بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةدراسات

ماذا ينتظر النظام السياسي الصومالي بقيادة فرماجو: دراسة في بيئة النظام ومعضلاته

الوسوم

للموقع الجغرافي المتميِّز للصومال تجلِّياته على ماضي وحاضر ومستقبل عملية بناء الدولة الوطنية الصومالية، التي لطالما واجهت جملة من المتاعب مثَّلت نِتاجاً منطقياً للأهمية الاستراتيجية التي يُرتِّبها هذا الموقع، فوقوع الصومال قرب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، عند مضيق باب المندب، الذي يُعد واحداً من أهم طرق التجارة العالمية فضلاً عن متاخمته للمحيط الهندي أفضى إلى تحويل الدولة الصومالية، منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، إلى ساحة للتنافس بين القوى الاستعمارية الأوروبية قاطبةً، التي قسَّمتها إلى أجزاء عدة؛ كالصومال الفرنسي والصومال البريطاني والصومال الإيطالي.

وكان لإرث الفترة الاستعمارية من تاريخ الصومال المعاصر عظيم الأثر في الإشكاليات التي تواجه الدولة الصومالية منذ حصولها على الاستقلال، مطلع الستينيات من القرن المنصرم، حتى وقتنا الحاضر. ولا زال الموقع الاستراتيجي يُلقي بظلاله وتبعاته على حاضر الدولة الصومالية، التي أضحت ميداناً للاستقطابات والتجاذبات بين جُلّ القوى الإقليمية والدولية. الأمر الذي يُسْهم بدرجة كبيرة في تعميق الانقسامات بين مختلف الفصائل الصومالية وتشرذُم المجتمع الصومالي، ويضيف مزيداً من الأعباء الآنية على عاتق النظام السياسي الصومالي الذي أضحى يواجه تحدِّيات عدة سواء كان مصدرها البيئة الداخلية أو البيئة الخارجية، بشقَّيها الإقليمي والدولي، التي يعمل في إطارها هذا النظام ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية.

بات الصومال، الذي انزلق إلى حرب أهلية أسفرت عن انهيار نظامه السياسي ومؤسساته، يحدوه الأمل من جديد في إعادة بناء تلك المؤسسات وتأهيلها كي تضطلع بأدوارها على نحو يلائم الزخم الذي تشهده الدولة الصومالية، ويتسق وثورة التوقعات التي تعتري المشهد السياسي الصومالي في أعقاب انتخاب محمد عبد الله فرماجو في فبراير 2017 كثاني رئيس غير انتقالي للصومال.

وعلى هديّ تلك المقدمة، تصبو الورقة البحثية إلى دراسة النظام السياسي الصومالي بتسليط الضوء على كلٍ من البيئة الداخلية والخارجية التي يعمل في إطارها هذا النظام، هذا إلى جانب تناوُل أبرز التحدِّيات الراهنة التي تواجه الدولة الصومالية. وقد قُسِّمت الورقة إلى المحاور التالية:

المحور الأول: البيئة الداخلية للنظام السياسي الصومالي.

المحور الثاني: البيئة الداخلية للنظام الصومالي.

المحور الثالث: معضلات النظام السياسي الصومالي.

إن البيئة التي يعمل في إطارها أي نظام سياسي تنصرف إلى جملة العوامل والمحدِّدات التي تؤثر على مخرجات هذا النظام وسياساته، سواء كان منبعها البيئة الداخلية كالمحدِّدات الجغرافية والثقافية والديموغرافية والاقتصادية وغيرها أو البيئة الخارجية الإقليمية أو الدولية كعلاقات النظام السياسي بدول الجوار الإقليمي أو علاقاته الدولية العابرة لسياقه الإقليمي فضلاً عن طبيعة وحدود الدور الذي يمارسه هذا النظام السياسي بعضويته في المنظمات الإقليمية والدولية.

المحور الأول- البيئة الداخلية للنظام السياسي الصومالي:

في سياق الحديث عن البيئة الداخلية للنظام السياسي للدولة الصومالية، سيجري تسليط الضوء على أبرز العوامل الداخلية المؤثرة على طبيعة الدور المُناط بالنظام السياسي الاضطلاع به. وتتمثَّل تلك العوامل في الجذور التاريخية للأزمة الصومالية وتداعيات السياسات الاستعمارية فيما آلت إليه أوضاع الصومال في مطلع تسعينيات القرن المنصرم. وكذا القبيلة كأحد أبرز أشكال التكوينات الاجتماعية بالصومال ودورها الذي يحد كثيراً من قدرة النظام السياسي الصومالي فيما يتصل بعملية بناء الدولة الوطنية الصومالية.

أ‌. الجذور التاريخية والإرث الاستعماري:

أفضى الموقع الجغرافي المتميِّز للصومال إلى تنافس القوى الاستعمارية على الدولة الصومالية. وقد بدأ هذا التنافس والسباق الاستعماري للهيمنة على الأراضي الصومالية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً منذ افتتاح قناة السويس في عام 1869 ليصبح الطريق التجاري البحري بين أوروبا والشرق الأقصى قصيراً. وقد أوجد الموقع الجغرافي للصومال ومتاخمته لمضيق باب المندب فضلاً عن مشاطئته للمحيط الهندي ضرورة ملِّحة لدى القوى الاستعمارية التقليدية آنذاك للسيطرة على الصومال بغية تأمين ذلك الطريق التجاري العالمي.

وقد قاد السباق الاستعماري الذي خاضته كلٌ من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا إلى تقسيم الصومال إلى عدة أجزاء؛ الصومال الفرنسي، جيبوتي الآن، ويخضع للإدارة والهيمنة الفرنسية، الصومال البريطاني، وهو الأراضي الواقعة في شمال غربي الصومال. أما الصومال الإيطالي؛ فقد امتدَّ من الجنوب الشرقي للصومال حتي الحدود الكينية.

ورغم توحيد تلك الأجزاء وحصول الصومال على استقلاله عام 1960، وإعلان الدولة الصومالية الموحَّدة التي أصبحت تُعْرف باسم “الصومال” إلا أن تلك الدولة الوليدة حديثة الاستقلال كانت تحمل في طياتها الكثير من مواطن الضعف، وربما الانهيار، فقد شعر الصومال البريطاني أنه اضطر لتقبُّل شروط قاسي ومجحفة لإتمام الوحدة الصومالية. ومنها على سبيل المثال، اختيار رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء من الجنوب الصومالي (الصومال الإيطالي).

كان من بين تداعيات الفترة الاستعمارية على الدولة الصومالية الوليدة عقب الاستقلال، ليس فقط تقسيم المجتمع على أساس قبلي، وإنما أيضاً ما قاسته بعض الأقاليم من تهميش على أساس اقتصادي واجتماعي. فالسياسات الاستعمارية الإيطالية عمدت إلى ترك الصومال الإيطالي ضعيفاً من الناحية التعليمية؛ إذ لم يكن عدد الأفراد الحاملين لشهادات جامعية في تلك الأراضي يتجاوز الأربعة في عام الاستقلال 1960 فضلاً عن استمرار الهيمنة الإيطالية على الجوانب الاقتصادية كالنشاطات التجارية والموارد الاقتصادية والبنوك والمصانع  في الصومال الإيطالي رغم الاستقلال ما أفقد الدولة الصومالية كثيراً من مقدراتها الاقتصادية. وبالإمكان تلخيص تداعيات الوجود الاستعماري على الدولة الصومالية في النقاط التالية:

 ضعف النمو الاقتصادي في الصومال مع استمرار سيطرة الإيطاليين على قطاع الزراعة عقب الاستقلال، وبصفة خاصة، إنتاج الموز، الذي يُشكِّل حوالي ثلثي الصادرات الصومالية.

 ضعف القوات المسلحة الصومالية، وعدم وجود جيش وطني صومالي موحد يدافع عن جُلّ الأقاليم الصومالية ويحمي مقدراتها.

 تكريس الفوارق القبلية، وسيطرة بعض القبائل على المناصب السياسية ومن ثم استعصاء تنفيذ مشروع بناء الدولة الوطنية الصومالية. وكان لتلك الفوارق أكبر الأثر في اقتتال القبائل الصومالية وتطاحنها وانهيار الدولة في أعقاب الإطاحة بنظام سياد بري في مطلع التسعينيات من الألفية البائدة.

اعتماد الاقتصاد الصومالي على المعونات حتى أضحت الدبلوماسية الصومالية توصف بـ “دبلوماسية المعونات”؛ فهي جوالة وراء المعونات مثلما يتجوَّل الراعي الصومالي وراء العشب. ولم يكن لتلك المعونات الاقتصادية أي أثر ملحوظ على تحسين الاقتصاد الصومالي لسببيْن: أولهما أن المسئوليين الصوماليين سيطروا على تلك المعونات، واستغلوها في شراء أصوات المواطنين خلال الانتخابات العامة أو لشراء ثقة النواب في الانتخابات الرئاسية. وثانيهما: استخدام الدول لتلك المعونات كأدوات للضغط على النظام السياسي الصومالي، ومن ثم لم تكن ذات طبيعة منتظمة.

وقد زادت الأوضاع تردياً في عهد الرئيس الصومالي سياد بري، الذي تولَّى مقاليد حكم الدولة الصومالية في عام 1969. وقد عمل بري على تكريس السلطة في يده من خلال إلغاء الأحزاب السياسية والبرلمان والدستور، وتحويل الحرس الوطني إلى خلية مخابرات عُهدت إليها الكثير من السلطات لاعتقال المعارضين وتصفيتهم فضلاً عن محاباة أقاربه والدائرة المحيطة به واحتكارهم لتراخيص الاستيراد والتصدير والحصول على قروض ضخمة من البنوك دونما ضمانات لينتهي الأمر بانزلاق البلاد إلى حرب أهلية عقب الإطاحة بنظام سياد بري. وقد انهارت على إثرها كامل مؤسسات الدولة الصومالية.

ب‌. القبيلة كأهم أشكال التكوينات الاجتماعية الصومالية:

تُعْتبر القبيلة هي أهم أشكال تكوينات الاجتماعية بالدولة الصومالية؛ فهي المحور الذي تدور في إطار كافة التفاعلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. الأمر الذي يُصعِّب كثيراً من مهمة النظام السياسي الصومالي في بناء الدولة الوطنية الصومالية ؛ لأنه من الصعوبة بمكان ترسيخ قناعة لدى أفراد المجتمع الصومالي، الذين يفتخرون كثيراً بانتمائهم القبلي، بقبول إعلاء الولاء للدولة الأم فوق الولاء للقبلي لا سيما إذا كانت القبيلة قد نجحت في توفير مظلة أمان وحماية لأفرادها. ويتكون المجتمع الصومالي من ثلاثة قبائل رئيسية ألا وهي: الدارود والهوية والإسحق.

أثَّرت القبيلة، ولا زالت، بشكل سلبي على العمل السياسي الحزبي بالدولة الصومالية. فالأحزاب السياسية الصومالية تنتظم تبعاً للهويات القبلية، ومن ثم تُتَرجم الصراعات والانقسامات القبلية إلى تنافس وشرذمة سياسية بغية احتكار المناصب والمواقع الرسمية السياسية. كما تؤثِّر سلباً على أي تجربة للتحوُّل الديمقراطي من الممكن أن يشهدها الصومال؛ ذلك مرجعه إلى الشاكلة التي تحكم القيم والتوجهُّات وأنماط السلوك الشخصي داخل إطار القبيلة، والتي تعزِّز كثيراً من روح العجز والاتكالية والاعتماد على الآخرين بشكل مفرط والإذعان في مجالات الحكم والإدارة لمن هو أقوى.

المحور الثاني: البيئة الخارجية للنظام السياسي الصومالي

في معرض الحديث عن البيئة الخارجية للنظام السياسي الصومالي، سيتم تسليط الضوء على علاقات الصومال بدول الجوار الإقليمي، وأبرزها إثيوبيا وكينيا فضلاً عن العلاقات الصومالية بقوى خارج القارة الأفريقية، وأبرزها الولايات المتحدة وتركيا.

العلاقات الصومالية الإثيوبية:    

تُعتبر إثيوبيا أحد أبرز الفاعلين على الساحة الصومالية منذ اندلاع الأزمة الصومالية وانزلاق القوى المعارضة إلى حرب أهلية. فمؤتمر القوى المعارضة لسياد بري قد انعقد بدعم إثيوبي في المقام الأول. وعلى إثره، تم الاتفاق على اختيار الجنرال عيديد رئيس المؤتمر الصومالي الموحد خلفاً لبري. بيْد أن استطالة الحرب الأهلية الصومالية قد دفع إثيوبيا إلى الاضطلاع بدور بارز بغية تسوية تلك الحرب خشية أن تمتد إليها تبعات تلك الحرب في ضوء ضعف الحكومة المركزية الصومالية وفقدانها السيطرة على كافة الأقاليم الصومالية وما قد يصاحب ذلك من تهريب الأسلحة وتسرُّب الفصائل والجماعات المسلَّحة المناوئة للجانب عبر الحدود المسامية بين البلديْن، والتي تُقدَّر بحوالي ألف كيلو متر. ففي القمة الأفريقية في كلٍ من داكار 1992 والقاهرة 1993 وكذا الاجتماع الدولي للقضية الصومالية المنعقد بالقاهرة في عام 1993، تمَّ تأكيد تفويض إثيوبيا بملف المصالحة الصومالية.

وباستثناء فصيل حسين عيديد، وصلت العلاقات الإثيوبية مع الفصائل الصومالية والقبائل التي تنتمي إليها تلك الفصائل إلى أعلى مستوياتها؛ إذ قدَّمت إثيوبيا إلى تلك الفصائل إمدادات عسكرية من أسلحة وذخيرة فضلاً عن تدريبات لميليشياتها. وفي المقابل فتحت تلك الفصائل حدودها أمام إثيوبيا، وأتاحت لها استخدام أراضيها كقواعد عسكرية لمطاردة المعارضة الإثيوبية المسلَّحة الموجودة على الأراضي الصومالية، والتي كان قد استقبلها الجنرال عيديد لاستخدامها كورقة ضغط على الحكومة الإثيوبية كي تكف دعمها السياسي والمالي للفصائل المناوئة له.

حرِيُّ بالذكر أن العلاقات الصومالية الإثيوبية يغلب عليها الطابع العدائي لا سيما في أعقاب مؤتمر برلين المنعقد عام 1885، والذي أسفر عن تقسيم الأراضي الصومالية بين القوى الاستعمارية التقليدية وهي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا كما أشرنا في السابق. وبموجب قرارات المؤتمر، حصلت إثيوبيا على إقليم أوجادين المعروف باسم الصومال الغربي، والذي يمثِّل خُمس مساحة الدولة الإثيوبية.  وفي أعقاب حصول الصومال على استقلاله في عام 1960، دخل الإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي في حرب محدودة مع الصومال في عام 1964 ثم انزلقت الدولتان إلى حرب شاملة في عام 1977.  وقد دخلت القوات الإثيوبية عام 2006 الأراضي الصومالي بدعم أمريكي لإزاحة حكومة اتحاد المحاكم الإسلامية التي كانت تحظى برضا الصوماليين.

تتدخَّل القوات الإثيوبية في الأراضي الصومالية تحت غطاء إقليمي ودولي. ففي ديسمبر 2006، انضمت إثيوبيا إلى قوات حفظ السلم الأفريقية (أميصوم) إلى جانب قوات كلٍ من أوغندا وكينيا وجيبوتي، والتي دخلت الأراضي الصومالية تحت مظلة الاتحاد الأفريقي.

ومؤخراً، وتحديداً في أكتوبر 2016، أعلنت إثيوبيا سحب قواتها المشاركة في عمليات حفظ السلم بالصومال؛ وذلك احتجاجاً على قرار الاتحاد الأوروبي، الذي يُعَد أكبر المساهمين في تمويل تلك القوات، ومفاده تخفيض الدعم المالي لتلك البعثات بواقع 20%. وهو ما أرتأته إثيوبيا تخفيضاً للدعم الدولي اللازم لإنجاح مهمة بعثات حفظ السلم في الصومال والرامية بالأساس إلى محاربة حركة شباب المجاهدين الإسلامية الراديكالية الصومالية.      

العلاقات الصومالية الكينية:

إن العلاقات الصومالية الكينية تشبه إلى حد كبير العلاقات الصومالية الإثيوبية من حيث غلبة الطابع العدائي على تلك العلاقات. وكان الممارسات الاستعمارية دور كبير في توتر العلاقات بين الصومال وكينيا فيما يتصل بنزاعاتهما حول إقليم أوجادين؛ فقد عمدت بريطانيا إلى ضم المقاطعة الشمالية الشرقية “أنفدي”، والتي يسكنها صوماليون إلى كينيا. إذ قمعت كينيا قاطني تلك المقاطعة لمطالبتهم بالاستقلال عن كينيا والانضمام مجدداً للصومال. ومن ثم أتى الموقف الكيني من الأزمة الصومالية على شاكلة الموقف الإثيوبي. فقد حرصت كينيا على المشاركة في جهود المصالحة الصومالية من خلال استضافة مؤتمرات المصالحة وأطراف الأزمة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عقدت كينيا في مارس 1994 محادثات سلام في نيروبي برعاية الأمم المتحدة تمهيداً لإجراء مصالحة وطنية بين الفصائل الصومالية المتنازعة.

وترتئي بعض الآراء أن كينيا، كما إثيوبيا، ترغب في إضعاف الدولة الصومالية دون انهيارها؛ ذلك مرجعه بالأساس ما أفضت إليه الحرب الأهلية الصومالية من تداعيات مثَّلت تهديداً واضحاً للأمن القومي الكيني، ومنها تدفُّق اللاجئين الصوماليين براً وبحراً إلى كينيا، وتفاقم ظواهر أمنية خطيرة كالهجرة غير الشرعية وتهريب الأسلحة وبزوغ حركات الإسلام السياسي الراديكالية بكينيا كالحزب الإسلامي لكينيا  Islamic Party of Kenya، وإمكانية تحالفها مع حركة شباب المجاهدين الصومالية وتهديد الاستقرار السياسي والمجتمعي للدولة الكينية.

ولعل أبرز التطوُّرات التي تشهدها العلاقات الصومالية الكينية مؤخراً، بدء كينيا بأعمال بناء جدار عازل على طول حدودها مع الصومال منذ عام 2015. وسيمتد هذا الجدار من المحيط الهندي إلى مدينة “مانديرا” حيث تلتقي كلٌ من كينيا والصومال مع إثيوبيا. وأعلنت الحكومة الكينية أن بناء هذا الجدار هو حلقة في سلسلة من تدابير أمنية لمكافحة التطرف بعد الهجوم الذي تبنَّته حركة شباب المجاهدين على جامعة “جاريسا” شمال شرق البلاد، ما أسفر عن وقوع 148 قتيلاً معظمهم من الطلبة.

العلاقات الصومالية الأمريكية:

حينما نأتي على ذكر العلاقات الصومالية الأمريكية، يتبادر إلى الأذهان قرار الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب، ومفاده إرسال نحو 28 ألف جندي أمريكي للصومال. وإذا نظرنا على دوافع ومنطلقات ذلك القرار الأمريكي، سنجد أنها انعكاساً لمحدِّدات العلاقات الأمريكية الصومالية، والمتمثَّلة فيما يلي:

• تطويق ما يصفه الغرب بالإسلام الراديكالي، لا سيما في أعقاب تقديم إيران مساعدات للاجئين الصوماليين وتقديمها، إلى جانب نظام البشير السوداني، مساعدات لحركة الاتحاد الإسلامي الصومالية ما أثار حفيظة الولايات المتحدة.

• الخشية من وصول تيار إسلامي أو تنامي الأصولية الإسلامية في الدولة الصومالية المنهارة ما قد يُعطي دفعة قوية للمسلمين بكينيا وإثيوبيا ومن ثم تهديد الاستقرار السياسي بالدولتيْن، كإقليم أوروميا الإثيوبي على سبيل المثال.

• الوازع الديني الذي بدا واضحاً في تبرير التدخُّل العسكري الأمريكي في الصومال تحت مظلة الأمم المتحدة. ويكفي أن نذكر في هذا السياق، إعلان جورج بوش إبَّان زيارته للصومال 1993 أن “الجنود الأمريكيين يقومون بعمل في سبيل الرب”.

• المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الصومال، والمتمثِّلة في الرغبة الأمريكية في العودة إلى قاعدة بربرة، والتي كانت قاعدة بحرية وجوية أمريكية خلال الثمانينيات. والأهم من ذلك الموقع الاستراتيجي للصومال، كما سبق وأشرنا، عند مضيق باب المندب ومشاطئته للبحر الأحمر والمحيط الهندي، وسيادة الاعتقاد بأن من يسيطر على القرن الأفريقي، تكن الممرات البحرية بين مضيق هرمز وباب المندب في متناوله.

 النفط الصومالي، لا سيما وقد أشارت التقديرات إلى وجود مخزون واعد من النفط بالأراضي الصومالية، وكانت هناك أربعة شركات أمريكية قد حصلت بالفعل على امتيازات للتنقيب عن النفط في حوالي ثلثي الأراضي الصومالية في عهد سياد بري.

هذه المصالح الأمريكية المُشار إليها تدلِّل على أهمية الصومال في الاستراتيجية الأمريكية تجاه القارة الأفريقية، ولا أدل على ذلك من الرسائل التي تبعث بها واشنطن بين الفنية والأخرى للتأكيد على تلك المصالح، وأنها لن تتخلى عن دورها كأحد أبرز الفاعلين على الساحة الصومالية. فبمجرد إعلان تركيا تأسيس قاعدة عسكرية لها بالصومال عام 2015، على سبيل المثال، هرع وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري لزيارة الصومال، وحرص الرئيس الأمريكي السابق بارك أوباما على لقاء الرئيس الصومالي السابق حسن شيخ محمود في كينيا في يوليو 2015 لإرسال رسائل عدة مفادها أن الولايات المتحدة تراقب الأوضاع الصومالية عن كثب، وتفتح قنوات للاتصال مع الإدارات الصومالية المتعاقبة، ولن تسمح لأية قوة إقليمية أو دولية بالمساس بمصالحها الاستراتيجية في القرن الأفريقي.

العلاقات الصومالية التركية:

شهدت العلاقات الصومالية التركية في السنوات القليلة الماضية تقارباً ملحوظاً. وقد تُوِّجه هذا التقارب بافتتاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسمياً للقاعدة العسكرية التركية جنوبي مقديشيو في سبتمبر 2017، وهي ثاني قاعدة عسكرية لتركيا خارج حدودها. وتمثَّل الهدف المعلن من إنشاء تلك القاعدة في تدريب الجنود والضباط الصوماليين، نحو 1500 جندي صومالي، لأجل إعادة بناء القوات المسلَّحة الصومالية ومواجهة حركة شباب المجاهدين الراديكالية.

بيْد أنه ثمة أهدافاً أخرى غير معلنة لإنشاء تلك القاعدة، التي تعكس الزخم الذي يحظى به دور تركيا باعتبارها أحد أبرز الفاعلين على الساحة الصومالي في الوقت الراهن، وأبرزها حماية المصالح الاقتصادية التركية في القارة الأفريقية. إذ قُدْرِ حجم التبادل التجاري بين تركيا وأفريقيا بحوالي 20 مليار دولار في عام 2015، وبلغت استثماراتها في الصومال نحو 100 مليون دولار في ذات العام. وكذا تعزيز نفوذها العسكري في منطقة القرن الأفريقي والممرات والمضايق الاستراتيجية الممتدة عبر تلك المنطقة لإيجاد موطئ قدم لها وسط القوى الإقليمية والدولية فضلاً عن الرغبة التركية في تعزيز علاقاتها العسكرية مع دول القرن الأفريقي،  وفتح أسواق جديدة أمام صناعاتها الدفاعية. ويُضاف إلى تلك الدوافع، الحرص التركي على موازنة، أو بالأحرى، متاخمة النفوذ الإيراني في إقليم القرن الأفريقي.

المحور الثالث: معضلات أمام النظام السياسي الصومالي بقيادة فرماجو:

منذ انتخاب محمد عبد الله فرماجو رئيساً للدولة الصومالية، في السابع من فبراير لعام 2017 بعد أن حاز أغلبية أصوات أعضاء البرلمان، والشعب الصومالي يحدوه الأمل في أن تستعيد دولته بوصلتها السياسية بما يكْفل تحسُّن الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وينعكس إيجاباً على حياة المواطن الصومالي.

يحظى فرماجو، الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة الصومالية إبَّان فترة حكم حسن شيخ محمود، بقدر كبير من الشعبية الجماهيرية. إذ اتسمت فترة رئاسته للحكومة (أكتوبر 2010- يونيو 2011) بالنجاح في طرد حركة شباب المجاهدين من مقديشيو، ولو بشكل جزئي، وتوفير رواتب للجيش الصومالي. إلى جانب مطالبته المجتمع الدولي بنقل جميع هيئات الأمم المتحدة من مكاتب العاصمتيْن الكينية نيروبي والإثيوبية أديس أبابا إلى العاصمة الصومالية مقديشيو. ويُحْسب لفرماجو تخلِّيه عن منصبه كرئيس للحكومة في 2011 في محاولة لتسوية الخلافات التي نشبت بين كلٍ من رئيس الدولة حسن شيخ محمود ورئيس البرلمان شريف شيخ أحمد. الأمر الذي أضاف رصيداً كبيراً لشعبيته لدي الأوساط الجماهيرية الصومالية.

وفي هذا السياق، سيجري تسليط الضوء على أبرز المعضلات التي تمْثُل أمام النظام السياسي الصومالي في ضوء التحدِّيات والمعضلات الراهنة التي تمْثُل أمامه، والتي انبثقت بشكل رئيسي عن الحرب الأهلية التي دارت رحاها في أعقاب الإطاحة بنظام بري فضلاً عن تقاعُس الإدارات الانتقالية الصومالية وغياب الإرادة السياسية للتعاطي معها بجدية.

أولاً- بناء الدولة الوطنية الصومالية:

يتطلَّب بناء الدولة الوطنية الصومالية إيلاء النظام السياسي الصومالي قدراً كبيراً من الاهتمام بملف المصالحة الوطنية بغية التوصُّل إلى قدر من التوافق بين الفرقاء السياسيين. وهو ما تضمنَّه بالفعل البرنامج الانتخابي لفرماجو. بيْد أن الإشكالية هنا تكمن في الكيفية التي يتم من خلالها إقناع أولئك الفرقاء للجلوس على طاولة المفاوضات وتقريب وجهات النظر للخروج من حالة التشرذُم السياسي تلك، وامتلاك القوة الكافية لفرض نتائج تلك المفاوضات وإلزام جميع الأطراف المتنازعة ومن ثم القبائل الصومالية بقبولها طالما تمَّ التوصل إلى توافق يُحقِّق الحد الأدنى من الرضا لدى تلك الأطراف.

            ثمة عامل أساسي قد يُسْهم كثيراً في إنجاح المصالحة الوطنية الصومالية وهو تبني نظام المحاصصة واقتسام السلطة؛ فذلك الأمر من شأنه أن يوفِّر الحدود الدنيا من الرضا والقبول لدى مختلف القبائل الصومالية، وليس هناك ما يؤشِّر على إمكانية نجاح تلك المصالحة أو التوافق في الوقت الراهن خصوصاً في ضوء إعلان وزارة الدستور الصومالية تأجيل المؤتمر الوطني، الذي كان من المزمع انعقاده في الثامن من أكتوبر عام 2017 لمراجعة الدستور تمهيداً لطرحه للاستفتاء على الشعب قبيل نهاية عام 2018، إلى أجل غير مسمى. ما يُدلِّل على أن نظام عبد الله فرماجو سيواجه مهمة ليست بالسهلة في ملف المصالحة الوطنية. 

ثانياً- إعادة بناء مؤسسات الدولة:       

أفضت حرب الأهلية التي شهدها الصومال في أعقاب الإطاحة بنظام سياد بري إلى انهيار الدولة الصومالية ومؤسساتها؛ فأصبحت المؤسسات القضائية والتعليمية والصحية والعسكرية هشة ليس بالإمكان التعويل عليها في الاضطلاع بالمهام المنوطة بها، ومن ثم فإن عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة ستحتاج وقتاً طويلاً وجهوداً مضنية وإرادة سياسية حقيقية.

وثمة تحديِّات أساسية ستواجه فرماجو في هذا الشأن، أبرزها الفساد المستشري في المناصب القيادية للمؤسسات الحكومية، وكذا مراعاة التوازنات القبلية في تقلُّد المناصب الحكومية أو نظام المحاصصة في توزيع تلك المناصب، والموازنة بين تلك الاعتبارات القبلية واعتبارات الكفاءة أو اختيار الأفراد المؤهلين بدرجة كافية لإدارة الأزمات التي تشهدها الصومال والتعاطي معها بحرفية ومهارة عالية.

إن عملية إعادة بناء وتأهيل المؤسسات لا ترمي فقط إلى مؤسسات النظام السياسي الرسمية المتمثِّلة في المؤسسات التشريعية والقضائية التنفيذية وإنما تنصرف أيضاً إلى المؤسسات غير الرسمية كالأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني. فمن المفترض أن تكون الأحزاب السياسية قنوات للاتصال بين النخبة الحاكمة والقاعدة الجماهيرية كما يُناط بتنظيمات المجتمع المدني طرح الملفات الخلافية أو الإشكالية في المجتمع وفتح قنوات للحوار المجتمعي البناء وتقريب وجهات النظر المتباينة لا سيما أن الدستور الانتقالي الفيدرالي للدولة الصومالية 2012 يكْفل حرية التجمع والحق في المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب والنقابات العمالية وغيرها كتنظيمات المجتمع المدني كما يكْفل كامل الحق في الانضمام إلى تلك الأحزاب والمشاركة في نشاطاتها. لكن تبقى هناك خطوة جيدة على طريق تفعيل أدوار المكونات غير الرسمية، وتمثَّلت في إعلان السلطات الصومالية في الخامس من ديسمبر لعام 2017 رسمياً إطلاق تسجيل الأحزاب السياسية، وذلك في ختام أعمال الدورة الثانية للمؤتمر التشاوري الوطني بحضور رؤساء الولايات الإقليمية وممثلين عن المجتمع الدولي.  

ثالثاً: التحديِّات الأمنية، أهمها:        

أ‌. حركة شباب المجاهدين:         

يؤرَّخ لبزوغ نشاطات حركة شباب المجاهدين الراديكالية على الساحة الصومالية منذ عام 2007، وقد سعت منذ ذلك التاريخ إلى الإطاحة بالحكومة الصومالية، وتسيِّطر على بعض الأقاليم الصومالية، وتنشط على وجه الخصوص في وسط وجنوب الصومال. ورغم أن فرماجو قد نجح إبَّان توليه رئاسة الحكومة الصومالية في عام 2011 في طرد مقاتلي الحركة وتطهير العاصمة الصومالية مقديشو منهم إلا أن هذا النجاح قد استنزف كثيراً من مقدرات الجيش الصومالي، وكذا القوات الأفريقية المرابضة في الصومال لمحاربة شباب المجاهدين. ومن هنا، يمكن القول أنه ثمة تحدِّيات عدة تواجه فرماجو في حربه على حركة شباب المجاهدين:

 إعادة بناء القوات المسلحة الصومالية وتزويدها بالأسلحة وتوفير رواتب للجنود والضباط كون المواجهات العسكرية بين الجيش الصومالي وحركة شباب المجاهدين ستأخذ شكل حرب العصابات؛ فالجيش الصومالي لن يواجه جيشاً نظامياً بل ميليشيات عسكرية، وبالتالي كان لزاماً إعادة ترتيب صفوف الجيش الصومالي، ورفع الروح المعنوية لتلك القوات وبث الثقة في صفوف الجيش.

• التنسيق بين القوات المسلحة الصومالية وبعثة القوات الأفريقية في حربهما على حركة شباب المجاهدين. وقوام تلك البعثة، أوغندا (5800 جندي)، وبوروندي (5432 جندي)، وكينيا (4652 جندي)، وجيبوتي (960 جندي)، وسيراليون (850 جندي)، وإثيوبيا (4000 جندي).

• إنجاز المصالحة الوطنية بين الأطراف المتنازعة في الصومال، وذلك درءً لتشتيت جهود القوات المسلحة الصومالية التي باتت تحارب على جبهتيْن وهما حركة شباب المجاهدين والنزاعات بين القبائل الصومالية.

ب‌. القرصنة قبالة السواحل الصومالية:  

أفضى انهيار الدولة الصومالية عام 1991 إلى ظهور أعمال القرصنة على امتداد السواحل الصومالية المشاطئة للبحر الأحمر. وقد تصاعدت تلك الأعمال بشكل لافت من حيث الكم والكيف منذ عام 2008؛ إذ ارتفعت تلك العمليات من 31 عملية عام 2007 الى 85 عملية عام 2008 مستهدفةً السفن الكبرى وناقلات النفط العملاقة كالسفينة الأوكرانية “فاينا” المحملة ب 33 دبابة روسية، فضلاً عن ناقلة النفط السعودية العملاقة “نجم الشعرى” المحملة بما يناهز اثنين مليون طن من النفط الخام، والمطالبة بفدية قدرها 25 مليون دولار لإطلاق سراحها.

للبحر الأحمر أهمية استراتيجية كونه يمثِّل واحداً من أهم طرق التجارة العالمية؛ إذ يمر عبره ما يناهز 16 ألف سفينة سنوياً، ونحو 30% من الانتاج النفطي العالمي. هذا فضلاً عن تحكُّم خليج عدن بالمدخل الجنوبي لقناة السويس، والتي تُعد واحدة من أهم المحاور في الملاحة البحرية العالمية. ناهيك عن كون البحر الأحمر الطريق الرئيسي الذي يمر من خلاله نفط الخليج العربي وإيران إلى الأسواق العالمية في أوروبا؛ إذ يتم نقل ما يربو 60% من احتياجاتها للطاقة عبر البحر الأحمر، وأيضاً نقل حوالي 25% من احتياجات الولايات المتحدة الأمريكية من النفط العربي. يُضاف إلى ذلك كله ما يزخر به البحر الأحمر من ثروات كالنحاس واليورانيوم والنفط بالإضافة إلى الثورة السمكية الكبيرة.

ومن هنا تكمن الحاجة الملِّحة لاستراتيجية شاملة لتأمين البحر الأحمر بالتنسيق بين الصومال والدول المشاطئة للبحر الأحمر كمصر والسعودية والأردن واليمن ودولة السودان وجنوب السودان وجيبوتي وإريتريا لا سيما إذا كانت هناك محاولات لتدويل قضية أمن البحر الأحمر ليكون مهمة تأمينه مسئولية المجتمع الدولي لا الدول المشاطئة له ما دفع كثيراً من القوى الدولية والإقليمية إلى إرسال قطع بحرية بدعوى محاربة القرصنة. فضلاً عن تحوُّله إلى ساحة تكتظ بالأجهزة الاستخباراتية لدول لها حسابات ومصالح تتعارض مع مصالح الدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر، وتشكِّل تهديداً للأمن القومي العربي كإسرائيل وإيران.

رابعاً: التجاذبات الإقليمية والدولية  

تشهد الساحة الصومالية جملة من التجاذبات والاستقطابات سواء كانت من قِبل قوى إقليمية أو دولية، والتي باتت تضطلع بدور أساسي في رسم معطيات المشهد السياسي الصومالي. فعلى مستوى دول الجوار الإقليمي، نجد إثيوبيا اللاعب الأبرز على الساحة الصومالية، وأكثر دول الجوار تأثيراً على الأزمة الصومالية منذ التسعينيات. ومرجع قوة النفوذ الإثيوبي على تطوُّرات الأوضاع الصومالية، الدعم الكبير الذي تحظى به إثيوبيا من كلٍ من الولايات المتحدة وإسرائيل. 

جدير بالذكر أن الرئيس الصومالي المنتهية ولايته حسن شيخ محمود كان يحاول التردُّد بين الفنية والأخرى على إثيوبيا في محاولة منه لتجنُّب إثارة المشكلات معها، ومن المتوقع أن يسلك فرماجو هذا النهج؛ فالصومال، الذي يحاول إعادة بناء مؤسساته، لن يسعى إلى إثارة المشكلات مع دول الجوار خصوصاً إذا كانت دول الجوار تلك تسهم بقواتها العسكرية في محاربة الميليشيات والجماعات المسلحة على الأراضي الصومالية.

وتشهد الصومال أيضاً في الوقت الراهن تنامياً للنفوذ الخليجي لا سيما منذ إطلاق التحالف الإسلامي بقيادة السعودية لعاصفة الحزم في عام 2015. وإيلاء الخليج قدراً متزايداً من الاهتمام إلى الصومال يرجع إلى خشيته من إمكانية تحالف حركة شباب المجاهدين مع تنظيم القاعدة في اليمن فضلاً عن الرغبة الخليجية في تطويق الوجود الإيراني في البحر الأحمر بدعوى محاربة القرصنة. ويُسْتَدل على الأهمية التي بات يوليها الخليج للصومال من خلال تأمُّل السعي الإماراتي خلال الآونة الأخيرة لإبرام إتفاقية مع صومالي لاند لإنشاء قاعدة عسكرية في مطار بربرة.

إلى جانب تنامي نفوذ تركيا على الساحة الصومالية في السنوات القليلة الماضية كونها الدولة الأولى في إعادة إعمار الصومال، الذي يتلقَّى ما يقْرب من ثلث المساعدات الإنسانية التركية الموجَّهة إلى القارة الأفريقية. الأمر الذي يُفضي إلى ترحيب شعبي بالدور التركي في الصومال. واتضح ذلك بشكل جليّ في أعقاب افتتاح القاعدة العسكرية التركية بالصومال، والتي لم تُقَابل بالرفض أو الاستهجان الشعبي؛ فالشعب الصومالي لن ينسى الدعم التركي له إبَّان المجاعة التي ضربت البلاد في عام 2011، وتنظيم تركيا حملات شعبية واسعة النطاق لدعمه وتوفير مواد الإغاثة له فضلاً عن زيارة أردوغان الذي كان رئيساً للحكومة التركية آنذاك، مصطحباً زوجته، للصومال. وقد كان أردوغان هو المسئول الأجنبي الوحيد الذي زار الصومال في تلك المحنة.

وصفوة القول أن النظام السياسي الصومالي يواجه تحديِّات عدة على المستوى العسكري والاقتصادي والمؤسساتي والاجتماعي فضلاً عن تحوُّل الصومال إلى ساحة لتجاذبات من قِبل قوى دولية وإقليمية متعارضة المصالح. ومن ثم فإن مستقبل الصومال في عهد فرماجو مرتهن بقدرة النظام السياسي على التعاطي مع تلك الملفات بإرادة وجدية كي لا تضيف أعباءً جديدةً تثقل كاهل الدولة الصومالية، وكذا انتهاج سياسة توازن بين مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين على الساحة الصومالية واستثمارها في صالح الدولة الصومالية وبناء مؤسساتها ودعم اقتصادها؛ فالحياد عن تلك السياسة المتوازنة سيفضي إلى استقطابات إقليمية ودولية حادة تصب في تأجيج الصراع بين القبائل الصومالية واستطالته، وتدفع بالاتجاه إلى بزوغ مزيد من النماذج الانفصالية على غرار إقليمي صومالي لاند وبونت لاند.

——————————————————————————————————————–

المراجع:

  1. صلاح الدين حافظ، النزاع الصومالي والصراع الدولي في القرن الأفريقي (القاهرة: بدون ناشر، 1996).

  2. عبدي يوسف فارح، الصراع الدولي في الصومال: دراسة في التاريخ السياسي حول الأطماع الخارجية (القاهرة: دار الأمين للنشر والتوزيع، 2007).

  3. محمد أحمد شيخ علي، التدخل الدولي في الصومال: الأهداف والنتائج (الخرطوم: مركز الراصد للدراسات، 2005).

  4. محمد علي توريري، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الصومال (القاهرة: مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، 1995).

  5. معهد البحوث والدراسات الأفريقية، الموسوعة الأفريقية (القاهرة، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، المجلد الخامس، مايو 1997).

  6. أيمن شبانة، أبعاد الدور: دوافع تأسيس تركيا قاعدة عسكرية في الصومال”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، متاح على الرابط التالي: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/2653/

  1. خالد محمود، “الصومال يسمح بإنشاء الأحزاب للمرة الأولى منذ نصف قرن”، الشرق الأوسط، متاح على الرابط التالي: https://aawsat.com/home/article/1103916/

  1. شافعي أبتدون، “مستقبل الصومال بقيادة الرئيس الجديد فرماجو”، مركز الجزيرة للدراسات، متاح على الرابط التالي: http://studies.aljazeera.net/ar/reports/

  1. صهيب عبد الرحمن، “قراءة في استعصاء مشروع الدولة في الصومال”، مركز الجزيرة للدراسات، متاح على الرابط التالي: http://studies.aljazeera.net/ar/reports

  1. صومالي تايمز، “تأجيل المؤتمر الوطني لمراجعة الدستور إلى أجل غير مسمى”، متاح على الرابط التالي: http://www.somalitimes.net/2017/10/08/

إغلاق