نحو 400 دولار يوميًا.

لم تكتف الشركات الأمنية بالمشاركة في العمليات العسكرية داخل الدول التي تشهد نزاعات وحروب، بل تورطت في دعم انقلابات عسكرية ومساعدة النظم السلطوية حفاظا على مصالحها

ثانيا- الضعف الأمريكي في أفغانستان:

عرض رئيس شركة “بلاك ووتر” العمل في أفغانستان وتخفيض نفقات الحرب هناك، حيث اقترح إرسال 5500 متعهد تابعين للشركة للعمل هناك بتكلفة سنوية 10 مليار دولار بدلا من 45 مليار دولار تصرف للجيش الأمريكي  فقط، إذ يوجد هناك 8400 جندي أمريكي إلى جانب 5000 آخرين تابعين لأعضاء من حلف الناتو  المشاركين في عملية “الدعم الحازم” يتولون تدريب القوات الأفغانية، إلا أن ترامب يبدو أنه رفض مقترح إيريك برنس رغم تأييد أفراد من إدارة ترامب للخطة منهم ستيف بانون كبير مستشاري ترامب قبل إقالته مؤخرا، وأعلن ترامب عن استراتيجيته الجديدة هناك التي تقوم على شقين أساسين هما زيادة القوات إلى جانب التفاوض مع حركة طالبان من أجل دخولها في عملية سلام مع الحكومة.

وليست هذه أول مرة فسبق أن تقدم إيريك برنس بمقترحات لخصخصة الحرب في أفغانستان، فقد كشف موقع “ذىإنترسبت” الأمريكى، منتصف يوليو الماضي أن إدارة ترامب بحثت مشاركة “بلاك ووتر” في الحرب الأفغانية، وكان صهر ترامب ومستشاره العسكري “جاريدكوشنر”، ومستشاره “ستيف بانون” مختصين بمراجعة خطة خصخصة الحرب، وكان من المرشحين لتولي المهمة “إريك برنس” مؤسس “بلاك ووتر”، وأيضا ستيفن فينبرج مالك شركة “داين كورب” إحدى أهم الشركات الأمنية الأمريكية مثل “بلاك ووتر”.

لكن الآن الداعم الكبير  لخصخصة الحرب في أفغانستان ستيف بانون تمت إقالته من قبل ترامب، في مقابل رفض وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، لهذه الخطة الذي طالب بزيادة القوات العسكرية وبالفعل سمح له ترامب في إطار الخطة الجديدة بزيادة عدد القوات بحوالي 4000 جندي، وليس هذا فقط بل رفض أي خطط سابقة كانت موضوعة للانسحاب من المستنقع الأفغاني، وقال إن موقفه يهدف إلى منع تحول أفغانستان إلى ملاذ أمن للمتشددين الإسلاميين المصممين على مهاجمة بلاده.

وجاءت الاستراتيجية الجديدة لترسم تحول جديد وهو الاشتباك مع الجماعات الإرهابية في أفغانستان وليس تقديم عمليات المساعدة والدعم والمشورة للقوات الأفغانية وبناء مؤسسات الدولة الأمنية فقط، ما قد يستدعي المزيد من القوات المتخصصة وزيادة عمليات التسليح كما ونوعا إلى جانب تعزيز الجانب الاستخباراتي، ما يتطلب تهدئة التوتر الجاري الآن مع باكستان باعتبارها من أكثر الدول تدخلا في الملف الأفغاني.

جاءت الاستراتيجية الجديدة لترسم تحول جديد وهو الاشتباك مع الجماعات الإرهابية في أفغانستان وليس تقديم عمليات المساعدة والمشورة للقوات الأفغانية فقط

وقامت خطة ترامب الجديدة بالأساس على زيادة القوات العسكرية إلى جانب التفاوض مع طالبان، والأهم من ذلك أنه هاجم باكستان بشدة حيث ترى الولايات المتحدة أن إسلام آباد تدعم حركة طالبان وتوفر الملاذ الآمن لقيادتها ما أضر بالولايات المتحدة وحلفائها، ولهذا صعدت واشنطن موقفها من إسلام آباد وخفضت جزءا من المساعدات العسكرية بقيمة 50 مليون دولار، في إشارة إلى تصاعد الغضب الأمريكي من باكستان التي أخرت حسم الأمور لصالح الولايات المتحدة في أفغانستان.

وجاءت استراتيجية ترامب الجديدة لتكون بمثابة الرفض لخطط خصخصة الحرب في أفغانستان، فالأمر ليس بهذه السهولة فكما فشلت “بلاك ووتر” وغيرها من الشركات الأمنية من قبل في العراق، من الصعب أن تنجح فيما أخفقت فيه الولايات المتحدة وحلف الناتو في مجابهة طالبان، حيث أنفقت واشنطن في هذه الحرب ما يقرب من 3 تريليون دولار إلى جانب فقدان 2400 جندي وإصابة حوالي 20 ألف آخرين من قواتها رغم ذلك لم تفلح جهودها في دحر الحركة لوجود ارتباطات خارجية داعمة لها لن تستطيع الشركات الأمنية التعامل معها.

وحذر ترامب خلال إعلان خطته الجديدة باكستان من أنها “ستخسر كثيرا” إذا استمرت في إيواء “إرهابيين”، وزعزعة أمن أفغانستان مطالبا إياها بتغير  هذا الوضع “فورا”، فيما ردت إسلام آباد على هذه الاتهامات مؤكدة أنه لا تأوي أحد إنما تريد الحكومة الأمريكية تحميلها مسؤولية فشل حربها هناك، لكن إسلام آباد تعلم أن الجميع يدرك مدى دعمها لطالبان، فالقوات الأمريكية عثرت على زعيم القاعدة أسامة بن لادن في الأراضي الأفغانية وقتلته هناك، كذلك قتل زعيم طالبان العام الماضي الملا أختر منصور على يد القوات الأمريكية جنوب غرب باكستان.

وليست باكستان وحدها من تدعم طالبان، فإيران وروسيا وباكستان متهمون بدعم الحركة بشكل كبير، ما سمح لها بالبقاء طويلا وبسط سيطرتها على حوالي 40% من الأراضي الأفغانية ودخول روسيا على خط الأزمة سيزيدها تعقيدا، لأنها تريد الانتقام من الناتو، فقد وجهت اتهامات أمريكية متكررة لروسيا أيضا بدعم طالبان ما نفته موسكو مرارا خاصة الشهر الجاري، وأكدت أنها لا تقدم أي نوع من الدعم للحركة باستثناء وجود علاقات معها فيما يتعلق بأمن مواطنيها الروس في أفغانستان، وإلى جانب ذلك تدعو موسكو  واشنطن إلى التفاوض مع الحركة ودعم عمليات السلام ويشاركها في هذا التوجه باكستان والصين وإيران الذين أعربوا عن قلقهم من خطة ترامب الجديدة بزيادة القوات ورفض الانسحاب وتحميل الآخرين مسؤولية فشلهم.

ليست باكستان وحدها من تدعم طالبان، فإيران وروسيا يفعلون ذلك بشكل كبير ما سمح لها بالبقاء طويلا وبسط سيطرتها على حوالي 40% من الأراضي الأفغانية

ثالثا- فرص لجوء الولايات المتحدة للشركات الأمنية:

أدت بعض الشركات الأمنية دورا فعالا في بعض مناطق الصراع والانخراط في أزماتها ونجحت في تدريب قوات وجيوش بعض الدول والمشاركة أيضا في بعض الحروب، إلا أن طبيعة الصراع والمنطقة المتداخل فيها هي من تحدد مسارات الأزمة وإمكانية تدخل الشركات الأمنية، فمثلا نجحت شركة “داين كورب” الأمريكية في تطوير وتدريب الجيش في ليبيريا، لأنه لم يكن هناك تدخل كبير في الأزمة من الخارج، فيما فشلت في الصومال لأن الأمر يتخطى إمكانياتها وقدراتها فهي حرب أهلية وانقسام يحتاج إلى ترتيبات ومفاوضات سياسية من قبل الداخل والخارج وليس مجرد مشكلات أمنية وعسكرية يسهل مجابهتها بجانب انتشار الجماعات الإرهابية.

والحرب الأفغانية أكثر تعقيدا ولن تقدر  شركات المرتزقة على حل الأزمة، بمفردها فقد تكون مجرد مساعد للقوات الأمريكية وحلف الناتو لكنها غير قادرة تماما على إنهاء حرب مشتعلة منذ 16 عاما، إلى جانب التعقيدات السياسية بالأزمة ما يؤكد محدودية وفاعلية شركات الأمن/المرتزقة، وبالتالي لن تلجأ الولايات المتحدة إلى الاعتماد على الشركات الأمنية في تولي إدارة الحرب الأفغانية للأسباب التالية:

1- وجود أطراف خارجية في الحرب الأفغانية:

تعتبر من أكبر المعضلات التي تواجه “عملية الدعم الحازم” في أفغانستان هو تدخل دول الجوار الأفغاني وقوى كبرى في هذه الحرب، فمثلا توفر  باكستان وإيران ملاذا آمنا لقيادات من طالبان بجانب دعم الحركة عسكريا وماليا، بجانب روسيا التي تعاونت مع الحركة منذ عام 2016 في خطوة لافتة فهي العدو الأول لروسيا، التي ساهمت في هزيمة الاتحاد السوفيتي من قبل حينما تدخل في أفغانستان عام 1979 ليخرج منها عام 1988، وكان هذا التدخل أحد أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي.

ونظرا لوجود أكثر من طرف خارجي في الأزمة الأفغانية فمن الصعب على شركات المرتزقة التعامل مع الخارج ومع دول كبرى ذات ثقل دولي يصعب التفاهم معها، بخلاف أنها لن تقدر على السيطرة على الوضع الداخلي والتفاوض مع الجماعات المسلحة.

2- قوة الجماعات الإرهابية:

اكتسبت حركة طالبان قدرة عالية على القتال منذ حربها ضد السوفييت، ثم مقاومة التدخل الدولي في أفغانستان عام 2001، وهو ما جعلها تسيطر على حوالي نصف الأراضي الأفغانية، إلى جانب تنفيذ عمليات ناجحة ضد القوات الحكومية في العاصمة كابول.

نظرا لوجود أكثر من طرف خارجي في الأزمة الأفغانية فمن الصعب على شركات المرتزقة التعامل مع دول كبرى ذات ثقل دولي يصعب التفاهم معها

وبجانب طالبان يوجد تنظيم “شبكة حقاني” وهي جماعة مسلحة تضم أكثر من 10 آلاف مقاتل، وتتحالف أيضا مع طالبان وتنشط في المناطق الحدودية مع باكستان وتتخذ من محافظات بكيتا، بكتيكا وولاية خوست في شرقي أفغانستان مناطق تمركز لها، ويعود تأسيسيها للحرب السوفيتية حيث حصلت على دعم من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في الثمانينات، والآن تتهم الولايات المتحدة باكستان بتقديم الدعم للحركة كما تفعل مع طالبان.

وإلى جانب الجماعات المسلحة التي ظهرت مع الحرب السوفيتية، برز الآن فرع “ولاية خراسان” المنبثق عن تنظيم داعش الإرهابي حيث يسعى تنظيم الدولة لتكوين نقطة ارتكاز تكون بديلة له بعد هزيمته في العراق وسوريا وعدم قدرته على تثبيت أي وجود له داخل “شبه جزيرة سيناء”، ما أضاف المزيد من التحديات على الولايات المتحدة، ونظرا لخطورة داعش الذي لن يمكن التفاهم معه أو الدخول في عمليات تفاوض بخلاف طالبان، وعد الجنرال جون نيكولسون، قائد القوات الأمريكية في أفغانستان في تصريحات له يوم 25 أغسطس الماضي، بأن تدعم بلاده قوات الأمن الأفغانية بريا وجويا لإبادة فرع “داعش” في البلاد، وسحق فلول تنظيم “القاعدة”.

وقتلت الولايات المتحدة منذ ظهور فرع داعش في أفغانستان حتى الآن ثلاثة زعماء له، ففي 15 يوليو 2017 أعلنت وزارة الدفاع الأميركية مقتل قائد تنظيم “داعش” في أفغانستان ويدعى أبو سعيد في ضربة على مقر التنظيم في إقليم كونار، وهو ثالث قائد للتنظيم في أفغانستان يقتل منذ يوليو 2016، ففي أبريل 2017 قتل القائد السابق عبدالحسيبلوغاري بعملية مشتركة للقوات الأميركية والأفغانية، وقُتل أيضا في 2016 حافظ سعيد خان القائد الأول للفرع بهجوم بطائرة من دون طيار.

3- الرغبة في السيطرة على المعادن الأفغانية:

بجانب الأهداف المعلنة في استراتيجية ترامب تجاه أفغانستان وهي محاربة الجماعات الإرهابية وحماية الأمن القومي الأمريكي، برزت الثروة المعدنية القابعة في بطون هذه الأراضي كأحد أسباب رفض ترامب الانسحاب منها دون الحصول على ثرواتها وتعويض الخسائر التي منيت بها بلاده، ففي تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية  أكدت أن الثروة المعدنية هي السبب وراء إبقاء الرئيس الأمريكي على وجود قواته في أفغانستان.

برزت الثروة المعدنية في أفغانستان كأحد أسباب رفض ترامب الانسحاب منها دون الحصول على ثرواتها وتعويض الخسائر التي منيت بها بلاده

وبحث ترامب استغلال هذه الثروة مع نظيره الأفغاني محمد أشرف عبد الغنى، الذى عمل على تعزيز عملية استخراج المعادن باعتبارها فرصة اقتصادية، والتعاون مع الشركات الكبرى في هذا الإطار، وبالفعل التقى ثلاثة من مساعدي ترامب مع مايكل إن سيلفر أحد المديرين التنفيذيين لشركة “أمريكان إليمنتس” الكيماوية، لمناقشة إمكانية استخراج المعادن النادرة هناك، الذي يمتلك أيضا شركة “داين كورب إنترناشونال” شركة المقاولات العسكرية ما سيمكن الاستفادة من أفرادها العسكريين الذين سيتولون تأمين مناطق التنقيب، فسبق أن قدر المسئولون الأمريكيون في 2010 قيمة المعادن غير المستغلة في أفغانستان بحوالي تريليون دولار، وهذا الرقم كفيل بأن يجذب ترامب للبقاء في أفغانستان.

وختاما يمكن القول أن الإدارة الأمريكية لا يمكنها في الوقت الحالي الاعتماد على شركات المقاولة الأمنية بشكل أساسي في أفغانستان وإنما قد تستعين بها في مهام محدودة، فطبيعة الصراع الذي لم يستطع حسمه أكثر من 100 ألف جندي أمريكي في أفغانستان لن يحسمه أفراد من المرتزقة ليسوا على دراية بصعوبة القتال في مثل هذه المناطق بجانب التدخلات الخارجية والتعقيدات المحلية، وإنما قد تستعين بها في حماية مؤسسات أو شركات كبرى أو  تولي أجزاء من التدريبات للقوات الأفغانية، ومن ناحية أخرى جاءت استراتيجية ترامب الجديدة لتعني بقاء أطول للقوات الأمريكية في المستنقع الأفغاني وزيادتها مستقبلا وتحويل أفغانستان لساحة تصفية حسابات جديدة بين واشنطن وخصومها ما يعني إطالة الحرب لفترة طويلة مقبلة.

———————————————————————————————-

المصادر:

1ـ مقتل قائد «داعش» في أفغانستان، الحياة اللندنية،15/7/2017، الرابط.

2ـ نيجيريا تلجأ إلى مرتزقة أجانب لمحاربة «بوكو حرام»، بوابة الوسط الليبية، 12/3/2015، الرابط.

3ـ خصخصة الحروب: الشركات الغربيّة المرتزقة وحروبها القذرة، 18/6/2015، الرابط.

4ـ علي زياد العلي، الخصخصة الأمريكة للحروب .. الجيل الخامس من وسائل التدخل والاستخبارات، مركز كاتخيون، 29/7/2017، الرابط.

5ـ مؤسس «بلاك ووتر» يدعو إلى خصخصة الحرب في أفغانستان، صحيفة الشرق الأوسط، 13/8/2017، الرابط.

6ـ شون ماكفيت، ما الخطة التي وضعتها شركة بلاك ووتر الأمريكية للحرب في أفغانستان؟، الأتلانتيك، نون بوست،19/7/2017، الرابط.

7ـ أحمد علو، الشركات العسكرية والأمنية الخاصة: أذرع طويلة لمهمات مختلفة، موقع الجيش اللبناني، العدد 369، مارس 2016، الرابط.

8ـ شون ماكفيت، المرتزقة الجدد .. الجيوش الخاصة وما تعنيه للنظام الدولي، موقع مجلة السياسة الدولية، 28/10/2015، الرابط.

9ـ روسيا: استراتيجية ترامب الجديدة في شأن أفغانستان لن تجلب منافع، النهار اللبنانية، 22/8/2017، الرابط.

10 استراتيجية ترامب في أفغانستان: زيادة عدد الجنود ومحاورة طالبان، روسيا اليوم، 22/8/2017، الرابط.

11ـ سايمون هندرسون، سياسة ترامب تجاه أفغانستان والخليج، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 23/8/2017، الرابط.

12ـ آية عبدالعزيز، آليات جديدة…..أشكال و أنماط التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بعد غزو العراق، 11/7/2017، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، الرابط.