بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقارير

رجال صنعوا نصر أكتوبر (الحلقة الثالثة).. المشير أبو غزالة صاحب أكبر تمهيد نيراني في الحرب

الوسوم

«محمد عبد الحليم أبو غزالة» اسم من أعلام مصر  وأحد قيادات حرب 6 أكتوبر 1973، استطاع فرض نفسه على الجميع خصومه قبل مؤيديه لحنكته العسكرية وكفاءته القتالية التي ساهمت في إضعاف دفاعات العدو الإسرائيلي عن طريق قيادته لأحد أخطر وأهم أسلحة الجيش المصري خلال الحرب وهي سلاح المدفعية، حيث تولى في حرب أكتوبر قيادة مدفعية الجيش الثاني، واستطاع من خلال موقعه هذا المشاركة في تدمير حصون خط بارليف والتصدي لثغرة الدفرسوار التي أحدثها العدو في صفوف القوات المصرية، ولم يقف عطاءه في حرب أكتوبر فقط وإنما امتد لتطوير الجيش المصري خلال توليه منصب وزير الدفاع ليدخل مفهوم الاكتفاء الذاتي وتصدير السلاح إلى صفوف القوات المسلحة.

أولاـ ميلاد ونشأة أبو غزالة:

ولد المشير أبو غزالة في 15 يناير عام1930 بقرية زهور الأمراء، بمركز الدلنجات بمحافظة البحيرة، والتحق بالكلية الحربية وتخرج منها عام 1949، وكان الأول على دفعته فقد كان معروفا بتفوقه العلمي فسبق أن حصد المركز الثالث عشر على مستوى الجمهورية في الثانوية العامة، وشارك في حرب 1948 وهو ما زال طالبا بالكلية بالحربية، وحصل على إجازة القادة للتشكيلات المدفعية من أكاديمية ستالين بالاتحاد السوفيتي سنة 1961، وهو أيضا خريج أكاديمية الحرب بأكاديمية ناصر العسكرية العليا وحصل على درجة بكالوريوس التجارة من جامعة القاهرة وماجستير إدارة الأعمال من الجامعة الأمريكية.

وتدرج المشير في المواقع القيادية العسكرية، ففي عام 1951 تقلد رتبة نقيب بسلاح المدفعية المتمركزة في سيناء وخلال زيارة له إلى القاهرة تعرف على تنظيم الضباط الأحرار وانضم إليهم، وشارك في ثورة 23 يوليو 1952، وكانت حرب السويس 1956 من بين المعارك التي شارك فيها لكنه لم يشارك في حرب 1967، حيث كان موجودا وقتها بالمنطقة الغربية.

وخلافا لما هو معروف عن العسكريين، انتقد أبو غزالة بشدة القيادات السياسية والعسكرية علانية التي تسببت في نكسة 1967، حيث قال في إحدى لقاءاته التلفزيونية إن القوات المسلحة لم تحارب فقد كان الجيش بلا رأس وأنه لم يكن هناك هدف سياسي أو استراتيجي من القوات التي تم حشدها في سيناء خلال النكسة فقد كانت أِشبه باستعراض عسكري وغير مستعدة للحرب تماما بجانب التفوق الإسرائيلي العسكري على نظيره المصري.

وكادت أن تسبب آرائه المنتقدة للقيادات السياسية والعسكرية في إقالته من الخدمة العسكرية، ففي ديسمبر 1968، وصل إلى رتبة عقيد وقاد مدفعية أحد التشكيلات المتمركز في جبهة غرب القناة، ونتيجة لآرائه تلك كان من الممكن أن يتعرض إلى الإقالة أو الاعتقال ما حدث بالفعل، فقد كشف صديقه اللواء منير شاش أن وزير الحربية الفريق أول محمد فوزي بالاشتراك مع اللواء أحمد إسماعيل على ونائبه وقتها محمد عبد الغنى الجمسي وضعوا  اسم العقيد أبو غزالة في كشف المعاشات الذي سيصدر في يناير 1969، ورغم ذلك تمسك بآرائه ولم يتراجع عنها حتى لا يحال للتقاعد، وحينما عرض وزير الحربية نشرة المعاشات والترقيات على الرئيس جمال عبد الناصر وعندما وجد اسم أبوغزالة ضمن قائمة المحالين للمعاش اعترض على ذلك وأكد أنه من الرجال القلائل الصادقين، ولن يتم التفريط فيه.

وبالفعل تحققت نبوءة الرئيس عبد الناصر فيه وثقته في تفوقه ليتولى في حرب أكتوبر قيادة  المدفعية بالجيش الثاني التي مهدت لعبور القوات المصرية إلى الجبهة الشرقية من قناة السويس، وبعد الحرب ولدوره الكبير  وكفاءته اختير عام 1978، ملحقاً عسكرياً في الولايات المتحدة الأمريكية وخلال وجوده هناك حصل على دبلوم الشرف من كلية الحرب الأمريكية «كارلايل» عام 1979، ليكون بذلك أول شخص غير أمريكي يحصل على هذه الدرجة.

واستمر أبو غزالة في الترقي ليتم اختياره في يونيو 1979 مديراً للمخابرات الحربية، وانتقل بعدها في مايو 1980، ليتولى رئاسة أركان حرب القوات المسلحة وتمت ترقيته إلى رتبة الفريق، ثم عين  في عام 1981، وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي وفي أبريل 1982، أصدر الرئيس السابق محمد حسني مبارك قرار بترقية الفريق أبوغزالة إلى رتبة المشير. واستمر في منصب وزير الدفاع بجانب تعينه نائبا لرئيس الوزراء، حتى عام 1989، ليقال من منصبه وعين مستشار لرئيس الجمهورية ، ثم أعلن بعدها الاستقالة واعتزال أي عمل سياسي أو عسكري في فبراير 1993 حتى وافته المنية في سبتمبر  2008.

ثانياـ بطولات المشير  أبو غزالة في حرب أكتوبر:

بعد نكسة 1967، تم استدعاء أبو غزالة من المنطقة الغربية ليتواجد على جبهة سيناء وشارك في حرب الاستنزاف طوال سنواتها الست، إلى أن شغل منصب رئيس أركان مدفعية الجيش الثاني، التي تولت التمهيد بجانب القوات الجوية لاقتحام القوات المصرية شرق القناة، ومن ضمن بطولات القائد أبو غزالة في حرب أكتوبر، أنه في ليلة 21 / 22 أكتوبر قصفت وحدات مدفعية الجيش الثاني، مواقع العدو طول الليل من أجل إشغالها وتشتيتها، وردا على ذلك قصفت الطائرات الإسرائيلية مواقع القوات المصرية خاصة قصف على معسكر الجلاء، وقد تسبب قصف قوات المدفعية المصرية في سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى الإسرائيليين، ونظرا لوجود جرحى إسرائيليين كثيرين على أرض المعركة لم يتم سحبهم، ولم تستطع إسرائيل القيام بمغامرة لسحب جنودها، وطلب وقتها القادة الإسرائيليون من جنودهم الاعتماد على أنفسهم ، واستمرت عمليات الإنقاذ أكثر من 4 ساعات إلى أن تم إخلاء معظم القتلى والجرحى من أرض المعركة.

وفي 21 أكتوبر تعرضت الفرقة 16 للحصار من قبل قوات العدو عندما حاولت إسرائيل اختراق الجيش الثاني، ونجح «أبو غزالة» في تجميع نيران 24 كتيبة مدفعية، ما أدى إلى حماية الفرقة 16 والجيش الثاني بأكمله، وحصل نتيجة ذلك على وسام نجمة سيناء الذهبية، وبعد انتهاء المعارك تم تعيينه رئيساً لأركان المدفعية.

وفي كتابه «وانطلقت المدافع عند الظهر» يروي أبو غزالة مواقف المدفعية تحت قيادته في حرب أكتوبر، قائلا « في الثانية وخمس دقائق يوم السادس من أكتوبر  أصدر قائد المدفعية أمره فانطلقت آلاف المدافع تهدر وتصب حممها على النقط الحصينة لخط بارليف وأماكن تمركز احتياطيات العدو ، وراح عدد كبير من المدافع يطلق نيرانه على الدشم ونقط النيران المكتشفة ، ويفتح الثغرات فى مواقع الأسلاك الشائكة والألغام».

وأشار المشير الراحل في شهادته عن الحرب أنه مع بداية التمهيد النيراني، وتحت ستر هذه النيران الفعالة القاتلة انطلقت مفارز من القوات لعبور قناة السويس وبفضل التمهيد النيراني للمدفعية تم تدمير معظم بطاريات مدفعية العدو منذ البداية ، ولم تتمكن من استهداف القوات المصرية أو  التأثر عليها مما سهل عبور القوات المتبقية وتقليل الخسائر في صفوف القوات المصرية، ونتيجة لإنشاء قوات الاحتلال السواتر الترابية لتستخدمها أسلحته المدرعة تم السيطرة عليها بفضل جنود من المدفعية.

وسيتكمل شهادته قائلا إنه بعد حوالي ساعة ونصف دفع العدو باحتياطياته المحلية لمقابلة الهجوم المصري ، لتواجهه مجموعات اقتناص الدبابات المصرية لتدمر  معظم هذه الاحتياطيات ، وتفشل الهجوم المضاد المحلى، وخلال أقل من ست ساعات استولت  القوات المصرية على أكثر من نصف نقط العدو الحصينة.

واستمرت بطولات المدفعية وكان أحد أبطالها الجيش الثاني  تحت قيادة أبو غزالة، ففي يوم 14 أكتوبر بدأ هجوم مصري بقصفة نيران من أكثر من 500 قطعة مدفعية ، وبدأت معركة الدبابات الكبرى التي شارك فيها أكثر  من 2000 دبابة مصرية ، واستطاعت تخفيف العبء على الجبهة السورية ، وتم إسكات بطاريات مدفعية العدو ومنع مدرعاته من الضغط على القوات المصرية ، واستمرت معركة الدبابات إلى أن صدر قرار وقف إطلاق النار الذي استغله العدو في توسيع ثغرة الدفرسوار، حيث دفعت إسرائيل بـ 3 لواءات مدرعة ولواء مشاة ميكانيكي لتوجيه ضربة مضادة لقوات الفرقة 16 مشاة  التابعة للجيش الثاني ، من أجل الاستيلاء على نقاط بالدفرسوار، لكن قصفت المدفعية المصرية قوات العدو  لتمنع من تحقيق أهدافه، وتبدأ بعدها محادثات «الكيلو 101» بوساطة أمريكية لإنقاذ إسرائيل و انسحبت قوات العدو  من الضفة الغربية  وترك الثغرة وبقاء رؤوس الكباري المصرية كما هي .

ثالثا ـ «أبو غزالة» من قائد للحرب إلى مهندس تحديث الجيش المصري:

كما عرف عن المشير أبو غزالة تفوقه الدائم وطموحه، أدرك أن الجيش المصري بحاجة إلى التطوير والتحديث ومواجهة الأخطار المستقبلة وهو بحاجة إلى الجديد والتحديث دائما فانتصار مصر في حرب أكتوبر وتوقيع معاهد السلام مع إسرائيل في 1979 لا يعني انتهاء الخطر على مصر، لذا عمل على تحديث القوات المسلحة حينما تولى منصب وزير الدفاع في 1981 حتى مغادرته في 1989، وخلال هذه المدة القصيرة استطاع تحقيق العديد من الإنجازات والتطوير للقوات المسلحة.

استطاع المشير أبو غزالة تطوير الصناعة العسكرية المصرية، وأنشأ لذلك مصانع حربية عدة من بينها مصنع «200» الخاص بتجميع الدبابة «أبرامز أ1»، التي استطاع بذكاء شديد إدخالها إلى الخدمة في صفوف الجيش والحصول على رخصة تصنيعها من الولايات المتحدة والتعاون معها في ذلك، كما أنشأ مصنع «99» المتقدم، إلى جانب مصانع حربية أخرى، لتسد الكثير من احتياجات القوات المصرية وتتجه إلى التصدير، حيث ازدهر الإنتاج الحربي في عهده لتتعدى صادرات مصر العسكرية مليار دولار عام 1984.

ولم يحقق المشير أبو غزالة اكتفاء جزء كبير من احتياجات القوات المسلحة الحربية وإنما عمل على تغطية متطلباتها الأخرى من طعام وملابس وسكن، فقد فكر في إنشاء جهاز الخدمة الوطنية في القوات المسلحة وأنشأ مصانع المواد الغذائية لتحقيق الاكتفاء الذاتي للجيش وبيع الفائض إلى الجمهور بأسعار مخفضة، إلى جانب توفير الأموال  اللازمة لشراء بعض الصفقات التي يحتاجها الجيش، كذلك أنشأ العديد من المدن السكنية لخدمة الضباط وضباط الصف بالقوات المسلحة.

ورغم التعاون مع الولايات المتحدة وإدخال دبابات «الإبرامز»، إلى مصر، إلا أن المشير لم يركن إلى أمريكا، وحاول إدخال تكنولوجيا صواريخ متقدمة بالتعاون مع الأرجنتين والعراق، ففي يونيو 1988، قبضت السلطات الأمريكية على عالم الصواريخ الأمريكي المصري، عميد أ.ح. عبد القادر حلمي، بتهمة الحصول على مواد هندسية محظورة لبرنامج الصواريخ المصري «بدر 2000»، وحكم عليه في يونيو 1989 بالسجن لمدة 46 شهراً وبغرامة قدرها 350 ألف دولار، وحكم على زميله الذي ساعده، جيمس هوفمان، بالسجن 41 شهرا وبغرامة 7.500 دولار، وتسببت هذه العملية في غضب الولايات المتحدة، وقد قيل أن هذه الواقعة أحد الأسباب التي دفعت مبارك لإقالة أبو غزالة من منصبه كوزير للدفاع في أبريل 1989.

ولم يكن المشير الراحل صاحب إنجازات عسكرية فقط وإنما ترك تراثا أكاديميا وتاريخيا مثل شهادته على حرب أكتوبر والآخر عمليا في العلوم العسكرية، ومن بين أعماله كتاب «فن الحرب» وصدر في 4 أجزاء، «وانطلقت المدافع عند الظهر»، و«القاموس العلمي في المصطلحات العسكرية»، كما ترجم مجموعة من الكتب منها «حول استخدام الطرق الرياضية في الحرب الحديثة»، و«بعد العاصفة»، و«الحرب وضد الحرب».

———————————————————————————————-

المصادر:

1ـ محمد عبد الحليم أبو غزالة، وانطلقت المدافع عند الظهر: المدفعية المصرية من خلال حرب رمضان، مؤسسة دار الشعب الطبعة الثانية، يناير 1975.
2ـ 65 معلومة عن «أبوغزالة»: رفض التحالف مع الإخوان.. وتنازل عن الرئاسة لمبارك بإرادته، المصري اليوم، 16/1/2015، الرابط.
3ـ صوت القاهرة – أبو غزالة فخر العسكرية المصرية وحوار نادر مع المشير أبو غزالة وحديثه عن حرب أكتوبر، 7/9/2017، الرابط.
4ـ وانطلقت المدافع عند الظهر ، مجموعة 73 مؤرخين الرابط.
5ـ فيديو.. المتحدث العسكري ينشر فيلمًا عن المشير «أبو غزالة»، وكالة أنباء أونا، 22/1/2017، الرابط.

 

 

إغلاق