تعثرات الاستقلال.. لماذا لا يقوى اقتصاد كردستان على الاستقلال؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
تعثرات الاستقلال.. لماذا لا يقوى اقتصاد كردستان على الاستقلال؟

تعثرات الاستقلال.. لماذا لا يقوى اقتصاد كردستان على الاستقلال؟




قالت المجريات السياسية القول الفصل، وانتهت خطوات كردستان العراق نحو إعلان دولة مستقلة على الأقل في المديين المتوسط والقصير، خاصة بعد استقالة الرئيس بارزاني، وحكم المحكمة العليا بالعرق بعدم دستورية استفتاء الإقليم على مسألة الاقتصاد، إلا أن الدعوات إلى الاتجاه الانفصالي لم تخمد وتظل متجددة، ويظل الاتجاه قائم مستقبلاً كما كان قائماً بالماضي.

لم تكن المجريات السياسية وحدها المانع من الاستقلال، ولكن على الصعيد الاقتصادي أيضاً وجدت معوقات لتعضيد استقلال سياسي بالإقليم، على الرغم من محاولة الحكومة الكردستانية والحزب الديموقراطي لخلق مقومات لاقتصاد قوي خلال السنوات الماضية، وتسويق الموارد الكردستانية كضمانة للاستقلال المستهدف.

ولتسليط الضوء على موقع اقتصاد كردستان من مسألة الاستقلال الكامل حاضراً ومستقبلاً، نبدأ بتناول الأوضاع الاقتصادية للإقليم، ثم مقومات ومعوقات الاستقلال، وأخيراً المخاطر.

الأداء الاقتصادي لإقليم كردستان:

إن أول وأكبر مشكلة يعاني منها إقليم كردستان هي مشكلة الحسابات، فهو ومنذ تصاعد خلافاته مع حكومة بغداد في 2014، انقطع عن توريد الكثير من بياناته، لاسيما تلك الخاصة بالإيرادات والجمارك إلى بغداد، لكن المشكلة الأكبر من ذلك أنه لا يوفر بيانات حديثة عن أدائه الاقتصادي على الموقع الرسمي لهيئة الإحصاء لإقليم كردستان، ولا أي موقع آخر تابع للحكومة، إذا أن أحدث بيان له عن الناتج المحلي الإجمالي يختص بالعام 2011، أي منذ 6 سنوات.

ووفقاً لهيئة إحصاء إقليم كردستان فإن الناتج المحلي الإجمالي للإقليم بلغ 23.6 مليار دولار، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في العام 2012 بلغ 25 مليار دولار، كما أن هناك تقديرات منشورة بأنه بلغ 25.5 مليار دولار في نهاية العام 2016، بعد الأزمة الاقتصادية التي مر بها الإقليم في 2014 نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط بالإضافة إلى توقف الحكومة المركزية عن إرسال حصة الإقليم من الموازنة العامة التي تبلغ 17% من موازنة العراق.

وتشير أحدث بيانات هيئة الإحصاء للإقليم أن معدل النمو الاقتصادي بلغ 8% في عام 2013، وتشير تقديرات دولية إلى متوسط دخل الفرد في الإقليم يبلغ 7000 آلاف دولار – وهو ضعف نظيره في العراق تقريباً- كما تقدر ميزانية الإقليم العامة بـ17.5 مليار دولار، ويبلغ معدل البطالة 10%، ويصل معدل التضخم إلى 3%.

ومن الجدير بالذكر أن اقتصاد كردستان العراق، مر بفترة زخم ونمو اقتصادي خلال الفترة من 2003 حتى 2014، فخلال تلك الفترة شهد الإقليم التوسع في مشروعات البنية التحتية– لاسيما مشروعات الطاقة- وكذلك تطور البنية المؤسسية لحكومة الإقليم، وأصبح الإقليم محط أنظار الاستثمار الأجنبي خاصة الشركات التركية والروسية، وبلغ حجم الاستثمارات الكلية بالإقليم خلال الفترة من 2006 حتى 2014 حوالي 42 مليار دولار.

مقومات أربيل:

عند الحديث عن اتجاه الاستقلال يكون السؤال الأبرز، ماذا يملك الإقليم وحكومته من المقومات الاقتصادية للاستقلال؟. وفي حقيقة الأمر فإن الإقليم بعد سنوات عدة من ممارسة الحكم الذاتي نجح في امتلاك عدد من مقومات الاستقلال اقتصادياً، وهي كما يلي:

البنية المؤسسية والتشريعية لإدارة الاقتصاد: يملك إقليم كردستان البنية المؤسسية والتشريعية المستقلة عن الحكومة المركزية في بغداد التي تنفرد بإدارة اقتصاد الإقليم، فلدى الإقليم أجهزته الإدارية ووزارته، ومنها وزارة المالية، والموارد الطبيعية، كما أن لديه برلمان ورئيس للحكم، فضلاً عن أنه شرع القوانين واللوائح المنظمة للتعاملات الاقتصادية بالإقليم، إضافة إلى ذلك اعتمد الإقليم خطة خمسية لتنميته وإصلاحه اقتصادياً حتى العام 2020.

 البنية التحتية: خلال العقد المنصرم، وقبل بدأ الحرب ضد داعش، استطاع إقليم كردستان أن يطور من بنيته التحتية من شبكة طرق وكباري، ونقل ومواصلات، وشبكات مد الخدمات الحيوية كالماء والكهرباء والوقود، فيملك الإقليم مطارين دوليين، وحوالي 14 ألف كم من شبكات الطرق، كما يبلغ معدل نمو قطاع النقل بالإقليم حوالي 15%، أما فيما يخص البنية الذكية، فإن قطاع الاتصالات نما بمعدل 30% في العام الأخير، كما أن شبكات الهواتف المحمولة تغطي 90% من الإقليم، أما في قطاع العقارات والسكن فقد أصابته الحرب على داعش بخسائر كبيرة تجعله في حاجة قوية إلى إعادة بناء.

• الموارد الطبيعية: يمتلك الإقليم مخزوناته الخاصة من الموارد الطبيعية، حيث قدرت احتياطيات النفط بحوالي 45 مليار برميل– مقارنة بـ150 مليار برميل هي احتياطي العراق- أي أن نفط إقليم كردستان ومنذ العام 2014 أصبح يشكل 29% من احتياطيات النفط بالعراق، (لكن باستعادة بغداد لمحافظة كركوك أصبح نفط كردستان يشكل فقط 6% من النفط العراقي).

و يملك الإقليم حوالي 2.83 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، فضلاً عن الأرض الخصبة الواسعة المثالية للزراعة، كما أن 50% من موارد الإقليم المائية هي موارد محلية توجد بداخله.

• البناء المستقل للشراكات الدولية: يدير إقليم كردستان منذ سنواته علاقاته الخارجية بشكل مستقل، سمح له ببناء شراكات اقتصادية، وتعاون واسع مع عدة دول أبرزها تركيا وإيران وروسيا، كما اعتمد اتفاقات وتعاون مع مؤسسات دولية على رأسها مجموعة البنك الدولي، بالإضافة إلى أن استقباله لـ1.8مليون لاجئ سوري ونازح عراقي مكنه من استقبال منح مالية ومساعدات من عدة دول أجنبية.

عقبات أمام الاستقلال:

على الجانب الآخر، فثمة عقبات قوية أمام استقلال إقليم كردستان من الناحية الاقتصادية، منها ما يعود بطبيعة الحال إلى رد الفعل السياسي لدول الجوار على اتجاه الاستقلال، وبعض آخر ينبع من اقتصاد الإقليم ذاته، ما يتبين على النحو التالي:

الاختلالات الهيكلية باقتصاد كردستان العراق: يعاني اقتصاد كردستان من تعدد اختلالاته، فأولاً يعد اقتصاد كردستان اقتصاداً ريعياً قائماً على ريع قطاع النفط حيث أن 85% من إيرادات الإقليم معتمدة على مبيعات النفط ومن قبلها على نصيب الإقليم من إيرادات النفط المحولة من بغداد، بينما يوظف النفط 1% فقط من القوة العاملة، في المقابل تشكل الضرائب 4.7% من إيرادات الميزانية العامة للإقليم، وذلك طبقاً لبيانات البنك الدولي.

ثانياً يتراجع القطاع الخاص باقتصاد كردستان مقابل سيطرة القطاع العام، الذي يقوم بتوظيف 44% من القوة العاملة في الاقتصاد، فضلاً على أن الإنفاق العام يشكل حوالي 50% من الناتج المحلي للإقليم طبقاً لبيانات البنك الدولي.

وثالثاً يعاني الاقتصاد من اختلال معاملاته الخارجية، حيث أن 90% من احتياجات الإقليم مستوردة، وتعادل الواردات 90% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.

وعليه، فإنه على الرغم من استقلال الإقليم فعلياً بإدارة اقتصاده إلا أنه فشل تماماً في معالجة اختلالات عدة بهيكله الاقتصادي، والجدير بالذكر في هذا الصدد، أن إقليم كردستان على الرغم من ملكيته لقطاع زراعي غني بإمكانيات النمو إلا أنه القطاع لا تتعدى حصته من الناتج المحلي الإجمالي مستوى الـ10%، وكذا يمتلك الإقليم عوامل جذب سياحية كبيرة إلا أن قطاع السياحة يساهم فقط بـ7% من الناتج المحلي الإجمالي.

الحصار الجغرافي: يعد إقليم كردستان منغلق، ولا يمكن أن يمارس تفاعلاته الاقتصادية مع العالم الخارجي إلا من خلال بناء شراكة وتفاهم مع دول الجوار، وهنا يبرز العائق الأبرز على الإطلاق أمام الاستقلال الاقتصادي، وهو العقوبات الاقتصادية التي تهدد بها دول الجوار الإقليم بمجرد إقامة استفتاءه الأخير على الانفصال، فبداية قامت بغداد بإغلاق مجالها الجوي أمام الرحلات الدولية من وإلى إقليم كردستان العراق، ضاربة بذلك قطاع السياحة في الإقليم.

أما تركيا فربما تكون صاحبة التهديد الأكبر إذا عاقبت كردستان بقطع العلاقات، فقد صرح الرئيس التركي رجب أردوغان بأن تركيا لن تسمح مجدداً بنفاذ النفط الكردي من أراضيها إلا بالتنسيق مع الحكومة المركزية ببغداد، ومن الجدير بالذكر أن جميع صادرات الإقليم النفطية تمر عبر ميناء جيهات التركي، وتقدر مبيعات كردستان من النفط بما بين 50 إلى 60 مليون دولار يومياً، علاوة على ذلك تقدر التجارة البينية بين تركيا وكردستان العراق بـ 6 مليار دولار، كما تعمل 1300 من الشركات التركية في قطاع البنية التحتية لكردستان.

وتعد إيران أيضاً ذات تهديد وخيم، فقد قررت وقف حركة الشاحنات الناقلة للمواد النفطية من وإلى إقليم كردستان فوراً عقب الاستفتاء، كما أوقفت تصدير وقود الفيول إلى كردستان الذي بلغت صادراته العام الماضي 110 مليون لتر إلى إقليم كردستان، كما أنها تملك معابر حيوية جداً بالنسبة لإقليم كردستان، التي هددت طهران بإغلاقها حال الانفصال عن بغداد.

افتقاد العملة المستقلة: لا يملك إقليم كردستان استقلالاً نقدياً، فهو لا يطبع عملته الخاصة، بل يتبع العراق، كما أنه لا يملك غطاء نقدي أو ذهبي يمكنه من الإقدام على مثل هذه الخطوة.

ضعف بيئة ممارسة الأعمال: تتسم بيئة ممارسة الأعمال في اقتصاد كردستان العراق بالضعف، حيث يغلب عليها انعدام اليقين، علاوة على مستوى منخفض من تدريب العمالة وتطوير المهارات، بالإضافة إلى ضعف قدرة القطاع المالي على تلبية احتياجات الأعمال، وطبقاً لبيانات البنك الدولي، فإن 3% فقط من الشركات تعتمد على القطاع المصرفي في تلبية احتياجات الاستثمار ورأس المال العامل.

الفساد الإداري: أصبح إقليم كردستان معروفاً بسيطرة عائلتين على مناحي النفوذ به، هما عائلة برزاني في أربيل التي تهيمن على الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم، وطالباني في السليمانية التي تسيطر على الاتحاد الوطني الكردستاني. ويتغلل الحزبان في مفاصل الدولة محدثين احتكارات لصالح  الشركات وأصحاب الأعمال المقربين منهما، دون ممارسة لآليات الرقابة والمحاسبة للبرلمان والمجتمع الأهلي، وبالنهاية أصبح الإقليم يعاني من تفاوت الدخل بين طبقة ثرية مقربة من السلطة، وفئات الشعب الأوسع ذات الدخول الأقل، وكذلك يعاني من تفاوت فرص التنمية بين الريف والحضر.

تضخم المديونية: طبقاً للدستور العراقي فإن حكومة بغداد مطالبة بتحويل 17% من إيرادات النفط إلى أربيل، في مقابل أن تنقل أربيل إنتاجها النفطي (550 إلى 600 ألف برميل يومياً) عبر شركة سومو التابعة للحكومة المركزية، إلا أن ذلك توقف بعد عام 2014 من الجانبين، وعليه فقد لجأت حكومة كردستان لإبرام اتفاقيات جديدة مع شركات الطاقة وتنفيذ مشروعات ضخمة لنقل الطاقة مما فاقم من مديونية الإقليم للشركات تقدر بـ83% من الناتج المحلي الإجمالي للإقليم. وفي حال استقلال الإقليم، فسيضاف دين جديد إلى تلك المديونية الضخمة، وهو دين مستحق لحكومة بغداد جراء الانفصال يقدر بـ19.2 مليار دولار، وبذلك تتفاقم المديونية إلى 155% من الناتج المحلي الإجمالي.

مخاطر محتملة

كما سبق القول، فقد قضي على اتجاه الاستقلال بالتوقف أو الانتهاء على الأقل في المديين القصير والمتوسط، وتبقى الآن المخاطر المتصاعدة جراء انعقاد الاستفتاء، وأولها هو قرار الحكومة العراقية بتخفيض حصة إقليم كردستان من الميزانية العراقية من 17% إلى 12.5% ، ما سيزيد من ضيق يد حكومة إقليم كردستان في الاضطلاع بمهام التنمية وفي سداد مرتبات العاملين لديها، هو فقدان إقليم كردستان لانفراده بإدارة علاقاته الخارجية مع أكبر شركائه تركيا وإيران، وبدلاً من ذلك ستلجأ الدولتان لحكومة بغداد في إدارة الشراكة مع الإقليم.

ونهاية فإن الفشل الاقتصادي للاستقلال كان هو الاحتمال الأكثر توقعاً بين المحللين، ومن ناحية التوقيت فقد كان من المبكر جداً أن تقدم حكومة كردستان عن إعلان توجهها للاستقلال، حيث أنها مازالت في مقدمة سنوات خطتها التنموية للاقتصاد التي تنتهي في عام 2020، وكان من المنطق أن تنتظر انتهاء الخطة لتعيد تقييم قدرتها على الاستقلال.

———————————————————————————————-

المراجع:

  1. البنك الدولي، “إقليم كردستان العراق: إصلاح الاقتصاد من أجل تقاسم الرخاء والازدهار وحماية الضعفاء والمحرومين”، 30 مايو 2016. https://goo.gl/nNfGMZ

  2. Invest in group, Kurdistan region facts and figures, 2017. http://investingroup.org/country/kurdistan/facts-figures/

  3. هيئة الإحصاء لإقليم كردستان، بيانات الحسابات القومية، 2016. http://krso.net/files/articles/310816035326.pdf

  4. اكو حماكريم، “المستقبل القاتم لكردستان”، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 23/9/2017. http://www.washingtoninstitute.org/ar/fikraforum/view/the-dim-future-of-kurdistan

  5. دي دابليو عربية، “كردستان استقلال في الوقت الحالي يعني الانهيار الاقتصادي”، 30/9/2017. https://goo.gl/jN8AXr

  6. الجزيرة نت ، ” كردستان العراق.. المقومات الاقتصادية وخيار الانفصال”، 24/9/2017. https://goo.gl/YJ7TxB

  7. صباح نعوش، الجزيرة نت ، “أزمة مالية في إقليم كردستان العراق”، 15/10/2017. https://goo.gl/SJ1R2e

  8. Sputnik عربي، “استفتاء كردستان العراق”، 22/9/2017. https://goo.gl/GqDFhh

  9. العربي الجديد، ” ثمن الانفصال.. سقوط اقتصادي لكردستان وخسائر فادحة لدول الجوار”، 24/9/2017. https://goo.gl/U8yhm3