بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةدراسات

توجه «ترامب» نحو آسيا.. مآلات النجاح والفشل

الوسوم

 

في جولة آسيوية جديدة بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 5 نوفمبر الجاري  وتستمر 12 يوما شملت خمس دول (اليابان، كوريا الجنوبية، فيتنام، الصين، الفلبين)، أثار  ترامب النقاش حول أهمية سياسة “التوجه شرقا” التي اتبعتها الإدارات الأمريكية الأخيرة، خاصة إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ليؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها اتباع سياسة العزلة وفق ما أعلن ترامب في حملته الانتخابية ورفع شعار “أمريكا أولا”، وأدرك ترامب ذلك، فجاءت هذه الجولة لتعيد التركيز الأمريكي على آسيا من جديد رغم عدم وضوح رؤية ترامب تجاه القارة حتى الآن.

فمن ناحية تريد الولايات المتحدة تحجيم واحتواء النفوذ الصيني ومحاولة كسب وده في التعاون معها لوقف جماح كوريا الشمالية التي تعتبرها واشنطن تهديدا لأمنها القومي وأمن حلفائها، كذلك تريد إدارة ترامب توجيه رسالة إلى حليفيها كوريا الجنوبية اليابان بأنهما لن يكونا وحيدين في مواجهة صواريخ بيونج يانج وترساناتها النووية فكما هما بحاجة إلى الدعم والحماية من واشنطن فإن الأخيرة أيضا بحاجة إليهما لأنهما بمثابة ذراع أمريكي في آسيا وقاعدتها للسيطرة على مفاصل مهمة من القارة بجانب احتواء النفوذ الصيني.

وليست روسيا ببعيدة عن آسيا أيضا حيث تسعى الولايات المتحدة لمنع تعزيز النفوذ الروسي بآسيا أو وجود تعاون روسي صيني هناك خاصة في ملف كوريا الشمالية، فكلا من بكين وموسكو ترفضان أي عمل عسكري ضد بيونج يانج بسبب تجاربها النووية، حيث يخشى الجميع من تحويل كوريا الشمالية أو جنوب شرق آسيا لساحة فوضى سيكون المتضرر الأكبر منها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وكذلك روسيا التي تمتلك جوارا مع هذه الدول وبالطبع ستتأثر كثيرا حال انتقال الفوضى إلى هناك.

أولا ـ تضارب الاستراتيجية الأمريكية نحو آسيا بين أوباما وترامب:

أعلن الرئيس السابق باراك أوباما عام 2013 عن سياسة “التوجه شرقا” نحو آسيا، وذلك في توجه جديد خاصة بعد تركيز الإدارات السابقة على الدول الأوروبية وبعض دول الشرق الأوسط من أجل تأمين منابع النفط في منطقة الخليج العربي بجانب الالتزام بأمن إسرائيل الذي ما زال قائما حتى الآن، فقد أدركت إدارة أوباما أن آسيا ستكون محور تركز القوة مستقبلا خاصة الصعود الصيني، لذا تحاول الولايات المتحدة اتباع سياسة “الاحتواء” الآن تجاه بكين كما فعلت من قبل مع الاتحاد السوفيتي وليس الانخراط معها في أي نزاعات عسكرية سواء بشكل مباشر أو بالوكالة، ومحاولة كسب تعاونها في ملفات شائكة خاصة أزمة نووي كوريا الشمالية.

ورأت إدارة أوباما أيضا أن أهمية آسيا تكمن في قدراتها الاقتصادية، حيث تساهم القارة بحوالي 50 % من النمو الاقتصادي الدولي، كما تمثل مخزنا بشريا هائلا قادرا على استهلاك السلع الأميركية، ولم تكن إدارة أوباما أول من اهتم بآسيا فهذا الاهتمام موجود من قبل وتمثل ذلك في مشاركة الأمريكيين في حرب فيتنام وكذلك الحرب الكورية وتكبدت الولايات المتحدة في هذين الصراعين خسائر فادحة أجبراها على تقليل انخراطها في آسيا، لكن عادت الإدارات الأمريكية للاهتمام بآسيا خاصة جنوب وشرق القارة في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، لكن الاهتمام الأكبر والمعلن عنه بشكل استراتيجي ورؤية واضحة كان في إدارة أوباما.

ويقصد بالتوجه الآسيوي أو “التوجه شرقا” هو تركيز الولايات المتحدة على العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بدول القارة الآسيوية وأستراليا، وبدأت هذه الاستراتيجية بشكل فعلي في عهد أوباما في نوفمبر 2011 حينما انسحبت القوات الأميركية من العراق، وقال أوباما وقتها خلال زيارة له إلى أستراليا إن “الولايات المتحدة ستلعب دورا أكبر وذا أمد طويل في تشكيل هذه المنطقة ومستقبلها”، وأكد على السياسة ذاتها مستشار الأمن القومي لأوباما توماس دونيلون بأن سياسة أوباما الآسيوية لا تعني التركيز على شؤون آسيا فقط، بل إعادة توزيع أولويات السياسة الأميركية داخل القارة، نحو تركيز أكبر على جنوب وشرق آسيا وفق سياسة تقوم على ثلاثة أبعاد، سياسي واقتصادي وعسكري، بدلا من الاهتمام بوسط وغرب آسيا خاصة ملفي أفغانستان والعراق.

1ـ البعد الاقتصادي:

لتركيز الولايات المتحدة على إيجاد نفوذ اقتصادي قوي لها داخل القارة الآسيوية، عملت إدارة أوباما على التوصل لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) وبالفعل شاركت فيها 12 دولة آسيوية هي (اليابان وأستراليا وكندا ونيوزيلندا وسنغافورة والمكسيك وبيرو وتشيلي وفيتنام وماليزيا وبروناى) بجانب الولايات المتحدة.

و”الشراكة عبر المحيط الهادئ” هو مشروع اتفاقية تجارية حرة، بدأت المباحثات فيها فعليا عام 2010 وتهدف إلى تعميق الروابط الاقتصادية بين 12 دولة (قبل خروج ترامب منها)، وتهدف الاتفاقية إلى تقليص حجم التعريفات الجمركية بين الأعضاء، وإلغائها في بعض الحالات، إضافة إلى فتح مجالات أخرى في تجارة البضائع والخدمات، كذلك تهدف الاتفاقية لدعم تدفقات الاستثمار بين الدول الأعضاء وتزيد من نموها الاقتصادي.

وأرادت إدارة أوباما من هذه الاتفاقية اختراق السوق الآسيوي وحجز نصيب أكبر فيه بجانب محاولة تقويض القوة الاقتصادية للصين في المنطقة وطرح نفسها كبديل وشريك قوي لهذه الدول بدلا من بكين.

وجاءت إدارة ترامب لتنسف البعد الاقتصادي الذي حاول سلفه أوباما بنائه على مدار سنوات، ولم يلتفت كثيرون إلى تحذيراته خلال حملته الانتخابية بالانسحاب من مثل هذه الاتفاقيات وبالفعل نفذ ترامب وعده بعد فوزه في الانتخابات ليوقع في 23 يناير 2017، بعد أيام من تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة أمرا تنفيذيا تنسحب بموجبه واشنطن رسميا من اتفاق تجارة الشراكة عبر المحيط الهادئ ووصف ترامب قرار الانسحاب بأنه “شيء عظيم للعامل الأميركي”، فسبق أن انتقد ترامب الاتفاقية أثناء حملته الانتخابية، ووصفها بأنها “اتفاقية رهيبة تنتهك مصالح العمال الأميركيين”، ووعد بوضع سياسة حمائية للدفاع عن الوظائف الأميركية.

وجاءت خطوة ترامب في هذا الشأن لتخالف توجهات الإدارة الأمريكية السابقة وغيرها بتحقيق اختراق اقتصادي في آسيا يكون بداية لحصار واحتواء النفوذ الصيني بالقارة، حيث نجحت إدارة أوباما في استبعاد بكين من الاتفاقية، لكن رغبة ترامب في تحقيق مكاسب لرجال الأعمال الأمريكيين ومحاولة كسب ود العامل الأمريكي دفعه لاتخاذ هذه الخطوة، ولم ينسحب ترامب من هذه الاتفاقية فقط، بل هدد بالانسحاب من مفاوضات اتفاق “التبادل الحر مع أمريكا الشمالية” (نافتا) ويضم كندا والمكسيك بجانب واشنطن وما زالت المفاوضات جارية حتى الآن لتعديل شروط الاتفاق.

2ـ البعد العسكري:

زادت إدارة أوباما من تواجدها العسكري في القارة الآسيوية رغم رغبتها في تقليل الانخراط العسكري الأمريكي في الخارج بداية من انسحابها من العراق في 2011 وتقليص الوجود العسكري في أفغانستان، إلا أن أوباما رأى أن حماية المصالح الحيوية الأمريكية وتعزيز نفوذها الاستراتيجي يستلزم نقل الثقل العسكري الأمريكي إلى هناك رغم إثارة ذلك لغضب الصين، واعتبارها استهداف حقيقي لها ما دفعها لتطوير قدراتها العسكرية وإقامة تحالفات مع دول أخرى وتقليل تعاونها في أزمة كوريا الشمالية.

وبدأت إدارة أوباما فعليا بزيادة تواجدها العسكري في آسيا عن طريق إعادة توزيع أسطولها الحربي لتركيز عدد أكبر من المدمرات والغواصات وحاملات الطائرات في المحيط الهادئ، حيث كانت القوات الأمريكية تنقسم مناصفة بين المحيطين الهادئ والأطلنطي، لكن تم إعادة التوزيع بتركيز 60% من الأسطول في منطقة المحيط الهادئ في غضون أعوام قليلة.

وبالإضافة إلى ذلك، زادت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاجون” عدد المناورات المشتركة مع دول المنطقة، خاصة كوريا الجنوبية واليابان وفي منطقة بحر الصين الجنوبي التي تشهد نزاعا بين بكين وعددا من دول المنطقة، أيضا زاد أوباما من العلاقات العسكرية مع الهند وأستراليا ونقل تكنولوجيا التصنيع العسكري إلى بعض حلفائه هناك.

وللمفارقة لم يقض ترامب على استراتيجية أوباما العسكرية هناك، فهو يميل إلى تعزيز الوجود العسكري أكثر من أوباما وفي مناطق أخرى، فقد انتقد خطوة أوباما التي قلصت القوات الأمريكية في أفغانستان لذا أعلن في 22 أغسطس 2017 استراتيجية جديدة نصت على زيادة القوات مجددا بإرسال نحو 4 آلاف جندي بجانب 8400 موجودين هناك من أجل القضاء على الجماعات المناوئة للولايات المتحدة التي رأى أنها ستستفيد من الفراغ الاستراتيجي حال انسحاب القوات الدولية من أفغانستان، وتضمنت استراتيجية ترامب أيضا تهديد باكستان التي اتهمها بأنها تدعم الجماعات المسلحة خاصة حركة طالبان، كما حافظ ترامب على الخطط العسكرية التي اتبعتها إدارة أوباما هناك وزاد من حدتها بإرسال المزيد من حاملات الطائرات وعقد المناورات البحرية.

فخلال جولة ترامب الحالية في آسيا، وصلت إلى هناك ولأول مرة في تاريخها 3 حاملات طائرات أمريكية هي “يو إس إس رونالد ريجن” و”يو إس إس نيمتز” و”يو إس إس ثيودور روزفلت” بجانب مقاتلات ومدمرات بحرية أخرى لإجراء مناورات بحرية تستمر 4 أيام في غرب المحيط الهادئ، وانضمت إليها 7 سفن حربية كورية جنوبية بينها 3 مدمرات، وذلك في ظل التصعيد القائم حاليا مع كوريا الشمالية، كما تشارك دولا أخرى بالمناورات منها اليابان بالمدمرة البحرية “إينازوما”، وأكدت البحرية الأميركية أن سفنها ستجري مناورات دفاعية جوية ومراقبة البحر وتدريبات على الدفاعات الجوية والمراقبة البحرية والقتال الجوي الدفاعي وعمليات أخرى.

وتظهر التصريحات المتكررة لترامب باستهداف كوريا الشمالية عسكريا، ردا على تجاربها النووية والصاروخية المتكررة، اهتمامه بالبعد العسكري، فقد قال ترامب خلال زيارته إلى كوريا الجنوبية الشهر الجاري “إنه مستعدّ لاستخدام الخيار العسكري ضد كوريا الشمالية إذا لزم الأمر”، كما حث حلفائه في آسيا على شراء المزيد من الأسلحة الأمريكية وسيسهل هو هذا الأمر، فقد وافق في سبتمبر الماضي بشكل مبدئي على بيع معدات عسكرية وأسلحة إلى كوريا الجنوبية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.

كذلك أكد ترامب خلال لقائه رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يوم 6 نوفمبر الجاري أن طوكيو ستشتري معدات عسكرية ضخمة من واشنطن لدعمها في مواجهة كوريا الشمالية قادرة على إسقاط الصواريخ الباليسيتية التي تطلقها بيونج يانج من وقت لآخر، رغم القيود المفروضة على تسليح اليابان فهي ليس لديها جيش وإنما قوة دفاعية فقط وهذه القيود وضعتها الولايات المتحدة في عام 1945 حينما هزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية.

3ـ البعد السياسي:

لتعزيز علاقتها العسكرية والاقتصادية بآسيا عززت إدارة أوباما وجودها الدبلوماسي هناك، فقد أجرت إدارة اتصالات دبلوماسية من خلال زيارات لكبار المسؤولين الأميركيين بمن فيهم الرئيس ووزيري الخارجية والدفاع، فمثلا أجرى أوباما حوالي 5 جولات آسيوية خلال رئاسته ركزت على اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام وغيرهم خاصة المجاورين للصين، كما سعت إدارة أوباما للعب دور أكبر في المنظمات الإقليمية في المنطقة، فمثلا استضافت واشنطن قمة منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في 2011، كما حضر أوباما كأول رئيس أمريكي قمة دول شرق آسيا.

وشاركت وزيرة خارجيته في الفترة الأولى هيلاري كلينتون أيضا في هذا الشأن فقد كانت أول وزراء الخارجية الأميركية التي تزور كل دول منظمة أمم جنوب شرق آسيا خلال ولايتها، واستكمل بعده جون كيري هذا الاتجاه، كما حسنت واشنطن علاقتها بعدد من الدول الآسيوية مثل بورما التي زارها أوباما ليكون أول رئيس أميركي يقوم بزيارتها.

رغم انسحاب ترامب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي إلا أنه يسعى للحفاظ على الوجود دبلوماسيا في آسيا وتكشف جولته الحالية التي تشمل 5 دول ولمدة 12 يوم ومشاركته في حضور قمم اقتصادية خاصة بدول المنطقة عن استمراره في نهج أوباما الدبلوماسي خلافا للاقتصادي، لكن التوجه السياسي بحاجة إلى واقع ملموس يدعمه مثل الاتفاقيات الاقتصادية والتعاون التجاري الذي تفوقت فيه الصين وساعدها في تعزيز دبلوماسيتها الاقتصادية.

وبالتالي لن تثمر علاقات ترامب الدبلوماسية كثيرا إذا لم يتعاون اقتصاديا مع دول القارة الآسيوية، فتركيزه فقط على الدول المجاورة لكوريا الشمالية وتعزيز علاقته عسكريا فقط سيظهر الولايات المتحدة بمظهر المحتل الجديد للقارة، والمهدد للصين الذي جعلها تتخذ إجراءات دفاعية ضد التوجه الأمريكي فمثلا اعترضت على نشر واشنطن منظومات دفاع جوية متطورة مثل “ثاد” (منظوم الدرع الصاروخية المتطورة) في كوريا الجنوبية، مؤكدة أنها وضعت لاستهدافها هي وليس بيونج يانج، لأن قرب الكوريتين من بعضها البعض لا يستلزم وجود مثل هذه الأسلحة.

ثانيا ـ أهداف توجه ترامب نحو آسيا:

رغم مرور ما يقرب من عام على رئاسة ترامب إلا أنه ليس لديه رؤية موحدة تجاه القضايا الاستراتيجية ومنها التوجه نحو آسيا، فاستراتيجية أوباما التي ركزت بشكل كبير على اختراق آسيا وخلق نفوذ أميركي قوي كانت قائمة على البعد الاقتصادي وتمثل ذلك في اتفاقية “الشراكة عبر المحيط الهادي” التي انسحب منها ترامب، أما الرئيس الجمهوري يريد بشكل أساسي التركيز على صفقات السلاح واتباع مبدأ “الدفع مقابل الحماية”، الذي أعلن عنه خلال حملته الانتخابية وبعد توليه الرئاسة ليس مع كوريا الجنوبية واليابان فقط وإنما مع كل حلفاء واشنطن الذين اتهمهم باستغلال بلاده أو أنهم لا يقومون بما ينبغي عليهم فعله.

وبالتالي يبدو من خلال تصريحات ترامب وسياساته حتى الآن أنه يهدف من خلال علاقات الولايات المتحدة بآسيا إلى التالي:

1ـ التعاون في احتواء النفوذ الصيني:

رغم انسحاب ترامب من اتفاقية “الشراكة عبر المحيط الهادي” إلا أنه يعول على فتح علاقات جديدة مع العديد من دول القارة معتمدا على صفقات السلاح الأمريكية ففي ذلك فائدة للدول التي كانت تجد في السابق صعوبات للحصول على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، ويعتمد ترامب أيضا على التعاون في مجال مكافحة الإرهاب كما يفعل الآن مع الفلبين التي تدعمها الولايات المتحدة لمواجهة جماعات مسلحة موالية لداعش خاصة في مدينة مراوي التي أعلن داعش عن ظهوره فيها وتنفيذ عمليات مسلحة ضد قوات الأمن هناك.

ومن خلال ذلك يمكن لترامب فتح علاقات مع بعض الدول التي كان من الممكن أن تكون العلاقات معها أقوى إذا كان هناك تعاملات اقتصادية واسعة مع هذه البلدان كما تفعل الصين الآن.

ويعتبر “احتواء الصين” استراتيجية راسخة لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة خاصة مع صعودها اقتصاديا، لهذا سيسير ترامب على درب هذه السياسة، فقد اتهم بكين مرارا بأنها تستغل الولايات المتحدة ويميل الميزان التجاري بين البلدين لصالحها، بجانب عدم تعاونها مع بلاده في حل أزمة نووي كوريا الشمالية، إلا أن ترامب خلال زيارته هذا الشهر لبكين أراد استمرار التعاون مع الصين اقتصاديا مع الحذر من ميل الأمور لصالحها أو اتباع سياسة عدائية ضدها فملف كوريا الشمالية لن يؤدي إلى توتر العلاقات بينهما ووصولها حد العداء.

وبما أن غضب ترامب من الصين يكمن في اختلال الميزان التجاري، يبدو أن الصين تريد هي الأخرى امتصاص الغضب الأمريكي المتزايد ولا تريد تصعيدا مع واشنطن في هذه الفترة، لذا وقع ترامب يوم 9 نوفمبر الجاري خلال زيارته لبكين، عقودا تجارية بقيمة إجمالية تبلغ 253.4 مليار دولار، كما جرى توقيع اتفاق أميركي ـ صيني لاستثمار حوالي 43 مليار دولار لاستخراج الغاز الطبيعي من ألاسكا، وحمل ترامب الإدارات الأمريكية السابقة الاختلال في الميزان التجاري مع الصين.

2 ـ حل ملف كوريا الشمالية:

يعتبر ملف كوريا الشمالية من أولويات ترامب يظهر ذلك في تصريحاته التي تهدد بيونج يانج دائما بالحرب بخلاف الإدارات السابقة التي اتهمها ترامب بالتراخي تجاه كيم يونج رئيس كوريا الشمالية، ما ساهم في تعزيزه للبرنامج النووي لبلاده والاستمرار في تجارب الصواريخ النووية والباليستية ما يهدد حلفاء الولايات المتحدة، فقد أطلقت بيونج يانج صواريخا باليستية مرتين ناحية اليابان.

ويسعى ترامب في الوقت الحالي لحل أزمة كوريا الشمالية أو على الأقل احتوائها أو تحييد خطرها، ويعتمد في ذلك على:

الاستمرار في إجراء المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية واليابان ليؤكد لكوريا الشمالية أن واشنطن جادة في حماية حلفائها، بجانب زيادة الوجود العسكري في كوريا الجنوبية، وقد اتفق ترامب مع نظيره الكوري الجنوبي مون جاي على زيادة القوات الأمريكية في سيول.

 زيادة تسليح كوريا الجنوبية واليابان من أجل تعزيز فاعلية الردع وتولي مهمة الدفاع عن أنفسهم لتقليل الخسائر الأمريكية حيث تريد واشنطن اتباع سياسة “الإدارة من الخلف” وليس الانخراط المباشر إن اندلعت حرب كورية.

 استمرار الضغط على روسيا والصين من أجل التعاون في إقناع كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها النووي أو على الأقل وضعه تحت إدارة دولية.

 الاستمرار في سياسة فرض العقوبات والعزلة الدولية، وهو الأمر المتاح حاليا حيث ترفض الصين وروسيا وكذلك كوريا الجنوبية توجيه ضربة عسكرية لنظام كوريا الشمالية فقد قال رئيس كوريا الجنوبية إن “الوقت ليس مناسباً الآن لمحادثات مع كوريا الشمالية والأولوية هي للضغوط والعقوبات”.

3ـ تعزيز العلاقات التجارية:

يكرر ترامب دائما في كل صفقاته وعلاقاته بالخارج أنه يسعى لتوفير المزيد من الوظائف للأمريكيين ومعالجة اختلال الميزان التجاري مع الدول الأخرى، لكنه يركز  بشكل أساسي على مبيعات السلاح ويتضح ذلك في الصفقات التي يريد عقدها مع اليابان وكوريا الجنوبية كالتي عقدها مع دول الخليج العربي مؤخرا باعتبارها مقابل الحماية التي يحصلون عليها من الولايات المتحدة.

كل ما يشغل ترامب هو معالجة اختلال الميزان التجاري لصالح لبلاده بالتالي ليس لديه رؤية واضحة حتى الآن لإقامة علاقات اقتصادية استراتيجية مع بعض الدول الآسيوية تساهم في احتواء النفوذ الصيني مثلما فعل أوباما بقيادته “اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي”، وما يؤكد خطر تضرر واشنطن بانسحابها من الاتفاق، توصلت 11 دولة من أطراف الاتفاق يوم 11 نوفمبر الجاري خلال انعقاد “منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا- المحيط الهادئ” (ابيك) في فيتنام إلى إطار لاتفاق جديد للتبادل الحر بينها بدون الولايات المتحدة.

ويمكن القول إن أهداف سياسة ترامب تجاه آسيا ليست واضحة بقدر كبير مثل إدارة أوباما التي أعلنت عن استراتيجية متكاملة “التوجه شرقا” لها أبعادها ومعالمها الواضحة والخطوات الفعلية لتحقيق ذلك بخلاف ترامب الذي يرفع سياسة “أمريكا أولا” و”الدفع مقابل الحماية” ما قد يساهم في خروج عدة دول من تحت الجناح الأمريكي، فهناك دول مثل الصين على استعداد لتقديم الدعم والحماية مقابل امتيازات أخرى وليس دفع إتاوات كما يريد ترامب، وإذا لم تتضح رؤية إدارة ترامب تجاه آسيا خلال الفترة المقبلة فإن الولايات المتحدة ستواجه معضلة كبيرة للحفاظ على نفوذها هناك خاصة في ظل التخبط الذي يسود إدارة ترامب.

خاتمة:

رغم الجولة الآسيوية التي يجريها ترامب لعدد مهم من دول القارة، إلا أن غياب رؤية واضحة من قبل إدارته للتعامل مع القارة سيجعل النفوذ الأمريكي في القارة مهددا من قبل الصين بالتعاون مع روسيا، فترامب لم يعلن عن استراتيجية واضحة بشأن أهم ملفات القارة سوى أفغانستان التي لم يتم تحقيق تقدم حقيقي فيها من قبل الولايات المتحدة وحلفائها منذ دخولها في 2001، ولم تظهر بعد أي نتائج تكشف عن تقدم جديد أنجزته خطة ترامب.

وقد تزيد استراتيجية ترامب نحو أفغانستان من حالة العداء لواشنطن وذلك بتوجيه اتهامات متكررة لباكستان بدعم حركة طالبان ما دفع إسلام آباد للتقارب مع إيران لمواجهة تمرد واشنطن عليها وتمثل ذلك في زيارة رئيس أركان الجيش الباكستاني لطهران يوم 5 نوفمبر الجاري للتنسيق بين البلدين، وعرضت طهران على باكستان نقل تجربة الحرس الثوري إليها لإنشاء كيان مشابه له لمواجهة “قوى الاستكبار”.

كذلك عدم تبني ترامب لرؤية اقتصادية مع دول القارة وسعيه لأن يكون هو المستفيد فقط سيسمح بتمدد النفوذ الصيني الذي بدأ بالأساس اقتصاديا ويعتمد عليه لتعزيزعلاقاته مع الكثير من الدول داخل القارة وخارجها، وتركيز ترامب الآن على الصفقات العسكرية مع الدول المجاورة لكوريا الجنوبية وزيادة الوجود العسكري بالمنطقة دفع الصين من جانبها للتخوف من ذلك وبالتالي زيادة ترساناتها العسكرية والتصلب في حل أزمة كوريا الشمالية ومعارضتها توجيه ضربة لها ما تدعمه روسيا أيضا التي تريد تحجيم النفوذ الأمريكي بالتعاون مع بكين.

وبالتالي سيظل النفوذ الأمريكي في آسيا مهددا، في ظل غياب استراتيجية واضحة كالتي وضعها أوباما، فجولة ترامب الآسيوية حتى الآن بدت خالية من رؤية واضحة باستثناء استمرار إطلاق التهديدات تجاه كوريا الشمالية التي اعتاد عليها.

——————————————————————————————————————–

المصادر:

1ـ ترامب في جولة آسيوية لجس نبض بيونغ يانغ، العرب اللندنية، 4/11/2017، الرابط.

2ـ ريهام باهي، الصبر الاستراتيجي: تقييم الخيارات الأمريكية تجاه كوريا الشمالية، مركز المستقبل، 15/10/2017، الرابط.

3ـ ترامب: اليابان يمكنها إسقاط صواريخ كوريا الشمالية، هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”،6/11/2017،  الرابط.

4ـ  وصول رئيس أركان الجيش الباكستاني الى العاصمة طهران، وكالة مهر للأنباء، 5/11/2017، الرابط.

5ـ الاستراتيجية الأميركية الجديدة في أفغانستان وجنوب آسيا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 30/8/2017، الرابط.

6ـ باكستان تجدد معارضتها لاستراتيجية أمريكا في جنوب آسيا، موقع البوابة نيوز، 2/11/2017، الرابط.

7ـ ترامب: كوريا الجنوبية تعتزم شراء أسلحة أمريكية بمليارات الدولارات، 7/11/2017، الرابط.

8ـ شريف شعبان مبروك، الاحتواء والمشاركة: الاستراتيجية الأمريكية في آسيا، المركز العربي للبحوث والدراسات، 13/3/2016، الرابط.

9ـ  محمود حمد، أميركا والتوجه الاستراتيجي شرقا.. الفرص والتحديات، مركز الجزيرة للدراسات، 25/2/2013، الرابط.

10ـ طارق عزيزة، استراتيجية الولايات المتحدة في آسيا في ظل النهوض الصيني، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 4/2/2017، الرابط.

11ـ دول اتفاقية التبادل الحر عبر المحيط الهادئ تحقق تقدمًا بلا أميركا، إيلاف، 11/11/2017، الرابط.

12ـ اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ: ما هي وما أهميتها؟، هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، 12/3/2017، الرابط.

13ـ ترمب يأمر بالانسحاب من اتفاق الشراكة عبر الهادئ، الجزيرة نت، 23/1/2017، الرابط.

14ـ ثلاث حاملات طائرات أمريكية تشارك في مناورات بحرية تستهدف كوريا الشمالية، مونت كارلو الدولية، 11/11/2017، الرابط.

15ـ ترامب: علاقاتنا التجارية مع اليابان غير عادلة، هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، 6/11/2017، الرابط.

 

 

 

 

 

 

إغلاق