إدارة نظام السيسي لأزمة سد النهضة الأثيوبي - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
إدارة نظام السيسي لأزمة سد النهضة الأثيوبي

إدارة نظام السيسي لأزمة سد النهضة الأثيوبي




تعد أزمة بناء أثيوبيا سد النهضة واحدة من الأزمات الممتدة في السياسة الخارجية المصرية منذ عشر سنوات على الأقل، وشهدت الأزمة خلال فترة السيسي الأولى عدة تطورات سواء على صعيد بناء السد نفسه أو الإدارة المصرية للأزمة، وتحاول هذه الورقة تقييم إدارة الأزمة من جانب مصر خلال فترة السيسي، بهدف الوقوف على ثغرات الموقف المصري، ومحاولة طرح بعض الإجراءات التي من شأنها سد هذه الثغرات، وتدارك الأخطاء المصرية.

وتكمن أهمية هذه الورقة في ظل مشارفة أثيوبيا على الانتهاء من عملية بناء السد، دون التوصل لأي ضمانات تحفظ حق مصر في عدم التضرر من ملء حوض السد، بسبب تعثر الجولات التفاوضية بين مصر وأثيوبيا والسودان.

لذا تم تقسيم الورقة إلى 3 محاور رئيسية؛ يهتم الأول بعرض موجز لمفهوم إدارة الأزمات الدولية خاصة دور القيادة في إدارة الأزمة، والوسائل المتاحة لإدارة مختلف الأزمات الدولية.

بينما يتطرق المحور الثاني لأبعاد أزمة سد النهضة من خلال تناول ملامح مشروع بناء السد، وأثاره على مصر، والسياق القانوني والسياسي الذي ارتبط بعملية البناء، ولعب دوراً رئيسيا في الأزمة الحالية.

أما المحور الثالث فينصب اهتمامه على تحليل إدارة نظام السيسي للأزمة، من خلال رسم الصورة الإدراكية للسيسي- بصفته صانع القرار الأول- عن الأزمة، ثم ننتقل لتحليل التعاطي المصري مع الأزمة منذ تولي السيسي الرئاسة، وبعدها نبرز الملاحظات على الإدارة المصرية للأزمة، خاصة نقاط الضعف التي ارتبطت بالموقف المصري، ما نحاول تداركه من خلال عرض بعض التوصيات في خاتمة الورقة.

أولا- إدارة الأزمات الدولية:

نتناول في هذا المحور الإطار النظري لعملية إدارة الأزمات الدولية، ودور القائد السياسي في إدارة الأزمة كما يلي:

1- دور القيادة في إدارة الأزمات الدولية:

تعني عملية إدارة الأزمة “السعي المُخطط للخروج من الأزمة بأقل خسارة ممكنة”[1]، وتعتبر المرحلة الحالية لأزمة سد النهضة هي مرحلة الأزمة، وهي المرحلة التي تكون فيها الأزمة أكثر وضوحاً مع تكرار الأحداث المفاجئة المتعلقة بها.

وتنتمي أزمة بناء سد النهضة إلى نوعية الأزمات الاستراتيجية، ويلعب القائد السياسي والكيفية التي يُشكّل بها تصوره حول الأزمة دورا رئيسيا في إدارة هذه الأزمة، كما تلعب تصورات القائد والنخبة عن الأطراف الأخرى دوراً هاما في إدارة الأزمة، وقد يواجهون بعض الصعوبة في توقع أفعال نظرائهم[2]، علاوة على صعوبة التعامل مع الرسائل الواردة من الأطراف الخارجية، ويربط فارنهامFarnham  بين تصور القائد لحجم التهديدات و استعداده للقيام بتحركات على صعيد السياسة الخارجية[3]، ووضع هيرمان 3 مؤشرات رئيسية يمكن من خلالها توقع سلوك القادة أثناء الأزمة، وتؤثر أيضاً على إدارتهم للأزمة، وهذه المؤشرات هي[4]:

• مؤشر المفاجأة، هل كان يتوقع القائد حدوث الأزمة؟

• مؤشر الإلحاح، ما الوقت المناسب لاتخاذ القرار.

• مؤشر المخاطر، طبيعة التهديدات الناتجة من الأزمة.

وبصفة عامة، تلعب نوايا القادة، وتصوراتهم عن احتمال نجاحهم في إدارة الأزمة، ومدى شعورهم بالتهديد (البعد الإدراكي)، علاوة على ميولهم العدوانية أو المسالمة، ورؤيتهم للعالم من منظور قومي أو دولي، وكذا بعض سماتهم الشخصية (البعد التشاركي)، هذان البُعدان يكون لهما بالغ الأثر في عملية صناعة القرار في الأزمات الدولية.

2- وسائل إدارة الأزمات الدولية:

تتعدد الكتابات التي تستعرض وتحلل وسائل إدارة الأزمات الدولية، وحاول جمع تلك الوسائل الباحث الأمريكي إلكسندر جورج في كتابه عن إدارة الأزمات[5]، وقسم تلك الوسائل إلى استراتيجيات هجومية تشمل (الابتزاز- الاستجابة المحدودة أو السلبية- الضغط–الاستنزاف- الأمر الواقع)، بينما تمثلت الاستراتيجيات الدفاعية في (التصعيد المحدود- المعاملة بالمثلة- اختبار قدرات الأطراف- إلخ).

كما قُسّمت أساليب إدارة الأزمة إلى أساليب عنيفة وأخرى سلمية، من أمثلة الأولى (الأنشطة العسكرية غير العنيفة، التفاوض، التحكيم، الوساطة، الضغوط غير العسكرية، وغيرها)، وبالنسبة للأنشطة العنيفة فمن أمثلتها (الأنشطة العسكرية العنيفة، والأنشطة العنيفة غير العسكرية)[6].

ثانيا- أزمة بناء سد النهضة الأثيوبي:

ونستعرض هنا الأبعاد المختلفة لأزمة بناء سد النهضة الأثيوبي على النحو التالي:

1- ملامح مشروع سد النهضة:

هو أهم مشاريع التنمية الأثيوبية، وتعتمد عليه الحكومة في الترويج لشرعيتها التنموية، ويهدف السد إلى توليد الطاقة الكهربائية والحد من الفيضانات، وإعادة تنظيم استخدام مياه النهر، وتصل سعة السد التخزينية إلى 74 مليار م3، وتحاول أثيوبيا من خلال السد الحد من عملية الفيضانات السنوية التي تتسبب في تشريد 20 ألف شخص، وتغطي مساحة تعادل 4 مرات مساحة القاهرة تقريبا، كما سينتج من السد طاقة كهربائية تعادل 6 ألاف ميجاوات، ولا تنتج أثيوبيا حاليا سوى 900 ميجاوات من الكهرباء.

وينفذ مشروع السد الشركة الإيطالية Salini Costruttori، وقامت الشركة أيضا ببناء سدا أخر لصالح الحكومة الأثيوبية على نهر الأورومو، وتصل التكلفة الإجمالية لبناء سد النهضة حوالي 4.7 مليار دولار، وهي تكلفة هائلة تعمل الحكومة الأثيوبية على توفيرها من خلال طرح السندات محليا ودوليا، كما نجحت الحكومة الأثيوبية في توفير جزء من تمويل المشروع من بعض الجهات الخارجية، وعلى رأسها الصين التي تستثمر أحدى شركاتها في مشروع نقل الطافة الكهربائية المتولدة عن السد بحوالي مليار دولار، علاوة على قرض تم تقديمه للحكومة الأثيوبية بـ500 مليون دولار، ويعد مشروع تمويل السدود في أثيوبيا من قبل البنك الدولي واحدا من روافد تمويل السد، ودفع البنك الدولي 230 مليون دولار أمريكي لتمويل مشروعات شبكة السدود في أثيوبيا حتى الأن.

2- أثار السد على مصر:

كما سبق الإشارة، تم اختيار موقع بناء السد على أهم مصدر لإمداد مصر بمياه النيل، وأثارت سرية التخطيط التي اتبعتها الحكومة الأثيوبية الشكوك حول أضرار المشروع على مصر، ويعد من الثابت أن السد سيمنح الحكومة الأثيوبية قدرة أكبر على التحكم في مياه النهر، ما من شأنه التحكم في إمداد مصر بحصتها السنوية من المياه، كما ستؤدي فترة ملء الخزان (5-7 سنوات) إلى خفض معدل تدفق النيل الي مصر بنسبة تتراوح بين 12-25% خلال هذه الفترة بحسب أراء الخبراء الدوليين.

وعلاوة على إلحاق الضرر بحصة مصر من المياه، فيهدد السد الأثيوبي إنتاج الطاقة الكهربائية في مصر، وتشير التقديرات إلى إنه سيتسبب في انخفاض قدرة السد العالي على توليد الكهرباء بنسبة 6% من النسبة الحالية، خاصة إذا حدثت عملية الملء في أحد سنوات الجفاف.

وتتضح مدى خطورة الأزمة عند إلقاء الضوء على الوضع المائي الحالي لمصر، إذا يصل نصيب الفرد السنوي من المياه إلى 600 م3 سنويا بينما يبلغ حد الفقر المائي عالميا 1000 م3، وتعتمد مصر على مياه النيل بنسبة 93% في تلبية كافة احتياجاتها المائية في مختلف المجالات، وتستهلك مصر سنويا حوالي 75 مليار م3 من المياه، وهي نسبة تتعدي بالفعل حصة مصر من مياه النهر حاليا، والأخيرة تبلغ 55 مليار م3، ويتم تعويض هذه الفجوة من خلال إعادة تدوير 15 مليار م3 من مياه الصرف.

ويجدر الإشارة إلى أن مصر هي أكثر دول حوض النيل اعتمادا على مياه النهر، وتستهلك الدول الأخرى كميات ضئيلة من مياه النيل بالنسبة لإجمالي مواردها المائية، فأثيوبيا تستهلك نحو 1% وكينيا 2% وتنزانيا 3% والكونغو 1% وبوروندي 5%، وهنا تنجلي مدى أهمية النيل لمصر مقارنة بباقي دول الحوض.

3- السياق القانوني والسياسي:

من الناحية القانونية أخذت دول حوض النيل في البحث عن إطار قانوني ينظم استخدام مياه النهر بدلا من الاتفاقيات التاريخية القديمة في عهد الاستعمار الأوروبي، وطرحت مصر مبادرة لنفس الغرض عام 1999، ولاقت المبادرة قبول جميع دول الحوض، لكن تعثر تنفيذها بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية المتردية في المنطقة، وبدءا من عام 2003 بدأت دول الحوض في التصريح برفضها الاتفاقيات القديمة مع مصر، وكان أولها دول كينيا وتنزانيا وأوغندا.

وأخذ الخلاف حول المرجعية القانونية حتى مايو 2010 فيما عرف بجولة كينشاسا، وهي الجولة التي شهدت رفض مصر التوقيع على الاتفاقية الإطارية بدون وجود بند صريح يحافظ على حقوقها التاريخية في مياه النيل، وانسحب السودان من هذه المباحثات على أثر ذلك، وتركزت الخلافات بين الطرفين (دول المنبع ودول المصب) على 3 نقاط رئيسية وهي: 

 عدم المساس بالحقوق التاريخية المكتسبة لحصص مصر والسودان.

 أن يكون لمصر والسودان حق النقض فيما يتخذ من قرارات في إطار مبادرة حوض النيل.

 الإخطار المسبق لدول المصب قبل إنشاء أي مشروعات على نهر النيل وروافده.

في ضوء هذه الخلافات، وقعت دول أثيوبيا وتنزانيا وأوغندا على الاتفاقية من طرف واحد في مايو 2011 بمدينة عنتيبي الأوغندية، بينما لم يرفض التوقيع سوى كل من السودان ومصر والكونغو، ونصت الاتفاقية على إنشاء مفوضية جديدة لإدارة موارد النيل، يكون مقرها أديس أبابا، ومنذ هذا الوقت وتتغيب مصر عن المشاركة في فعاليات مبادرة حوض النيل، ونظرا لتعدد المرجعيات القانونية، لجأت دول مصر والسودان وأثيوبيا إلى توقيع اتفاق إعلان مبادئ حول سد النهضة في مارس 2015، وهو الاتفاق الذي سنتعرض له في موضع لاحق.

تصاعدت حدة الخلافات بين مصر وأثيوبيا عقب إعلان الحكومة الأثيوبية بدء تنفيذ مشروع سد النهضة في مايو 2013، وأذاعت وسائل الإعلام لقاء جمع الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي وبعض ممثلي القوي السياسية المصرية أعلنوا فيه عزمهم على إثارة شائعات تؤكد نية مصر توجيه ضربة عسكرية لمشروع السد الاثيوبي، وتم استئناف الجولات التفاوضية في يناير 2014 عقب عزل مرسي، وتتابعت جولات التفاوض لتصل إلى 17 جولة انتهت جميعها بالفشل.

ثالثا- سلوك نظام السيسي تجاه الأزمة:

حضرت القضية في خطاب السيسي منذ اليوم الأول لرئاسته، وظهر مبكرا توجه النظام الجديد في مصر بعد 3 يوليو إلى تغيير النهج المصري السابق تجاه القضية، وقبل تولي السيسي حرصت مصر على عدم الاعتراف بحق أثيوبيا في بناء سد النهضة، علاوة على تمسكها بالاتفاقيات القانونية القديمة.

1- إدراك القضية عند السيسي:

أشارت تصريحات السيسي في حفل تنصيبه في يونيو 2014 إلى النهج الجديد الذي ينوي اتباعه في التعاطي مع الأزمة، وقال السيسي حينها “لن أسمح لموضوع سد النهضة أن يكون سببا لخلق أزمة أو مشكلة، أو أن يكون عائقا أمام تطوير العلاقات المصرية سواء مع إفريقيا أو مع أثيوبيا الشقيقة، إن كان السد يمثل حقها في التنمية فالنيل يمثل لنا حقنا في الحياة”، وتبع ذلك طلبه من رئيس الوزراء الأثيوبي استئناف جولات التفاوض أثناء قمة الاتحاد الأفريقي خلال نفس الشهر.

حضر “حق” أثيوبيا في التنمية بشكل مطرد في خطاب السيسي عن الأزمة، ويدل هذا على تصور السيسي عن نوايا الحكومة الأثيوبية، فهو يراها لا تحمل نوايا سيئة تجاه مصر، كما يرى أن القضية ساهمت في توتير العلاقات المصرية بدول أفريقيا قبيل ولايته، وهو هنا يرفع من أهمية استقرار العلاقات.

كلل السيسي هذه القناعات بزيارته للبرلمان الأثيوبي في مايو 2015، وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس مصري خلال أخر 30 عاما، وتمحورت كلمته أمام البرلمان الأثيوبي على إعلاء مبدأ التعاون.

وإذا طبقنا مؤشرات إدراك الأزمة المُشار إليها في المحور الأول، نجد أن مؤشر الشعور بالخطر من أضرار السد يكاد أن يختفي في قناعة الرئيس المصري، بينما يرتفع مؤشر الحاح القضية في ظل تكرارها في خطاباته السياسية، وحرصه على إدارة القضية بشكل شخصي.

بينما شهد مؤشر المفاجأة حضورا، ما نستدل عليه من تصريح وزير الخارجية المصري في نوفمبر 2017 عن عدم توقعه استغراق المسار الفني كل هذا الوقت، وهو تصريح كاشف لتوقعات النظام المصري من نظيره الأثيوبي.

انعكس هذا التصور على إدارة مصر لأزمة بناء سد النهضة مع أثيوبيا، وشهدت تحولا شديدا في السلوك المصري المعهود منذ بدء الأزمة، ما نتناوله في النقطة التالية.

2- التعاطي المصري مع الأزمة:

أعاد النظام المصري الجولات التفاوضية التي توقفت على خلفية أحداث 30 يونيو 2013، وشهد الاجتماع الأول في أغسطس 2014 موافقة مصر على عدم الاعتماد على تقارير الخبراء الدوليين عن انشاء السد، والاستعاضة عن ذلك بالدراسات الأثيوبية، بينما يتم استشارة الخبراء الدوليين في الدراسات الفنية المتعلقة بأضرار بناء السد فقط، كما امتدت المرونة المصرية إلى عدم مطالبة أثيوبيا إيقاف عملية بناء السد حتى انتهاء الدراسات الفنية اللازمة، ما دفع أثيوبيا نحو استكمال عمليات البناء دون انتظار الدراسات الفنية، والأخيرة توقع وزير الري المصري انتهائها في مارس 2015، ما لم يتم بالفعل، في مؤشر أخر على عدم دقة توقعات الحكومة المصرية حيال الأزمة.

لم يتم انتهاء الدراسات الفنية في المدة المحددة، ما دفع النظام المصري نحو الانتقال لخطوة تالية وهي خطوة التأطير القانوني لعملية بناء سد النهضة، وتم هذا الإطار عبر توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين رؤساء أنظمة دول مصر والسودان وأثيوبيا، ولدينا هنا عدة ملاحظات على هذا الاتفاق:

 ركز إعلان المبادئ على الالتزام بحماية الدول من أضرار السد، إلا إنه اعتمد بالأساس على تقديرات الخبراء الدوليين حول هذه الأضرار.

 يعد الاتفاق أول وثيقة قانونية تعترف فيها مصر بحق أثيوبيا في بناء سد النهضة، دونما الإشارة إلى حقوق مصر التاريخية أو المطالبة بإيقاف عملية بناء السد.

 حدد الاتفاق مدة 15 شهرا للانتهاء من الدراسات الفنية، وهي مدة طويلة نسبيا، خاصة عند مقارنتها بفترة الست أشهر التي سبق تحديدها في المفاوضات السابقة.

 منح الاتفاق لأثيوبيا الفرصة في إحراز خطوات متقدمة في عملية بناء السد، دونما الالتزام بأي شروط أو معايير تحفظ حقوق مصر.

 تعثر إتمام الشركتين الفرنسية والهولندية للدراسات الفنية اللازمة، وتم استبدالهما بعد الوساطة السودانية بين مصر وأثيوبيا في ديسمبر 2015، وكلف الاتفاق الجديد شركة فرنسية جديدة للقيام بالدراسات الفنية في غضون عام كحد أقصى، وتأخر توقيع عقود الشركة الجديدة إلى سبتمبر 2016، وصدر أول تقرير استهلالي في مايو 2017، وهو التقرير الذي ينظم منهجية إتمام الدراسات، و أدى للخلاف الحالي بعد رفضه من جانب دولتي السودان وأثيوبيا في مقابل الموافقة المصرية، ولم تنجح جولات التفاوض في التغلب على هذا الخلاف حتي نوفمبر 2017، وهو تاريخ إعلان وزير الري المصري أن عدم التوصل لاتفاق يثير القلق على مستقبل التعاون حول أزمة سد النهضة، وجاء هذا التصريح عقب قيامه بزيارة ميدانية لموقع السد.

وفي ظل هذه التعثرات المتكررة، عملت أثيوبيا على المضي قدما في عملية بناء السد، وأعلنت في منتصف 2016 عن انتهاء 70% من أعمال الإنشاء، ويعد من المتوقع أن تنتهي أعمال الإنشاء خلال النصف الأول من عام 2018.

ونلاحظ أن محصلة التعاطي المصري مع الأزمة قد نقلتها من الزاوية السياسية إلى الزاوية الفنية، كما اهتم بتأطير الجانب التعاوني من الناحية القانونية، ما منح أثيوبيا في نهاية الأمر فرصة الاستفادة من عامل الوقت والاعتراف المصري، دون أن تتحمل أي التزامات تذكر تجاه الطرف المصري.

3- ملاحظات على إدارة النظام المصري للعملية التفاوضية:

من خلال تتبع نتائج جولات التفاوض المختلفة، وسلوك النظام المصري والأثيوبي حيال الأزمة، يمكننا الخروج بالملاحظات التالية:

 انحصرت إدارة مصر للأزمة على وسيلة المفاوضات المباشرة بين مصر وأثيوبيا والسودان، وفشلت الإدارة المصرية حتى هذه اللحظة في ضمان عدم تسبب السد في إضرار مصر، وهو الحد الأدنى المطلوب من إدارة مثل هذه الأزمة.

 تزامنت العملية التفاوضية مع إعلان الحكومة المصرية نيتها إعادة ترشيد استخدام المياه، من خلال إصدار قانون ينظم هذه العملية، بينما فرضت الحكومة قيودا على زراعة الأرز التي تستهلك نسبة كبيرة من حصة مصر من المياه، ونرى هنا أن هذه الإجراءات حتى وإن كانت صحيحة فإنها في غير محلها في ظل مرحلة التفاوض مع السودان وأثيوبيا.

 أظهر الطرف المصري سلوكا غير مباليا بعنصر الزمن أثناء العملية التفاوضية، وتزداد خطورة هذا مع قيام أثيوبيا بعملية بناء السد دون الالتفات لنتيجة الدراسات الفنية اللازمة.

 لم يظهر الطرف المصري أي رد فعل على اعتماد الطرف الأثيوبي استراتيجية هجومية منذ بدء الأزمة، وجاء هذا في صورة فرض الأمر الواقع بالمضي في إنشاء السد، ورفض التقارير الاستهلالية للجهات الفنية، ما يشير بشكل واضح الى نوايا غير حسنة يحملها الطرف الأثيوبي.

 في مقابل الاستراتيجية الهجومية لأثيوبيا، اعتمدت مصر استراتيجية مرنة، حرصت من خلالها على تصدير صورة المتعاون والمتفهم، من خلال قيام الطرف المصري ببعض الخطوات التي خالفت بعض الثوابت التي حكمت السلوك المصري تجاه ملف النيل منذ عشرات السنوات.

 على الرغم من حرص القيادة المصرية على ممارسة دورا في إدارة الأزمة، إلا أن مسار العملية التفاوضية تم حصره في مستوى تمثيل منخفض نسبيا، ونعني هنا مستوى وزراء الري، ولا يتسق هذا مع الإعلان عن أن هذه القضية مسألة “حياة أو موت” بالنسبة لمصر، وتتضح خطورة هذا في ظل غياب أي دور مباشر لرؤساء الدول والحكومات في العملية التفاوضية.

 لم ينجح الطرف المصري في استمالة الموقف السوداني طيلة فترة الأزمة، وجاءت أغلب مواقف السودان متوائمة مع التوجهات الأثيوبية، كما شهدت نفس الفترة توترات بين مصر والسودان على خلفية بعض الملفات الأخرى.

وفي ظل هذا الوضع لا بديل عن تغيير النظام المصري للاستراتيجية المتبعة في التفاوض مع أثيوبيا، وحتى إذا كان لدى النظام قناعات تتعلق بضرورة إعادة هيكلة استخدام المصريين من مياه النيل، فالأولى الأن هو ضمان عدم تضرر المصدر الرئيسي من المياه.

خاتمة وتوصيات

بعد أن تناولنا أبعاد أزمة سد النهضة وسلوك نظام السيسي خلال هذه الفترة، يتجلى لنا فشل استراتيجية النظام في ضمان الحفاظ على أمن مصر المائي، ولا تعني فشل استراتيجية النظام خطأ نهج التعاون في حد ذاته، ولكن تكمن المشكلة في طريقة تطبيقه، خاصة مع التعنت الذي أبداه الطرف الأثيوبي طيلة العملية التفاوضية، ما يفرض على مصر ضرورة تغيير نهجها إذا ما كانت تريد ضمان الحفاظ على أمنها المائي.

ونقترح في هذا السياق بعض الإجراءات التي من شأنها الضغط على النظام الأثيوبي، وإعادة الأمور لنصابها الطبيعي، وتنطلق هذه الإجراءات من تحويل الاستراتيجية المصرية من الدفاع إلى الهجوم، وتنويع أدوات ووسائل إدارة الأزمة، ويعد العائق الرئيسي هنا هو نية النظام الأثيوبي بدء عملية ملء السد بعد أشهر قليلة من الأن، ما يقلل من عامل الوقت المتوفر لمصر لإدارة الأزمة، ويمكننا اقتراح الإجراءات التالية:

1- على صعيد العملية التفاوضية، من الممكن تكوين لجنة عليا للإشراف على العملية التفاوضية، وتتكون هذه اللجنة من رؤساء الدول أو الحكومات الثلاثة، ويكون لها صلاحيات واسعة، والاعتماد عليها كمسار رئيسي لعملية التفاوض، بينما يتم حصر مسئولية اللجنة الحالية في تنفيذ الأمور التفصيلية التي تتفق عليها اللجنة العليا.

2- تشكيل لجنة مصرية لإدارة أزمة سد النهضة ويرأسها رئيس الدولة، وتتابع هذه اللجنة أعمال بناء السد، وتضم الخبراء الفنيين وكذلك المسئولين الحكوميين المعنيين بما فيهم القوات المسلحة المصرية وجهاز المخابرات العامة، ما من شأنه تفادي عدم الدقة في التوقعات المصرية، وتصدير رسائل سياسية لأثيوبيا والسودان عن مدى خطورة الملف بالنسبة لمصر.

3- تنويع وسائل إدارة الأزمة، ودراسة اللجوء للتحكيم الدولي، ومطالبة المجتمع الدولي بالتدخل لتجنب إضرار مصر من المياه، والضغط على حلفاء مصر في ممارسة ضغوط على النظام الأثيوبي، ونعني هنا بالأساس دولتي السعودية والإمارات.

4- إعلان مصر أن بدء عملية ملء السد دون الاعتبار لأضرارها مصر هو بمثابة إعلان حرب، ومن الممكن في هذا السياق أن تقدم مصر ورقة بالمواصفات الفنية اللازم توفرها في عملية الملء، دون انتظار انتهاء دراسات الخبراء الدوليين.

5- توظيف الرأي العام المصري في الضغط على النظام الأثيوبي، وللدلالة على أهمية الملف بالنسبة لمصر، ومن الممكن أن يتم ذلك عبر تنظيم فعاليات احتجاجية أمام السفارات الأثيوبية في مختلف الدول، وفي القاهرة بالتزامن مع الزيارة المتوقعة لرئيس الوزراء الأثيوبي خلال الشهر القادم.

6- إعادة صياغة العلاقات المصرية- السودانية، ومحاولة استمالة السودان لمصر في إدارة الأزمة.

7- التحرر من اتفاق إعلان المبادئ بسبب عدم تنفيذه بعد مرور المدة المنصوص عليها في متن الاتفاق، ما يسمح لمصر بممارسة تكتيكات أكثر تنوعاً في إدارة الأزمة.

 

——————————————————————————————————————–

المصادر:

[1] السيد عمر، ” مقدمة في نظرية السياسة الخارجية“، (القاهرة: جامعة حلوان)، ص 304.

[2] Margaret G. Hermann and Charles F. Hermann, “Who Makes Foreign Policy Decisions and How: An Empirical Inquiry”, International Studies Quarterly, Vol. 33, No. 4, (December 1989), p. 376

[3] Jonathan W. Keller, “Leadership Style, Regime Type, and Foreign Policy Crisis Behavior: A Contingent Monadic Peace?”, International Studies Quarterly, Vol. 49, (2005), p. 209

[4] Charles F. Hermann, Margaret G. Hermann and Robert A. Cantor, “Counterattack or Delay: Characteristics Influencing Decision Makers’ Responses to the Simulation of an Unidentified Attack”, The Journal of Conflict Resolution, Vol. 18, No. 1, (March 1974), pp. 87-88

[5] Alexander L. George (ed.), “Avoiding War: Problems of Crisis Management”, (San Francisco, Oxford, Westview Press, 1991).

[6] David Carment and Patrick James, “Secession and Irredenta in World Politics: The Neglected Interstate Dimension, in David Carment and Patrick James, Wars in the Midst of Peace, (Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 1997), p. 226.