بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

العلاقات الباكستانية الأمريكية من التحالف إلى التفكك

الوسوم

 

في إطار التحولات التي تشهدها التوجهات الاستراتيجية للولايات المتحدة خاصة فيما يتعلق بسياستها الخارجية، بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إعادة ترتيب علاقات واشنطن مع العديد من حلفائها وشركائها السابقين في مناطق حيوية عدة وسط الصراع مع روسيا والصين على مناطق جيوسياسة وجيواقتصادية مهمة، من هذه المناطق جنوب آسيا التي ستكون محور قوى للصراع خلال السنوات المقبلة بين واشنطن وحلفائها وكذلك الصين وشركائها، خاصة باكستان الموجودة في المنطقة التي تشهد أكبر فشل أميركي منذ عام 2001، وهو  دخولها أفغانستان. إذ بلغت خسائر واشنطن حتى الآن أكثر من 6 تريليون دولار، بجانب مقتل حوالي 2400 جندي أمريكي في الحرب بخلاف الجرحى.

أعلن ترامب في أغسطس 2017 عن استراتيجية جديدة لمنطقة جنوب آسيا، تركز على إنهاء وحسم حرب الولايات المتحدة في أفغانستان، وتقضي الاستراتيجية بإرسال مزيد من الجنود والضغط على باكستان المتهمة بدعم حرطة طالبان وجماعات مسلحة أخرى تستهدف الوجود الأمريكي في أفغانستان، وحذر ترامب إسلام آباد من أنها ستخسر كثيرا إذا استمرت في نهجها بدعم الإرهابيين.

يكشف توجه الإدارة الأمريكية الجديد ناحية باكستان إحدى حلفائها في جنوب آسيا عن حدوث تحول كبير، يأتي في  ظل الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وبكين وموسكو، فباكستان كانت من أهم حلفاء الولايات المتحدة وتحصل على مساعدات عسكرية سنوية وصلت في بعض الأعوام إلى 3 مليار دولار، أما الآن قلصتها واشنطن وربطت استمرارها بمدى التعاون معها في محاربة الإرهاب.

التغير الأمريكي ناحية إسلام آباد لم يأت بسبب حرب أفغانستان فقط وإنما هناك تخوف أمريكي من انضمام باكستان إلى محور الصين وروسيا لتقويض نفوذها في آسيا، لذا شكلت واشنطن تحالفا رباعيا يضمها بجانب الهند واليابان وأستراليا، للحفاظ على نفوذها في آسيا، ما كشفه رفض بكين وموسكو للاتهامات الأمريكية والهندية لباكستان بدعم الإرهاب، فكلا من الصين وروسيا وباكستان بجانب إيران متقاربين في أفغانستان ما يتعارض مع المصالح الأمريكية.

لذا ستحدد مسيرة العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة، جانبا كبيرا من مصير منطقة جنوب آسيا، أحد ممرات مبادرة “الحزام والطريق”، التي أطلقتها الصين من أجل السيطرة على حركة التجارة والاقتصاد في القارة الآسيوية بجانب مناطق في أفريقيا وأوروبا.

أولا- الأهمية الجيوسياسة لمنطقة جنوب آسيا:

تضم منطقة جنوب آسيا، مجموعة من الدول ذات تشابكات خارجية ومصالح متعارضة مع قوى دولية وهذه الدول هي: باكستان و الهند وأفغانستان وإيران وبنغلاديش ونيبال وبوتان و سريلانكا وجزر المالديف.

 شهدت المنطقة العديد من الحروب، أهمها الحرب بين الهند وباكستان والنزاع المستمر حتى الآن على إقليم كشمير، ما يتسبب في اندلاع مناوشات مباشرة بين الطرفين من وقت إلى آخر بجانب استمرار الخلافات السياسية بين الطرفين وتوظيفهما من قبل قوى خارجية كولاء لها.

اكتسبت المنطقة أهميتها بشكل كبير للولايات المتحدة، لعدة أسباب أهمها وجود حليفتها الهند التي تعتبرها حائط صد ضد طموحات التنين الصيني، فالهند تشكل قوة بشرية بعدد سكان يقدر بـ1.3 مليار  نسمة، وكذلك تمتلك قوة عسكرية متقدمة، حيث يحتل الجيش الهندي الترتيب الرابع على مستوى العالم، ويمتلك ضمن أسطوله البحري أول غواصة نووية محلية الصنع، ويبلغ عدد أفراد الخدمة العسكرية 164 مليون عسكري، بميزانية عسكرية تبلغ 3.02 مليار دولار.

هذه القوة قادرة على إرباك بكين وتهديد تفوقها في آسيا، لهذا شكلت الولايات المتحدة تحالفا رباعيا مع الهند واليابان وأستراليا لمواجهة خطر الصين، وكذلك تهديدات كوريا الشمالية المدعومة من بكين من أجل تقويض نفوذ واشنطن في آسيا بشكل عام بالتعاون مع روسيا.

شكل التدخل الدولي في أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة انخراطا واسعا من واشنطن في هذه المنطقة تحت زعم مواجهة الإرهاب، وساهم ذلك في تحويلها لمستنقع من الفوضى، لم تقدر على تحقيق أهدافها حتى الآن منذ دخولها في 2001، حتى في ظل وجدود إدارتين مختلفتين في الولايات المتحدة الأولى بقيادة الجمهوري جورج بوش الذي اتخذ قرار الحرب وفشل في إنهائها أو تحقيق نجاحات طوال فترته، والثانية تحت قيادة الرئيس السابق باراك أوباما الذي فشل أيضا في إنهاء الحرب بل أرسل المزيد من القوات إلى هناك لحسم الأمور، بجانب دعوته إلى التفاوض مع حركة طالبان من أجل التوصل لحل سلمي للأزمة، إذ تسيطر الحركة على حوالي 40% من أراضي أفغانستان.

والآن في ظل إدارة ترامب الثالثة ما زال الأمر لم يحسم بعد، فمن الصعب تقييم استراتيجة ترامب الجديدة التي لم يمر عليها سوى 3 أشهر، لكن ترامب بخلاف سابقيه ركز استراتيجته ناحية باكستان وحملها مسؤولية خسائر واشنطن وحلفائها، ما اعترضت عليه باكستان ورفضت أن تكون “كبش فداء” لفشل الولايات المتحدة لأكثر من 16 عاما في الحرب الأفغانية رغم تعاون باكستان معها منذ البداية وشهدت هجمات إرهابية عدة بسبب تعاونها في الحرب الأفغانية.

ومع استمرار فشل الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان، سعت روسيا إلى استغلال هذه الأزمة من أجل استنزاف خصومها الغربيين، بتقديم الدعم المادي والعسكري لحركة طالبان، ما أكدته واشنطن واتهمت مرارا موسكو بذلك، خاصة في ظل إدارة ترامب، وتواصل موسكو مع حركة طالبان سيمر بالطبع عبر باكستان وإيران، فروسيا تريد استخدام الجماعات المسلحة كما فعلت واشنطن وحلفائها من قبل حينما تم هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان بعد تدخله عسكريا عام 1979.

وستكون هذه الاستراتيجية غير مكلفة كثيرا لروسيا، فكما تريد أوروبا ومعها الولايات المتحدة إنهاك روسيا بتطويق جوارها وضم المزيد منها إلى حلف شمال الأطلنطي وإجبارها على الدخول في سباق تسلح مكلف ينهكها اقتصاديا كما حدث من قبل مع الاتحاد السوفيتي، بالتالي إضعاف روسيا ومنع توسيع نشاطاتها في أوروبا كما حدث في ضمها لجزيرة القرم وكذلك دورها في الأزمة الأوكرانية.

أيضا منطقة جنوب آسيا مهمة للصين حيث يمر عبرها طريق الحرير البري والبحري، وليس لبكين هناك شريك قوي سوى باكستان، وإذا أرادت الصين إخضاع هذه المنطقة أو حتى مد نفوذها هناك وحماية مصالحها بحاجة إلى شركاء، وإسلام آباد مؤهلة لذلك فسبق أن ساعدتها في حروبها ضد الهند ودعمت حصولها على السلاح النووي الذي حصلت عليه نيودلهي بدعم غربي، ولأهمية وجود باكستان ضمن مبادرة “الحزام والطريق” توصل البلدان إلى اتفاق بشأن حماية الممر الاقتصادي، المؤدي من الصين إلى المحيط الهندي.

وشكلت باكستان من أجل هذا الغرض في العام الماضي قوة خاصة مكونة من 10 آلاف عسكري لحماية العمال الصينيين الذين سيعملون في مد الطريق، حيث سيمر  الطريق من منطقة شين جيانغ الأويغورية ذاتية الحكم في الصين إلى ميناء غوادر الباكستاني، ما يتيح للصين تصدير منتجاتها إلى دول منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، واستيراد النفط عبره بدلا من مضيق ملقا الواقع في جنوب – شرق آسيا، الذي يمكن إغلاقه حال تأزم العلاقات مع الولايات المتحدة.

وأعلن البلدان في أبريل 2015، خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لإسلام آباد عن استثمارات صينية بقيمة 46 مليار دولار في مشاريع الطاقة والبنية التحتية في باكستان، لدعم إقامة الممر الاقتصادي بين ميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب وإقليم شينجيانغ غرب الصين، وكان من المخطط أن تستثمر الصين نحو 34 مليار دولار في مشاريع الطاقة وحوالي 12 مليار دولار في مشاريع البنية التحتية، لإنشاء شبكة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط أنابيب لنقل مصادر الطاقة، ستسهم في وصول بكين لما هو أبعد من باكستان.

ثانيا- العلاقات الباكستانية الأمريكية من التحالف إلى التفكك:

تعتبر الولايات المتحدة من أوائل الدول التي اعترفت بباكستان، لتبدأ العلاقات بينهما عام 1947، وفضلت وقتها إسلام آباد الانضمام إلى معسكر الرأسمالية الغربية في مواجهة الشيوعية السوفيتية، وكان حليفا مفضلا لواشنطن وتراوحت العلاقات بينهما صعودا وهبوطا حتى اليوم إلا أنها لم تخرج عن دائرة شركائها الأساسين، فقد كانت إسلام آباد رابع أكبر متلقي للمساعدات الأمريكية بعد إسرائيل ومصر وتركيا، واحتلت في إحدى الفترات المرتبة الثانية بعد إسرائيل مباشرة.

1ـ تاريخ التحالف الأمريكي الباكستاني:

وقعت باكستان والولايات المتحدة في عام 1954 اتفاقية ثنائية للمساعدة الدفاعية، وتقضي بتدريب مجموعة كبيرة من الجنود الباكستانيين في أمريكا، مقابل إنشاء الأخيرة مجموعة استشارية للمساعدات العسكرية في باكستان، وفي عام  1956  استأجرت واشنطن المحطة الجوية في بيشاور للجيش الأميركي من أجل مراقبة الاتحاد السوفيتي.

وخلال عقد الستينات، سمحت باكستان للولايات المتحدة الأميركية باستخدام أراضيها لتنفيذ مهمة طيران تجسسية ضد الاتحاد السوفيتي، ومع اندلاع الحرب الثالثة بين باكستان والهند في 1971 التي أسفرت عن انقسام باكستان إلى دولتين وهي بنجلاديش ومعها الدولة الأم باكستان، فرضت واشنطن حظر اقتصادي وعسكري على إسلام آباد ما أثر عليها بشكل سلبي وأدى إلى حدوث إنهيار اقتصادي، ورغم ذلك كان هناك دعما استخباراتيا لها لمنع الهند من اجتياح المزيد من الأرضي الباكستانية لأنها بحاجة إليها.

وبالفعل دعمت إسلام آباد  واشنطن في حربها الباردة، خاصة في فتح وسيلة للتواصل مع الصين عام 1971 وتحقيق كسر الجمود في علاقات البلدين، وكالعادة تستمر العلاقات الأمريكية صعودا وهبوطا إلى، فرض الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عام  1976 حظر على الأسلحة النووية التي سعت لامتلاكها باكستان ما أثر سلبا على العلاقات بينهما إلى أن تم الإنقلاب على رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو  عام 1977 وإعدامه في أبريل 1979.

وفي فترة الجنرال محمد ضياء الحق الذي انقلب على بوتو  من 1979 إلى 1988، تحولت العلاقة بين باكستان والولايات المتحدة إلى أكثر قوة ومتانة خاصة في النواحي العسكرية  والاستخباراتية، وحصلت فيها إسلام آباد على مساعدات بالمليارات لدور باكستان ضد السوفيت خاصة حرب أفغانستان، ففي عام 1981 وصلت المساعدات إلى 3.2 مليار دولار، لتصبح في عام 1985 رابع متلقي للمساعدات الأمريكية وفي 1987 وصلت إلى أكثر من 4 مليار دولار  لتحتل المرتبة الثانية بعد إسرائيل.

وكان الاهتمام الأمريكي بباكستان يرجع إلى كونها تشكل رأس حربة في مواجهة الاتحاد السوفيتي ومع انهياره في 1990 تضاءلت أهمية باكستان، ليتم فرض عقوبات عليها بسبب برنامجها النووي، ووصل الأمر  إلى تهديدها في عام 1992 بإدراجها على قائمة الدول الراعية للإرهاب بسبب دعمها للجماعات المسلحة المناهضة للهند التي تعتبر هي الأخرى شريكا لواشنطن.

وفي عام 1995 تحسنت العلاقات بين البلدين، ليتم الاتفاق على تسليم معدات عسكرية بقيمة 368 مليون دولار  لباكستان وإطلاق عملية مشتركة للقضاء على التشدد من المنطقة د، إلا أن تذبذب العلاقات عاد مرة أخرى في عام 1998، ليتم فرض عقوبات مجددا على إسلام آباد بسبب إجرائها تجربة نووية ردا على تجربة مماثلة أجرتها الهند، لكن في نفس العام تم رفع العقوبات عن البلدين، لأن واشنطن بحاجة إلى كليهما.

ومثلت هجمات 11 سبتمبر 2001 إعادة بناء التحالف بين باكستان وأمريكا، في إطار  “الحرب على الإرهاب”، فحاولت إسلام آباد الضغط على حركة طالبان في أفغانستان، لتسليم زعيم القاعدة أسامة بن لادن، لكنها فشلت في ذلك لتساهم بعدها في حرب واشنطن على كابول وسمحت للجيش الأمريكي وحلفائه باستخدام أراضيها في عملياتهم العسكرية ضد طالبان، مقابل رفع كافة العقوبات على باكستان وقدمت لها واشنطن في عام 2003 قرضا بقيمة مليار دولار، وفي 2004 أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش إسلام آباد حليفًا خارج الناتو وسمح لها بشراء المعدات العسكرية الاستراتيجية والمتقدمة وحصلت باكستان منذ عام 2001 وحتى عام 2011 مساعدات تقَدر بـ 20 مليار دولار، ليتم تخفيضها إلى 800 مليون دولار  بعد اكتشاف واشنطن وجود أسامة بن لادن في باكستان وقتله من قبل القوات الأمريكية.

وشهدت العلاقات تحسنا جديدا عام 2012، خاصة مع تولي نواز شريف رئاسة الوزراء في  2013، لترفع واشنطن تجميد المساعدات لباكستان وبلغت قيمتها 16 مليار دولار، واستمرت العلاقات على هذه الوتيرة صعودا وهبوطا، إلى أن جاء ترامب الذي هددها صراحة بفرض عقوبات وخفض المساعدات إن لم تتوقف عن دعم الجماعات المناهضة للولايات المتحدة في حربها بأفغانستان.

2- أسباب الخلاف الأمريكي الباكستاني:

أـ دعم باكستان للجماعات المسلحة:

يتركز الخلاف الأمريكي الباكستاني على، دعم الجماعات المسلحة، فإسلام آباد متهمة بدعم حركة طالبان وشبكة حقاني التي تنفذ عمليات مسلحة ضد القوات الأمريكية وحلفائها في أفغانستان، حيث تتخذ قيادات هذه الجماعات من المناطق الحدودية وبعض المناطق في باكستان مراكز تدريب وقيادة لها.

ولهذا قال ترامب في استراتيجيته الجديدة إن باكستان ستخسر كثيرا إن لم تتعاون معها في مكافحة الإرهاب والقيام بدورها، ولاقت هذه الاتهامات ردودا قوية من إسلام آباد ، فقد أكد وزير الخارجية الباكستاني خواجه محمد آصف أن بلاده ستدافع عن سلامتها الإقليمية ولن تضحي بها بأي ثمن، رغم رغبة بلاده في استمرار العلاقات الممتدة بين البلدين منذ سبعين عاما.

كذلك حذر رئيس الوزراء الباكستاني شاهد خاقان عباسي، في سبتمبر 2017 من فرض الولايات المتحدة عقوبات على مسئولين باكستانيين أو تقليص المساعدات العسكرية لبلاده لما له من نتائج عكسية في محاربة الإرهاب، وفي ذلك إشارة تحذيرية أنها ستوقف تعاونها مع واشنطن التي زاد أعدائها في أفغانستان عدوا جديدا شرسا لا يعرف الالتزام بالحدود وهو تنظيم “داعش” فهو ليس مثل طالبان الموجودة في أفغانستان فقط إنما قادر على جذب المزيد من أتباعه هناك، كما هدد عباسي صراحة باللجوء إلى الصين وروسيا من أجل دعم بلاده عسكريا من أجل الحفاظ على أمنها القومي.

ب ـ استمرار الخلافات مع الهند:

يعتبر أحد الأسباب الرئيسية أيضا في تذبذب العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة، فنيودلهي أصبحت حليفا كبيرا لواشنطن خاصة في مواجهة الصين، فالهند بقدراتها العسكرية والبشرية قادرة على دعم واشنطن في التصدي لمحور الصين وروسيا في آسيا خاصة في ظل ميل إسلام آباد إلى روسيا ومحاولتهم حل القضية في باكستان وفق مصالحهم ودعمهم للحل السلمي الذي يقضي بمشاركة طالبان في الحكم وخروج القوات الأمريكية من أفغانستان.

وتحاول واشنطن تثبيت هيمنة الهند على منطقة جنوب آسيا الممتدة من أفغانستان إلى بنجلاديش، من أجل التصدي للصين، وتعزيز وجودها في أفغانستان لتكون وكيلها هناك بدلا من باكستان التي لن تعمل لصالحها، وهي بحاجة إلى إنهاء قضية إقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان حتى لا يستنزف رأس حربتها الجديدة وهذا ليس بالأمر الهين الآن فروسيا والصين أصبحا يدعمان إسلام آباد لأن سقوط باكستان يعني هيمنة واشنطن على جنوب آسيا عبر وكيلها الجديد نيودلهي.

ثالثا- مستقبل الوجود الأمريكي في جنوب آسيا:

تعاني السياسة الأمريكية من تخبط كبير في توجهاتها الخارجية وعدم قدرتها على حسم الكثير من الملفات لصالحها، وزاد هذا الأمر مع تولي ترامب شؤون البيت الأبيض الذي جاء بقناعات مختلفة عن الثوابت الأمريكية، ما شكل تضاربا كبيرا في السياسة الأمريكية وعدم وجود استراتيجيات واضحة للتعامل مع المناطق التي تمثل مصالح مهمة للولايات المتحدة أو حلفائها، فترامب أعلن عن مبدأه وهو “أمريكا أولا” الذي يعني تفضيل المصالح الأمريكية حتى وإن أتى على حساب شركائها الأساسين وحلفائها كالاتحاد الأوربي الذي بدأ يقوي من قدراته العسكرية خوفا من الانسحاب الأمريكي المفاجئ الذي يجعلهم ضعفاء أمام مواجهة روسيا ما بدأت بوادره بأزمة أوكرانيا.

وإعلان ترامب إستراتجيته لحرب أفغانستان جاءت على حساب حليفة بلاده السابقة باكستان، حيث اتهمت بدعم الإرهاب وتم التلويح بالتضييق على توجهاتها العسكرية بإعلان واشنطن قلقها من تطوير إسلام آباد لأسلحتها النووية وصواريخها الباليستية، وهو تحذير بنزع هذا السلاح منها أو الاتجاه لفرض عقوبات عليها وخلق عزلة دولية كبيرة تجاهها وهو ما سيصب في صالح خصمها اللدود الهند التي دعمت موقف ترامب بشدة حينما وجه هذه الاتهامات بحدة لإسلام آباد.

1ـ التحديات:

تواجه الولايات المتحدة تحديات غير مسبوقة في هذا الجزء المهم من العالم، أولها حرب أفغانستان التي تعد أطول حرب انخرطت فيها الولايات المتحدة، وسيتم استنزاف واشنطن في هذه البقعة ما لم يتم التوصل لحل سياسي لن الأزمة ستكون أكبر من طالبان وباكستان فدخول روسيا والصين ومعهم إيران في أفغانستان سيعقد الأمور أكثر على واشنطن بجانب ظهور داعش، ما حاول الرئيس السابق أوباما فعله بالتفاوض مع طالبان ومن ثم فتح لهم مكتب سياسي في دولة قطر، أما ترامب يريد الآن إغلاق هذا المكتب وسط معارضة من قبل بعض المسؤولين الذين يدركون صعوبة حسم الأمر عسكريا.

ومن بين التحديات الأخرى التي تواجهها واشنطن هو السيطرة على باكستان، فخروج إسلام آباد من العباءة الأمريكية سيؤثر كثيرا على واشنطن، لأنها ستذهب لخصومها وستوفر لهم أرضية صلبة لتقويض النفوذ الأمريكي، فباكستان ساعدت من قبل في إخراج السوفيت من أفغانستان، وبيدها الكثير من الحلول لمساعدة واشنطن، وهو ما تعلمه إدارة ترامب فكما للصين من قدرة على إنهاء عدائية كوريا الشمالية يمكن لإسلام آباد أيضا التأثير على طالبان.

كذلك ينمو الآن التحالف المكون من إيران وأفغانستان والصين وروسيا، فعقب اتهام ترامب في أغسطس الماضي لباكستان بدعم الإرهاب، ذهب وزير الخارجية الباكستاني على الفور إلى الصين وروسيا لتبحث إسلام آباد عن تكتل جديد لحمياتها خاصة في مواجهة الهند المدعومة أمريكيا وأوروبيا حتى إسرائيل التي اتفقت معها على دعمها بأسلحة تكنولوجية متقدمة خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندار مودي إلى إسرائيل في يوليو 2017 وهي الزيارة الأولى من نوعها في تاريخ البلدين، وتعد الهند أكبر مشتري للسلاح الإسرائيلي بقيمة مليار دولار سنويا.

ورغم ميل باكستان إلى السعودية في خلافها مع إيران بجانب المشكلات الكثيرة المتجذرة بينهما إلا أن ذلك لم يمنع البلدين من التنسيق فيما يخص أفغانستان والتعاون مع روسيا في هذا الشأن، وسبق أن أجرى رئيس الأركان العامة للجيش الباكستاني قمر جاويد باجوا، يوم 5 نوفمبر 2017زيارة إلى طهران، والتقى بنظيره الإيراني اللواء محمد علي باقري، وعرضت طهران على إسلام آباد فكرة إنشاء قوات شعبية على غرار الحرس الثوري الإيراني، لمواجهة الاستكبار العالمي (واشنطن)، وسيدعمها الإيرانيون في ذلك.

2ـ الفرص:

لا يمكن لواشنطن دعم الهند بشكل كبير في مواجهة باكستان، لأن الأخيرة ستعده ذلك عدوان عليها، وبالتالي عليها موازنة علاقاتها وإلا ستسرع بتوجه باكستان لروسيا والصين، والولايات المتحدة غير قادرة في هذا التوقيت على مواجهة تكتل جديد وقوي في بقعة مهمة تريد الصين تقويض وجودها فيها.

تعتبر الهند فرصة قوية للولايات المتحدة لحماية نفوذها في هذه المنطقة، فقد دعمت دخول الهند في أفغانستان لتحل محل باكستان إذ بلغت الاستثمارات الهندية في أفغانستان حوالي 3 مليار دولار تستهدف المشروعات الخدمية والبنية التحتية وذلك لكسب تعاطف وتعاون الأفغان معها ولتكسب ورقة جديدة في مواجهة باكستان والصين، كذلك تجري واشنطن تدريبات عسكرية دائمة مع الهند بجانب تسليحها بشكل متقدم سيفيدها ليس في محاولة السيطرة على أفغانستان وإنما تقويض تمدد الصين وكذلك العمل كحائط صد ضد روسيا.

ورغم وجود الصين وروسيا والهند ضمن تكتل واحد وهو “البريكس” لكنه تعاون اقتصادي وليس مصالح استراتيجية أو التعاون ضمن الحفاظ على تماسك إقليم أو منطقة ما فبمجرد حصول أحد الأطراف، ومنهم الهند على عرض أميركي أفضل ستترك هذه التجمعات وهو ما يجري الإعداد له الآن، حيث ستحاول الولايات المتحدة تغطية فشلها في أفغانستان باستهداف باكستان والاستعانة بالهند لتحل محلها في حال قررت الإنسحاب مستقبلا أو تدخل كوكيل لها في حرب بالوكالة.

تعتبر باكستان أحد حلفاء الخليج وخاصة السعودية، ويمكن لواشنطن في ظل علاقاتها الحالية بالخليج العمل معه من أجل عودة باكستان للحظيرة الأمريكية مجددا، وهو ما سيكون  في صالحهم خاصة في أزمتهم مع مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد، فباكستان رفضت من قبل إرسال قواتها للمشاركة في حرب اليمن التي تقودها السعودية كما رفضت سحب سفيرها من طهران إثر أزمة قطع العلاقات السعودية الإيرانية في 2016.

ختاما يمكن القول إن العلاقات الباكستانية الأمريكية شهدت على مدى 70 عاما تذبذبا كبيرا، صعودا وهبوطا ، وكان يحدد مستوى التعاون بينهما هو العدو المشترك أو المصالح التي يمكن لإسلام آباد أن تخرج منها، وستظل واشنطن رغم حماقة ترامب بحاجة إلى باكستان في أفغانستان حتى إنهاء الأزمة هناك إما سياسيا أو  عسكريا، خاصة مع ظهور تنظيم داعش الذي يسعى لإقامة دولة بديلة له هناك مع إنهيار دولته في العراق وسوريا.

——————————————————————————————————————–

المصادر:

1ـ ولادة جديدة للحرب الأفغانية: محاورة طالبان وتهديد باكستان وإغراء الهند، العربي الجديد، 23/8/2017، الرابط.

2ـ باكستان تدعو الولايات المتحدة لاحترام سيادتها، العربية نت، 7/9/2017، الرابط.

3ـ فاطمة الصمادي، باکستان والولايات المتحدة الأميركية: تحالف الأثمان الباهظة، الجزيرة نت، 9/2/2015، الرابط.

4ـ الولايات المتحدة تدفع الهند إلى الدخول في نزاع مع الصين، روسيا اليوم، 13/7/2017، الرابط.

5ـ «الرباعي الآسيوي» في مواجهة المد الصيني، الشرق الأوسط، 26/11/2017، الرابط.

6ـ هل يمكن تكرار تجربة “الباسيج” الإيراني في باكستان؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 16/11/2017، الرابط.

7ـ باكستان: فرض واشنطن عقوبات على إسلام آباد سيكون له نتائج عكسية على أمريكا، الأهرام، 12/9/2017، الرابط.

إغلاق