مشروع الأخدود الأفريقي العظيم.. دراسة في الاختراق الثقافي الإسرائيلي للقارة الأفريقية - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
مشروع الأخدود الأفريقي العظيم.. دراسة في الاختراق الثقافي الإسرائيلي للقارة الأفريقية

مشروع الأخدود الأفريقي العظيم.. دراسة في الاختراق الثقافي الإسرائيلي للقارة الأفريقية




تحتل الدائرة الأفريقية أولوية كبرى ضمن دوائر حركة السياسة الخارجية الإسرائيلية، ويُسْتَدل على تلك الأهمية التي تحظى بها أفريقيا في الاستراتيجية الإسرائيلية قبيل الإعلان الرسمي عن تأسيس الدولة العبرية عام 1948، وخلال انعقاد المؤتمر الصهيوني السادس في مدينة بازل في سويسرا عام 1903؛ طُرحت فكرة اتخاذ إحدى المستعمرات البريطانية بالقارة الأفريقية كوطن بديل لليهود حال فشلت المحاولات الصهيوينة في اتخاذ فلسطين وطناً يجمع شتاتهم، وكانت هذه المستعمرة المُشار إليها بالمؤتمر أوغندا،وفي أعقاب إعلان تأسيس دولة بني صهيون، لم يكن لإسرائيل أي حضور يُذْكر على الساحة الأفريقية، واقتصرت علاقاتها الدبلوماسية على دولتي ليبيريا وهي ثالث دولة في العالم تعترف بإسرائيل، وإثيوبيا حتى انعقد مؤتمر باندونج الأفروآسيوي بأندونيسيا عام 1955، الذي كان بمثابة النواة الأولى لتأسيس حركة عدم الانحياز،ومثَّل ذلك المؤتمر علامة فارقة على تاريخ العلاقات الإسرائيلية الأفريقية؛ إذ لم تُوجَّه الدعوة لإسرائيل لحضور ذلك المؤتمر فضلاً عن الحضور الطاغي لمصر في ذلك المؤتمر، ونجاح الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في حشد تأييد الدول الأفريقية والآسيوية التي دُعيت لحضور المؤتمر وبلغ عددها نحو 29 دولة من بينها 14 دولة عربية وإسلامية، تجاه القضية الفلسطينية، وخَلُص المؤتمر إلى إدانة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتأييد الحقوق المشروعة للفلسطنيين في دولتهم، ومنذ ذلك التاريخ، بذلت إسرائيل محاولات مستميتة للتقارب مع الدول الأفريقية بغية حشد تأييدها للجانب الإسرائيلي في مقابل إضعاف تأييد وتعاطف الأفارقة مع المواقف والقضايا العربية، وكرَّست لذلك جل أدوات سياستها الخارجية الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، فضلاً عن المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى دمج الدولة العبرية في النسيج الثقافي والطبيعي والجيولوجي للقارة.

وفي هذا الإطار، تصبو الورقة البحثية إلى استعراض محاور عدة يأتي في مقدمتها تسليط الضوء على مراحل تطوُّر العلاقات الإسرائيلية الأفريقية. ويتناول المحور الثاني أبرز المصالح والأهداف الإسرائيلية في شرق القارة الأفريقية، وتُختتم الورقة بتبيان أهم الأدوات الإسرائيلية لاختراق القارة ثقافياً وأيديولوجياً، التي تتركَّز بصفة رئيسة في أدوات أربعة هي: الربط التاريخي بين المنظمة الصهيوينة العالمية والجامعة الأفريقية، ومشروع الأخدود الأفريقي العظيم، والإعلام الإسرائيلي الموجَّه للقارة، وأخيراً الجاليات اليهودية بالدول الأفريقية.

وخَلُصَت الورقة إلى أن توظيف إسرائيل الكامل والشامل لأدوات سياستها الخارجية في استراتيجية متكاملة تجاه القارة الأفريقية، والحضور الإسرائيلي القوي في فعاليات القارة، فضلاً عن سعيها مؤخراً لمنحها صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي قد نجح في تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والاستخباراتي والثقافي في المواقع الاستراتيجية والحيوية بالقارة في حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي ما قد يرمي إلى تطويق الدول العربية، وضرب مصالحها المصيرية والحيوية في مقتل حال عدم انتهاجها لسياسات خارجية نشطة تستعيد ثقة الأفارقة في الجانب العربي، وتقلِّل حدة المخاطر والتهديدات الإسرائيلية على المصالح العربية في القارة.

المحور الأول: إطلالة على أبرز مراحل تطوُّر العلاقات الإسرائيلية الأفريقية

لم تسر العلاقات الإسرائيلية بالقارة الأفريقية على وتيرة واحدة؛ إذ أنها مرَّت بمحطات بلغت فيها تلك العلاقات ذروتها ومحطات أخرى شهدت انكماشاً وخفوتاً للدور الإسرائيلي على الساحة الأفريقية، وعموماً يمكن تقسيم مراحل تطوُّر العلاقات بين الدولة العبرية والقارة الأفريقية إلى 4 محطات رئيسة:

المرحلة الأولى: الفترة بين عامي 1957 و 1967

تُعرف تلك المرحلة من تاريخ تطوُّر العلاقات الإسرائيلية الأفريقية بالعصر الذهبي لتلك العلاقات؛ إذ أنه، كما سبق أن أشرنا في مقدمة الورقة البحثية، أن إسرائيل بدأت تولي قدراً كبيراً من الاهتمام بالقارة في أعقاب مؤتمر باندونج المنعقد بإندونيسيا، الذي لم تُدع إسرائيل لحضوره ناهيك عن تبني المؤتمر قراراً بمقاطعة الدولة العبرية على إثر إدانته إيِّاها باحتلالها للأراضي الفلسطينية، ومن هذا المنطلق، سعت إسرائيل إلى توثيق علاقاتها بالقارة الأفريقية، ولا أدل على ذلك من الهرولة الإسرائيلية للاعتراف باستقلال غانا عام 1957، وإقامة سفارة لها في أكرا لتحتل القارة أولوية كبرى في السياسة الخارجية الإسرائيلية منذ ذلك الحين، وقامت إسرائيل بإيفاد بعثاتها الدبلوماسية إلى نحو 33 دولة أفريقية خلال عقد الستينيات لتبلغ تلك البعثات حوالي نصف إجمالي عدد البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في العالم بعد أن كانت العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية مقتصرة على إثيوبيا وليبيريا في الفترة من إعلان تأسيس الدولة العبرية عام 1948 حتى عام 1956، وأسفرت تلك الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية في القارة عن حصولها على علاقات دبلوماسية وطيدة مع دول القارة أسهمت في ترسيخ مكانتها على الساحة الدولية كأية دولة طبيعية، وكذا كسر سياج العزلة الذي فرضته الدول العربية على الدولة العبرية.

ويمكن إدراك الدافع الإسرائيلي للتقارب مع القارة الأفريقية في تلك الفترة باستعراض مقولة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ديفيد بن جوريون، ومفادها أنه على دولة إسرائيل كسر الطوق العدائي مع العالم العربي وبناء جسور مع الدول الناشئة في القارة السوداء “إننا لا نستطيع السماح باستمرار نفس الموقف الذي ميَّز علاقاتنا مع بعض الدول الآسيوية، حيث تمَّ استبعادنا من مؤتمر باندونج الأفروآسيوي عام 1955، إن لدينا الكثير الذي نستطيع تقديمه للأفارقة، ليس مجرد روابط دبلوماسية وإنما نحن على أتم الاسعداد للمساعدة في التنمية المادية والاجتماعية”.

المرحلة الثانية: الفترة من 1967 حتى عام 1982

في أعقاب اجتياح إسرائيل للأراضي العربية في الخامس من يونيو/حزيران عام 1967، شهدت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية في تلك الفترة الممتدة من ذلك التاريخ وحتى عام 1982 تراجعاً وتدهوراً واضحاً حتى أطلق عليها البعضمرحلة التدهور والقطيعة، وكان ذلك التراجع أوضح ما يكون في تقلُّص عدد الدول التي تحظى بروابط دبلوماسية مع الدولة العبرية إلى خمس دول فقط هي جنوب أفريقيا، مالاوي، مورشيوس، ليسوتو، سوازيلاند في أعقاب اندلاع حرب أكتوبر في عام 1973.

وتفرَّقت الآراء شيعاً بشأن الدوافع الأفريقية لقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل؛ فالبعض يرتئي أن تلك القطيعة كان منبعها تأييد الدول الأفريقية لمصر في حربها مع إسرائيل لاستعادة الأراضي المصرية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 باعتبار أن مصر دولة تنتمي إلى القارة وساعدت كثيراً من حركات التحرر الوطني الأفريقية خاصة في العصر الذهبي للدور المصري على الساحة الأفريقية إبَّان عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، هذا إلى جانب الدعم الإسرائيلي للحركات الانفصالية في إقليم بيافرا بنيجيريا وجنوب السودان، وتأييد إسرائيل لنظام الأبارتيد أو نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا،وهناك من ارتأى أن قطع الدول الأفريقية علاقاتها مع إسرائيل كان دافعه الأساسي انتهاج دول الخليج المنتجة للنفط سياسة العصا والجزرة مع دول القارة؛ إذ أنها تارة تشجع الدول الأفريقية على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الدول العبرية بمنحها قدر كبر من المساعدات الاقتصادية وتارة أخرى تتوعَّدها بقطع تلك المساعدات حال استمرار علاقاتها الدبلوماسية مع الدولة العبرية، وسواء أكانت تلك القطيعة الأفريقية لإسرائيل تضامناً مع الجانب المصري أو رضوخاً لضغوط دول النفط إلا أن العلاقات الأفريقية بإسرائيل استمرت بشكل غير رسمي، ويتضح ذلك بشكل جلي في تضاعُف معدلات التبادل الجاري بين الجانبيْن في تلك الفترة من 54.8 مليون دولار إلى 104.3 مليون دولار.

المرحلة الثالثة: الفترة الممتدة من عام 1982 حتى عام 1991

في أعقاب توقيع الجانبيْن المصري والإسرائيلي معاهدة السلام في عام 1979، التي أنهت حالة الحرب بينهما، بدأت الدول الأفريقية تستعيد علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وكانت الكونغو الديمقراطية في طليعة تلك الدول، إذ أنها أعادت تلك العلاقات مع إسرائيل عام 1982، ويقف وراء ذلك الموقف من قِبل دولة الكونغو جملة من العوامل، أولها أن إسرائيل بموجب معاهدة السلام الموقَّعة مع مصر انسحبت بالكامل من شبه جزيرة سيناء المصرية عام 1982، ومن ثم انتفى أحد أهم العوامل التي قادت الدول الأفريقية للتضامن مع الجانب المصري وقاد إلى القطيعة مع إسرائيل.

وفي هذا السياق، صرَّح موبوتو بأنه حينما قرَّر قطع علاقات دولته مع إسرائيل في أكتوبر كان عليه الاختيار بين الشقيقة مصر والصديقة إسرائيل، وكان من المنطقي، حسبما ورد في قوله، اختيار تأييد مصر، لكن بانتهاء الاحتلال الإسرائيل للأراضي المصرية الأفريقية، فإن أسباب القطيعة مع إسرائيل لم تعُد قائمة،وثانيها أن استعادة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل تعني أن تحظى الكونغو بالمساعدات الاقتصادية والتنموية الإسرائيلية. وثالثها أن إسرائيل تُعد أكبر الحلفاء للولايات المتحدة والدول الغربية في منطقة الشرق والأوسط، ومن ثم فإن إقامة الكونغو لعلاقات قوية مع الدولة العبرية يُعد مدخلاً قوياً للحصول على الدعم والتأييد الأمريكي والغربي لنظامها السياسي وهو نظام موبوتو الحاكم آنذاك،أما العامل الرابع فينصرف إلى رغبة نظام موبوتو في الاستفادة من المساعدات العسكرية الإسرائيلية في مجال التسلُّح وتدريب الجيش وحرسه الجمهوري، ولا أدل على ذلك من توقيع موبوتو بروتوكول تعاون عسكري مع دولة إسرائيل ممثَّلة في وزير دفاعها أربيل شارون عام 1981.

ورغم عودة إسرائيل مرة أخرى إلى القارة الأفريقية إلا أن التمثيل الدبلوماسي والقنصلي الإسرائيلي في القارة ظلَّ قاصراً على 10 دول أفريقية؛ إذ أن بقية الدول الأفريقية لم تحذو حذو الكونغو الديمقراطية في هرولتها صوب إسرائيل عقب توقيعها معاهدة السلام مع مصر، ويُعزى ذلك الموقف إلى عدة عوامل أبرزها أن ما انتهجته دولة الكونغو كان نهجاً فردياً ودونما التنسيق مع بقية الدول الأفريقية كما أن قرار قطع العلاقات الأفريقية مع إسرائيل جاء بموجب قرار من منظمة الوحدة الأفريقية ومن ثم فإن استعادة العلاقات مع إسرائيل لابد وأن يأتي أيضاً باستصدار قرار من ذات المنظمة، واستمرار انتهاج الدول العربية المنتجة للنفط سياسة العصا والجزرة إزاء الدول الأفريقية، أضف إلى ذلك اضطلاع إسرائيل باجتياح الجنوب اللبناني عام 1982 الذي أبطأ كثيراً من عودتها إلى أفريقيا، ورسَّخ المدركات الأفريقية في تلك الفترة فيما يتعلق بالنزعة العدائية للدولة العبرية.

المرحلة الرابعة: الفترة من 1991 حتى الوقت الراهن

شهدت الفترة منذ عام 1991 حتى وقتنا الحاضر عودة قوية للدور الإسرائيلي على الساحة الأفريقية؛ إذ هرولت الدول الأفريقية إلى تعميق علاقاتها مع إسرائيل سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي، واقترن التغلغل الإسرائيلي في القارة منذ ذلك التاريخ المُشار إليه بسياقات عدة، نذكر أهمها على النحو التالي:

عقد مؤتمر السلام بمدريد عام 1991، الذي مثَّل محاولة من المجتمع الدولي لإحياء عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية من جانب، وشمل أيضاً مفاوضات للتسوية بين إسرائيل ودول عربية أخرى وهي الأردن وسوريا ولبنان، فضلاً عن توقيع اتفاق أوسلو مع الجانب الفلسطيني عام 1993، وتوقيع اتفاق السلام مع الأردن في العام التالي، وكذا إعلان مبادئ غزة: أريحا أولاً في عام 1994 ومن ثم شهدت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية دفعةً قوية.

 فقدان الأفارقة الثقة في الوعود التي كان دائماً ما يطلقها الجانب العربي خاصة فيما يتصل بالمساعدات الاقتصادية والتنموية، أو ما أطلق عليه الأستاذ الدكتور حمدي عبد الرحمن في كتابه بعنوان الاختراق الإسرائيلي لأفريقيا خيبة أمل الأفارقة في الوعود العربية التي وجدوها سراباً واستثناء الدول الأفريقية غير المسلمة من تلك المساعدات.

 انضمام إسرائيل إلى المجتمع الدولي في العقوبات السياسية والاقتصادية التي فرضها على نظام الأبارتيد في جنوب أفريقيا عام 1987 حتى سقط هذا النظام، وانتخاب مانديلا رئيساً للبلاد منتصف تسعينيات الألفية المنصرمة، ومنذ ذلك التاريخ، سعت إسرائيل إلى تعزيز علاقتها مع جمهورية جنوب أفريقيا.

عدم التيقُّن بشأن الموقف العربي وحياده تجاه القضايا الأفريقية التي يكون أحد أطرافها دولة عربية، ومنها على سبيل المثال التضامن العربي مع الجانب الليبي في النزاع الحدودي الليبي مع دولة تشاد فضلاً عن خشية الدول الأفريقية من الأصولية الإسلامية والحركات الإسلامية الراديكالية التي كانت تدعمها دولتا السودان وليبيا.

جدير بالذكر أن إسرائيل نجحت في استثمار علاقاتها القوية وتغلغلها في القارة الأفريقية في حشد التأييد الأفريقي اللازم إبَّان تصويت الجمعية العامة للأم المتحدة على إلغاء قرار مساواة الصهيوينة بالعنصرية في عام 1991 الذي كانت الدول العربية نجحت في استصداره من قِبل الجمعية العامة في منتصف سبيعينات الألفية البائدة.

المحور الثاني: المصالح الإسرائيلية في شرق القارة الأفريقية

لإسرائيل مصالح أصيلة وحيوية في القارة الأفريقية، بيْد أن هذا المحور من الدراسة سيركِّز على المصالح والأهداف الإسرائيلية في منطقة شرق أفريقيا باعتبارها منطقة أمن قومي بالنسبة للدول العربية أهمها مصر ودولة السودان، وكذا الدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر كالسعودية والأردن واليمن، وللدول العربية سالفة الذكر مصالح مصيرية واستراتيجية في تلك المنطقة التي قد يهدِّدها التغلغل الإسرائيلي فيها،أهمها ما يلي:

أولاً: المصالح السياسية والاستراتيجية

لمنطقة شرق أفريقيا أهمية قصوى في الاستراتيجية الإسرائيلية كون الدول التي تشكِّل تلك المنطقة تمتلك ممرات ومنافذ بحرية على المحيط الهندي والبحر الأحمر، الذي يُعد واحداً من أهم طرق التجارة العالمية. وحوالي 20% من التجارة الخارجية الإسرائيلية تمر عبر تلك المنافذ فضلاً عن مضيق باب المندب؛ ولذا تسعى إسرائيل إلى تعزيز نفوذها في منطقة القرن الأفريقي المتمثلة في الدول التالية: إثيوبيا، إريتريا، أوغندا، كينيا، الصومال، جيبوتي، بإقامة علاقات وثيقة مع كل من إثيوبيا وكينيا وأوغندا وإريتريا تتخذها كموطئ قدم لها في المنطقة ما من شأنه التأثير على الملاحة في مضيق باب المندب، وقد يفضي ذلك إلى تهديد المصالح الاستراتيجية المصرية المتمثِّلة في قناة السويس كأهم شريان تجاري لمصر كما أنه قد يهدِّد الصادرات الخليجية من النفط إلى دول العالم.

أما عن المصالح السياسية الإسرائيلية في شرق أفريقيا، فتتمثل بالأساس في رغبة الجانب الإسرائيلي في حشد التأييد الأفريقي والاستفادة من الثقل التصويتي للقارة داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبارها ثاني أكبر الكتل التصويتية بعد الكتلة الآسيوية لصالح المواقف الإسرائيلية أو تحييد تلك الكتلة على أقل تقدير، وإضعاف تأييدها للقضايا العربية.

ثانياً: المصالح الاقتصادية

تُعتبر السوق الأفريقية سوقاً واعدة أمام الصادرات الإسرائيلية لكبر حجم تلك السوق الذي يزيد عن المليار نسمة، ومن ثم فإن إسرائيل تسعى إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية ومعدلات تبادلها التجاري مع الدول الأفريقيةخاصة في مجالات الصناعات الكيماوية والآلات الصناعية والبرمجيات في إطار سعيها لتنويع شراكاتها الاقتصادية بدلاً من الاقتصار فقط على السوق الأمريكية والأوروبية، ويكفي أن نذكر في هذا السياق أن الصادرات الإسرائيلية إلى إثيوبيا في عام 2008 قد بلغت 18 مليون دولار، وبلغت الواردات الإسرائيلية إليها نحو 46 مليون دولار في العام ذاته، أما كينيا فقد بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية إليها نحو 97 مليون دولار في عام 2007، أما الواردات فبلغت في العام ذاته نحو 22 مليون دولار.

يتزامن السعي الإسرائيلي لتعزيز روابطها التجارية مع دول الشرق الأفريقي مع تعزيز حجم الاستثمارات الإسرائيلية في تلك المنطقة خاصة في مجالات الزراعة والري، وأبرز الشواهد على ذلك:

 تعاقُد وزارة الزراعة الرواندية مع شركة إيبوني الإسرائيلية لوضع خطة للري في دولة رواندا فضلاً عن التوقيع على مذكرة تفاهم بين الجانبيْن عام 2007 في هذا الصدد.

 مشاركة إسرائيل في مشروع ثلاثي مع كلٍ من ألمانيا وكينيا لتطهير مياه بحيرة فيكتوريا، التي تُعد المنبع الرئيسي لنهر النيل فيما عُرف بمشروع إنقاذ بحيرة فيكتوريا في عام 2012

 تبلغ عدد المشروعات الإسرائيلية في إثيوبيا نحو 187 مشروعاً بقيمة 58.4 مليون دولار. وتتركَّز تلك المشروعات الاستثمارية بصفة خاصة في مجالات زراعة الزهور والتصنيع الزراعي، وهذا وفقاً لما صرَّحت به هيئة الاستثمار الإثيوبية.

 توقيع إسرائيل العديد من اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم مع دول شرق القارة خلال الجولة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 8 يوليو/تموز عام 2016، التي شملت كلاً من إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا، في مجالات الصحة والهجرة والزراعة والري فضلاً عن إقرار مجلس الوزراء الإسرائيلي اقتراحاً بفتح مكاتب للوكالة الإسرائيلية للتنمية في الدول الأربعة، وتخصيص مبلغ 13 مليون دولار لتعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية، وفي هذا الإطار، رافق نتنياهو إبَّان جولته في شرق أفريقيا وفد كبير مكون من 80 شخصية من كبار رجال الأعمال الإسرائيليين يمثِّلون أكثر من 50 شركة إسرائيلية لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول المنطقة.

ثالثاً: تهديد الأمن المائي والغذائي العربي

تسعى إسرائيل من تعزيز نفوذها في منطقة شرق أفريقيا إلى تهديد المصالح المائية المصيرية لكلٍ من مصر ودولة السودان، ولذا انطلقت إسرائيل تعزِّز علاقاتها بدول المنبع وهي إثيوبيا وإريتريا وكينيا وأوغندا والكونغو ورواندا وبروندي على جميع الأصعدة فضلاً عن ترويجها للقول بإن دول المصب وهي مصر والسودان هي المستفيد الوحيدةمن مياه النيل ومن ثم تأليب دول المنبع على دول المصب. إن الأمر لا يتوقف عند المحاولات الإسرائيلية الدءوبة لتهديد الحصص المائية لمصر والسودان الشمالي في نهر النيل، وإنما يتجاوزه إلى تطلُّع إسرائيل للحصول على حصة ثابتة من مياه النيل لضمان أمنها المائي.

وفي هذا السياق، تعهَّد نتنياهو خلال زيارته الأخيرة لإثيوبيا بتقديم العون لها في تطوير الزراعة ومدَّها بالتكنولوجيا الإسرائيلية لتعظيم الاستفادة من مواردها المائية. هذا فضلاً عمَّا أشرنا إليه آنفاً من المشروعات الاستثمارية الإسرائيلية وبروتوكولات التعاون في مجالات الزراعة والري مع دول شرق أفريقيا من قبيل سحب المياه من بحيرة فيكتوريا أوتطهيرها، وكذا التعاون في مجالات التصنيع الزراعي.

المحور الثالث: الاختراق الإسرائيلي الثقافي لأفريقيا

لم تكتفِ إسرائيل بمحاولات تثبيت أقدام دبلوماسيتها في الدول الأفريقية ما من شأنه الإضرار بالمصالح العربية في القارة الأفريقية خاصة في منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي أو تعزيز معدلات استثماراتها وتبادلها التجاري مع شركائها الأفريقيين ما عزَّز كثيراً من النفوذ الإسرائيلي في القارة، هذا فضلاً عن أجهزة الاستخبارات والتجسس الإسرائيلية المنتشرة في المواقع الاستراتيجية للقارة، وما تقدِّمه الدولة العبرية لدول القارة من مساعدات عسكرية شملت مجالات التسليح والتدريب للجيوش وأجهزة الأمن الأفريقية، بل انطلقت إسرائيل توظِّف أدواتها الثقافية لاختراق القارة؛ فإسرائيل دائماً ما ترفع شعار الدولة الصديقة، وتروِّج لكونها نموذجاً ينبغي أن تحتذي به الدول الأفريقية؛ إذ تمكَّنت من الانعتاق من العبودية والاضطهاد ومضت قدماً على طريق التنمية. وفي هذا الإطار، سيجري تسليط الضوء على أبرز الأدوات الإسرائيلية لاختراق القارة الأفريقية ثقافياً وإيديولوجياً، ألا وهي:

الأداة الأولى: الربط التاريخي بين فكر المنظمة الصهيوينة العالمية والجامعة الأفريقية

تروِّج إسرائيل دائماً للربط التاريخي المنطقي بين ما تعرَّض له اليهود كأقلية في الدول الأوروبية من عبودية واضطهاد وبين الأفارقة الذين جُلبوا كرقيق إلى العالم الغربي في أوروبا والولايات المتحدة ما أفضى إلى تشكيل الجامعة الأفريقية Pan Africanismالتي أسَّسها ماركوس جارفي مُطْلقاً دعوته إلى تحرر الأفارقة ومنادياً بفكرة العودة إلى أوطانهم الأفريقية، وقد أُطلق على تلك الدعوة فكرة العودة إلى الأصول، وأُطلق عليه لقب المسيح المخلِّص للأفارقة من عذابات الولايات المتحدة، وبالنسبة لتيودور هرتسل الذي دعا إلى عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا في عام 1897، فقد روَّج أيضاً لفكرة عودة اليهود إلى وطنهم في فلسطين، وقد أُطلق على هرتسل أيضاً لقب المسيح المخلِّص لليهود من عذاباتهم في أوروبا،هذا فضلاً عن الترويج لأوجه التشابه التاريخي بين إسرائيل ورواندا فيما يتعلق بالإبادة الجماعية genocide التي تعرَّضت لها أقلية التوتسي من قِبل جماعة الهوتو في عام 1994 ومحرقة الأقلية اليهودية (الهولوكوست) على يد أدولف هتلر، هذا فضلاً عن المحاولات الدؤوبة للترويج لما مارسه العرب من تجارة للرقيق بالقارة الأفريقية غافلين عن تجارة الرقيق البشعة التي بدأها الغرب في ممارستها بالقارة في القرن السادس عشر الميلادي.وهكذا محاولات اضطلعت بها إسرائيل لترويج التشابه الأيديولوجي والتاريخي بين اليهود والأفارقة يمكن تبيانها في مقولة مؤسس الحركة الصهيونية العالمية هرتسل في كتاباته “لقد كنت شاهداً على خلاص شعبي من اليهود وأرغب في تقديم العون للعمل على خلاص الأفارقة”.

الأداة الثانية: مشروع الأخدود الأفريقي العظيم

أقرَّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) في نوفمبر/تشرين الثاني لعام 1972 اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي، وانضمت إسرائيل إلى الدول الموقِّعة على تلك الاتفاقية عام 1999، وأصبحت سارية المفعول داخل إسرائيل بدءً من عام 2000، وتشارك إسرائيل منذ ذلك التاريخ في جُل الاجتماعات التي يعقدها مكتب التراث العالمي ولجنة التراث العالمي الذيْن أتيا ضمن التنظيمات التي ترتِّبها الاتفاقية.

وفي يونيو/حزيران من عام 2000، وأثناء انعقاد اجتماع لجنة التراث العالمي ببودابست بالمجر، قدَّم المندوب الإسرائيلي مشروعاً أمام اللجنة أسماه مشروع الأخدود الأفريقي العظيم،وهذا الأخدود هو تكوين جيولوجي عبارة عن فالق ضخم في القشرة الأرضية يفصل ما بين القارة الأفريقية وشبه الجزيرة العربية، ويمتد من تركيا شمالاً حتى دولة جنوب أفريقيا جنوباً، ويتضمَّن زهاء العشرين دولة، ويهدف هذا المشروع حسبما أورد المندوب الإسرائيلي إلى تعزيز التعاون بين الدول المكوِّنة للأخدود فيما يتعلق بحماية مواقع التراث الثقافي والطبيعي القابعة بها، بيْد أن هذا المشروع في جوهره يرمي إلى دمج إسرائيل في النسيج الثقافي والطبيعي والجيولوجي للمنطقة.

جدير بالذكر أن كينيا كانت أكثر الدول حماساً لتلك المبادرة الإسرائيلية، ودعت إلى عقد اجتماع لمناقشتها، وتقدَّمت بطلب إلى لجنة التراث لكي تستضيف هذا الاجتماع في يونيو عام 2003، لكنَّ مصر نجحت في تعطيل هذا الطلب وتأجيل البت فيه.

الأداة الثالثة: الإعلام الإسرائيلي في القارة الأفريقية

تحتل الأداة الإعلامية أولوية كبرى في السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه القارة الأفريقية، وكما سبق وأشرنا، يهدف الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي إلى تبيان التشابه بين إسرائيل والدول الأفريقية، وتقديم إسرائيل على أنها دولة صديقة ونموذج للتنمية يمكن للدول الأفريقية أن تقتفي أثره. هذا الخطاب الإعلامي الإسرائيلي يهدف في المقام الأول إلى كسب التعاطفوالتأييد الأفريقي لصالحه في المنظمات الإقليمية والدولية، وإضعاف تأييد الدول الأفريقية للمواقف العربية، وتزييف الكثير من الحقائق بشأن وحشية دولة الاحتلال تجاه الفلسطينيين، وكذا إيجاد موطئ قدم لإسرائيل في المناطق الاستراتيجية في القارة ما قد يُفضي إلى تطويق الدول العربية، وتهديد مصالحها الحيوية والاستراتيجية بالقارة.

ولتحقيق الأهداف والمصالح الإسرائيلية في القارة باستخدام الأداة الإعلامية، تعمل إسرائيل على توزيع الكتب والنشرات والمواد الدعائية والإعلانية والصحف في دول القارة باللغات المحلية الأفريقية فضلاً عن عرض أفلام سينمائية إسرائيلية في أفريقيا، وتعمل إسرائيل أيضاً على دعوة واستضافة الصحفيين والعاملين الأفريقيين العاملين في أجهزة الإعلام الأفريقية، وتعزيز النفوذ الإسرائيلي في المؤسسات الصحفية الأفريقية من خلال شراء صفحات إعلانية في تلك الصحف.

ولا يمكن أن نغفل في هذا السياق أن أحد أهم ركائز الخطاب الإعلامي الإسرائيلي الموجَّه إلى شعوب القارة الأفريقية يتمثَّل في تعزيز عقيدتي الخوف والتفوق؛ الخوف من العرب والتشكيك دائماً في صدق نواياهم، وتأكيد التفوق الإسرائيلي القيمي والتكنولوجي على العرب، ومن ثم فإسرائيل حليف استراتيجي وصديق حميم للقارة تقوم العلاقات بينهما على مبدأ تعزيز المنافع المشتركة.

الأداة الرابعة: الجاليات اليهودية في أفريقيا

تحتضن القارة الأفريقية عدة جاليات يهودية تختلف من حيث حجمها وقوة تأثيرها؛ فهناك يهود السفارديم في شمال أفريقيا الذين قدموا من أسبانيا والبرتغال خلال القرنيْن الخامس والسادس عشر الميلادي، وهناك يهود الأشكيناز الذين قدموا إلى أفريقيا من شمال وشرق أفريقيا في القرنيْن التاسع عشر والعشرين الميلادييْن في أعقاب المؤتمر الصهيوني الأول، وتدفُّق حركة الهجرات اليهودية من أوروبا إلى فلسطين،وتُعتبر الجالية اليهودية في إثيوبيا (يهود الفلاشا) أكبر الجاليات اليهودية في أفريقيا وإنْ كانت أفقر تلك الجاليات قاطبةً. وفي فترة الاستعمار التي خضعت لها القارة، قَدِمَ بعض الموظفين اليهود مع الإدارات الاستعمارية الأوروبية، والذين انصبت جهودهم على خدمة مخططات المنظمة الصهيوينة العالمية والدولة العبرية. وتعمل تلك الجاليات على الترويج لفكرة الروابط التاريخية والعرقية بين اليهود والأفارقة من خلال الترويج لفكرة مفادها أن الملك سليمان عليه السلام حينما تزوَّج من الملكة بلقيس، أنجب منها ذرية من الملوك الأثيوبيين الذين تجري في عروقهم دماء بناء صهيون.

أما الجالية اليهودية في دولة جنوب أفريقيا، فهي تُعد أغنى الجاليات اليهودية بالقارة وأكثرها نفوذاً سياسياً واقتصادياً، وهي واحدة من أغنى الجاليات اليهودية بالعالم. وتشير بعض التقديرات إلى أن إسهامات تلك الجالية في الاقتصاد العبري تأتي في المرتبة الثانية التي تلي يهود الولايات المتحدة الأمريكية. وتلعب تلك الجاليات اليهودية دوراً كبيراً في توسيع مظلة النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي الإسرائيلي في القارة الأفريقية لا سيما في مناطق حوض النيل وشرق أفريقيا.

وصفوة القول، فإن لإسرائيل مصالح حيوية واستراتيجية بالقارة الأفريقية تدرَّجت من محاولات رامية إلىتعزيز الشرعية الدولية للكيان الصهيوني، وكسر سياج العزلة الذي فُرض عليه منذ إعلان تأسيسه بسياسة فرض الأمر الواقع في عام 1948، وحشد التأييد الأفريقي للمواقف الإسرائيلية في المنظمات الإقليمية والفرعية إلى محاولاتها الآنية لتطويق الدول العربية وتهديد مصالحها الاستراتيجية والمصيرية وضربها في مقتل، فضلاً عن إضعاف التأييد الأفريقي للقضايا العربية بل وتطرَّفت إلى حد تأليب الدول الأفريقية على الدول العربية. وإنَّ استمرار توظيف الدولة العبرية الكامل لأدوات سياساتها الخارجية الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية والثقافية يُنْذر بتثبيت دعائم وأركان النفوذ الإسرائيلي على الساحة الأفريقية بما لا يصب بأية حال في الصالح العربي.

————————————————–

المراجع:

  1. حمدي عبد الرحمن، الاختراق الإسرائيلي لأفريقيا (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2015).

  2. هبة محمد عبد الحميد البشيشي، أفريقيا في الفكر السياسي الصهيوني منذ عام 1948 (القاهرة: مكتبة جزيرة الورد، 2013).

  3. عاصم فتح الرحمن أحمد الحاج، “إسرائيل وأفريقيا: الجهود الإسرائيلية لاختراق القارة الأفريقية”، موقع سودارس السوداني، متاح على الرابط التالي:

    http://www.sudaress.com/sudanile/42924

  4. اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، الموقع الرسمي لوزارة حماية البيئة الإسرائيلية، متاح على الرابط التالي:

    http://www.sviva.gov.il/Arabic/Subje.aspx

  5. محمد ولد المنى، “الإعلام الإسرائيلي في أفريقيا… بلا منافس”، موقع سودارس السوداني، متاح على الرابط التالي:

    http://www.sudaress.com/sudansafari/22865

  6. ايمن شبانة “تمدد إسرائيلي: تقييم فعاليات ونتائج جولة نتنياهو الأفريقية”،مركز المستقبل للأبحاث والدرسات المتقدمة، متاح على الرابط التالي: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/150/-