التقارب المصري التركي.. هل يعد بداية لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي؟ قراءة في الواقع واستشراف للمستقبل - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
التقارب المصري التركي.. هل يعد بداية لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي؟ قراءة في الواقع واستشراف للمستقبل

التقارب المصري التركي.. هل يعد بداية لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي؟ قراءة في الواقع واستشراف للمستقبل




أعلنت جمعية رجال الأعمال الأتراك المصريين “تومياد” برئاسة أتيلا أطاسيفين عن إطلاق أول مؤتمر اقتصادي تركي مصري لها بتركيا تحت شعار “هيا نصنع معا”، خلال الفترة من السادس والعشرين من نوفمبر الجاري حتى الأول من ديسمبر لعام 2017، بهدف إحياء التعاون بكافة المجالات الاقتصادية المتاحة، بما يعود بالنفع على اقتصاد البلدين، من خلال خلق فرص صناعية واستثمارية جديدة بين الجانبين في مختلف المجالات الاستثمارية، وبحث كافة الملفات الاقتصادية التي من شأنها تقوية العلاقات المصرية- التركية وإعادتها لسابق عهدها من الرسوخ والمتانة، بعد الفتور الذي أصابها على ضوء الخلافات السياسية بين البلدين منذ 30 يونيو 2013.

فهل يعد ذلك التقارب الاقتصادي معبراً لتجاوز الخلافات السياسية بين البلدين؟، وهل أثرت تلك الخلافات السياسية سلباً على العلاقات الاقتصادية بين الجانبين؟ هذا ما يصبو هذا التحليل معالجته.

تطور العلاقات الاقتصادية المصرية- التركية:

بدأت تركيا مطلع القرن الحالي بالتوجه نحو المشرق العربي بدلاً من التوجه السابق نحو أوروبا، ومع هذا التوجه كانت مصر قبلتها في العديد من الملفات، بدأت بالملف الاقتصادي– خاصةً أن مصر ورقة رابحة لتركيا في البحر المتوسط، وتعززت العلاقات الاقتصادية التركية المصرية من خلال اتفاقية التجارة الحرة عام 1976، وإلغاء الضرائب بين الطرفين عام 1993، واتفاقية التعاون الاقتصادي والتقني عام 1994، وتجديد اتفاقية التجارة الحرة عام 1996 التي تم بمقتضاها إلغاء تأشيرات الدخول بين مصر وتركيا بالإضافة إلى السماح بفتح فروع للبنوك التركية في مصر وكذلك فتح فروع للبنوك المصرية في تركيا فضلاً عن زيادة عدد الرحلات الجوية بين البلدين، ثم عن عقد اتفاقية الخط الملاحي “الرورو” بين البلدين في أبريل 2012 لمدة 3 أعوام.

ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد تم التوقيع على برتوكول إنشاء أول مدينة صناعية تركية مصرية بمدينة السادس من أكتوبر بمساحة تقدر بـ2 مليون متر مربع لإنشاء 140 مصنعاً توفر أكثر من 20 ألف فرصة عمل للمصريين، وكذلك تأسيس شركة مشتركة لتوصيل الغاز المصري إلى تركيا من خلال الخط العربي الأردني السوري، ووضع منظومة لتأهيل البنية الأساسية لخطوط النقل البري والجوي والبحري، وتكوين منظومة تعاون متكاملة تتمثل بنقل معامل التكنولوجيا التركية المتطورة إلى مصر، وتدريب الكوادر الفنية المصرية على الأجهزة والآلات المتطورة، فضلاً عن قرض بمبلغ مليار دولار لدعم الاحتياطي من النقد الأجنبي بالبنك المركزي المصري في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، وتم التوقيع على ما يقرب من 50 اتفاقية جديدة لتعزيز التعاون المشترك بين البلدين في جميع المجالات، ليصل عدد اتفاقيات التعاون المشترك بالاتفاقيات الجديدة التي دخلت بالفعل حيز التنفيذ، إلى 100 اتفاقية.

بالإضافة إلى ذلك، فقد زار الرئيس التركي مصر 3 مرات، وكان هناك كذلك زيارتين رئاسيتين من مصر إلى تركيا خلال الفترة بين 2009 و2012، علاوة على ذلك، فبعد انقطاع 15 عاماً، زار رئيس الوزراء التركي -حينها- رجب طيب أردوغان مصر مرتين الأولى في 2011 والثانية في 2012.

ومنذ ثورة يونيو 2013، تأزمت العلاقات السياسية، وظهر أثرها على الجانب الاقتصادي حيث لم تجدد مصر اتفاقية الرورو التي انتهت بنهاية شهر أبريل 2015، كنوع من المكايدة السياسية بعيداً عن المنافع والتكاليف الاقتصادية، على الرغم أن تلك الاتفاقية كانت فرصة لمصر لفتح أسواق تصديرية للبضائع المصرية في روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا وجورجيا، رغم ضآلة أهميتها لتركيا، حيث كانت 2% من الصادرات التركية تمر عبر الخط إلى الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، ولا حاجة لخط بديل في ظل وجود قناة السويس بعد عدم تجديد الاتفاقية من جانب مصر، فضلاً عن إمكانية وصول البضائع التركية إلى الخليج العربي بسهولة عن طريق إيران أو العراق.

هل تأثرت العلاقات الاقتصادية بالخلافات السياسية بين البلدين:

1- حجم التبادل التجاري بين البلدين:

بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا نحو 4,176 مليار دولار خلال العام 2016الماضي، مقابل 4,341 مليار دولار في 2015، كما ارتفعت الصادرات المصرية إلى السوق التركية خلال النصف الأول من العام 2017 الجاري بنسبة 44% لتصل إلى 903 مليون دولار، مقابل 628 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من عام 2016، ويميل الميزان التجاري لصالح تركيا بنسبة 60%، وتشمل الصادرات التركية لمصر سلعاً كثيرة مثل حديد التسليح، والإسمنت، والكيماويات، والمنسوجات، والسيارات، والسلع الكهربائية، بينما تشمل الواردات التركية من مصر سلعاً مثل السماد، والرمال، والكيماويات، والملابس الجاهزة، والملح، والبولي إثلين.

تطور حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا خلال الفترة ( 2011-2015)

الأرقام بالمليون دولار

ويتضح من الشكل السابق ارتفاع حجم التبادل التجاري خلال العام 2012، حيث بلغ نحو 5,02 مليار دولار، ليتراجع خلال الأعوام التالية ليصل إلى 4,3 مليار دولار في عام 2015، بانخفاض يصل إلى 0,67 مليار دولار، ولكن يلاحظ أن التراجع في عام 2015 لم يمثل الحد الأدنى للتبادل التجاري بين البلدين، إذ كان عام 2011 أقل من حيث التبادل التجاري مقارنة بعام 2015، ففي عام 2011 كان حجم التبادل التجاري 4,1 مليار دولار، مما يعني أن سبب التراجع في التبادل التجاري بين مصر وتركيا لا يكمن في الخلاف السياسي بمصر منذ يوليو 2013، ولكن يعزى ذلك إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية المصرية، حيث تراجعت الصادرات المصرية، وتراجعت أيضاَ الواردات التركية من مصر في عامي 2014 و2015 على التوالي، على الرغم من ارتفاع الواردات المصرية بشكل عام، حيث ترجع زيادة الواردات المصرية إلى ارتفاع حصة مصر من الواردات البترولية من الإمارات والسعودية.

الأهمية النسبية لحجم الصادرات والواردات التركية من مصر خلال الفترة (2011: 2015)

الأرقام بالمليون دولار

وكما يتضح من الشكل السابق، فقد شهد عام 2012 أفضل معدلات الأداء للصادرات التركية لمصر ليبلغ 3,6 مليار دولار، وأخذ في التراجع على مدار الأعوام 2013 و2014 و2015، ليصل في عام 2015 إلى 3,1 مليار دولار، ولكنه لم يتراجع إلى معدلات أداء عام 2011، حيث كانت الصادرات التركية لمصر بحدود 2,7 مليار دولار. نظراً للعقبات والتحديات التي عانى منها المستوردون المصريون خلال تلك الفترة، بسبب تراجع قيمة العملة المصرية، وصعوبة الحصول على العملة الصعبة من البنوك، فضلًا عن القيود التي وضعها البنك المركزي المصري للتعامل بالنقد الأجنبي للأفراد والشركات، مما ساعد على إحداث تأثير سلبي لأداء الواردات المصرية من تركيا.

2- حجم الاستثمارات المشتركة:

ارتفع عدد الشركات التركية في مصر بشكل كبير، خلال الـ 15 عامًا الماضية، فبلغت الاستثمارات التركية في مصر نحو 5 مليار دولار خلال العام 2016، أسهمت في توفير نحو 60 ألف فرصة عمل للمصريين. فيما بلغت حجم الاستثمارات التركية الجديدة التي دخلت السوق المصرية، منذ 30 يونيو 2013  حتى مارس 2017، نحو 275 مليون دولار. وهناك 75 ألف عامل مصري يعملون في 200 مشروع تركي داخل السوق المصرية، في قطاعات الملابس والمنسوجات والصناعات الغذائية والكيميائية والهندسية والتعدين والسياحة .

وبمتابعة قيم الاستثمارات المتبادلة بين مصر وتركيا، نجد أن الفارق كبير بين مساهمة الاستثمارات التركية في مصر، وبين الاستثمارات المصرية في تركيا، فعلى مدار الفترة من 2001- 2014 وصلت الاستثمارات التركية بمصر إلى 978 مليون دولار، بينما كانت استثمارات مصر بتركيا بحدود 58 مليون دولار فقط. وتمثل الاستثمارات المصرية بتركيا 6% تقريبًا من حجم استثمارات تركيا بمصر.

وشهدت الاستثمارات التركية في مصر ارتفاعاً منذ عام 2007، لتصل نحو 38 مليون دولار في ذلك العام، ثم بلغت ذروتها لتصل إلى تدفق سنوي 202 مليون دولار في عام 2013، وترجع هذه الزيادة السنوية في الاستثمارات التركية بمصر، إلى:

توقيع مصر على اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (كويز) مع إسرائيل وأمريكا، وكذلك تفعيل اتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية، مما شجع الاستثمارات التركية على التواجد في السوق المصري للاستفادة من المزايا التي تتيحها تلك الاتفاقيات، حيث ستنفذ المنتجات التركية المصنوعة بمصر إلى الأسواق الأوروبية وأمريكا على اعتبار أنها منتجات مصرية.

 أن تركيا رسخت لتوجهها الاستراتيجي بالتوسع شرقًا وزيادة تعاملاتها التجارية والاقتصادية مع الدول العربية، وتمثل مصر محور مهم في هذه الاستراتيجية، لاعتبارات الموقع والسكان وكذلك البعد التاريخي والحضاري.

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أهمية أية مبالغ للاستثمارات الأجنبية المباشرة لمصر، إلا أن حجم الاستثمارات التركية، لا يزال ضعيفًا وغير مؤثر بشكل كبير على حركة الاقتصاد المصري، فبالنظر إلى المتوسط السنوي لتلك الاستثمارات على مدار نحو 14 عاماً، نجد أنه بحدود 70 مليون جنيه سنويًا تقريبًا، وهو مبلغ متواضع مقارنة بما كانت تحصل عليه مصر من تدفقات الاستثمار الأجنبي في تلك الفترة، والتي كانت تتراوح في المتوسط بنحو 6 مليار دولار، وإن كان أغلبها يذهب للصناعات الاستخراجية في مجال النفط والغاز.

وبلغ متوسط الاستثمارات المصرية المباشرة في تركيا، خلال ال 14 عاماً، نحو 4,1 مليون دولار تقريبًا. وهو مبلغ متواضع مقارنة بحصة تركيا من الاستثمارات الأجنبية، والتي كانت لا تقل عن 13 مليار دولار سنويًا في المتوسط خلال تلك الفترة.

وبلغت الاستثمارات التركية المباشرة لمصر تراكميًا نحو 402,3 مليون دولار خلال الفترة من 2005 وحتي 2015، وبمتوسط سنوي يصل إلى 36,5 مليون دولار، ويعد عام 2012/2013 هو الأفضل بالنسبة لاستقبال مصر للاستثمارات التركية المباشرة، حيث بلغت في هذا العام 169 مليون دولار، بينما يُعد عام 2004/2005 هو الأقل من حيث تدفق تلك الاستثمارات بنحو 0,2 مليون دولار، ويمكن تفسير تزايد الاستثمارات التركية في عام 2012/2013، بحالة التفاؤل التي سادت مستقبل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين بعد الانتخابات المصرية في 2012، حيث توقع الكثيرون حدوث أفاق إيجابية للعلاقات بين البلدين، لما يجمع بين المشروع التركي والمصري في هذا العام من عوامل الاستقلال والرغبة في بناء اقتصاديات تنموية.

وطبيعة الاستثمارات التركية في مصر تجعل منها حجر عثرة في وجه محاولات تصفيتها، فالاستثمارات التركية توجهت إلى مجالات الصناعة والزراعة بشكل كبير، وبالتالي تفرض نفسها على خريطة احتياجات الاقتصاد المصري في هذه المرحلة. فإذا كانت الشركات في مجال الصناعة والزراعة تمثل 55.9% من إجمالي عدد الشركات التركية، وبما يمثل 84.5% من إجمالي رؤوس أموال الشركات التركية بمصر، فهذا يعني استفادة الناتج المحلي الإجمالي المصري، بإضافة سلع وخدمات، وكذلك حصيلة من الصادرات وإن صغر حجمها.

3- حجم التدفق السياحي بين البلدين:

وفيما يتعلق بحجم التدفق السياحي للمصريين إلى تركيا، سواء من حيث عدد السائحين، أو من حيث نسبتهم من إجمالي التدفق السياحي السنوي لتركيا، فبلغ عدد السائحين المصريين إلى تركيا نحو 112 ألف سائح في عام 2012، ثم تراجع ليصل نحو 100 ألف سائح خلال العام 2015، بينما يعد العام 2011 هو الأقل من حيث تدفق السياحة المصرية لتركيا، بواقع 79,6 ألف سائح.

ويتضح ذلك من خلال الشكل التالي:

تطور حجم السياحة المصرية بتركيا خلال الفترة من (2011: 2015)

الأرقام بالألف سائح

ويعزى تراجع عدد السائحين المصريين بتركيا في عام 2015، مقارنة بما كان عليه في عام 2012، إلى سوء الأوضاع الاقتصادية بمصر، مما أثر على دخول الأفراد، وبالتالي اكتفائهم بالسياحة الداخلية، فضلاً عما اتخذته السلطات المصرية من قرارات تحد من حركة السفر لتركيا، بحيث يشترط على من هم في أعمار (18–45) أن يحصلوا على تصريحات من الأمن الوطني، وهذا الإجراء لم تقصره السلطات المصرية على تركيا فقط، ولكنه شمل عدة دول من بينها السودان وماليزيا أيضًا.

فيما لا تمثل السياحة التركية بالنسبة لمصر أهمية تذكر، فهي في أحسن أوضاعها لم تصل إلى نسبة 1.5% من إجمالي السائحين الوافدين لمصر، حيث تعتمد السياحة المصرية بشكل رئيس على السائحين الوافدين من أوروبا، بنسبة تصل إلى 70%. وهناك تراجعًا ملموسًا في تلك الأعداد المحدودة من السائحين الأتراك بمصر، فبلغ عددهم نحو 32,4 ألف سائح فقط في 2015، مقارنة بنحو 51,6 ألف سائح في عام 2013، أي أن التراجع يصل إلى 19,2 ألف سائح بين عامي 2013 و2015، بنسبة 37.2%.

ويتضح من العرض السابق للعلاقات الاقتصادية المصرية -التركية استمرار العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا خلال الأعوام الأخيرة على الرغم من احتدام الخلافات السياسية بينهم، وان كانت قد تراجعت خلال تلك الفترة عما كانت عليه قبل الخلافات السياسية، فقد استمرت قائمة ويعزى ذلك التراجع إلى تدهور الاقتصاد المصري خلال تلك الفترة وليس ناجم عن تلك الخلافات فكل من المستثمرين ورجال الأعمال المصريين والأتراك يعي أهمية كل طرف للآخر ومن ثم يسعون إلى تحييد الخلافات السياسية بعيداً عن المصالح الاقتصادية.

ماذا عن المؤتمر الاقتصادي المصري -التركي المرتقب؟

ستحتضن مدينة إسطنبول التركية مؤتمراً اقتصادياً مشتركاً (تركياً- مصرياً)، في السادس والعشرين من نوفمبر الجاري وحتى الأول من ديسمبر للعام 2017، تحت عنوان “هيا نصنع معاً” بتنظيم من جمعية بيان، وسينعقد المؤتمر بالتعاون مع كل من الغرفة التجارية بمدينة قونيا التركية، ومجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية (دياك)، ووكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا)، وجمعية رجال الأعمال المصريين بالقاهرة (غير حكومية).

ويعد مؤتمر “هيا نصنع معا” المؤتمر الاقتصادي المشترك الأول الذي يعقد في تركيا، فيما كان المؤتمر المشترك في القاهرة أواخر عام 2016، بالتعاون مع الاتحاد العام للغرف التجارية. ويهدف المؤتمر إلى إحياء التعاون بكافة المجالات الاقتصادية المتاحة، بما يعود بالنفع على اقتصاد البلدين، وذلك من خلال خلق فرص صناعية واستثمارية جديدة بين الجانبين في مختلف المجالات الاستثمارية، واستعراض فرص التعاون الاقتصادي المشترك بين الجانبين، وبحث امكانية اقامة الشراكات الاستثمارية المتنوعة، وتبادل الصفقات التجارية استيراداً وتصديراً فيما بين البلدين، وبحث كافة الملفات الاقتصادية التي من شأنها تقوية العلاقات وإعادتها لسابق عهدها من الرسوخ والمتانة.

ويأتي المؤتمر تزامناً مع توجهات الحكومة المصرية بالاتجاه نحو تعميق الصناعة المحلية وزيادة الانتاج المحلي والعمل على مضاعفة الصادرات، وهو ما يعتبره الأتراك فرصة مهمة لتعميق التعاون في مجال الاستثمار الصناعي، بما يخدم أهداف مصر ويتيح فرص أكبر للاستثمار التركي بها. خاصةً وأن المستثمرين الأتراك لديهم رغبة حقيقية في دعم توجهات الحكومة المصرية الساعية لزيادة الانتاج الصناعي وتعميق التصنيع المحلي خلال المرحلة المقبلة، من خلال نقل الخبرات التركية في مختلف المجالات الصناعية لدعم الصناعة المصرية والتعزيز من قوتها، ذلك فضلاً عن استعدادهم الدائم للعمل بمصر وضخ مزيد من الاستثمارات بها.

وسيتم على هامش المؤتمر القيام بزيارات ميدانية لعدد من المصانع والمناطق الصناعية بمدينتي كونيا واسطنبول، بالإضافة الى اجتماعات ثنائية فيما بين المستثمرين المصريين والأتراك.

وسيشهد المؤتمر حضور كبير من الجانب المصري من مستثمرين وصناع من مختلف المجالات، منها الصناعات الكيماوية، والهندسية، ومواد البناء، والملابس الجاهزة، وصناعة الجلود، بالإضافة إلى عدد من المسئولين وكبار رجال الدولة.

وكشف رئيس جمعية رجال الأعمال الأتراك -المصريين عن التخطيط لإقامة مؤتمر مقابل بمصر خلال النصف الأول من العام 2018 المقبل، ليكون ثالث مؤتمر يجمع بين الجانبين، ويذكر أن جمعية رجال الأعمال الأتراك المصريين “تومياد” هي جمعية أهلية أنشأت عام 2003 ولها فرعي بالقاهرة واسطنبول، وتضم في عضويتها 725 مستثمراً مصرياً وتركياً، وتهدف لدعم الاستثمار المشترك وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين.

رؤية استشرافية لمستقبل العلاقات الاقتصادية المصرية- التركية:

هناك سيناريوهان لمستقبل العلاقات الاقتصادية المصرية –التركية،

يتمثل السيناريو الأول في تصعيد الوضع الراهن، ويعتمد هذا السيناريو على أن تتجه كل من مصر وتركيا نحو مسار تراجع علاقتهما الاقتصادية وتأثرها سلباً بالخلافات السياسية بينهما، وينتج عن ذلك السيناريو خفض معدلات التجارة والاستثمارات التركية في مصر، بل وتصفيتها على الأجل المتوسط.

وفي هذه الحالة ستكون مصر أمام استبدال تجارتها مع تركيا بالتوجه نحو دول أخرى، خاصة أن السلع التركية التي تستوردها مصر يمكن بسهولة استيرادها من دول أخرى. وتبقى وفق آليات هذا السيناريو هناك معضلة الاستثمارات التركية في مصر، خاصة أن التصرف بشأن 75 ألف عامل ليست بالعملية السهلة في ظل ظروف مصر الاقتصادية الحالية.

وقد يكون المخرج خليجياً بإحلال استثمارات خليجية محل الاستثمارات التركية من أجل الحفاظ على وظائف العمالة المصرية، ولكن التصرف في هذا المجال لن يكون وليد الأجل القصير، فهذه الشركات عادة تكون لها تشابكاتها في الداخل والخارج، وينطوي الخروج في الأجل القصير على خسائر كبيرة للطرفين.

وبالتالي فإن هذا السيناريو مستبعد في ضوء المصالح المتبادلة وما يترتب عليه من خسائر كبيرة للطرفين.

ويتمثل السيناريو الثاني في عدم المساس بالعلاقات الاقتصادية بين البلدين وتطورها مستقبلاً، فهناك من يرى أنه لا مانع من عودة العلاقات المصرية – التركية، لكن ليس من البوابة السياسية وإنما من البوابة الاقتصادية على اعتبار أن هذا الخيار مفيد للشعب المصري ويبقي على حد أدنى من العلاقات بين البلدين من دون الاضطرار إلى الانفتاح السياسي الكلي على السلطة المصرية، حيث أن ما تمر به العلاقات السياسية لن يستمر على المدى الطويل، وهي وجهة النظر التي تبناها مسؤولون في جمعية رجال الأعمال المصريين الأتراك، خاصةً وأن العام 2016 شهد تحسناً في أداء العلاقات الاقتصادية بين البلدين سواء على مستوى حجم التجارة أو الاستثمارات البينية، ومن ثم من الممكن أن يصبح تحسن العلاقات الاقتصادية معبراً نحو تحسن العلاقات السياسية بين البلدين، حتي وان استمرت الخلافات السياسية فلن تتأثر العلاقات الاقتصادية بينهما وسيسعي كل طرف نحو تذليل كافة العقبات التي تواجه تحسن تلك العلاقات.

وذلك هو السيناريو المرجح، خاصةً وإن عودة العلاقات التركية المصرية قد يتيح لتركيا سوق تسويقي واعد في مصر من حيث عدد السكان والاستهلاك. ويسهم في التخفيف من العقوبات الروسية كأحد البدائل في ذلك، مع تفعيل اتفاقية التجارة الحرة، و التفكير في عودة الرورو، كما أنه يتيح لمصر تعزيز صادراتها خاصة من المواد الخام وخاصة أن تركيا تمثل أكبر مستورد أوربي من مصر.

وعلى صعيد آخر، لن يستطيع الاقتصاد المصري في ظل وضعه الراهن بالدخول في مواجهة اقتصادية مع تركيا في ظل المشكلات الاقتصادية التي تعانيها البلاد، وبالتالي لن تقدم على خطوة تصفية الاستثمارات التركية في مصر، أو حتى استبدالها بأخرى من دول خليجية أو غربية، فمصر بحاجة شديدة لاستقدام استثمارات أجنبية جديدة بغض النظر عن وجهتها من أجل استرجاع معدلات النمو الاقتصادي الذي تراجع منذ الأزمة المالية العالمية في العام 2008، وفي أعقاب ثورة 25 يناير 2011.

وهنا من الضروري أن ننظر إلى العلاقات الاقتصادية المصرية التركية في إطارها الاستراتيجي، وليس فقط من خلال أرقام لحجم التبادل التجاري أو الاستثمارات البينية، فمصر وتركيا كانتا لبنة في محور اقتصادي وسياسي إقليمي كان من شأنه أن يؤسس لعلاقات إقليمية ودولية جديدة. ومن هنا يجب تقييم الموقف، فإذا أدى مستقبل العلاقة بين البلدين لاستمرار ذلك السيناريو فسوف يجني الطرفان ثماره الإيجابية.

وفي ذلك الإطار من المتوقع زيادة حجم الاستثمارات التركية فى مصر خلال عام 2018 بنحو مليار دولار، أي ما تقدر بنسبة 50 % من اجمالي الاستثمارات التركية العاملة بمصر، وذلك من خلال توسعات بالشركات التركية القائمة محلياً، بالاضافة الى انشاء عدد من المشروعات الجديدة في مختلف المجالات أهمها النسيجية ومواد البناء. وتستهدف تركيا زيادتها إلى 10 مليار دولار بحلول عام 2022، من خلال تكوين تحالفات استراتيجية بين الشركات المصرية التركية، ثم زيادتها إلى 15 مليار دولار فى الخمسة أعوام اللاحقة،  وبحسب تصريحات وزير الاقتصاد التركي أن السلطات التركية تأمل أن يرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 5 مليار دولار إلى 10 مليار دولار.  

مؤشرات إيجابية تدعم تحقيق السيناريو الثاني:

يكشف الواقع أن الحكومة المصرية تسعي حثيثاً لعودة العلاقات السياسية مع تركيا، فإذا كانت تركيا تبحث عن منافع اقتصادية من خلال عودة العلاقات، فإن منافعها ستكون محدودة مقارنة بتكاليفها، فمصر بحاجة إلى تركيا اقتصادياً أكثر من حاجة تركيا إليها. والوضع الاقتصادي في مصر لا يسمح لها باتخاذ قرارات تؤثر على العلاقات الاقتصادية مع تركيا بشكل سلبي، لأن الاستثمارات التركية بمصر إنتاجية وليست ريعية، ويترتب علي تصفيتها تسريح آلاف العمالة المصرية ومن ثم زيادة معدلات البطالة. وهناك عدة مؤشرات تؤكد على سعى كلا البلدين لتحسين العلاقات المتبادلة بينهما يمكن حصرها فيما يلي:

على الرغم من أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تتطور خلال السنوات الماضية، لكنها لم تنقطع كلياً، وبالتالي من الممكن استخدامها لاختبار مدى جدية الطرح ومدى المنفعة المتأتية عنه دون تحمل أي تكاليف سياسية للطرفين.

 وعلى الجانب التركي، تحاول أنقرة تحسين علاقاتها الدبلوماسية التي تدهورت مع عدد من البلدان المهمة مثل روسيا وإيران ومصروإسرائيل، وبينما أعادت العلاقات إلى سابق عهدها مع كل من روسيا وإيران فمن الممكن تحسينها أيضاً مع الجانب المصري، حيث تحاول تركيا في الفترة الماضية التعامل بشكل براجماتي مع ملفات البلدان التي لديها علاقات متوترة معها، بشكل يحقق الحد الأدنى من تطبيق العلاقات، ولو على المستوى الاقتصادي الذي يمكن أن ينمو بشكل تدريجي ليصبح على مستوى وزاري يسمح بالتباحث حول القضايا العالقة بين الدولتين من أجل الوصول إلى علاقات طبيعية. كما أنه ليس من الضروري أن تتحسن علاقات البلدين في جميع المحاور وبالدرجة نفسها، بمعنى أن يعتمد هناك فصل بين الآثار السياسية والآثار الاقتصادية التي قد تضر بالبلدين، وقد يؤدي التقارب الاقتصادي في النهاية إلى تقارب سياسي. وبحسب تصريح رئيس الوزراء بن علي يلدريم مؤخرًا بأنه لا مانع من تطوير العلاقات الاقتصادية بين تركيا ومصر، وأنه بالإمكان تبادل الزيارات بين المسؤولين ورجال الأعمال في البلدين.

أما من الجانب المصري فقد صرح أحمد الوكيل رئيس اتحاد الغرف التجارية في مصر، أن مصر كانت وستظل بوابة تركيا لإفريقيا، وبالمقابل تركيا هي بوابة مصر لشرق أوروبا وآسيا الوسطى.

 ضخ استثمارات تركية خلال النصف الأول من العام الجاري تقدر بـ 100 مليون دولار في مجال صناعة الزجاج من خلال شركة “باشا بختشة” أكبر شركة لصناعة الزجاج في تركيا، وثالث أكبر شركة منتجة للزجاج على مستوى العالم، والثانية على مستوى القارة الأوروبية، ويوفر مشروعها الجديد بمصر نحو 1200 فرصة عمل، فضلاً عن استهدافه فتح المزيد من الأسواق التصديرية أمام منتجات الزجاج المصرية.

 سعى مجتمع الأعمال التركى إلى تكوين تحالفات استراتيجية مع مصر لمواجهة غزو البضائع الصينية، بعد ثلاثة أعوام من توتر العلاقات بين البلدين. خاصة أن المنتجات الصينية تقضى على الصناعة المحلية تمامًا، فالتحالف بين الشركات المصرية والتركية سيسهم فى محاربة هذا الغزو من خلال إنتاج سلع مصرية تركية مشتركة توفر العملة الصعبة وتشجع الصناعة المحلية بالبلدين. ويمكن لهذه المنتجات الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين مصر وتركيا، والتى تنص على خفض مصر الرسوم الجمركية على الواردات السلعية من تركيا تدريجيًّا حتى عام 2020، بينما تعفى تركيا الواردات المصرية من أى جمارك ولكن بشروط. وتعد كلمة “صنع فى مصر” علامة مميزة للجودة، تضيف قيمة كبيرة للمنتج، وبتكوين هذه التحالفات تستطيع المنتجات التركية المنتجة فى مصر الاستفادة من اتفاقية الكويز التى تسمح بنفاذ المنتجات المصرية إلى الولايات المتحددة دون رسوم جمركية. 

 لدي الشركات التركية اهتمام شديد بالاستثمار فى مشروعات البنية التحتية فى قناة السويس وسيناء، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشركات التركية كانت مستعدة لضخ 5 مليار دولار للاستثمار فى تلك المناطق، لكن تم تأجيلها بسبب الاضطرابات السياسية بين البلدين وسيتم اعادة فتح تلك الملفات مرة أخرى، كما تعتزم الشركات التركية إنشاء مصانع للأجهزة الكهربائية، وأخرى لإنتاج الحديد فى مصر بالشراكة مع المصانع المصرية، خاصة أن الشركات التركية لإنتاج الحديد لديها تكنولوجيا متطورة لا تستطيع الشركات المصرية منافستها، مع الأخذ فى الاعتبار أن حظر استيراد الحديد التركى سيشعل أسعار الحديد بالسوق المحلية.

 سماح الحكومة المصرية لعدد من الجمعيات لرجال أعمال أتراك بالعمل في مصر مجدداً، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها والرغبة في ضح استثمارات أجنبية في مصر خلال الفترة المقبلة، والسماح لبعض الجمعيات والمكاتب التي تعمل في مجال التنمية المجتمعية بالعمل في مصر مجدداً بدون أي مضايقات أمنية، وتنفيذ مشروعات في إطار المجتمع المدني وتطوير الإنسان.

 تبادل الزيارات بين رجال الأعمال المصريين والأتراك وتنظيم جمعية رجال الأعمال المصريين الأتراك لعدد من اللقاءات لبحث سبل تعزيز وتقوية العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث حضر عدداً محدوداً من رجال الأعمال المصريين “المنتدى التركي الأفريقي للاقتصاد والأعمال”، والذي انعقد في إسطنبول، نوفمبر2016 الماضي؛ ما شكل انطلاقة جديدة لتحسين العلاقات. واستضافت القاهرة، في  يناير2017، “منتدى الأعمال التركي المصري”، حيث التقى رجال الأعمال المشاركون بمسؤولين في بعض الوزارات.

 عودة مجلس الأعمال المصري التركي إلى العمل مرة أخرى في مارس 2017- بعد تجميد أنشطته منذ يوليو 2013- حيث أن تحسن العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا من شأنه أن يساعد في تقريب المسافات بينهما سياسياً، وعاد المجلس إلى نشاطه عبر لقاء موسع شاركت فيه جمعية رجال الأعمال الأتراك-المصريين و11 شركة تركية، وبحث تفعيل التعاون الاقتصادي بين الجانبين، كما تناول المشروعات القومية في مصر التي يمكن أن يسهم الجانب التركي بضخ استثمارات فيها.

 وأخيراً وعلى الصعيد السياسي، فعلى الرغم من أن التطبيع السياسي لم يحسم بعد، فإن البناء على الانفتاح الاقتصادي قد يحقق بعض التقدم. وكما عبر وزير الخارجية المصري عن انفتاح القاهرة دوماً على إتمام علاقات سياسية مع أنقرة، فإن هناك مؤشرات لدى الجانب التركي توحي بأنّه مستعد كذلك لمثل هذا الأمر، على ألا يكون رئيس الجمهورية التركية جزءًا من أي تطبيع مرتقب، إلا إذا تمت مصالحة شاملة في مصر.

 هناك حسابات سياسية مصرية أيضاً ترى أن هناك حاجة لمنع تركيا من الذهاب كلياً باتجاه ايران، لأن من شأن اتفاق البلدين أن يؤدي إلى عزل ما تبقى من اللاعبين الإقليميين العرب، لا سيما بعد الأزمة الخليجية الأخيرة التي كانت سبباً في اتجاه تركيا وعدد من اللاعبين الآخرين باتجاه إيران.

 في المقابل، هناك حاجة تركية للاطلاع عن كثب عما يجري على الساحة الفلسطينية، لا سيما بعد المصالحة الأخيرة، ومن الصعب تحقيق مثل هذا الأمر من دون التواصل مع مصر خلال المرحلة المقبلة.

——————————————————————————————————————–

المراجع:

  1. احصاءات وزارة التجارة والصناعة المصرية ، https://goo.gl/pbWrh3

  2. اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وتركيا،

 http://www.sis.gov.eg/section/433/2424?lang=ar

  1. رئيس “رجال الاعمال الأتراك”: مليار دولار استثمارات تركية جديدة متوقع ضخها في مصر العام المقبل،

http://ik.ahram.org.eg/News/46306.aspx

  1. حجم الاستثمارات بين تركيا ومصر بلغت 5 مليارات دولار،

http://www.turkey-post.net/p-185820/

  1. “هيا نصنع معاً”.. مؤتمر اقتصادي في إسطنبول يجمع مصر وتركيا،

http://alkhaleejonline.net/articles/1507129382141846900/%D9%

  1. أتيلا أطاسيفين: تحالف استراتيجي بين مصر وتركيا لمواجهة الغزو الصيني ،

http://www.tahrirnews.com/posts/711793/%D9%85%D8%AC%D8% 

  1. مصر: ارتفاع الصادرات لتركيا بنسبة 54% خلال الربع الأول من عام 2017،

https://www.alaraby.co.uk/economy/2017/6/3/%D9%85%D8%B5%D8% 

  1. العلاقات الاقتصادية المصرية التركية: الواقع والآفاق…. د. عبد الحافظ الصاوي

http://www.eipss-eg.org/%D8%84%D8%A7%D9%  

  1. بالأرقام .. حجم العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا

http://www.elfagr.org/2207078