الإطاحة بموجابي.. قراءة في تطوُّرات المشهد السياسي الزيمبابوي من منظور التحليل النخبوي - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
الإطاحة بموجابي.. قراءة في تطوُّرات المشهد السياسي الزيمبابوي من منظور التحليل النخبوي

الإطاحة بموجابي.. قراءة في تطوُّرات المشهد السياسي الزيمبابوي من منظور التحليل النخبوي




اكتسبت تطوُّرات المشهد السياسي في زيمبابوي، التي أفضت إلى الإطاحة بالرئيس روبرت موجابي بعد أن قضى قرابة سبعة وثلاثين عاماً زعيماً للبلاد، وتعيين نائبه، الذي كان قد أقيل في السابق، إيمرسون منانجاجوا كرئيس انتقالي حتى إجراء انتخابات رئاسية في موعد أقصاه 22 أغسطس 2018، زخماً حقيقياً في الآونة الأخيرة خاصة بعد اضطلاع القوات المسلحة الزيمبابوية بالدور الأبرز والأكثر تأثيراً على مسار الأزمة، ودفعت تلك التطوُّرات المتعاقبة على الساحة الزيمبابوية إلى إثارة تساؤلات عدة حول إشكالية التداول السلمي للسلطة، وحقيقة الدور الذي يمارسه العسكريون في العملية السياسية، وكذا ما يقترن بمقتضيات هيكلة العلاقات المدنية العسكرية في القارة الأفريقية.

منهاجية الدراسة:

تصبو هذه الورقة البحثية إلى تفنيد أبرز مقولات نظرية النخبة وإسهامات كلٍ من باريتو وموسكا وميشلز المتَّصلة بالإطار العام للتحليل النخبوي، وقراءة التطوُّرات السياسية التي شهدتها زيمبابوي مؤخراً في ضوء هذا الإطار التحليلي.

تقسيم الدراسة:

على هدي المنهاجية المتَّبعة في قراءة المشهد السياسي الزيمبابوي وهي نظرية النخبة، جرى تقسيم الدراسة إلى محاور ثلاثة؛ الأول يتناول أطروحات باريتو لاسيما الشق المتعلِّق بمفهومي الرواسب ودوران النخبة، أما المحور الثاني، فيعرض رؤى موسكا وإسهاماته في تطوُّر نظرية النخبة، وبصفة خاصة، ما قدَّمه حول مفهوم الصيغة أو المعادلة السياسية Political Formula ومحددات بقاء النخبة واستمرارها في موقعها.

 ويتناول المحور الثالث أفكار ميشلز الخاصة بنظرية النخبة، ويُسلِّط الضوء على القانون الحديدي للأوليجاركية على وجه الخصوص. ويُخْتَتم كل محور بتطبيقات تلك المقولات على الحالة الزيمبابوية وتطوُّراتها مؤخراً.

المحور الأول: رؤى باريتو وتطبيقاتها على الحالة الزيمبابوية

يُعَد عالم السياسة الإيطالي باريتو أول من قدَّم نظرية عضوية متكاملة الأركان للنخبة، وقد مثَّلت إسهاماته أساساً استند إليه كلٌ من موسكا وميشلز في تطوير الإطار التحليلي النخبوي. وسيركِّز هذا المحور على مفهومي الرواسب ودوران النخبة لدى باريتو، وتطبيقاتهما على المشهد السياسي الزيمبابوي. 

أولاً- مفهوم الرواسب:

ارتأى باريتو أن البشر غير متساويين ومختلفون بصورة حادة فيما يتعلق بالقدرات الشخصية كالذكاء، وكذا القدرة المادية كالثروة ما يُعرف بالرواسب، وبما أن الموارد الاجتماعية نادرة بطبيعتها في المجتمع، يتم توزيعها وفقاً لتلك الاختلافات بين أفراد المجتمع.

وعليه، يرى باريتو أن المجتمع مقسَّم إلى شريحتيْن: الشريحة العليا (النخبة) الأكثر امتلاكاً للرواسب، والدنيا (ليست بنخبة) وهي الأقل امتلاكاً للرواسب، ونظراً لأن اندراج الفرد ضمن شريحة النخبة لا يعني بالتبعية أنه ضمن النخبة الحاكمة، جرى تقسيم النخبة عند باريتو إلى شريحتيْن هما: النخبة الحاكمة والنخبة غير الحاكمة.

وثمة محدديْن أساسييْن يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بانضمام الفرد إلى النخبة الحاكمة؛ أولهما: المحدد الداخلي الذي ينصرف إلى التوازنات داخل النخبة الحاكمة، والمحدد الخارجي المتمثِّل في قدرة هذا الفرد على أن يحظى بدعم وتأييد الجماهير أو بمعنى آخر الحصول على القبول والإجماع الجماهيري.

وبمحاولة تطبيق هذا المفهوم على الحالة الزيمبابوية، نجد أنه في الشق المتصل بالقدرات والمزايا الشخصية، حظي روبرت موجابي بالكثير منها ما مكَّنه من الوصول لسدة الحكم والاستمرار على رأس السلطة لأكثر من ثلاثة عقود؛ فموجابي، ورغم أنه ينحدر من أصول فقيرة ما يعني بالتبعية افتقاده للرواسب في شقها المادي كالثروة، تلقَّى قدراً وافياً من التعليم أهَّله لأن يعمل بمهنة التدريس، وأضحى زعيماً كاريزمياً قاد النضال المسلح ضد الحكم العنصري الذي خضعت له روديسيا الجنوبية، زيمبابوي الآن، من قِبل الأقلية البيضاء على غرار حالة دولة جنوب أفريقيا التي تعرَّضت لنظام الفصل العنصري أو ما عُرِف بالأبارتيد، وقد أفضى النضال الذي قاده موجابي ضد حكم الأقلية البيضاء إلى سجن لمدة 10 سنوات خلال الفترة من 1964 حتى 1974، وفي أعقاب الإفراج عنه، فرَّ موجابي إلى موزمبيق، وتولى قيادة حزب زانو ZANU (Zimbabwe African National Union)  الذي قاد حرباً وُصفت على أنها حرب عصابات وميليشيات عسكرية ضد حكومة إيان سميث آنذاك وممارساتها العنصرية ضد السكان الأصليين أو الجماعة السوداء في زيمبابوي حتى انتهاء الحكم العنصري ووصول موجابي إلى سدة الحكم مطلع الثمانينيات من الألفية المنصرمة.

 وصفوة القول في هذا الصدد، أن الزعامة الكاريزمية والعقل الجمعي الأفريقي الذي منح الشرعية السياسية لقادة النضال قد أضافا قدراً كبيراً من الرواسب الشخصية مثَّلت عوضاً كبيراً عن افتقاد موجابي للرواسب المادية المتمثلة في الثروة والأصول الارستقراطية، وقد كان من العصيّ على هذا العقل الجمعي، بجانب إحكام موجابي لقبضته على مفاصل الدولة، انتقاد موجابي أو التفكير بالإطاحة به أو اختيار بديل عنه.

وينطبق مفهوم الرواسب على الرئيس الانتقالي الحالي لزيمبابوي؛ فإيمرسون منانجاجوا شارك أيضاً في النضال بجانب موجابي ضد هيمنة الأقلية البيضاء وحكمها العنصري لروديسيا الجنوبية، وقد مكَّنته حنكته السياسية، حتى أنه لُقِّب بالتمساح لدهائه السياسي، من تقلُّد العديد من المناصب السياسية طوال فترة حكم موجابي، من بينها توليه لرئاسة وزارات كالعدل والدفاع والأمن الوطني والإسكان فضلاً عن رئاسة البرلمان وجهاز الاستخبارات بزيمبابوي، واستطاع منانجاجوا من تقلُّده لوزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات والأمن الوطني أن يكون حلقة الوصل الرئيسية بين حزب زانو الحاكم لزيمبابوي من جهة والمؤسسة العسكرية والاستخبارات من جهة أخرى، كما كان لها الفضل في بزوغ نجم منانجاجوا ليكون خلفاً لموجابي في الحكم، ولا ريب أن منانجاجوا استثمر ذلك استثمارا أفضى إلى انحياز المؤسسة العسكرية إلى جانبه في الأزمة الأخيرة، في أعقاب إقالته من منصبه كنائب لموجابي بدعوى عدم الولاء والخداع وعدم الاحترام بغية إفساح المجال أمام جريس، زوجة موجابي، لتكون خلفاً له وفراره إلى جنوب أفريقيا خوفاً على حياته من مؤامرة كان تستهدف قتله على حد زعمه.           

ثانياً- دوران النخبة:

كان باريتو يرى في انفتاح النخبة ووجود قنوات للوصول إليها من قِبل الجماهير ضامناً لاستقرار النخبة واستمرارها، والعكس صحيح، فإن انغلاق النخبة وغياب وجود قنوات للولوج إليها قد يُفضي إلى زعزعة استقرارها وتهديد بقائها، وهذا ما يرمي إليه مفهوم “دوران النخبة” الذي وضعه باريتو.

وثمة بعديْن أساسيْن لهذا المفهوم: الدوران الداخلي، أي إحلال أفراد محل آخرين داخل النخبة الحاكمة، ويخضع ذلك لتوازنات القوة داخل تلك الطبقة، وهناك الدوران الخارجي، وينصرف إلى فكرة القنوات Channels التي تسمح لفرد من الجماهير بالانضمام للنخبة الحاكمة، أو بمعنى آخر، قدرة النخبة على امتصاص أعضاء جدد.

وبالإمكان وصف ما شهدته زيمبابوي مؤخراً بالدوران الداخلي للنخبة، الذي يخضع لتوازنات القوى داخل صفوف النخبة الحاكمة؛ فالرئيس الانتقالي منانجاجوا كان ضمن أفراد النخبة الحاكمة باعتباره كونه من الدائرة المقربة لموجابي ونائباً له فضلاً عن كونه عضواً في حزب زانو الحاكم لزيمبابوي منذ إنهاء الحكم العنصري حتى اللحظة الراهنة، ذلك مرجعه توازنات القوى داخل تلك النخبة، التي حُسمت في النهاية لصالح منانجاجوا الذي استطاع أن يوظِّف حالة السخط داخل صفوف الحزب على إثر إقالة موجابي له، ومن قبله أيضاً، إقالة موجابي لنائبته السابقة جويس موجورو في ديسمبر 2014، هذا إلى جانب تراجع شعبية الحزب الحاكم كنتاج لفشل السياسات التي انتهجها موجابي في التعاطي مع الأزمات الاقتصادية التي واجهت البلاد ما أفضي إلى تردي وانهيار الاقتصاد الزيمبابوي، ويكفي أن نشير في هذا السياق إلى، أن حوالي 72% من إجمالي السكان في زيمبابوي يعيشون تحت خط الفقر.           

المحور الثاني- تطبيق مفهوم المعادلة السياسية عند موسكا على الحالة الزيمبابوية:     

قدَّم موسكا العديد من الأطروحات أسهمت كثيراً في تطوير الإطار العام للتحليل النخبوي عند باريتو، فقد استخدم موسكا مفهوم الطبقة السياسية عوضاً عن مفهوم النخبة عند باريتو أو لنكن أكثر دقة مفهوم النخبة الحاكمة لدى باريتو، وقد أثار موسكا جملة من التساؤلات التي تتعلق بطبيعة الطبقة السياسية، وكذا تساؤلات تتعلق بمحددات استمرار النخبة أو بقائها.

وبتدبُّر رؤى موسكا في الشق المتعلق بمقتضيات بقاء النخبة أو الطبقة السياسية واستمرارها في موقعها، نجد أنها أكثر شمولاً مما قدَّمه باريتو، الذي كان يعوِّل كثيراً على انفتاح النخبة أو إتاحتها لقنوات تمكِّن أفراد من خارج النخبة للانضمام إليها باعتباره المحدد الرئيسي، إنْ لم يكن الوحيد، لاستمرار النخبة، بيْد أن موسكا ربط بقاء النخبة واستمرارها بخمسة محددات أساسية، هي:

1-الهوية الموحدة بين أعضاء النخبة

2-استخدام الصيغة أو المعادلة السياسية بصورة مثلى

3-التقاليد

4-دوران النخبة

5-تأييد الجيش

قدَّم موسكا مفهوم الصيغة أو المعادلة السياسية Political Formula، الذي يعنى وجود صيغ مختلفة من القيم أو التقاليد أو الأيديولوجيات السياسية، التي تفضي إلى وجود طبقات سياسية على أسس معينة طبقاً للمعادلة السياسية السائدة في المجتمع، إذ يرى موسكا أن قواعد وأسس الطبقة السياسية تختلف من مجتمع لآخر؛ ففي المجتمع البدائي، تقوم الطبقة السياسية على أسس عسكرية، ومن ثم تصبح القوة العسكرية هي أساس المكانة في المجتمع، وفي مرحلة أكثر تطوراً ترتكز المعادلة السياسية في المجتمع على التوظيف الأمثل للرموز الدينية. وهكذا، ومن ثم نجد أن هناك نخباً أو طبقات سياسية تقوم على أسس دينية أو عسكرية أو بيروقراطية أو تستند على الثروة أو المعرفة المتخصصة.

وبالتطبيق على الحالة الزيمبابوية، يتجلَّى عامل تأييد الجيش بشكل واضح؛ فالبعض يقرأ تطوُّرات المشهد السياسي الزيمبابوي في ضوء الدور المتزايد للقوات المسلحة في العملية السياسية، الذي يُؤرَّخ له منذ إنهاء حكم الأقلية البيضاء في عام 1980 في أعقاب النضال التحرُّري الذي خاضه حزب زانو ممثلاً عن الجماعة السوداء، وقد ذهب أنصار هذا الرأي الذي يروْن في انخراط العسكريين في العملية السياسية سبباً فيما آلت إليه الأمور الآن إلى الاعتقاد بأن حزب زانو، ورغم كونه الحزب الحاكم، لم يكن فاعلاً في تلك التطوُّرات، إنما الفاعل الرئيسي كان القوات المسلحة الزيمبابوية، فحزب زانو لم يكن سوى الذراع أو الجناح السياسي لجيش التحرير الوطني الأفريقي لزيمبابوي Zimbabwe African National Liberation Army أو ما يُعْرف اختصاراً بـ ZANLA.

وإدراكاً لدور وتأثير القوات المسلحة في العملية السياسية، أغدق موجابي على العسكريين بتخصيص حصة لهم في مقدرات وثروات البلاد فضلاً عن تعيينهم في المناصب المدنية كي يضمن ولاءهم، وتلك السياسات قادت إلى موالاة القوات المسلحة لحزب زانو وللرئيس موجابي وتثبيتها لدعائم حكمه لاسيما أمام زعيم المعارضة مورجان تسفانجراي، الذي فاز على خصمه موجابي في الجولة الأولى لانتخابات عام 2008، بيْد أن اتجاه موجابي إلى قمع المعارضة ما أفضى إلى الدخول في مواجهات وصراعات مسلحة مع المعارضة أوقعت آلاف القتلى وإجبار زعيم المعارضة على الانسحاب من الجولة الثانية للانتخابات.

هذا الوفاق بين موجابي والقوات المسلحة الزيمبابوية انقلب رأساً على عقب بعدما اتجه موجابي، كما أشرنا آنفاً، لإقالة نائبه منانجاجوا، الذي تربطه صلات وثيقة بالقوات المسلحة والاستخبارات الزيمبابوية تمهيداً لتوريث الحكم لزوجته جريس فضلاً عن انقسام النخبة أو الطبقة السياسية وتفرُّقها شيعياً في هذا الصدد؛ إذ كان هناك فريق يؤيد وصول جريس إلى السلطة في مقابل آخرين يعارضون ذلك، وبالتالي انتفت ركيزة أخرى، إلى جانب تأييد الجيش، وهي وجود هوية موحدة أو قدر من التضامن بين أفراد الطبقة السياسية باعتبار ذلك محدداً أساسياً لبقائها واستمرارها فضلاً عن افتقاد موجابي إلى القدرة على التوظيف الأمثل للمعادلة السياسية؛ فمازالت الأنظمة الأفريقية تستند بشكل كبير في وجودها على القوة العسكرية، فافتقاد موجابي لدعم القوات المسلحة له مؤخراً لتمرير السلطة لزوجته قد قاد إلى الإخلال بالمعادلة السياسية التي يرتكن إليها بقاء موجابي في الحكم.

المحور الثالث- ميشلز والقانون الحديدي للأوليجاركية:

اهتم ميشلز بخصائص تشكيل النخبة في المنظمات ذات البنى المركبة، واستخدم ميشلز مفهوم الأوليجاركية كبديل لمفهوم النخبة الحاكمة عند باريتو والطبقة السياسية عند موسكا، وركَّزت إسهامات ميشلز فيما يتعلق بنظرية النخبة على المستوى الجزئي micro level في التحليل أي على مستوى المنظمات والكيانات كالأحزاب، على سبيل المثال، التي ارتأى أنها منظمة بطريقة أوليجاركية، بيْد أنه قد اختلف عن باريتو فيما يتصل بمفهوم الرواسب خاصة القدرات والمزايا الشخصية؛ ذلك لأن ميشلز كان يعتقد أن هناك محدديْن أساسييْن يمكن من خلالهما التفرقة بين النخبة أو الأوليجاركية وبين غيرها من الشرائح، التي ليست بنخبة، وهما: الموقع أو الموضع الذي يحتله الفرد داخل المنظمة، والقوة (أي الصلاحيات والسلطات) التي يستطيع الفرد أن يمارسها من خلال هذا الموقع، وأنه ليست ثمة أهمية تُذْكر للقدرات الشخصية في تلك التفرقة.

وإذا نظرنا إلى الحالة الزيمبابوية، سنلاحظ كما سبق وأشرنا، أن منانجاجوا استطاع من خلال تولِّيه وزارة الدفاع ورئاسته لأجهزة الاستخبارات والأمن الوطني وقيادة العمليات المشتركة لحفظ الأمن في البلاد أن يوثِّق علاقاته بالمؤسسة العسكرية الزيمبابوية التي انحازت لجانبه ضد موجابي، ولكن تجاهُل دور القدرات والعوامل الشخصية، كالحنكة والدهاء السياسي اللذيْن لطالما اشتهر بهمها منانجاجوا حتى أصبح من الدائرة المقرَّبة لموجابي على مدار ما يناهز الأربعة عقود، يثير تساؤلات حول منطقية هذا الطرح كون القدرات الشخصية تلعب الدور الأبرز في إمكانية الفرد وقدرته على توسيع نطاق علاقاته ومن ثم ممارسة سلطات وصلاحيات أكبر من تلك التي يفرضها موضعه داخل المنظمة.

ولعل من بين أهم الإسهامات التي قدَّمها ميشلز في تطوير التحليل النخبوي القانون الحديدي للأوليجاركية، الذي ينص على أن كافة المجتمعات والمنظمات، وبغض النظر عن آليات تداوُل السلطة، يجب أن تؤول السلطة فيها إلى أقل عدد ممكن من الأشخاص، واتَّبع موجابي هذا القانون وطبَّقه بحذافيره شأنه في ذلك شأن غالبية حكام الدول الأفارقة الذين يحرصون على تركيز جميع السلطات بأيديهم وقمع المعارضة وتصفيتها. ومن بين أهم الشواهد على ذلك، قمع موجابي للمعارضة وزعيمها مورجان تسفانجراي إلى الحد الذي أفضى إلى انسحابه خلال الجولة الثانية من انتخابات عام 2008 ووقوع آلاف القتلى، ورغم اضطرار موجابي نتيجة للضغوط التي مورست ضده، لتعيين تسفانجراي نائب له لمدة 4 سنوات لكنه ظلَّ الحاكم الوحيد الفعلي لزيمبابوي، فضلاً عن إجرائه تعديلات في الدستور في يوليو الماضي تخوِّل له صلاحية تعيين رئيس السلطة القضائية دونما إجراء أية مشاورات مع البرلمان أو وزارة العدل. وهذا مثال صارخ على تغوُّل سلطة موجابي وهيمنة السلطة التنفيذية في عهده على السلطتيْن التشريعية والقضائية.

وختاماً، فإن أطروحات نظرية النخبة التي قدَّمها كلٌ من باريتو وموسكا وميشلز وما تلاها من اقترابات ونظريات المرحلة السلوكية من تطوُّر علم السياسة كنموذج المدخلات- المخرجات لديفيد إيستون ونموذج الاتصال لكارل دويتش وكذا منهج البنائية الوظيفية وخاصة إسهامات جابريال ألموند ترمي قاطبةً إلى استمرار النخبة والنظام السياسي الحاكم وبقائهما، ولم تكن تولي أي اهتمام إلى التغيير السياسي. فالإطار العام للتحليل النخبوي كان ينظر إلى النخبة الحاكمة باعتبارها الفاعل الرئيسي، إنْ لم يكن الوحيد في العملية السياسية، انطلاقاً من كونها الوحدة الأساسية للتحليل وفقاً لهذا المنهج، ومن ثم يمكن من خلال تحليل أوضاع النخبة الحاكمة تفسير أية تطوُّرات للمشهد السياسي لكن يبقى هناك إشكاليتيْن رئيسيتيْن أو ما يمكن أن نعتبره قصوراً في تطبيق تلك النظرية على الحالة الزيمبابوية على وجه التحديد: أولهما تنصرف إلى دور الجماهير في العملية السياسية كون النظام السياسي يستمد شرعيته السياسية من الجماهير بالأساس باعتبار أن الشرعية السياسية تعني اعتراف من جانب المحكومين بحق النظام الحاكم في الحكم وممارسة السلطة، وهذا ما ارتكنت إليه القوات المسلحة الزيمبابوية في عزلها لموجابي وتعيينها لنائبه منانجاجوا وهو خروج التظاهرات المطالبة برحيل موجابي على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية بزيمبابوي كنتاج للسياسات التي انتهجها لا سيما ما يتعلق بنزعه للأراضي الزراعية المملوكة للبيض ما قاد إلى انهيار الاقتصاد الزيمبابوي وانخفاض حجمه للنصف في الفترة من 2000 حتى 2008. والإشكالية الثانية تنصرف إلى جدوى الدوران الداخلي للنخبة، أو ما يُمكن أن نطلق عليه إعادة توليد النظام، في الخروج من المأزق السياسي والاقتصادي الحالي؛ فمنانجاجوا كان من الدائرة المحيطة لموجابي وشاركه في العمليات المسلحة لقمع المعارضة وتصفيتها وتنفيذ السياسات التي أفضت إلى تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية للبلاد، فهل يُتَوقع في عهده، لو فاز برئاسة الدولة خلال الانتخابات المزمع عقدها العام القادم، وهذا مُرجح بدرجة كبيرة، أن تخرج زيمبابوي من مأزقها الحالي أو أن تشهد تحوُّلاً ديمقراطياً حقيقياً؟      

——————————————————————————————————————–

المراجع:

  1. د. نصر محمد عارف، إبستمولوجيا السياسة المقارنة: النموذج المعرفي- النظرية- المنهج (بيروت، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2002).

  2. “روبرت موغابي: الحاكم الوحيد لزيمبابوي منذ الاستقلال”، بي بي سي عربي، متاح على الرابط التالي:

http://www.bbc.com/arabic/world-41999132

  1. “زيمبابوي.. دوافع وتحديات ما بعد موجابي”، الأهرام العربي، متاح على الرابط التالي:

http://arabi.ahram.org.eg/News/128142.aspx

  1. خالد محمود، “التمساح منانغاغوا… يحكم زيمبابوي”، الشرق الأوسط، متاح على الرابط التالي:

https://aawsat.com/home/article/1093836/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%C2%BB-%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%BA%D8%A7%D8%BA%D9%88%D8%A7-%D9%8A%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%B2%D9%8A%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D9%88%D9%8A

  1. “كيف هزم الانهيار الاقتصادي موجابي المعمر”، الشرق الأوسط، متاح على الرابط التالي:

https://aawsat.com/home/article/1088866/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%87%D8%B2%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%87%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%BA%D8%A7%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%85%D8%B1%D8%9F

  1. Yvonne Rowa, “After Mugabe: why the role of Zimbabwe’s army can’t be trusted”, THE CONVERSATION, Available at:

http://theconversation.com/after-mugabe-why-the-role-of-zimbabwes-army-cant-be-trusted-87872

  1. Desmond Kumbuka, Godfrey Marawanyika, “Zimbabwe Parliament Changes Constitution, Extends Mugabe Powers”, Bloomberg Politics, Available at:

https://www.bloomberg.com/news/articles/2017-07-25/zimbabwe-parliament-changes-constitution-extends-mugabe-powers