الإقليمية الجديدة..دراسة في معوِّقات الاندماج الإقليمي الأفريقي ومقتضيات تفعيله - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
الإقليمية الجديدة..دراسة في معوِّقات الاندماج الإقليمي الأفريقي ومقتضيات تفعيله

الإقليمية الجديدة..دراسة في معوِّقات الاندماج الإقليمي الأفريقي ومقتضيات تفعيله




محاولات عدة اضطلعت بها الدول الأفريقية منذ خمسينيات الألفية المنصرمة بغية تعزيز العمل الاندماجي الإقليمي بالقارة ما يمهِّد السبيل أمام تحقيق أعلى مستويات التكامل الأفريقي على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، وتزامنت المحاولات مع تنامي ظاهرة الإقليمية في العلاقات الدولية وصولاً إلى الموجة الثانية للإقليمية، التي عُرِفت بالإقليمية الجديدة Neo-regionalism، مع بدايات العقد التاسع من القرن البائد، وقد رافق تلك الموجة اتساع نطاق نشاطات ومجالات العمل الاندماجي الإقليمي فضلاً عن تعقُّد الهياكل والبنى المؤسسية للتجمعات والتكتلات الإقليمية، واتجاهها من التركيز على المجال الاقتصادي كمحور لنشاطها إلى مجالات أخرى سياسية وأمنية وحقوقية، ولم يكن العمل الاندماجي الإقليمي بالقارة الأفريقية بمنأى عن تلك التطورات، فانطلقت التكتلات والتجمعات الإقليمية سواء على مستوى الأقاليم الفرعية أو على المستوى القاري توسِّع دائرة تفاعلاتها، ورغم تلك المحاولات والاجتهادات المبذولة لتعزيز مستويات الاندماجية بالقارة، إلا أنه ثمة العديد من أوجه القصور التي تشوب العمل الاندماجي الأفريقي ما أفضى إلى عرقلته كثيراً عن الإتيان بثماره المرجوَّة.

وعلى هدي تلك المقدمة، جرى تقسيم الورقة البحثية إلى أربعة محاور أساسية، على النحو التالي:

المحور الأول-  ظاهرة الإقليمية الجديدة ومآلاتها على القارة الأفريقية.

المحور الثاني- مبررات الاندماج الإقليمي الأفريقي.

المحور الثالث- معوِّقات تحد من فاعلية الاندماج الإقليمي الأفريقي.

المحور الرابع- مقتضيات تفعيل العمل الاندماجي الإقليمي الأفريقي.

وخلُصت تلك الورقة إلى القول بإن الطريق لا يزال طويلاً ويكتنفه الكثير من العراقيل أمام تفعيل أدوار المنظمات الإقليمية الفرعية بالقارة في تعزيز الاندماج الإقليمي وحشد الموارد الاقتصادية والمالية والبشرية للتعاطي بكياسة وفاعلية مع المشكلات السياسية والاقتصادية الهيكلية التي تُثْقل كاهل الدول الأفريقية قاطبةً.

المحور الأول- ظاهرة الإقليمية الجديدة ومآلاتها على القارة الأفريقية:

إن ظاهرة الإقليمية ليست بظاهرة حديثة العهد في العلاقات الدولية، وإنما تُعَد وبحق من أكثر الظواهر قدماً ورسوخاً في التفاعلات بين الدول، وينصرف مفهوم الإقليمية إلى التفاعلات الإقليمية على المستوى القاري أو الأقاليم الفرعية الرامية إلى دعم مستويات الاندماج وصولاً إلى التكامل في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية بالدرجة التي تقلِّل من التبعية للعوامل الخارجية دون العزلة، ويُسْتَدل على وجودها كظاهرة تضرب جذورها بقوة في عمق التطوُّر التاريخي للعلاقات الدولية في توسُّع الإمبراطورية الرومانية والعثمانية والنمساوية المجرية فضلاً عن توسُّع، ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً، الإمبراطورية البريطانية في فترة السباق الاستعماري الأوروبي وتكالُب القوى الأوروبية الاستعمارية كفرنسا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا على المستعمرات في القارة الأفريقية وأمريكا اللاتينية وغيرهما، بيْدَ أن الإقليمية كظاهرة اكتسبت زخماً حقيقياً في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبدايات الحرب الباردة بين الكتلة الغربية وتتزعمها الولايات المتحدة والكتلة الشرقية ويتزعمها الاتحاد السوفيتي في أوائل خمسينيات الألفية البائدة، وتمثَّل ذلك في تأسيس السوق الأوروبية المشتركة European Economic  Community  في يونيو/حزيران عام 1951، التي كانت اللبنة الأولى لتأسيس الاتحاد الأوروبي في عام 1993. وكان لنجاح تجربة السوق الأوروبية المشتركة انعكاساته على القارة الأفريقية؛ إذ أفضى ذلك إلى تأسيس الاتحاد الاقتصادي المغربي عام 1964، واتحاد مالي الذي ضمَّ كلاً من مالي والسنغال وبنين عام 1959. وعلى المستوى الإقليمي، تأسست العديد من التجمعات الإقليمية، نذكر منها على سبيل المثال الاتحاد الجمركي لأفريقيا الجنوبية (SACU) Southern African Custom Union  الذي تأسَّس عام 1969 بين كلٍ من جنوب أفريقيا، بتسوانا، ليسوتو، ناميبيا، سوازيلاند، وهنالك أيضاً المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقياEconomic Community of West Africa States أو ما يُعرف اختصاراً بـ ECOWAS. وهذا يُعْرف بالموجة الأولى من الإقليمية، التي تمحورت بصفة مركزية حول تدعيم سبل الاندماج الاقتصادي بين الوحدات المكونة للتجمعات والتكتلات السالف ذكرها، واستمرت تلك الموجة قرابة الأربعة عقود منذ الخمسينيات وحتى مطلع التسعينيات من الألفية المنصرمة.

أما الموجة الثانية للإقليمية، التي تُعرف بالإقليمية الجديدة أو Neo-regionalism  فقد بدأت إرهاصاتها منذ بدايات العقد التاسع من القرن العشرين بنجاح تجربة السوق الأوروبية المشتركة في عام 1993 ككيان يرمي إلى تحقيق الاندماج وصولاً إلى التكامل بين الدول الأعضاء ليس فقط في المجال الاقتصادي وإنما في المجالات العسكرية والسياسية والحقوقية وتبني سياسة خارجية موحَّدة تجاه مختلف القضايا على الساحة الدولية. هذا فضلاً عن اتجاه الولايات المتحدة، وإنْ كانت التوجهات الأمريكية ترمي بالأساس إلى مقاومة المحاولات الاندماجية والتكاملية في سبيل انتشار أوسع للعولمة الثقافية والاقتصادية لتخطي الحواجز والحدود المادية والجغرافية أمام تدفق حركة التجارة ورؤوس الأموال والاستثمارات والتأثيرات الثقافية، إلى توقيع اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية North America Free Trade Agreement   أو ما يُعْرف اختصاراً بـ NAFTA  في ديسمبر/كانون الأول لعام 1992، التي أصبحت سارية المفعول منذ يناير/ كانون الثاني لعام 1994.

كانت للاندماجية الجديدة مآلاتها على القارة الأفريقية في أوائل التسعينيات من القرن الفائت، وتمثَّل ذلك فيما يلي:

أولاً: أصبحت الترتيبات والتجمعات الاندماجية أكثر تشابكاً وتعقيداً من حيث هياكلها ونطاقها الجغرافي ووظائفها، التي لم تقتصر فقط على الاقتصاد، وإنما امتدت إلى بناء قدرات عسكرية وأمنية وتبني أنظمة الإنذار المبكر فضلاً عن تبني بعضٍ منها مبادرات سياسية لتسوية المنازعات في القارة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن منظمة الإيكواس أنشأت قوات التدخُّل السريع في أزمات بالقارة، الي تُعْرف بقوات الإيكوموج فضلاً عن إنشائها نظاماً للإنذار المبكر Early Warning Alarm System.  وكذا نجد اتساع النطاق الجغرافي لتلك التكتلات متمثلاً بوضوح في الموجة الثانية للإقليمية في انضمام مصر إلى تجمع دول الساحل والصحراء  Economic Community of Sahel- Saharan States    عام 2000، وتطوُّر أجهزة منظمة وهياكل منظمة الوحدة الأفريقية، وتحوُّلها إلى منظمة الاتحاد الأفريقي عام 2001 بغية تحقيق أعلى مستويات من الاندماج والتكامل الإقليمي بين الدول الأعضاء كي تصل إلى ذات المستويات المتقدَّمة التي وصلت لها تجربة الاتحاد الأوروبي.

ثانياً: تعكس تلك التكتلات الإقليمية الأفريقية الأفكار الاقتصادية الليبرالية واقتصاد السوق، وزيادة ظاهرة الاعتماد المتبادل interdependence  في أعقاب نهاية الحرب الباردة، كما أنها تغطي نطاقاً كبيراً من الأهداف السياسية والبيئية والأمنية ولا تتمحور حول الأهداف الاقتصادية فحسب.

ثالثاً- بروز أدوار مؤثرة لبعض القوى الإقليمية في إطار تلك التكتلات، ونذكر في هذا السياق دولة جنوب أفريقيا في إطار منظمة الساديك، ونيجيريا في إطار منظمة الإيكواس، كينيا وإثيوبيا في إطار منظمة إيجاد، والدور المصري والإثيوبي في إطار منظمة الكوميسا.

حريّ بالذكر أن القارة الأفريقية تحوي نحو 14 مجموعة وتجمعاً إقليمياً، لكن هناك ثمانية منها فقط تحظى باعتراف الاتحاد الأفريقي كلبنات building blocks للتكامل الأفريقي ألا وهي:

 جماعة شرق أفريقيا East African Community (EAC)

 الكوميسا Common Market for Eastern and Southern Africa (COMESA)

 الإيكواس Economic Community of West African States (ECOWAS)

 الساديك Southern African Development Community (SADC)

 الإيكاس Economic Community of Central African States (ECCAS)

 إيجاد Intergovernmental Authority on Development (IGAD)

 تجمع دول الساحل والصحراء Economic Community of Sahel- Saharan States

اتحاد المغرب العربي، ويضم ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا.

المحور الثاني-  مبررات الاندماج الإقليمي الأفريقي:

جملة من الأسباب والدوافع التي توفِّر قاعدةً قويةً لإنجاح المحاولات الأفريقية نحو تعزيز العمل الاندماجي الأفريقي، وبالإمكان تقسيمها إلى مجموعتيْن من المبررات ومحفِّزات الاندماج الإقليمي الأفريقي على النحو التالي:

أ‌- المبررات الاقتصادية، المتمثِّلة في:

1- هشاشة الهياكل الإنتاجية الأفريقية: ففي أعقاب حصول الدول الأفريقية على استقلالها، كانت تلك الدول مُثْقلة بالعديد من المشاكل الاقتصادية التي ترقى إلى مرتبة الاختلالات البنيوية الاقتصادية ما جعلها اقتصادات ريعية هشَّة تعتمد على إنتاج وتصدير نوع واحد فقط من المحاصيل أو مصادر الطاقة كالنفط، فيكفي أن نعرف أن حصيلة الصادرات النيجيرية من النفط تمثِّل حوالي 97% من إجمالي حصيلة الصادرات النيجيرية إلى العالم الخارجي، ومن ثم كثافة تأثُّر الاقتصاد النيجيري وغيره من الاقتصاديات الأفريقية بتقلبات أسعار المواد الخام في الأسواق العالمية.

2- التهميش الاقتصادي الذي تعاني منه القارة الأفريقية على الساحة العالمية: تقاسي أفريقيا تهميشاً اقتصادياً واضحاً على الساحة الدولية خاصة في ظل محاولات نشر الفكر الاقتصادي الليبرالي واقتصاديات السوق، وتحرير أسعار السلع والخدمات، وفتح الأسواق أمام تدفُّق المنتجات ورؤوس الأموال، وانتهاج بعض القوى العظمى كالصين مثلاً لما يُعْرف بسياسات الإغراق، التي لا تصب بأية حال في صالح المنتجات المحلية الأفريقية، ويكفي أن نذكر في هذا السياق أن نسبة مساهمة القارة الأفريقية في الناتج المحلي الإجمالي العالمي لا تزيد على 3%، كما أنها لا تحظى إلا بنحو 1% فقط من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

3- استمرار تبعية الدول الأفريقية للقوى الكبرى فضلاً عن خضوعها للمساعدات الاقتصادية المشروطة conditional aids، يتضح ذلك بشكل جليّ في برامج التكيف الهيكلي Structural Adjustment Programs (SAPs)  منذ حقبة الثمانينيات، ورضوخها لشروط المؤسسات التمويلية العالمية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وقد أفضى ذلك إلى انتهاج الدول الأفريقية لسياسات اقتصادية لا تتسق وخصوصية البنى الاقتصادية الأفريقية ما جعلها مثقلة بأعباء الديون، ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى أن أكثر من ثلثي دول العالم المصنَّفة في قائمة الدول الأكثر فقراً والأقل في معدلات التنمية البشرية تقع في القارة الأفريقية.

ب‌- المبررات السياسية، المتمثَّلة في عدم قدرة الدول الأفريقية المستقلة على الوفاء بالتزاماتها ومسئولياتها السياسية والاجتماعية، وأداء وظائفها الأساسية في الحكم والإدارة العامة وتوفير بنى تحتية مقبولة، والحد الأدنى المقبول من الخدمات العامة لمواطنيها كمحصلة نهائية لما أشرنا إليه آنفاً من المشكلات الهيكلية البنيوية التي تعاني منها الاقتصاديات الأفريقية، ما جعل تلك الدول تفقد رويداً رويداً شعورها بالسيادة الوطنية والاستقلالية الذي كان قد تملَّكها إبَّان حصولها على الاستقلال من القوى الاستعمارية، وشعورها بالضآلة والعجز عن التأثير بفاعلية في مجريات الشئون الدولية والتبعية للرأسمالية العالمية، وتلك المبررات شكَّلت حافزاً قوياً للدول الأفريقية للاندماج كي يتثنى لها التعاطي الفاعل مع التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها.

المحور الثالث- معوِّقات تحد من فاعلية الاندماج الإقليمي الأفريقي:

رغم تعدد الضرورات المُلحَّة للاندماج الإقليمي الأفريقي، التي توفِّر منطلقاً أساسياً يمكن الركون إليه لتعزيز الاندماجية الإقليمية في القارة تمهيداً لتحقيق تكامل أفريقي، إلا أن الجهود الاندماجية بالقارة الأفريقية لم تؤتِ أُكلها حتى وقتنا الحاضر على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأفريقي كون هذا العمل الاندماجي الإقليمي يعاني جملة من العراقيل التي تحد كثيراً من فاعليته.

ويسلِّط هذا المحور الضوء على المعوِّقات السياسية والاقتصادية التي تواجه الاندماجية الإقليمية الأفريقية، أهمها ما يلي:

أولاً- المعوِّقات السياسية، وتنصرف إلى:

 فقدان الإرادة السياسية الحقيقية الرامية للاندماج، وهيمنة الطابع الفوقي المتمثِّل في النخبة السياسية والمسئولين الرسميين الحكوميين للدول الأعضاء بالمنظمات الإقليمية الفرعية الأفريقية على عملية صنع القرار بشكل أغفل كثيراً دور النخبة الفنية المتخصصة في رسم وصياغة السياسات العامة وقرارات تلك المنظمات.

 عدم المواءمة والتنسيق بين البرامج والسياسات التي تتبنَّاها المنظمات الإقليمية الفرعية بالقارة من جهة والسياسات والبرامج الوطنية المطبَّقة على المستوى الوطني للدول الأعضاء في تلك المنظمات والتكتلات الإقليمية فضلاً عن تعنُّت الحكومات الأفريقية ورفضها للتنازل عن بعض اختصاصاتها وسلطاتها لصالح التنظيم الإقليمي.

 غياب سلطة فوق وطنية تعلو فوق السلطة الوطنية لحكومات الدول الأعضاء للمنظمات الإقليمية الفرعية بالقارة، وهذا الأمر قد قاد بدوره إلى ترسيخ ثقافة عدم الاكتراث أو الخضوع للبروتوكولات والقرارات التي يرتِّبها العمل الاندماجي الإقليمي بالقارة، فضلاً عن عدم وجود عقوبات رادعة حال مخالفة تلك الترتيبات الإقليمية، الأمر الذي يؤدي إلى الحيلولة دون اتخاذ قرارات ذات فاعلية على المستوى الإقليمي.

فعلى سبيل المثال، ورد في معاهدة منظمة الإيكواس (معاهدة لاجوس) وجود نوع من الوصاية السياسية لمجلس رؤساء الدول وحكومات الدول الأعضاء على نشاطات وأدوار السكرتارية التنفيذية للإيكواس.

 تمحوُّر التكتلات والتنظيمات الإقليمية الفرعية حول الاقتصاد، وعدم إيلائها القدر الكافي من الاهتمام بالجوانب السياسية كالافتقار إلى الحكم الجيد أو الرشيد good governance في القارة، أو ملف حقوق الإنسان وقضايا المساءلة والتمكين والتنمية الإنسانية، التي تلعب دوراً أساسياً في تهديد الاستقرار السياسي للدول الأفريقية.

 انتشار الحروب والصراعات الأهلية بالقارة، ما يؤدي إلى تبديد الموارد الاقتصادية والمقدرات المالية والبشرية للدول الأفريقية فضلاً عن تبديد البنى التحتية لتلك الدول ما يؤثِّر بشكل سلبي على اندماج تلك الدول في تجمعات وتنظيمات إقليمية فرعية.

ثانياً- المعوِّقات الاقتصادية، وتنصرف إلى:

 تشابه الهياكل الانتاجية للدول الأفريقية، فغالبية الاقتصاديات الأفريقية تعتمد على إنتاج وتصدير المواد الأولية ومصادر الطاقة، وفي الأغلب الأعم يعتمد اقتصاد الدول الأفريقية على تصدير منتج واحد في شكله الأولي أو البدائي، ومن ثم يمكن القول إنه ليست ثمة ميْزة تنافسية للدول الأفريقية يمكن التعويل عليها لإنجاح تجارب الاندماج الإقليمي في شِقِّه الاقتصادي أو تعزيز ظاهرة الاعتماد المتبادل بين الدول الأعضاء في التنظيمات الإقليمية الفرعية بالقارة الأفريقية.

 رغم أن السوق الأفريقية تمثِّل سوقاً واعدة أمام حركة السلع والبضائع والاستثمارات يزيد حجمها على المليار نسمة إلا أنها تعاني من ضعف القوة الشرائية نظراً لانخفاض مستويات الدخول بالدول الأفريقية، ما يفضي إلى تضاؤل نسب التجارة البينية بين الدول الأعضاء في المنظمات الإقليمية الفرعية إذا ما قورنت تلك المعدلات مع نظيراتها من التجارة الخارجية لتلك الدول مع الدول الأخرى غير الأعضاء بالمنظمات.

 الحالة المتردية للطرق البرية والبحرية والجوية التي تربط بين الدول الأفريقية، فالسكك الحديدية بدول القارة قاصرة في طولها وسعتها عن الوفاء باحتياجات الدول الأفريقية، هذا إلى جانب عزلة السكك الحديدية عن بعضها البعض، ناهيك عن افتقار معظم المطارات الأفريقية إلى التجهيزات التي تؤهلها لنقل السلع والبضائع بين الدول الأفريقية وبعضها البعض، كما أن بعض العواصم الأفريقية لا توجد بينها طرق طيران مباشر، وقد يكون ذلك مرجعه أسباب سياسية أو اقتصادية.

 ضعف وسائل الاتصال وانخفاض مستويات التنسيق بين الدول الأعضاء في التنظيمات الإقليمية الفرعية بالقارة الأفريقية، وهذا الأمر يحول دون توافر المعلومات في الوقت المناسب ما يؤثر على كفاءة القرارات التي تتخذ لتفعيل العمل الاندماجي الإقليمي في القارة.

 إشكالية توزيع عوائد الاندماج، إذ تواجه هذه الإشكالية الدول الأعضاء في التنظيمات الإقليمية الفرعية بالقارة، وتتمثَّل في كون توزيع عوائد الاندماج ومنافعه على أساس عادل بين الدول الأعضاء، وقد يكون هذا الأمر مرجعه إلى عامل من العوامل الثلاثة التالي ذكرها:

غالباً ما تكون عوائد العمل الاندماجي الإقليمي على المدى الطويل لا القصير، ومن ثم قد تكون حصيلة بعض الدول من هذا العمل الاندماجي خسارة كاملة على المدى القصير خاصة الدول ذات الاقتصاديات الأضعف والأقل نمواً والأكثر هشاشة.

– وجود اتجاه نحو تركُّز منافع وعوائد الاندماج في دول معينة دون الأخرى، بحيث تصبح تلك الدول الأكثر جذباً واستقطاباً للموارد والاستثمارات على نحو تزداد معه الدول الأكثر نمواً غنى، وفي المقابل تزداد الدول الأقل نمواً فقراً.

تحمُّل بعض الدول الأعضاء في المنظمات الإقليمية الفرعية التزامات وتكاليف لا تضاهي حجم المنافع التي تعود عليها من هذا العمل الاندماجي ما يزيد شعورها بالظلم الواقع على كاهلها ويستنزف مواردها ومن ثم تحجم مثل تلك الدول عن الوفاء بالتزاماتها في إطار هذا العمل الاندماجي الإقليمي.

 معضلة التعارض بين توجهُّات العمل الاندماجي الإقليمي في شِقِّه الاقتصادي من جانب، ومصالح النخبة الاقتصادية في الدول الأفريقية من جانب آخر، ونخص بالذكر هنا كبار المستوردين المحليين الذين تتحقق أرباحهم وتتراكم ثرواتهم بفضل تحرير التجارة العالمية وفتح الأسواق الأفريقية أمام المنتجات الأمريكية والأوروبية والصينية وغيرها.

المحور الرابع- مقتضيات تفعيل العمل الاندماجي الإقليمي الأفريقي:

أضحت هناك ضرورة متزايدة للعمل الاندماجي الإقليمي بالقارة الأفريقية، ليس فقط من أجل مجابهة المشكلات الهيكلية في البنى الاقتصادية بالقارة، وكذا المشكلات السياسية والحقوقية ما من شأنه تمهيد الطريق أمام تحقيق الاستقرار السياسي للدول الأفريقية. وإنما أيضاً لكون تلك التجمعات والتكتلات الإقليمية تُكْسب الدول الأفريقية ثقلاً قوياً على الساحة الدولية وإمكانية أكبر للتحرك ذلك لأن القدرة التساومية للتنظيمات الإقليمية الفرعية الفاعلة تُعد أقوى بكثير من القدرة التساومية للدول منفردة.

وفي ضوء ذلك، يسعى المحور الرابع من الورقة البحثية إلى تقديم توصيات ختامية نحو تفعيل العمل الاندماجي الإقليمي في القارة الأفريقية، وأهمها:

أولاً- ضرورة التناغم والتوافق بين البرامج والسياسات الوطنية التي يجرى تطبيقها على المستوى الوطني للدول الأعضاء من جهة وبين البرامج والسياسات التي يجري تبنيها في إطار التجمعات والتنظيمات الإقليمية.

ثانياً- الحاجة إلى وجود سلطة فوق وطنية بما يضمن التزام الدول الأعضاء ببرامج وتوجهات التنظيم أو التكتل الإقليمي ومعاقبة المخالفين لها فضلاً عن ضرورة إفساح المجال واسعاً أمام الكوادر والخبرات الفنية لصياغة السياسات الإقليمية بما يحد من ضغوط القيادات السياسية وحكومات الدول الأعضاء على عملية صنع واتخاذ القرارات.

ثالثاً- التنسيق الفاعل والكفء بين الدول الأعضاء على كافة المستويات بما يضمن تحقيق مستويات مقبولة من الحرية والشفافية في تبادل المعلومات كي يتثنى اتخاذ القرارات في التوقيت المناسب.

رابعاً- الاعتماد على خطة للاندماج مُتَفق عليها من قِبل الدول الأعضاء، ومحاول تسوية الإشكاليات المرتبطة بالتوزيع غير العادل لعوائد الاندماج للحيلولة دون وجود حالة من الاستقطاب والصراع بين الدول الأعضاء، من خلال انتهاج سياسات تعويضية تقوم على تحويل جزء من عوائد ومكاسب الاندماج من الأطراف الأكثر استفادة إلى الأطراف الأقل استفادة، هذا إلى جانب ضرورة إيلاء الدول الأقل نمواً قدراً كبيراً من الاهتمام عبر تنفيذ حزمة من المشروعات التنموية بها ما يعطيها دفعة قوية نحو الاستمرار في العمل الاندماجي.

وصفوة القول، إن التعويل على الدور الذي من المفترض أن تلعبه القوى الدولية والمنظمات التمويلية العالمية في دفع المحاولات والجهود الأفريقية المبذولة بغية دعم العمل الاندماجي الإقليمي على المستوى القاري وصولاً إلى تحقيق أعلى مستويات التكامل الأفريقي هو درب من دروب اليوتوبيا، ذلك مرجعه إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر العصور تفيد أن هذه القوى وتلك التنظيمات لن تصب سياساتها مطلقاً في صالح القارة الأفريقية، ولن تراعي بأية حال خصوصية البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأفريقية بل على العكس تماماً، ستسهم في تحقيق مزيد من التبعية السياسية والاقتصادية الأفريقية لها ما يكرِّس استنزافها لموارد القارة، إن الرهان الأساس يكمن في تنظيمات المجتمع المدني في الدول الأفريقية في طرح القضايا الخلافية وفتح قنوات للحوار والتواصل بين الدول الأفريقية لإنجاح جُل المحاولات الرامية للاندماج الإقليمي، كما يُعوَّل كثيراً على دور رجال الأعمال الأفارقة والقطاع الخاص لإعطاء دفعة قوية للعمل الاندماجي بالقارة.

——————————————————————————————————————–

المراجع:

  1. عبد السلام نوير، محمد عاشور، التكامل الإقليمي في أفريقيا: دراسة نظرية وميدانية (مشروع دعم التكامل الأفريقي: معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، 2007).

  2. محمد عاشور، التكامل الإقليمي في أفريقيا: الضرورات والمعوقات (مشروع دعم التكامل الأفريقي: معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، 2007).

  3. بوجلخة شوقي، “الإقليمية الجديدة وأثرها على اقتصاديات الدول النامية: دراسة حالة الجزائر- تونس في الفترة من 2000 حتى 2013″، رسالة ماجستير (الجزائر: كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، 2014).

  4. علاوي محمد لحسن، “الإقليمية الجديدة: المنهج المعاصر للتكامل الاقتصادي الإقليمي”، ورقة بحثية مقدمة إلى مجلة الباحث (الجزائر، مجلة الباحث، عدد رقم 7، 2010).

  5. حمدي عبد الرحمن، عزة خليل، المجتمع المدني ودوره في التكامل الأفريقي (القاهرة: مركز البحوث العربية والأفريقية، 2014).