استماتة «الدولة القومية» - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

استماتة «الدولة القومية»




لثورة المعلومات أو ثورة المعرفة أثر هائل على أغلب المجالات البشرية، ولا يقتصر هذا الأثر على مجالات مثل الطب والفيزياء أو حتى الصناعة الحديثة، بل يمتد إلى التلاعب بأهم ظاهرة سياسية معاصرة أو فكرة افتراضية ذات تطبيقات في الواقع، وهي ظاهرة ” الدولة القومية”.

فالدولة القومية في الأساس هي فكرة افتراضية جاء ابتكارها في قارة أوروبا أولا، وبالتحديد في مدينة وستفاليا الألمانية عام 1648، حيث اجتمع وقتذاك أبرز قادة قارة أوروبا للتوصل إلى صلح ينهي حالة من الحروب امتدت لعشرات الأعوام فيما بينهما، ووضعت هذه المباحثات أسس ميلاد “الدولة” في العالم، من خلال الاتفاق على تنحية مصالح رجال الدين وسلطة الكنيسة جانبا، في مقابل الإعلاء من شأن المصالح القومية لكل أمة على حدا.

بمرور الوقت انتقلت هذه الظاهرة إلى مختلف دول العالم، وشهدت الحرب العالمية الأولى- أي بعد حوالي 3 قرون على هذا الحدث-انتهاء “الإمبراطورية” كشكل سياسي استمر منذ وقت ميلاد الحضارة الإنسانية، وجاء هذا بعد سقوط الإمبراطوريات الروسية والبروسية والعثمانية، لصالح الدول الأوروبية الأخرى، ليشهد العالم بعد ذلك سيادة شكل الدولة القومية كنموذج للتحكم في حياة البشر من جانب قوة أعلى منهم.

ومنذ ذلك التاريخ عملت الدولة القومية على تعميق وجودها، والتمكن من التحكم في مألات أمور البشر، بدءا من فرض القيم والقوانين، ونهاية بإرسال الأفراد للقتال والموت من أجل كيان افتراضي هو “الدولة”، وتمت عملية تمكين الدولة عبر العديد من العوامل، أهمها في رأينا كان تراكم القوة الصلبة لديها، ومواجهتها لأي جماعة تحوز قوة عسكرية داخل الدولة.

ولزم الأمر بعض النظريات الفلسفية أيضا، وعلى قدر اختلاف الأيدولوجيات بين اليمين واليسار، اعترفت أغلب المذاهب السياسية بأهمية وجود هذا الكيان الافتراضي الذي يُسمى الدولة القومية، بينما فضلت الاختلاف حول تفاصيل سيطرة هذا الكيان على حياة البشر، فيُفضّل اليمين تقليل هذه السطوة إلى أقل مدى ممكن، بينما يذهب اليسار إلى العكس من ذلك، وتزخر أدبيات العلوم السياسية والفلسفة عموما بكتابات عن أهمية دور الدولة.

كما دشنت الجماعات المسيطرة والمستفيدة من هذه الظاهرة ما يُعرف بـالـ ” Iconis” أو الأيقنة، وفحواها هو محاولة إضفاء صبغة معنوية على هذه الفكرة الافتراضية، بهدف تعزيز انتماء البشر لها، وتشمل الأيقنة وجود علم للدولة ونشيد وطني ورموز وطنية وتاريخ وعادات مشتركة، وهي كلها أمور عمدت “الدول” إلى الترويج لها لتزيد من سلطتها على البشر، واصباغها بحالة من القداسة البديلة لرجال الدين وخلافة الله على الأرض. 

والدولة اصطلاحا هي عبارة عن جماعة أو جماعات من البشر يقطنون في إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنفس القانون الذي تنفذه الحكومة عن طريق القهر العمدي وتحظي بالاعتراف الدولي من جانب أشقائها الدول أيضا، فهي تحوي عناصر الشعب والإقليم والسيادة التي تمارسها الحكومة والاعتراف الدولي، واستمرت هذه الظاهرة حتى بدأ البشر في التعاطي معها وكأنها ظاهرة طبيعية مثل دوران الأرض حول الشمس، بينما هي في الواقع لا تتعدى كونها فكرة افتراضية كوسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية.

 تمكنت “الدولة” من السيطرة على حياة البشر، وباسم مصالح الدولة تم ارتكاب العديد من الجرائم، وقامت الكثير من الحروب كغيرها من أشكال السيطرة في تاريخ التطور البشري، حتى أنك كفرد أصبح لا هوية لك دون أن تحظي بالاعتراف من جانب إحدى ” الدول”، كان تطور الدولة نتاجا لعملية ممتدة لعدة قرون، تنوعت فيها وسائل وأليات السيطرة والضبط؛ ولعبت خلالها عوامل احتكار كل من القوة والتنظيم والمعلومات الدور الأبرز في سيادة مثل هذه الظاهرة.

ومع ظهور بوادر الثورة المعلوماتية في الثلث الأخير من القرن الماضي، بدا أن هناك ثمة تغييرا لازال في طور التكون، لن تكون ” الدولة” بمنأى عنه، وقد يؤدي إلى انتهاء صلاحية هذه الفكرة الافتراضية، مع تخطي الواقع الإنساني لهذا الشكل، وتنتشر الكتابات المعاصرة التي باتت تُبشر بانتهاء ظاهرة الدولة القومية في أرجاء الأرض.

وركزت هذه الكتابات على أن الثورة المعلوماتية المعاصرة قد نشأت وتطورت خارج نطاق سيطرة الدولة، ولن تستطيع الأخيرة الصمود أمامها طويلاُ، ففي عالم اليوم لم تعد الدولة هي الكيان الاحتكاري للمعلومات، أو حتى الطرف الأقوى معلوماتيا، وبدأنا نشاهد أشكالا أخرى تناطح الدولة وتتفوق عليها في حجم ونوعية المعلومات، وعند مقارنة حجم المعلومات التي تمتلكها شركة مثل Google  مع إحدى دول العالم الثالث نجد أن المقارنة لصالح الأولى، وحتى اننا أصبحنا نشاهد مؤسسات المعلومات الأمنية في أمريكا – وهى الأكبر على الكوكب- تلجأ إلى شركة Apple  للحصول على بعض المعلومات.

لا يقتصر الأمر على الشركات فقط، وفر الانترنت وسيطا لتشارك المعلومات بين مختلف الأفراد، حتى الذين لا يجمعهم أي روابط قانونية أو جغرافية، ويمكن أن يتم هذا بسهولة بعيدا عن أعين الدولة نفسها، واعتدنا اليوم على مشاهدة عصابات تتخصص فقط في الجريمة الإلكترونية، وتسطو على بيانات سرية للحكومات أو للمؤسسات المالية الضخمة، فلا يوجد أحد اليوم يستطيع الادعاء باحتكاره لمعلومة ما. 

وللمعلومة أثراً أيضا على مسألة الأيقنة، وأصبح انسان اليوم على دراية بتعدد وجهات النظر في الظواهر التاريخية الكبرى، ومن حينا لأخر نشهد ميلاد جدلا جديدا حول بطولة أحد الأشخاص، أو تاريخ إحدى المعارك، هذا غير حالة التشابك الثقافي بين الأفراد، وأصبح أحد الاعمال الفنية مثل “Game Of Thrones” هو الأكثر شعبية في تاريخ العالم، ويشاهده البشر في أنحاء مختلفة من الكوكب، بمعنى أن الأيقنة قد فقدت بريقها وفعاليتها، والخصوصية القومية أصبحت محل شك أيضا.

كما أدت الثورة المعلوماتية الى انتشار نمط التنظيمات غير المعترفة بحدود الدولة القومية، وأصبحت تعد فواعل أساسية في التفاعلات داخل النظام العالمي، فسهلت الثورة الحالية أيضا من عملية الاتصال والتنسيق الأني بين مجموعات هائلة من البشر، وأصبحت الدولة عاجزة عن مكافحة مثل هذه الأليات، وأقصى ما يمكن أن تحققه هو الاختراق المعلوماتي، لكنها لن تستطيع إنهاء هذا النمط من التواصل الإنساني، وتعد ثورات ” الربيع العربي” خير دليل على ما سبق، وفي مصر تمت الدعوة علنا إلى التظاهر ضد نظام الحُكم، دون أن تستطيع الدولة إيقاف هذه الدعوة التي لاقت رواجا هائلا، حتى عندما لجأت إلى قطع الإنترنت نفسه، كان الأمر قد تخطى كل هذه المحاولات المستميتة. 

وتتعدد الأمثلة المعاصرة على بدء تقويض فكرة ” الدولة القومية”، وليس انتشار جماعات الإرهاب أو مطالبات الانفصال سواء في الشرق أو في أوروبا إلا مثالا أخر على حجم المشكلة التي تواجهها الدولة اليوم، ما يفسر أيضا ظاهرة صعود اليمين القومي في العالم، والدعوة إلى حماية مؤسسات الدولة الوطنية في الشرق الأوسط، وهي كلها ردود أفعال على تأكل الدولة القومية، وسنتعرض في مقالات قادمة إلى هذا التحول بشكل أكثر تفصيلا.

وفي النهاية أو بالأحرى في البداية نود القول إن وفقا لقوانين الطبيعة، فإن الدولة القومية ستحاول قدر استطاعتها “الاستماتة” من أجل الحفاظ على بقائها، ولن تكون خصما سهلاُ أمام هذه الثورة، وربما يتطلب الأمر العديد من الحروب والنزاعات والضحايا، مثل الحروب التي سبق وأن خاضتها الدولة القومية أمام الإمبراطوريات؛ إلا أن المؤكد أن عملية التحول قد بدأت بالفعل.