الدور التركي في أفريقيا.. اقتصاد يحرك السياسة - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
الدور التركي في أفريقيا.. اقتصاد يحرك السياسة

الدور التركي في أفريقيا.. اقتصاد يحرك السياسة




تتعدد أبعاد الدور التركي في الكثير من المناطق؛ فى أوروبا أو منطقة الشرق الأوسط أو آسيا لما تمثله تلك المناطق من عمق حيوى جيو – استراتيجى لتركيا، إلا أن هذا الدور امتد وبدأ يظهر جليًا وبشكل واضح فى القارة السمراء، فالدائرة الأفريقية في السياسة الخارجية التركية حديثة نسبيًا حيث ارتبط الاهتمام التركي بأفريقيا منذ بداية وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002م، إلا أن الدور التركي في أفريقيا لم يكن مشابهًا للدور التركي في العديد من المناطق الأخرى.

يمكن النظر إلى الانخراط التركي المتزايد في القارة الأفريقية بوصفه جزءًا من رؤية أنقرة الجديدة لنفسها بأنها دولةٌ مركزيةٌ وفاعلٌ دولى ذو سياسة خارجية معقدة ومتشابكة الأبعاد، فى إطار نظرية العمق الاستراتيجي Strategic Depth التى تعدّ المحرِّك الأبرز للسياسة التركية منذ العام 2002، التي تقوم فلسفتها الرئيسية على أنّ تركيا دولة متعددّة الأحواض القارية؛ ما يمنحها عمقًا استراتيجيًّا في القارة الأفريقية.

فقد اكتسب الدور التركي فى أفريقيا طابعًا اقتصاديًا أكثر من كونه سياسى وعسكرى وهذا لا ينفي بالمرة تعدد الآليات السياسية والعسكرية التى تنتهجها تركيا في أفريقيا ولكن هنا يمكن القول إن الدور التركي يأفريقيا يمكن أن يؤطر من خلال فهم طبيعة عملية ربطها بالتجسير الاقتصادى بين تركيا ودول القارة الأفريقية، إن سياسة تركيا في أفريقيا تقوم على مبدأ تأمين عمق العمق الاستراتيجى لما تحتويه القارة من خيرات اقتصادية كبيرة حتى بعد تكالب الإمبراطوريات الاستعمارية عليها، وعلى الرغم من الحداثة النسبية لهذه السياسة إلا أن تركيا اختارت المدخل الاقتصادي والتجاري إلى شعوب هذه القارة، حيث أعطت الأولوية والأهمية لها.

إن الاهتمام التركي بأفريقيا لم يكن وليدًا مع صعود حزب العدالة والتنمية للحكم بل إنه كان بمثابة إعادة إحياء للدور التركي القديم المتمثل في سيطرة الدولة العثمانية، ويعود الاهتمام التركي بأفريقيا إلى نهاية التسعينيات؛ حيث إنها أرادت أن تعيد أمجاد إمبراطوريتها العثمانية، والبحث عن دور إقليمي فعّال في القارة السمراء، حيث كانت الدولة العثمانية تضم العديد من الدول الأفريقية تحت سيطرتها، فقد كانت كل من مصر وليبيا وتونس والجزائر وإريتريا والصومال والسودان تابعة لها في الفترة بين 1536م و 1912م، وكان ذلك يتم فى إطار هيمنة الخلافة العثمانية على السواحل في البحرين الأبيض والأحمر، بعمق داخل أرض السودان حيث بعض منابع النيل، وبامتداد حتى الصومال جنوبًا في تلك المنطقة المهمة من الناحية الاستراتيجية في القرن الأفريقي، سيطرت على المسارات التجارية قديمًا.

الاقتصاد محرك:

 دشنت تركيا انفتاحها الاقتصادي على أفريقيا عام 1998م، وتكرس ذلك الانفتاح بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002م، وسعت تركيا منذ سنوات إلى بناء جسور التواصل مع الدول الأفريقية حيث إرتأت تركيا لنفسها التقارب الاقتصادي والتجاري كمدخل للتأثير في القارة السمراء؛ إذ تعتبر أنقرة أن هذا الجسر من شأنه أن يقرب الشعوب إلى بعضها، ويقارب رجال الأعمال والمستثمرين من كلا الطرفين، وكما ذكرنا سابقًا أن تركيا تتبع سياسة تأمين عمق العمق الاستراتيجى سابقًا حيث تعد أفريقيا امتدادًا للشرق الأوسط الذى تمثل تركيا جزء منه التى تؤثر تفاعلات القارة السمراء على استقرارها مثل مشكلات المياه والقرصنة والنزاعات العرقية.

ومن خلال هذا المدخل اهتمت أنقرة بشكل موسع بتطوير العلاقات مع دول أفريقيا، خاصة العلاقات الاقتصادية، اتخذت العلاقات التركية- الأفريقية منحى جديد في عام 2005م بعد أن حصلت تركيا على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي وشرعت بالعمل بسرعة لكى تصبح شريكًا استراتيجيًا للاتحاد، كما انضمت تركيا إلى البنك الأفريقى للتنمية، وعملت على تقوية علاقاتها بهيئة المنظمات الحكومية الدولية للتنمية في شرق أفريقيا، والتجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا،

إن الشراكة الاقتصادية بين تركيا وأفريقيا بدأت تقترب من تحقيق الأهداف التى اتفق عليها في القمة الأولى للشراكة الاستراتيجية بينهما عام 2008م، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول القارة 23.4 مليار دولار عام 2014م، فيما بلغ حجمه بين تركيا ودول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى 5.7 مليارات دولار، وهذا ارتفاع كبير مقارنة بحجم التبادل التجارى المسجل بين تركيا ودول أفريقيا عام 2003، الذى بلغ حوالي 5.4 مليارات دولار، إن حجم التجارة بين تركيا والدول الأفريقية ارتفع بنسبة 140% في الفترة من 2003م حتى 2007م، وهذا مؤشر على مدى تزايد الاهتمام التركي بأفريقيا.

 إن الشركات التركية معروفة بإصرارها على المجازفة  بالدخول في الأسواق غير المستقرة التى تتفادى الشركات متعددة الجنسيات الأخرى التعامل معها، كما أن التطور في العلاقات بين تركيا ودول أفريقيا ينظر إليه على أنه أحد أبرز أوجه التنافس بين تركيا والدول الكبرى التي تتطلع لتطوير وجودها في أفريقيا خاصة في المجالات الاقتصادية.

إن التوجه نحو الانفتاح التركي على أفريقيا كان انعكاسًا لعملية التنمية الداخلية التركية والبحث عن أسواق جديدة، حيث زادت الصادرات التركية إلى أربعة أضعاف من 40 مليار دولار عام 2002م إلى 158 مليار دولار في عام 2014م، بينما ارتفع إجمالي التجارة بين تركيا وأفريقيا مرتين ونصف ليصل في عام 2015م إلى قرابة  18 مليار دولار في ظل اهتمام القطاعات الاقتصادية التركية بالمخزون الاحتياطي للسوق الأفريقية.

وعلى ذلك ازدادت الاستثمارات التركية المباشرة في أفريقيا بمقدار 10 أضعاف (تراوحت وفقا لبعض المصادر بين 5 و 8 بلايين دولار)، وتركزت في المقام الأول في الشركات الصغيرة والمتوسطة (البناء، والصناعة الخفيفة، وإنتاج السلع المنزلية)، مع انخفاض ضغط المنافسة من الشركات الكبيرة من الصين، وقد اضطلع المتعهدون الأتراك حتى الآن بأكثر من 1150  مشروعًا في أفريقيا تقدر بـ6.2 مليار دولار في عموم القارة الأفريقية، كما تسيّر الخطوط الجوية التركية رحلات إلى 48 جهة في 31 دولة أفريقية، وأصبحت اسطنبول مركزًا مهمًا ونقطة انطلاق للمسافرين الأفارقة المتجهين إلى العديد من الدول.

أما فيما يتعلق بالمجال الزراعي الذي تتميز به القارة عمومًا فإن تركيا بدأت تصنع المبادرات في هذا المجال حيث استضافت ولاية أنطاليا التركية، الاجتماع الأول لوزراء الزراعة في تركيا وأفريقيا، ومنتدى الأعمال الزراعية، بمشاركة قرابة 300 ممثل أفريقى بينهم نحو 50 وزيرًا.

وقال الرئيس أردوغان في تأكيده على عمق العلاقة بين تركيا وأفريقيا، إن بلاده لا تنظر إلى أفريقيا على أنها قارة بكر، ولا تسعى إلى استغلال مواردها “بل تعتبر نفسها صديقة للقارة السمراء يوم الضيق”، ولفت أردوغان النظر إلى أن حجم التبادل التجارى بين تركيا وأفريقيا قد ارتفع في 2016م إلى 17 مليار دولار أمريكى، بعد أن كان قرابة 7 مليارات خلال 2005م، وأكد حرص بلاده على بناء تعاون طويل الأمد مع أفريقيا على أساس المساواة، والربح والاحترام المتبادلين.

اقتصاديًا يستفيد الطرفان من زيادة التجارة بين تركيا وأفريقيا، فهى تزيد الوظائف والاستثمارات، بل إن أفريقيا شهدت زيادة مضطردة في نشاطات التنمية والمساعدات التركية ومشروعاتها، فوكالة التعاون الدولى التركية وسّعت من نطاق عملياتها بعد 2003م، فالوكالة لديها الآن 3 مكاتب في أفريقيا، في إثيوبيا والسودان والسنغال، ومكاتبها تدعم مشروعات التنمية في تلك المناطق، ومن خلال تلك الدول الثلاثة تعمل في 37 دولة أخرى في أفريقيا، ومع افتتاح سفارات تركية جديدة في القارة، فمن المتوقع أن تزداد مكاتب الوكالة, ومن ثم يزداد تدفق المساعدات والشراكة التجارية والاقتصادية مع القارة السمراء.

وسيشهد عقد القمة الثالثة للشراكة التركية- الأفريقية في إسطنبول عام 2019م، لاستعراض كافة الأمور والتطورات التى حققت حتى ذلك التاريخ، وتحديد النواقص ووضع خارطة طريق للمستقبل بشأن العلاقات التركية- الأفريقية.

المساعدات الإنسانية كمدخل للنفوذ:

على الصعيد الإنسانى، عملت تركيا على توسيع قاعدة دعمها للفقراء والمحتاجين ولمشروعات التنمية في القارة، حيث ساهمت فى عام  2013م بـ 781.2 مليون دولار فى مشروعات الإغاثة الرسمية، ويشكل هذا المبلغ ربع حجم ميزانية المساعدات الخارجية التركية لذلك العام، وافتتحت رئاسة إدارة التعاون والتنسيق التركية مكاتب لها في كل من أديس أبابا عام 2005م، والخرطوم عام 2006، ودكار عام 2007م، ونفذت هذه الإدارة حتى الآن مشروعات شملت 37 دولة أفريقية.

أما المساعدات التركية التنموية للدول الأفريقية، فقد زادت عشرة أضعاف، حيث يذهب ثلث المساعدات التركية التنموية إلى دول القارة، ويصل حجم المساعدات التنموية التركية إلى أفريقيا إلى نحو 500 مليون دولار سنويًا، فضلًا عن المساعدات الإنسانية، والدعم البشرى والمالى التركي لخمس بعثات تابعة للأمم المتحدة من أصل 6 بعثات، تعمل فى أفريقيا حاليًا.

وفي الأحداث التى شهدتها أفريقيا الوسطى أرسلت السلطات التركية مساعدات إنسانية من خلال منبر الإغاثة الإنسانية الذى يضم إدارة الكوارث والطوارئ التركية وهيئة الإغاثة الإنسانية لأصحابها المحتاجين من اللاجئين الذين لجأوا إلى تشاد والكاميرون بعد الأحداث في جمهورية أفريقيا الوسطى، ولضمان وصول هذه المساعدات بأفضل شكل ممكن وللمحتاجين من أهل المنطقة، تم توقيع بروتوكول خاص بين كل من أحمد كاواس السفير التركي لدى تشاد والدكتور غراريرا ريماجيتا وزير الصحة والأنشطة الاجتماعية التشادية ومسؤولين من منبر الإغاثة الإنسانية في تركيا.

كما بين الرئيس أردوغان دعمه لجهود الإغاثة الإنسانية في تصريحه حين أشار إلى أن الصومال يعد مثالًا ملموسًا يعكس الأهمية التى توليها تركيا للقارة الأفريقية. وأوضح أن الصومال كان يعاني الجفاف في 2011م، ويواجه الملايين فيه خطر الموت، فيما العالم بأسره لا يكترث لما يجرى في ذلك البلد، باستثناء تركيا التي لم تترك الصومال وحيدة في مواجهة الجفاف والمجاعة. وأكد على مساعى تركيا قائلًا:”بينما نزيد حجم تجارتنا من جهة، نخفف أعباء المظلومين الأفارقة بمساعداتنا الإنسانية من جهة أخرى إلى 55 مليار دولار”.

وتؤدي المساعدات التركية دَوْرًا مهمًّا في دعم العلاقات السياسية مع الدول الأفريقية، ولا تقتصر تلك المساعدات على الجانب الحكومي فحسب؛ فقد ساهمت جهود منظمات المجتمع المدنى التركية في تنمية أواصر التعاون مع أفريقيا، كما عملت تركيا على دعم قضايا القارة السمراء في المحافل الدولية، حيث دعا مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة “فريدون سينيرلي أوغلو” المجتمع الدولي إلى دعم المبادرات الرامية إلى دعم التنمية الاقتصادية للدول الأفريقية والحليولة دون حدوث الأزمات فيها، مشيرًا إلى أن تركيا تواصل دعمها لأفريقيا من منطلق إيمانها بقدرة دول القارة على حل مشاكلها بنفسها، جاء ذلك فى كلمة ألقاها سينيرلي أوغلو خلال اجتماع عقدته الجمعية العام للأمم المتحدة لمناقشة سبل تحقيق التنمية في القارة الأفريقية.

وقال سينيرلى أوغلو إن أفريقيا أقدمت على خطوات مهمة للغاية فى إطار مساعيها لتحقيق التنمية المستدامة رغم الأزمات المستمرة في مناطق مختلفة، مؤكدًا؛ أن أنقرة تُقدّم المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى القارة السمراء، بصفتها شريك استراتيجي لها.

إن تركيا تلعب دورها الإنسانى في أفريقيا انطلاقًا من تأكيد حرص أنقرة على تعزيز السّلم والاستقرار في أفريقيا، من خلال مساعدة الدول الأفريقية، وترسيخ صورة الدولة التركية في العقل الجمعى الأفريقى، بأنها دولةٌ كبرى تحترم الإنسان، وتتبنى سياسات أخلاقية قِيمية، باعتبارها «شريك الخير»Benevolent Partner الذي يضطلع بالمهام الإنسانية والإغاثية، ويمدّ يد العون للأشقاء الأفارقة.

التعليم:

تهتم تركيا بالاستثمار في مجال التعليم من أجل أهميته في توفير التنمية الاجتماعية- الاقتصادية والإزدهار والاستقرار في البلاد الأفريقية، فقامت تركيا بالتوقيع على 40 اتفاقية في مجال التعليم مع 26 بلد أفريقي، وما تزال المفاوضات مستمرة على اتفاقيات تعاون أخرى مع 20 بلد أيضًا، وأهمها تأمين منح دراسية للطلاب وتبادل الطلاب، كما أن 14 ألفًا و891 طالب و150 مدرسًا جاؤوا إلى تركيا من أفريقيا يتلقون تعليمهم في إطار برنامج المنح، كما أن تركيا سعت أيضًا ومن خلال التعليم مجابهة جماعة جولن التي لها العديد من المدارس في أفريقيا، حيث تعمل على إيجاد موطئ قدم لها فى هذا الشأن خاصة فى ظل توغل جماعة جولن في أفريقيا.

حيث بدأت حركة الخدمة التابعة لفتح الله جولن في تطوير التعليم في العديد من دول المنطقة من خلال فتح المدارس وإطلاق البرامج الاجتماعية، ونظر إليها الأفارقة على أنها وسيلة للقوة التركية الناعمة في أفريقيا، لكن أنقرة بدأت في شن حملة  لإقناع الأفارقة بعدم السماح بنشاط منظمة جولن التخريبي في بلدانهم.. ونتيجة لذلك، تم إغلاق “مدارس جولن” في تشاد وغامبيا وغينيا وموريتانيا ونيجيريا والسنغال والصومالي، ونقل الإشراف عليها إلى مؤسسة معارف التركية، كما أن تركيا حاولت ومن خلال التعليم مجابهة جماعة جولن التي لها العديد من المدارس في أفريقيا، حيث تعمل على إيجاد موطئ قدم لها في هذا الشأن خاصة في ظل توغل جماعة جولن في أفريقيا.

وخلال مؤتمر وزارء التعليم التركي- الأفريقي، تناول المؤتمر موضوعات تطوير التعاون وتبادل الخبرات بمجال التعليم وزيادة التعاون لمواجهة منظمة “جولن” المصنفة داخليًا في تركيا كجماعة إرهابية، كما أنشأت تركيا في العاصمة مقديشو 3 مدارس تركية مجهزة بأحدث الوسائل التعليمية، وتوجد في هرجيسا عاصمة صومالي لاند، مدرسة الوفاق الثانوية التركية، وعمدت تركيا إلى تقديم آلاف المنح الدراسية للطلاب الصوماليين لإكمال تعليمهم يمختلف التخصصات العلمية على نفقة الدولة التركية.

النفوذ التركي في أفريقيا.. محاولة للفهم:

 تعدد مظاهر النفوذ التركي في أفريقيا بين السياسي والاقتصادي والعسكري والإنساني خاصة في ظل الحضور التركي الكبير في كثير من الملفات التي تمس القارة السمراء ومستقبلها، لكن ثمة محددات يمكن من خلالها فهم طبيعة هذا الدور ومحدداته وآلياته المختلفة.

والسياسة الخارجية التركية تجاه أفريقيا لا تعتمد فقط على الأهداف الاقتصادية والتجارية، لكن تشتمل أيضًا على توجّه متكامل عبر المساعدات التقنية في مجالات مثل مكافحة الأمراض والتنمية الزراعية والري والطاقة والتعليم والمساعدات الإنسانية.

فعلى الرغم من التوغل الاقتصادي التركي في القارة إلا أن هذا الدور لا يكتمل دون المحددات الأخرى التى ساهمت في تعظيمه من محددات سياسية وأيديولوجية وعسكرية.

يجدر الإشارة إلى إنه على الرغم من تعدد هذه المحددات إلا أنها جاءت ثانوية للمحدد الاقتصادي الذي شكل محورية الدور التركي في أفريقيا، فالسياسة التركية الخارجية تهدف إلى تعظيم النفوذ التركي؛ فإن تعميق الشراكة مع الدول الأفريقية يعطي دفعًا لوريثة الإمبراطورية العثمانية لاستعادة نفوذها بحصد مزيد من الأصوات في المنظمات الدولية، وزار الرئيس التركي عبد الله جول كلًا من كينيا وتنزانيا في مارس 2009م، ليصبح أول رئيس تركي يزور رسميًا هاتين الدولتين، وقال إن كلتيهما دعمتا سعي تركيا للحصول على مقعد غير دائم بمجلس الأمن بالأمم المتحدة، وقال عبد الله جول إن تركيا ستكون المتحدث باسم إفريقيا في الأمم المتحدة، كما أنّ وراء الخطاب السياسي النبيل، حول المساعدات الإنسانية والتنمية الاقتصادية والمبادرات الإنمائية للقارة، توجّه لسياسة تركيا نحو أفريقيا مدفوعةّ باستراتيجية طويلة الأمد فى السياسة الدولية، لكى تتبوأ مكانة مركزية على صعيد العلاقات الدولية.

وفي نفس الصدد كانت العلاقات الاقتصادية المميزة بين تركيا وأفريقيا ذات تأثير إيجابي على الملف السياسي والأمني، حيث بدا واضحًا أن التحركات التركية في القارة الأفريقية، خاصة فى دول القرن الأفريقى، لا تستهدف التعاون الاقتصادي فقط، بل توسيع نفوذ أنقرة على الصعيد الدولي، ومحاولة البحث عن دور في مناطق إقليمية جديدة، فمنطقة القرن الأفريقي على وجه التحديد بوابة رئيسية لممرات الشحن، والسيطرة عليها توضح مدى نفوذ وسيطرة الدولة المسيطرة عليها.

وشهدت العلاقات الدبلوماسية بين تركيا والدول الأفريقية تطورًا كبيرًا، فقد بلغ عدد السفارات التركية في أفريقيا 40 سفارة، إضافة إلى 4 قنصليات عامّة، حيث تمّ افتتاح 27 سفارة جديدة بعد 2009م فقط، منها 19 سفارة في دول جنوب الساحل والصحراء، بينما كان عدد سفارات أنقرة في أفريقيا حتى عام 2009م نحو 12 سفارة فقط، حتى عام 2002م لم يكن لتركيا إلا سبع سفارات فقط في كلّ أفريقيا، وهذا يعكس مدى الأولوية التى تفردها تركيا تحت حكم العدالة والتنمية لأفريقيا، وأهميتها النوعية في الاستراتيجية التركية.

كما افتتحت تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها في الصومال، من أجل تعزيز وجودها في القارة السمراء. وقد كلف بناء هذه القاعدة حوالي 50 مليون دولار، في حين ستتكفل بتدريب قرابة 10 آلاف جندي، وتستمد هذه القاعدة أهميتها الحقيقية انطلاقًا من اقتراب الموعد المحدد للانسحاب الكامل للقوات الأفريقية متعددة الجنسيات من الصومال، وذلك فى سنة 2020م، ومن خلال هذا المشروع في الصومال، تعتبر تركيا آخر دولة تقدم على بعث قاعدة عسكرية في القرن كما أن القاعدة العسكرية التركية تحمل أهمية استراتيجية أخرى كونها تقع فى منطقة “جيوسياسية” بارزة، فالصومال تطل على خليج عدن الاستراتيجى، وتفتح آفاق لتعاون عسكري كبير مع السلطات الصومالية، وتضع قدم لأنقرة في القارة السمراء المهمشة عالميًا على الرغم من أهميتها الجغرافية والسياسية.

هناك تنافس بين القوى الإقليمية والعالمية على التحكم في الجزر التابعة لدول القرن الأفريقي، وتعتبر منطقة القرن الأفريقي منبعًا لنهر النيل وهذا له انعكاسات أمنية وتنموية، وتحتل المنطقة أهمية كبيرة في مقاربات الأمن القومي لكل دول المنطقة، وتوجد أهمية اقتصادية متزايدة فيها فيما يتعلق بالأسواق والمشاريع الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية.

وعلى الجانب الآخر فإن أفريقيا تتوقع دعمًا تركيًا من خلال عضويتها فى العديد من المنظمات الدولية، حيث أن تركيا لديها مقعد غير دائم فى مجلس الأمن, كما أن منظمة المؤتمر الإسلامي يرأسها التركي أكمل الدين إحسان أوغلو، وتركيا عضو أيضًا بالعديد من المنظمات الدولية الفاعلة، مثل حلف شمال الأطلنطى ومنظمة التعاون الأوروبى وغيرها من المنظمات.

تركيا والتنافس الدولي في أفريقيا:

لا يمكن فصل موقع تركيا الجديد في أفريقيا عن علاقاتها مع الدول الأخرى التى تسعى للبحث عن موطئ قدم لها، خاصة في ظل حالة التوجس من تعاظم الدور التركي للعديد من الدول ليس فقط الخارجية بل الأفريقية أيضًا.

وقد أثار هذا التقارب العديد من المخاوف الاستراتيجية لدى بعض دول المنطقة بينها مصر، على خلفية أن القواعد التركية أصبحت تحاصر منطقة الخليج العربي شمالًا من العراق وشرقًا من قطر وجنوبًا من الصومال، كما أن التواجد التركي في أفريقيا قد يؤثر على الأمن القومي المصري فيما يتعلق بسد النهضة وقناة السويس، خاصة أن الكثير من الخبراء يشيرون إلى تناغم تركي إسرائيلي ضمن التحركات في المنطقة.

إن أفريقيا باتت “نقطة انطلاق” لعدد من الدول الأجنبية، التي تسعى لتعزيز قدراتها العسكرية ضد بعضها البعض، ما سيشكل وبالًا كبيرًا على تلك الدول المستضيفة، حيث تستعد الإمارات لإنشاء قاعدة عسكرية في جمهورية “صوماليلاند”، كما أرسلت الصين جنودها إلى قاعدة عسكرية جديدة لها في جيبوتى، علاوة على أن جيبوتى من الأساس تحتضن قوات أمريكية ويابانية وفرنسية، فى حين أبدت إيران اهتمامًا كبيرًا بمنطقة شرق أفريقيا، لاسيما القرن الأفريقي، خاصة الفترة التي أعقبت العقوبات المفروضة على إيران بسبب أنشطتها النووية، للاستفادة من الأسواق الأفريقية والدعم السياسي خاصة في ظل حالة العزلة الدولية تلك، وجاء كرد فعل على تزايد الحضور الإيراني في أفريقيا بداية جديدة للوجود السعودى من خلال دعم مشروعات التنمية والاستثمارات في القارة، لمحاولة تضييق الخناق على إيران ونقل ساحة الصراع والتنافس بينهم إلى مناطق أخرى جديدة، تلك القواعد يمكن أن تكون نقطة انطلاق لمواجهة مقبلة بين القوى العظمى في القارة السمراء، وستكون أكثر عنفًا ودموية، ويبدو أن هذه الدول تحاول استغلال الدول الأفريقية تلك لتخوض حروبًا بالوكالة نيابة عنهم.

كما أن هناك تنافس بين القوى الإقليمية والعالمية على التحكم في الجزر التابعة لدول القرن الأفريقى، حيث تعتبر منطقة القرن الأفريقى منبعًا لنهر النيل وهذا له انعكاسات أمنية وتنموية، وتحتل المنطقة أهمية كبيرة في مقاربات الأمن القومى لكل دول المنطقة، حيث توجد أهمية اقتصادية متزايدة فيها فيما يتعلق بالأسواق والمشرزعات الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية. وبالطبع، فإنه من الطبيعي لدولة مثل تركيا تسعى للعب أدوار أكبر في الساحة الدولية والإقليمية أن تفتح علاقات أوسع مع أكبر عدد من الدول، وشارك الرئيس التركي أردوغان منذ 2002 إلى 2014 في أكثر من 305 زيارة خارجية، 24 منها كانت لقارة أفريقيا، وتصبح 27 زيارة مع الزيارات الأخيرة لـ3 دول في يناير 2015، وتهتم تركيا بشكل خاص بدول مثل إثيوبيا والصومال وجيبوتي.

——————————————————————————————————————–

المراجع:

1- يلدريم يؤكد تصميم تركيا على دعم مبادرات تنمية دول إفريقيا، بتاريخ 20/10/2017م، على الرابط: https://goo.gl/HxAAt7

2- مندوب تركيا في الأمم المتحدة يدعو المجتمع الدولي لدعم التنمية في إفريقيا، بتاريخ 21/10/2017م، على الرابط: https://goo.gl/4Gjbdn

3- محمود على، لماذا تتوغل تركيا اقتصاديا وعسكريا فى أفريقيا، بتاريخ 17/5/2016م، على الرابط: https://goo.gl/ft3cDb

4- مارك أندرسون، جون أفريك، كيف تسعى تركيا إلى تعزيز نفوذها في أفريقيا؟، بتاريخ 25/10/2016م، على الرابط: http://www.turkpress.co/node/27333

5- باسل الحاج جاسم، تركيا وأفريقيا إلى شراكة استراتيجية، بتاريخ 7 مايو 2015م، على الرابط: https://goo.gl/g5NMXe

6- تركيا تفتح 5 سفارات جديدة بأفريقيا، بتاريخ 30/10/2017م، على الرابط: https://goo.gl/MdGvno

7- تركيا تفتتح قاعدة عسكرية في الصومال في الوقت الذي تعزز فيه مشاركتها في أفريقيا، بتاريخ 7/10/2017، على الرابط: https://goo.gl/x5jG1Q

8- تركيا أخت لإفريقيا ولا تسعى إلى استغلال مواردها، بتاريخ 21/7/2017م، على الرابط: https://www.tccb.gov.tr/ar/news/1666/79995/biz-afrikanin-kardesiyiz.html