عرض كتاب.. ثمن اللامساواة

عرض كتاب.. ثمن اللامساواة




يصف جوزيف ستيجليز كيف أن القوة الغاشمة والطمع غير المحدود يساهما في كتابة نهاية الحلم الأمريكي، حيث يؤكد أن الوعد الأمريكي القائل بإن الولايات المتحدة هي أرض الفرص أصبح سرابا بفضل رغبات البعض الجامحة في الحصول على أكثر من حصتهم من الثروة وهم يمثلون 1 % من المجتمع بينما بدأ الـ 99% في التنفيس عن غضبهم بأشكال مختلفة. يتمثل هذا الغضب في حركات مثل حركة “احتلوا وول ستريت” وحركة “لوس انديجنادوس” الأسبانية، وهي حركات تدعو لأفكار إصلاحية، أي ليست ثورية أو دموية، وإن كان ستجيليز لا يستبعد أن تظهر حركات دموية تهدف إلى إجبار الرأسمالية على النكوص عن بعض مبادئها وتطويعها لخدمة غالبية البشر وليس لفئة بعينها.

و مؤلف الكتاب “جوزيف سيتجليز” هو أحد الاقتصاديين الأمريكيين البارزين، وهو استاذ جامعي بجامعة كولومبيا،  حصل على العديد من الجوائز منها جائزة نوبل عام 2001، هو نائب رئيس سابق وكبير الاقتصاديين بالبنك الدولي، له أراء نقدية عديدة للعولمة وسياسات الحرية الاقتصادية  الكاملة، ما دعا البعض لوصفه باقتصادي أصولي.

ففي السبعينيات ظهرت حركة “أولاد شيكاجو” بقيادة ميلتون فريدمان من مدرسة شيكاجو للاقتصاد، التي طرحت فكرتها الخاصة بتخفيض درجة التنظيم الحكومي، ومحدودية دور الدولة، ودعم الخصخصة، ثم دعم صندوق النقد الدولي هذه الأفكار وفرضها بشكل أو بآخر على العديد من الدول منها المملكة المتحدة تحت قيادة مارجريت تاتشر والولايات المتحدة تحت إدارة ريجان، والمكسيك وتشيلي.

 ففي تشيلي تم خصخصة القطاع العام، كما فتحت الموارد الطبيعية للاستهلاك غير المنظم، ومزقت الاتحادات الاجتماعية، ومُهد الطريق للاستثمار الأجنبي المباشر، أدت هذه السياسات إلى تركيز الثروة في يد فئة محدودة للغاية من المجتمع، ورُوج لبعض الخرافات التي تدافع عن هذه السياسات وعلى رأسها أن من يتقاضون مبالغ باهظة يستحقون ذلك لكفاءاتهم.

ويوضح ستيغليتز العواقب العميقة ليس فقط للانهيار المالي الحالي ولكن للعقود السابقة من التدخلات النيوليبرالية على الدخل والصحة والأضرار التي لحقت بقيم الإنصاف والثقة والمسؤولية المدنية.

في هذه العملية، يعرض ستيغليتز بشكل منهجي الأساطير التي توفر مبررا لـ “العجز الطبيعيDeficit Fetishism ” ، وتوجهات التقشف حيث يؤكد أن خفض الإنفاق، وتخفيض الضرائب، وتقلص دور الحكومة، وإزالة الضوابط التنظيمي يدمر كل من الطلب والوظائف – وهو أمر لا يفيد أحدا ولا حتى طبقة الـ 1% .

على مدار 30 عاما بعد الحرب العالمية الثانية، كان لنسبة الـ  1٪ حصة ثابتة من الكعكة الأمريكية، غير أنه في السنوات الخمس الممتدة من عام 2007، استحوذت نسبة 1% على أكثر من 65% من المكاسب في الدخل القومي الأمريكي.

 وفي عام 2010، بلغت حصتها 93%، هذا لم يخلق ازدهارا أكبر للجميع (أسطورة رقم واحد)، بل على العكس من ذلك، كان الكثير من هذه المكاسب rent seeker ، أي ليس خلق ثروة جديدة ولكن أخذها من الآخرين، في العقود الثلاثة الماضية، شهد 90٪ من مجتمع الولايات المتحدة زيادة في أجورهم بنسبة 15٪، بينما حظيت نسبة الـ 1٪ بزيادة قدرها 150٪، وكما يشير ستيغليتز، فإن المكافآت هي في كثير من الأحيان مكافآت فشل، فقد أصبحت فجوة عدم المساواة هوة ضخمة . يوضح ستيغليتز كيف أن من ولدوا فقراء في الولايات المتحدة سيظلوا بهذه الحالة من الفقر، مع ذلك يعتقد سبعة من أصل 10 أمريكيين أن سلم الفرص مازال موجود.

إن التغيير التكنولوجي والاجتماعي الذي لا يمكن السيطرة عليه ليس هو السبب الذي أدى إلى قيام مجتمع من مستويين بينهما فجوة ضخمة، ولكن ممارسة السلطة السياسية من خلال مصالح مادية على العمليات التشريعية والتنظيمية، ويوضح قائلا: “في حين قد تكون هناك قوى اقتصادية أساسية في اللعب، فإن السياسة قد شكلت السوق، وشكلتها بطرق تفيد الأفضل على حساب البقية”.

إن السوق الحرة والتنافسية مفيد للغاية للمجتمع ككل، ولكنه يحتاج إلى التنظيم الحكومي والإشراف الدقيق، حيث أنه بدون وجود قيود تنظيمية، تستخدم المصالح المهيمنة نفوذها لتحقيق مكاسب على حساب الأغلبية، يرى ستيغليتز أن تركيز السلطة في أيدي القطاع الخاص يمكن أن يكون ضارا بأداء الأسواق مثل التنظيم المفرط والسيطرة السياسية، كما  يعزو التفاوت المفرط في الدخل والثروة داخل المجتمع إلى ما أسماه “رمال في تروس الرأسمالية”، تخلق تقلبات، وتؤجج الأزمات، وتقوض الإنتاجية وتؤخر النمو، ومثلما يؤدي التمييز العنصري إلى إخفاق الأمة في الاستفادة على أفضل وجه من جميع مواطنيها، فإن عدم المساواة، عندما يؤدي ذلك إلى عدم كفاية التعليم، والإسكان والظروف السكنية لأعداد كبيرة من الناس، تكون مدمرة على نحو مماثل.

تؤدي عدم المساواة إلى انخفاض النمو وغياب الكفاءة، حيث تؤدي إلى الافتقار إلى الفرص حيث أن أصولها الأكثر قيمة – أي شعبها- لا تستخدم استخداما كاملا، فالعديدين في الأسفل، أو حتى في الوسط، لا يملكون إمكانياتهم، لأن الأغنياء الذين يحتاجون إلى خدمات عامة قليلة، يخشون من أن الحكومة القوية قد تعيد توزيع الدخل، وتستخدم نفوذها السياسي لخفض الضرائب وتقليص الإنفاق الحكومي، وهذا يؤدي إلى نقص الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا، ما يعوق محركات النمو، والأهم من ذلك أن عدم المساواة في أمريكا يقوض قيمها وهويتها. ومع وصول اللامساواة إلى هذا المستوى المتطرف، فإنه ليس من المستغرب أن تظهر آثارها في كل قرار عام، من إدارة السياسة النقدية إلى مخصصات الميزانية، أصبحت أميركا بلدا لا “مع العدالة للجميع”، بل بالأحرى مع المحسوبية للأغنياء والعدل أصبح حكرا على أولئك الذي يدفعون ثمنه وهذا واضح في أزمة الرهن، حيث اعتقدت البنوك الكبيرة أنها كانت كبيرة جدا ليس فقط للفشل too big to fail، ولكن أيضا أن تكون مسؤولة “.

يعدد سيتجلتز المستفيدين من ذلك وهم من اسماهم الـ Rent Seekers ، وهم من المحامين الأوائل و الاحتكاريين (يشير ستيغليتز إلى وهم المنافسة: الولايات المتحدة لديها المئات من البنوك لكن 4 بنوك فقط تملك نصف القطاع البنكي) والممولين والعديد من تلك التي من المفترض أن تنظم النظام، ولكن تم اغراءهم من قبل جماعات  الضغط أو سيطر عليهم جشعهم الخاص.

يقول ستيجلتز إن “رفاهية الشركات” وجشعها لا رادع له، يضرب مثالاً بشركة AIG للتأمين التي حصلت في 2008 على 150 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، في حين أن هذا المبلغ هو أكبر من إجمالي المبالغ  المنفقة على الرعاية الاجتماعية للفقراء في 16 عاماً وصولاً لعام 2006، يدافع ستيجليتر بقوة عن القطاع العام ويدعو إلى توظيف كامل، وزيادة الاستثمار في الطرق، والتكنولوجيا، والتعليم؛ وتنظيم أكثر صرامة، ومساءلة واضحة، كما يؤمن أن بعض المصرفيين يجب أن يذهبوا إلى السجن.

إن الناتج المحلي الإجمالي هو مقياس غير مرض للتقدم، يريد ستيغليتز أن يرى المقاييس التي تشمل تكلفة الاستخدام غير اللائق للموارد، ويوضح سعر التمايز وعدم الانصاف، يضرب مثالا بشركة فايرستون حيث تتطلب إدارة إطارات فايرستون ساعات أطول بكثير وخفض الأجور بنسبة 30٪، وخلق الطلب الظروف التي أدت إلى إنتاج العديد من الإطارات المعيبة. وكانت الإطارات المعيبة تتعلق بأكثر من 1000 حالة وفاة وإصابة، ويؤثر عدم الإنصاف على الأرواح والإنتاجية، كما سيؤثر ففي نهاية المطاف على أمن ووجود نسبة الـ 1 %.

يمثل كتاب ثمن اللامساوة تطبيقاً حقيقياً لما وصفه اليكسيس دي توكفيل” بفهم المصلحة الذاتية بشكل صحيح”، يقول ستيغليتز: “إن الاهتمام بالمصلحة الذاتية لأي شخص آخر- أي بعبارة أخرى- الرفاهية المشتركة- هو في الواقع شرط مسبق لرفاه المرء في نهاية المطاف.. إنها ليست جيدة فقط للروح؛ إنها جيدة ايضاً للأعمال.” لسوء الحظ، هذا ما لم يفهمه أولئك المتغطرسين ونحن جميعا ندفع الثمن .