اللعب الأمريكي بنار القدس .. الشواهد والتداعيات - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
اللعب الأمريكي بنار القدس .. الشواهد والتداعيات

اللعب الأمريكي بنار القدس .. الشواهد والتداعيات




“وعد من لا يملك لمن لا يستحق”، كان هذا وصف وعد بلفور الذي أصدرته بريطانيا لمنح اليهود حق إقامة دولة لهم على الأراضي الفلسطينية، التي كانت خاضعة للاحتلال البريطاني. اليوم يكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ الوعد مجددا، بإصراره على اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وبهذا تكون واشنطن اعترفت ضمنيا بحق إسرائيل في القدس كاملة بما فيها القدس الشرقية، التي من المفترض وفقا لمفاوضات السلام السابقة والقرارات الدولية أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية.

يبدو أن قانون “سفارة القدس”، الذي أقره الكونجرس الأمريكي عام 1995، ويقضي باعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، سيعلنه ترامب اليوم 6 ديسمبر  2017. حتى إن رضخ ترامب للضغوط العربية والرفض الدولي لهذه الخطوة، فإنه قد يؤجل القرار مجددا كما كانت تفعل الإدارات السابقة لأكثر من 20 عاما، لكنه سيتجه إلى إقراره قبل مغادرة البيت الأبيض، أو على الأقل توظيفه في ابتزاز القوى الفلسطينية، والدول العربية من أجل إجبارهم على تسوية للقضية الممتدة لأكثر من 60 عاما في إطار ما يعرف بـ”صفقة القرن”.

أولا – شواهد اعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال:

 منذ أعلن ترامب ترشحه للرئاسة الأمريكية، وعد بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، هذا لم يكن مجرد دعاية، بل استعان بكثيرين في إدارته مؤيدين بشكل متطرف للتوجهات الإسرائيلية، فجاء بصهره جاريد كوشنير مستشار له وتولى إدارة القضية الفلسطينية وأسند مهمة التواصل مع زعماء ورؤساء دول الشرق الأوسط المنخرطين في القضية إليه، مقابل تهميش دور كل من وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس في هذا الملف، لرفضهم توجهات ترامب في هذا الشأن.

من بين الشواهد الأخرى لدعم ترامب للرؤية الإسرائيلية لحل النزاع، تعيينه جيسون غرينبلات في منصب جديد داخل الإدارة الأميركية، “ممثل خاص مكلف بالمفاوضات الدولية”، وهو يهودي متشدد، وعينه ترامب بعد ذلك مبعوث للرئيس للشرق الأوسط من أجل هذا الغرض، وكان غرينبلات قال في تصريحات له بعد فوز ترامب بالرئاسة، إن ترامب لا يرى في المستوطنات التي أقامتها سلطات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية عائقا أمام السلام ولن يفرض أي حل على إسرائيل.

وإلى جانب هذين الشخصين اللذين يشغلان مواقع مهمة، جاء باليهودي ديفيد فريدمان وعينه سفيرا لواشنطن لدى إسرائيل، وهو من الرافضين لجهود حل الدولتين، ومن المؤيدين لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وبناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.

ومع التكهنات التي تدعم إعلان ترامب لقرار القدس عاصمة لدولة الاحتلال، أكد مسؤول أمريكي يوم 5 ديسمبر الجاري،  أن ترامب سيعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كذلك سيعطي أوامره للبدء بعملية نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس المحتلة، بدون تحديد جدول زمني لذلك، وقد يستغرق إتمام هذا الأمر أكثر من 3 سنوات.

على الجانب الآخر يستبعد البعض إقدام ترامب على هذه الخطوة، لما لها من تأثير على عملية السلام، التي وافقت الدول العربية وكذلك السلطة الفلسطينية على التجاوب مع الإدارة الأمريكية من أجل حل الدولتين، فسبق أن وقع ترامب في يونيو 2017، على أمر بإرجاء نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس مدة 6 أشهر، لكن البيت الأبيض قال إن هذه الخطوة لا تعني تراجع الدعم القوي، الذي يقدمه ترامب لإسرائيل وللتحالف الأمريكي- الإسرائيلي.

وينص قانون “سفارة القدس”، الذي أقره الكونجرس الأمريكي في عام 1995 بأغلبية الثلثين، الذي صدر في عهد الرئيس الأسبق بل كلينتون، على أن تنقل الولايات المتحدة سفارتها من تل أبيب إلى القدس بموعد محدد، وبسبب وجود رفض دولي خاصة الدول العربية والإسلامية، بجانب رفض كلينتون ذاته لهذا الأمر لما له من تأثير سلبي على علاقات واشنطن بالشرق الأوسط، أقر القانون بأن هذه الخطوة يمكن تأجيلها لستة أشهر في كل مرة بطلب من الرئيس بحجة تأثيره على الأمن القومي الأمريكي.

ويعود الفضل في هذا القانون إلى الجمهوريين الذي حشدوا له وصوتوا لصالحه، والآن يسيطرون على الكونجرس بغرفتيه النواب والشيوخ بجانب ترامب في البيت الأبيض، ولهذا ليس مستبعدا أن يدعموا ترامب في مسعاه أو على الأقل الضغط في اتجاه إقامة وطن بديل للفلسطينيين ونزع سلاح المقاومة الذي يهدد أمن دولة الاحتلال.

كذلك عملت إدارة ترامب على التضييق على السلطة الفلسطينية، إذا أعلنت عن عزمها إغلاق مكتب مقر  منظمة التحرير الفلسطينية “فتح” في العاصمة واشنطن، وذلك بزعم دعم عملية السلام، لكن هذه غير صحيح فقد جاء ذلك من أجل ضرب المصالحة الفلسطينية التي ترعاها مصر بين حركتي  فتح وحركة المقاومة الفلسطينية “حماس”، فإسرائيل أعلنت عن رفضها لهذه المصالحة، بالتالي ضغطت على إدارة ترامب من أجل عرقلتها، فقد كانت تتحجج بعدم وجود سلطة واحدة تتفاوض معها بجانب سيطرة حماس على قطاع غزة.

ثانيا- ردود الفعل العربية:

أجرى ترامب يوم 5 ديسمبر 2017، اتصالات بزعماء وقادة المنطقة بينهم مصر والسعودية والأردن وفلسطين، لإبلاغهم نيته بإصداره قرار لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وبهذا يكون اعترافا ضمنيا من الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل بما فيها القدس الشرقية، وردا على ذلك اعترض القادة العرب بجانب الدول الإسلامية والقوى الدولية، كالاتحاد الأوربي وبريطانيا وروسيا والصين محذرين من تداعياتها الخطرة على أمن المنطقة.

ومن المقرر أن تعقد الجامعة العربية، دورة غير عادية لوزراء الخارجية، يوم السبت المقبل الموافق 9 ديسمبر الجاري، للنظر في التطورات الخاصة بالإعلان المرتقب لترامب بشأن اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، وسيحث الاجتماع التحركات العربية الواجبة إزاء هذا القرار المتوقع، غير الشرعي والقانوني، حيث تنص القرارات الدولية على أن القدس الشرقية ضمن حدود 1967 خاضعة للاحتلال الإسرائيلي وستكون عاصمة للدولة الفلسطينية المرتقبة، كذلك دعا الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، إلى عقد قمة لقادة دول منظمة التعاون الاسلامي في اسطنبول يوم  13 ديسمبر الجاري من أجل الأمر ذاته.

واقتصرت الردود العربية حتى الآن على تحذير واشنطن من هذه الخطوة، لكن لم يتم الإعلان عن اتخاذ إجراءات قوية لمواجهة القرار الأمريكي، مثل تهديد الدول العربية كمصر والأردن المعترفة بإسرائيل وتربطها بها اتفاقيات بتجميد هذه الاتفاقيات أو حتى طرد ممثلي إسرائيل لديهم واستدعاء سفراهم، باستثناء السلطة الفلسطينية التي حذرت من أنها ستلغي كل اتفاقات السلام التي وقعتها مع دولة الاحتلال وستسحب اعترافها بها، وهذا لن يؤثر كثيرا في ظل الظروف الحالية.

فهناك حديث عن “صفقة القرن” التي أعلن عنها ترامب، وهي عبارة عن “الاتفاق النهائي” الذي وضعه ترامب للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، وكشفت تسريبات أن الصفقة تتضمن:

• إقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة والمناطق (أ، وب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية.

• توفر الدول المانحة 10 مليارات دولار لإقامة الدولة وبنيتها التحتية بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزة.

 وضع القدس وقضية عودة اللاجئين سيؤجلان لمفاوضات لاحقة.

• مفاوضات حول محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية، بقيادة السعودية.

ونظرا لانشغال الدول العربية بأوضاعها الداخلية، خاصة بعد موجة الانتفاضات الشعبية التي ضربت المنطقة منذ 2011، فإن هناك حالة ضعف عربي تعيشها الأنظمة السياسية، التي يهادن كثير منها الولايات المتحدة من أجل مساعداتها في أزماتها، بالتالي رأى ترامب أن هذه فرصة لتحقيق وعده الانتخابي أو على الأقل إجبار الفلسطينيين والدول العربية على تقديمات تنازلات مؤلمة.

فالخليج الآن منشغل بأزمته مع قطر، ومواجهة النفوذ الإيراني الذي بات يعتبر العدو الأول لهم خاصة السعودية، ويحاول الحصول على الدعم الأمريكي في مواجهة طهران، فالرياض ومعها حلفائها الخليجين ما زالت غارقة في مستنقع اليمن ولم تقدر على تحقيق أهدافها هناك، بجانب ضياع ورقة رابحة أرادت استغلالها مؤخرا، وهي الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، الذي عملت على التعاون معه في نقض تحالفه مع جماعة أنصار الله الحوثية والانضمام إليهم، لكن ضاعت ورقتها بمقتل صالح وتحاول الآن كسب ود القبائل الموالية له من أجل تأليبهم على جماعة الحوثي ومساعدتها فيما فشلت فيه.

من جانبها تريد مصر تأمين جبهتها الداخلية، خاصة في سيناء التي ما زالت تشهد عمليات إرهابية ضخمة آخرها حادث مسجد الروضة  في العريش الذي قتل فيه أكثر من 300 شخص، بالتالي قادت جهودا مضنية من أجل المصالحة بين حماس وفتح لتوحيد القوى الفلسطينية، للدخول في مفاوضات جدية مع الاحتلال، لكن يبدو أن ترامب وإسرائيل سيطيحان بهذه الخطوة، حيث سيتم جر حركات المقاومة إلى مواجهة مع الاحتلال، بالتالي إيجاد مبرر لرفض حل الدولتين أو الدخول في مفاوضات سلام.

ثالثا-  السيناريوهات المتوقعة:

في ظل ترقب إعلان ترامب لقراره النهائي بشأن القدس، فإنه من المتوقع أن يكون التالي:

إعلان ترامب اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل بشكل نهائي، والبدء في الإجراءات الفعلية لنقل سفارة واشنطن إلى القدس.

• اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، مع تأجيل تنفيذ القرار من أجل الضغط على الدول العربية، والتوصل لتسوية نهائية وكذلك التظاهر بممارسة ضغوط على إسرائيل لقبول عملية السلام.

• تأجيل قرار اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل كالعادة لستة أشهر أخرى، لكن تكثيف الضغط على السلطة الفلسطينية والدول العربية، والتلويح بهذا القرار من وقت لآخر للحصول علة مزيد من المكاسب والتنازلات.

وعلى مستوى إسرائيل، تحاول استغلال وجود ترامب في السلطة من أجل تحقيق الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فمنذ احتلالها للقدس بالكامل في 1967، وإعلانها عاصمة لها إلا أن المجتمع الدولي ومنهم واشنطن رفضوا ذلك، وفي حال إعلان ترامب هذا القرار، فإن إسرائيل ستنتقل للمرحلة التالية وهي الضغط ل إيجاد وطن بديل للفلسطينيين سواء في الأردن أو باقتطاع أراضي من سيناء وضمها لغزة، و بهذا تكون قتلت شروط مفاوضات عملية السلام التي تنص على حل أزمة اللاجئين الفلسطينيين، وبناء المستوطنات، والقدس، ومساحة الدولة.

ولتحقيق هذا الهدف روجت له كثيرا، فمثلا سربت هيئة الإذاعة البريطانية “ي بي سي” وثائق تزعم موافقة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، على توطين الفلسطينيين الموجودين في لبنان في سيناء، مقابل حل القضية الفلسطينية، ما رد عليه مبارك بإصدار بيان نفى فيه ذلك، وأكد بالفعل وجود مساعي إسرائيلية لتحقيق هذه الغرض آخرها في عام 2010 حيث عرض عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي هذا المقترح، كذلك قالت وزيرة المساواة الاجتماعية الإسرائيلية جيلا جملئيل، نهاية نوفمبر  2017 إن أفضل مكان للفلسطينيين ليقيموا فيه دولتهم هو سيناء.

وحتى إن لم يعترف ترامب بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ستظل إسرائيل متعنتة في مفاوضات السلام فكما قال وزير الدفاع أفيجدور ليبرمان في 2016 لا توجد “عملية” ولا يوجد “سلام”.

أما على المستوى العربي ترفض مصر بشدة توطين الفلسطينيين في سيناء لأنه تهديد للأمن القومي، والفلسطينيين لا يجوز لهم التخلي عن أراضيهم، وقد تكون هناك دولا عربية توافقت مع واشنطن وإسرائيل على هذا الحل والضغط على مصر لقبوله، لكن القاهرة لا يمكنها تمرير مشروع كهذا سينهي القضية الفلسطينية برمتها ويهدد أمنها وعلى حسابها.

فيما ستكتفي الدول العربية الأخرى بعمليات التنديد دون اتخاذ إجراء حقيقي للضغط على واشنطن أو إسرائيل لوقف مثل هذه الممارسات.

——————————————————————————————————————–

المصادر:

  • تعيين ديفيد فريدمان المؤيد للاستيطان سفيرا للولايات المتحدة في إسرائيل، هيئة الإذاعة البريطانية ب”ي بي سي”، 24/3/2017، الرابط.

  • غرينبلات.. يهودي بإدارة ترمب أولويته فلسطين، الجزيرة نت، 5/2/2017، الرابط.

  • موقع بريطاني: هذه تفاصيل صفقة القرن بين العرب وإسرائيل.. وهذا دور بن سلمان، وكالة سبوتنيك، 23/11/2017، الرابط.

  • ترامب يتجاهل التحذيرات مؤكدا نيته نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وردود فعل واسعة، القدس العربي، 5/12/2017، الرابط.

  • مسؤولون أمريكيون: ترامب يعتزم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فرانس 24، 6/12/2017، الرابط.

  • وزيرة إسرائيلية: سيناء أفضل مكان للفلسطينيين لإقامة دولتهم!، روسيا اليوم، 27/11/2017، الرابط.

  • وثائق سرية بريطانية: مبارك قبل طلب أمريكا توطين فلسطينيين بمصر مقابل إطار لتسوية شاملة للصراع مع إسرائيل، هيئة الإذاعة البريطانية ب”ي بي سي”، 29/11/2017، الرابط.

  • ردا على تقرير لبي بي سي: مبارك ينفي “قبوله توطين فلسطينيين في مصر”، هيئة الإذاعة البريطانية ب”ي بي سي”،29/11/2017، الرابط.