بعد عام من التعويم.. ما الذي طرأ على الاقتصاد المصري؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

بعد عام من التعويم.. ما الذي طرأ على الاقتصاد المصري؟




تحل اليوم 3 نوفمبر ذكرى مرور عام على تحرير سعر الجنيه المصري في سوق الصرف الأجنبي، بعد أن اشتدت وطأة السوق السوداء وتسببت في خسارة الجنيه المصري قيمته، إذ مثل قرار تحرير سعر صرف الجنيه المصري تحولا فارقا في تاريخ نظام النقد المعمول به لدى البنك المركزي المصري، وقد جاء القرار في وقتٍ تعثر فيه الاقتصاد المصري وتراجعت المصادر الأساسية للدخل من النقد الأجنبي.

هذا، ويذكر أن تحرير سعر الصرف كان شرطا ومحور اهتمام بعثة صندوق النقد الدولي، قُبيل إتمام اتفاق بين حكومة المهندس شريف اسماعيل ومؤسستي التمويل، الصندوق والنقد الدوليين، اتفاقا يقضي بخطة جديدة للإصلاح الاقتصادي، لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها السابقة، لتحرير الأسواق، وما ينطوي عليه هذا التحرير من رفع الدعم وترك السوق لآلية العرض والطلب أو ما تعرف ب “اليد الخفية”، ذلك المفهوم الذي قدمه عالم الاقتصاد أدم سميث، منذ أكثر من قرنين من الزمان، لتفعل ما يلزم حيال الأسعار ومستويات التشغيل وتتحدد الأجور وفقا للمعروض والمطلوب، من سلعة العمال!. فمازال برنامج الإصلاح الاقتصادي يسعى ليس فقط لتحرير الجنيه المصري  بل التخلص من العمالة الزائدة بالهيكل الإداري الحكومي، وهي بحق وإن كانت زائدة عن الحاجه وتتسبب، وخدمة الدين، في التهام أكثر من نصف موازنة الحكومة، إلا أن ما السبيل لهذه العمالة، التي تعول الملايين في ظل اقتصاد ومشروعات قومية، في حاجه لها، لا يولد الكثير من الوظائف في ظل غياب وضعف المشروعات المستقلة. نعم- كما طرحنا سابقا- أن التحرير التدريجي كان ضروريا، فهل بعد أن تم تحرير الجنيه كليًا انتقل الاقتصاد نقلًة نوعًية؟!. فالنفي هو الإجابة، فبعد تحرير وتحسن وضع المالية العامة هناك الكثير الواجب تقديمه لزيادة النمو الاقتصادي ومعدلات التشغيل.

مؤشرات التحسن:

استقرار المالية العامة؛ شهدت المالية العامة استقرارا نسبيا بعد تحرير الجنيه المصري رسميا في سوق الصرف الأجنبي في 3 نوفمبر 2017، وزادت التدفقات النقدية إلى السوق المصري، بشقيها الاستثماري؛ غير المباشر أي في البورصة المصرية وسندات الدين الحكومي، والأجنبي المباشر، وهي المطلوبة حقيقةً لأنها تزيد من فرص التشغيل والإنتاج الحقيقي، فعلى عكس الأموال الأجنبية غير المباشرة، تذهب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المشروعات الإنتاجية، وساهمت الاكتشافات في قطاع البترول والغاز الطبيعي في ارتفاع وتيرة الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام المالي 2016/2017 المنتهي في 30 يونيو 2017 بنحو 14.5% عن العام المالي السابق، ووصل لنحو 8: 8.5 مليار دولار.

وعلى الرغم أن الأموال الأجنبية غير المباشرة ساهمت في تعزيز النقد الأجنبي، إلا انها بالخطورة بمكان، تلك التي تعرف بالأموال الساخنة، وزادت تدفقاتها إلى الاقتصاد المصري لنحو 20 مليار دولار، وفقا لوكالة بلومبرغ، تلك الأموال الباحثة عن الكسب السريع والاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة التي أعقبت تحرير سعر الصرف، وصلت لنحو 20%، ومكمن الخطورة في سرعة هروب هذه الأموال في حالة حدوث طارئ، لذا وجب التعامل مع تلك الأموال بحذر فلا يمكن الاعتماد عليها في دعم الاحتياطي النقدي فقد تهوي به في غضون أيام قليلة خاصة أنها أموال قصيرة الأجل وقليلة التقييد.

دعم الاحتياطي النقدي؛ نجح تعويم الجنيه في تحقيق الأهداف قصيرة الأجل للبنك المركزي المتمثلة في حل أزمة نقص العملة الأجنبية، والقضاء على السوق السوداء للصرف الأجنبي، حيث نجح البنك المركزي في تحويل تداول العملات الأجنبية في السوق السوداء إلى البنوك، وفي ذات السياق بلغت تحويلات العاملين بالخارج نحو 17.5 مليار دولار حتي سبتمبر الماضي، علاوة على تزايد الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين، الذي قارب سقف 18 مليار دولار منذ قرار التعويم.

وواصل الاحتياطي من النقد الأجنبي الارتفاع، وسجل ما يزيد عن 36 مليار دولار في سبتمبر الماضي، وفقا للبنك المركزي المصري. ورغم هذا الارتفاع الذي لم يصل إليه الاحتياطي منذ أكثر من 6 سنوات، إلا أن كل دولار احتياطي لدى البنك المركزي يقابله أكثر من دولارين دين خارجي، فقد وصل الدين الخارجي إلى ما يزيد عن 79 مليار دولار بنهاية السنة المالية 2016/2017.

تحسن ميزان المدفوعات؛ وعزز من ذلك تزايد تدفق الأصول المالية متمثلة في استثمارات الأجانب، وتقلص العجز التجاري، كذلك أصبح القطاع السياحي اكثر تنافسية وتزايدت الإيرادات السياحية لنحو 5.3 مليار دولار في التسعة شهور الأولي من العام الجاري.

مواطن الضعف:

تزايد الدين؛ فهناك تزايد مضطرد في الدين الخارجي الذي وصل إلى نحو 34% كنسبة من الناتج الإجمالي في العام المالي المنتهي في 30 يونيو 2017 مقارنة بنحو 17% في العام المالي السابق بزيادة قدرها 23 مليار دولار. علاوة على ارتفاع الدين العام المحلي بنحو 700 مليار جنيه في الفترة ذاتها، وتحذر وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني من وضع الدين العام، وقالت الوكالة في تقرير لها عن الاقتصاد المصري، بعد زيارة بعثة تابعة للوكالة لمصر أغسطس الماضي، أن القوة المالية ستظل ضعيفة في المستقبل المنظور، حيث تستمر مقاييس الديون والقدرة على تحمل الديون في تجاوز بعض الهامش الوسط للديون ذات التصيف B3″”، وتتخوف الوكالة من أن الديون ستصل لنحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي، ورغم توقع الوكالة بتراجع الدين العام لنحو 90% بحلول العام المالي 2018/2019 إلا أنها تؤكد أن الديون مازالت مرتفعة جدا.

ارتفاع سعر الفائدة؛ أعقب قرار تعويم سعر الصرف قرارا برفع سعر الفائدة على الإيداع والإقراض رغبة في امتصاص السيولة الزائدة بالاقتصاد، لتحجم الارتفاعات التالية في أسعار السلع، فقد ارتفع سعر الفائدة بواقع 700 نقطة أساس منذ قرار التعويم ليستقر عند نحو 20% وهو معدل مرتفع أدى لارتفاع تكلفة الأموال وبهذا تعثرت العديد من المشروعات في الحصول على قروض ميسرة بما انعكس على معدل النمو الصناعي، وبعد تحسن واستقرار المالية العامة كان لزاما على لجنة السياسة النقدية لدي البنك المركزي إعادة تقييم هذا السعر المرتفع لتنشيط الاستثمار بصفة عامة والاستثمار المحلي علي وجه الخصوص.

مستويات غير مسبوقة للتضخم؛ شهد معدل التضخم ارتفاعا حاد، خاصة وأنه كان مصحوبا بعدد من القرارات لتحرير الأسعار، أسعار المحروقات وخدمات المرافق العامة من ماء وكهرباء فضلا عن زيادة ضريبة القيمة المضافة، وفقا لاتفاق قائم بين الحكومة المصرية وصندوق النقد والبنك الدوليين لاقتراض 12 مليار دولار خلال مدى زمني مدته ثلاث سنوات، وحقيقة الأمر أن معدل التضخم بدء في التراجع، البطيء، بعد أن كسر حاجز 35%، ليسجل  نحو 32.9% خلال سبتمبر مقابل 33.2% في أغسطس، وبذلك كان لقرار تحرير سعر الصرف بالغ الأثر على الطبقتين المتوسطة والفقيرة، لما أحدثه من ارتفاعات كبرى في معدلات التضخم والأسعار.

سوق العمل:

رغم أن هدف استقرار المالية العامة من الأهداف الرئيسية للبنك المركزي إلا أنه ليس الهدف الوحيد، فزيادة النمو الاقتصادي هدفا رئيسيا لكافة السياسات الاقتصادية، ويمكن تحقيقه من خلال اتباع سياسة مالية توسعية، مغايرة لتلك التي تستخدمها ادارة البنك المركزي في الوقت الراهن، التي تصنف بأنها انكماشية بغرض امتصاص السيولة من السوق، فإن السياسة المالية التوسعية تهدف لزيادة النمو الاقتصادي من خلال تخفيض تكلفة الأموال المقترضة ومن ثم زيادة معدلات التشغيل وخفض مستويات البطالة، وفي ذات السياق، نذكر انخفاض معدل البطالة لقرابة 12% ومع ذلك يظل معدلا مرتفعا، ناهيك عن البطالة المقنعة بالجهاز الإداري، فقد قدر بند الأجور بنحو 240 مليار جنيه في الموازنة الجارية بما يمثل أكثر من 20% من إجمالي المصروفات بالموازنة.

فمازال ملف العمل  يكتنفه الكثير من الغموض، إذ يستهدف برنامج الإصلاح الاقتصادي إلى تقليص عدد العاملين بالجهاز الإداري، علاوة على سياسة الأجور التي لا تضمن حد الكفاف للعديد من العاملين بالقطاع العام والخاص معا.

فهناك حاجه بالغة لاستلهام تجربة مستحدثة تتوافق مع طبيعة الاقتصاد المصري أو حتي التطلع للتجارب الدولية فيما يتعلق باتباع استراتيجية طويلة المدى لتحسين وضع مستويات التشغيل وسياسات سوق العمل.

فالتجربة الصينة، بعد الانفتاح الاقتصادي عام 1970، نجحت في وضع مسارات صحيحة لسوق العمل على المستوي التشريعي والتنظيمي وضمان شبكات اجتماعية تضمن حقوق العاملين وحددت تعويضات البطالة. علاوة على تبني مجموعة من السياسات  لصياغة وتنفيذ مجموعة من سياسات التوظيف و تشجيع فرص العمل، ودعم المبادرات الفردية والشركات الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي جعل الصين تملك نمو 357 مليون شركة صغيرة ومتوسطة مسجلة، بينها 257 مليون شركة صغيرة (72%من إجمالي الشركات الصغيرة و المتوسطة) توظف حوالي 72% من إجمالي اليد العاملة (507 مليون موظف)، وتساهم في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي بنحو 12%..

لذا فإن برنامج الإصلاح الاقتصادي الراهن يجب أن لا يتعدى على حقوق العاملين بل من الأهمية بمكان تأهيل العمالة داخل الجهاز الإداري وفئة الشباب العاطلة ودمجها في الاقتصاد الرسمي من خلال خلق آلية للتمويل المشترك تجمع بين عدد من الشباب في تنفيذ المشروعات الصغيرة، على غرار الشركات الصغيرة بالصين، تسهم في التشغيل والنمو الاقتصادي.

ما السبيل للنمو؟

إن استقرار المالية العامة ليس هدفا في حد ذاته بل هناك أهداف آخري ترتبط باستقرار الأسعار ودعم الناتج المحلي الإجمالي، فمازال النمو الاقتصادي ضعيف ودون المستهدف، فبرغم التوقع الإيجابي لصندوق النقد الدولي لحالة الاقتصاد المصري، في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لنحو 6% في العام 2022، إلا أنه توقع معدل نمو نحو 4.5% في العام المالي 2017/2018، وبذلك يكون دون المستهدف، إذ تستهدف الحكومة معدل نمو يقارب 5.2%.

وتحتاج الإدارة الاقتصادية في الأجل القصير والمتوسط الاعتماد على فتح أسواق خارجية جديدة للصادرات المصرية، خاصة الخضر والفاكهة، علاوة على اتباع خطة محكمة قومها استقطاب “السياحة الغنية” خاصة السائحين القادمين من غرب أوروبا لتعزيز الإيرادات السياحية للمستويات القياسية التي وصلت لها قبل عام 2010. وفي ذات السياق خلق أوعية ادخارية أكثر جاذبية لأموال العاملين بالخارج لإيداعها بالبنوك المصرية بدلا من الايداع في دول العمل، والحاجة لخفض معدلات سعر الفائدة المرتفعة لتنشيط الطلب المحلي على القروض ومن ثم الاستثمار المحلي الذي من الممكن أن يكون قاطبة للنمو في ظل تزايد الفرص بالسوق المحلي، في سوق قوامه أكثر من 100 مليون نسمة.

وعلى المدى الطويل فالحاجة ماسة لدعم البنية الانتاجية وتنويع قطاعات الانتاج، اي اتباع نمط تنمية عرضية، وفي هذا الإطار نشيد  بخريطة الاستثمار الصناعي وهي تضم 4 آلاف و136 فرصة استثمارية في 8 قطاعات صناعية بمختلف المحافظات وموجهة بصفة أساسية للقطاع الخاص، ومن الضرورة بمكان إشراك الفئة الشابة في اقتناص فرص هذه الخريطة الاستثمارية من خلال إنشاء آلية للتمويل المشترك تضمن تشارك عدد من الشباب للحصول على التمويل بفائدة ميسرة علاوة على الدعم الفني والتدريب للاستفادة من تلك المشروعات وتنفيذها مما يحقق نفعا يعود بالإيجاب على مستويات التشغيل والنمو، فما زال الاستثمار المحلي هو المحرك الرئيسي للنمو، والتعامل مع القوة العاملة باعتبارها ثروة قومية واستغلالها بكامل طاقتها بدلا من أن يكون من بينها 12% عاطلين والقيام بتسهيلات مالية تخدم الفئات المستهدفة مباشرة، كالتخفيض الضريبي، الضرائب التفضيلية، منح قروض دون فوائد و إيجاد نظام ضمان اجتماعي أكثر فعالية للفئة العاملة.

وأخيرا يبقي تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة و تشجيع المبادرات الفردية، بجانب استقرار المالية العامة، أملا في التنمية والنمو الاقتصادي وانطلاق الاقتصاد المصري لآفاق ارحب.