ثروة لبنان النفطية.. بين فرص النمو والمطامع الإسرائيلية

ثروة لبنان النفطية.. بين فرص النمو والمطامع الإسرائيلية




تأثر الاقتصاد اللبناني بالمتغيرات الإقليمية خاصة الثورات العربية ولكون هيكل الاقتصاد اللبناني اقتصاد خدمي حر يعتمد على المبادرة الفردية والانفتاح على العالم الخارجي بجانب استحواذ القطاع الخاص على أكثر من 75% من إجمالي أعمال الاقتصاد، فقد أثرت الاضطرابات السياسية على الهيكل الاقتصادي بشكل مضاعف نظرًا لكون المستثمر يبحث عن بيئة أمنة للاستثمار.

مع إعلان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري عن انضمام بلاده لنادي الدول النفطية المنتجة للبترول، لتصبح بذلك لبنان دولة مصدرة للنفط، أضحى للاقتصاد اللبناني متنفس جديد لزيادة الموارد المالية  العامة فكيف لدولة لبنان أن تستغل ثروتها النفطية؟

ثروة نفطية تعزز نمو الاقتصاد اللبناني

 تبدلت الأحوال السياسية في المنطقة المحيطة بـلبنان بشكل سريع بحيث لا يخرج من تأثير أزمة حتى يدخل في ارتدادات أزمة أخرى، تعرقل مسيره التقدم وتمنع خطوات الإصلاح الاقتصادي من تغيير الوضع الحالي؛ حيث شهد الاقتصاد اللبناني العديد من الصدمات السياسية التي أثرت بشكل مباشر على مجريات الاقتصاد القومي اللبناني، فبعد أزمة اللاجئين السوريين التي بدأت مطلع عام 2011 والتي حملت الميزانية العامة 1.1 بليون ليرة كلفة خدمات صحية وتعليمية وإعانات أخرى لللاجئين السوريين والمجريات السياسية غير المواتية بدول الإقليم انتهى باستقالة رئيس الوزراء سعد الحريري هذا العام وما ترتب عليها من هزات اقتصادية عنيفة أطاحت بآمال الشعب اللبناني في الاستقرار بعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في طريق تثبيت سعر الليرة والنهوض بالاقتصاد القومي وبرنامج الهندسة المالية الذي أطلقه مصرف لبنان عام 2016.

ومع إعلان رئيس الوزراء اللبناني انضمام بلاده لنادي الدول النفطية المنتجة للبترول وبعد الإعلان عن بداية التنقيب والاستخراج الفعلي من خلال الشركات التي تعاقدت معها الحكومة اللبنانية للتنقيب عن النفط والغاز في مياه البحر المتوسط، أصبح استغلال الإمكانات الكثيرة التي تمتلكها الحكومة اللبنانية تمكنها من تعويض العجز وتحقيق فائض كلى يعود على الميزانية العامة للدولة جراء استخراج الغاز الطبيعي الذي تم اكتشافه، ما سيفتح فرص عمل كثيرة أمام الشباب اللبناني ويحد من هجرته إلى الخارج فضلا عن النهوض بالاقتصاد اللبناني عبر الاكتفاء الذاتي للطاقة بالإضافة الى التصدير للخارج والاستفادة من الأموال الطائلة التي يدرها هذا القطاع، ما سيساهم في سد الديون والانتقال نحو اقتصاد متعاف.

وقد تنامى الاهتمام بالتنقيب عن النفط قبالة سواحل لبنان منذ اكتشاف حقلين للغاز الطبيعي قبالة سواحل إسرائيل على الحدود البحرية مع جنوب لبنان في عام 2013 ، تم بعدها الإعلان عن اكتشاف آبار للنفط من خلال المسوحات التي قامت بها شركة “بي.جي.اس” النرويجية، تقدر احتياطاته بنحو 440 مليون برميل نفط، وحقول للغاز الطبيعي تحتوي على احتياطات تقدر بـ 15 تريليون قدم مكعب في المياه الإقليمية قبالة الساحل الشمالي للبنان في المياه الشمالية قرب الحدود اللبنانية القبرصية السورية.

   ومما لا شك في أن اكتشاف الغاز في المياه الاقليمية اللبنانية هو حدث في ذاته وهو ليس بجديد، ولكن أهمية هذا الاكتشاف تزداد بربطه بقطاعات أخرى واعدة، ويمكن أن تساهم في تحقيق التنمية المستدامة التي يتوق إليها اللبنانيون منذ زمن بعيد، حيث يعتمد الاقتصاد اللبناني كما ذكرنا بالأساس على تقديم الخدمات سواء في مجال السياحة أو غيرها، وبسبب انعدام تلك الموارد خلال الفترة السابقة فإن اكتشافات الغاز تلك وعقد اتفاقيات مع شركات أجنبية لاستخراجه يمثل إعادة إحياء لقطاعات الاقتصاد اللبناني ومده بمصادر تمويل جديدة تساعده على استكمال خطوات التنمية ومحاولة سد المديونية الخارجية التي وصلت إلى 145% من إجمالي الناتج المحلى، كما أنه يمثل فرصة لإعادة جذب الاستثمارات الأجنبية مره أخرى إلى الاقتصاد اللبناني وأيضا إعادة رؤوس أموال المستثمرين اللبنانيين الذين فضلوا الاستثمار في أفريقيا بسبب اختلاف أنظمة حكمها عن حكم بلدهم. بجانب تقنين الأوضاع السياسة الخارجية للبنان مع دول الخليج ستستطيع إعادة جذب الاستثمارات الخليجية مرة أخرى، حيث تمثل الاستثمارات المباشرة من رعايا البلدان الخليجية بين 75 و80 % من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد اللبناني.

وتقدر العوائد التي ستحصل عليها لبنان من تلك الاتفاقيات التي تمت مع ائتلاف الشركات (توتال الفرنسية وايني الايطالية ونوفاتيك الروسية) الذي سيعمل في البلوكين النفطيين 4 و9 والذى تم الاتفاق فيها على حفر 5 آبار في كل بلوك وبدء الأعمال في العام 2019، على أن يكون العام 2018 للتحضير للحفر، وبلغت حصة الدولة من الربح في البلوك 4 بين 65% إلى 71%، وفي البلوك 9 بين 55% إلى 63%.

خريطة توضح المنطقة الاقتصادية الخاصة بلبنان

إسرائيل تعقد الصراع الجيوسياسي لتصدير النفط والغاز لأوروبا

تحاول الحكومة الإسرائيلية التوصل إلى اتفاق مع الحكومة اللبنانية للعمل على إنشاء شراكة تضمن لها بقاء صدارتها في توريد الغاز الذى تم اكتشافه على سواحل البحر المتوسط ( حقل ليفياثان وتمارا) بعد التأكيد على إن سواحل لبنان تحتوى على كميات ضخمة من النفط والغاز، توازي الاكتشافات الإسرائيلية حال تواصلت عمليات التنقيب والاستخراج، لكن فشلت جهود الوساطة الأمريكية والأمم المتحدة بين تل أبيب وبيروت التي استمرت لسنوات في حل الخلافات بينهما والتوصل الى اتفاق، ما أدى إلى توجه القيادة السياسية في إسرائيل نحو طرح مشروع قانون بشأن ترسيم الحدود الاقتصادية البحرية مع لبنان.

وحدد القانون البحري الدولي منطقة تسمى المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تمنح الدولة حقوق الاستغلال والتنقيب في منطقة تحدد بالتوافق مع الدول المجاورة، وبادرت إسرائيل بترسيم حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة انفرادياً ما رفضته حكومة لبنان عبر اعتراضها الذي وجهته الى الأمم المتحدة، وتشمل المنطقة الاقتصادية الخالصة مساحة 800 كم2 متنازع عليها مع إسرائيل، التي استطاعت أن تستفيد من خطأ حصل ضمن المعاهدة التي وقعت مع قبرص حددت الحدود المشتركة بين الدولتين وليس النقاط الثلاثية (أي المشتركة بين الثلاثة دول)، ما جعل اسرائيل تضع النقطة الثلاثية أعلى من النقطة التي أثبتت لبنان أحقيتها عبر عمل القوات البحرية في الجيش اللبناني. وقامت الحكومة الإسرائيلية حديثاً بالاعتراف بحق لبنان على 500 كم2 من أصل 800 متنازع عليها، وتضم تلك المساحة البلوكات 9 و10 التي تمكنت اسرائيل من اغتصاب جزء كبير منها على حساب الجانب اللبناني.

وتنحصر خيارات تصدير غاز اسرائيل إلى أوروبا في الاتي: تصدير الغاز عبر تركيا وفقا لبنود المصالحة التركية الإسرائيلية، التي نصت على بحث مشروع مد أنبوب غاز في مياه المتوسط إلى تركيا، لكن قبرص أبدت تحفظات بشأن مرور هذا الأنبوب في مياهها الاقتصادية، والخيار الثاني هو عبر قبرص واليونان ثم إلى الاتحاد الأوروبي، أما الخيار الثالث فهو عبر منشآت تسييل الغاز المصرية. 

واستطاعت إسرائيل الاتفاق مع تركيا على مد خط غاز مسال من إسرائيل إلى تركيا لتصدير الغاز إلى الاتحاد الأوروبي حيث أنها اسهل طريق بالنسبة لها لكي تبيع ثروتها إلى الخارج هو بناء خط أنابيب يمر على طول شواطئ لبنان وسوريا، ويصل إلى تركيا في النهاية، وفيها يلتقي مع الخط القطري ليتم توجيه الأثنان بعدها إلى العمق الأوروبي. وتأتى ميزة تركيا في هذا المشروع الضخم من موقعها الاستراتيجي، فهي تمثل قنطرة عبور بين مصادر الغاز في أواسط أسيا والشرق الأوسط التي تملك نحو 70% من الاحتياطيات المعروفة في العالم من الغاز، وبين واحدة من أكبر المناطق المستهلكة في العالم وهي أوروبا

أضف إلى ذلك أن إسرائيل تتحكم في خط أنابيب نفط( باكو- جيهان) الذي تحميه “غوام” وهو تحالف عسكري ناتو- أمريكي بين جورجيا وأذربيجان وأوكرانيا وأوزبكستان ومولدافيا، والهدف هنا هو ربط خط أنابيب (باكو جيهان) مع خط أنابيب (إيلات – أشكلون) الإسرائيلي من خلال نظام شبكة أنابيب تحت الماء من ميناء جيهان التركي إلى ميناء أشكلون الإسرائيلي، وفي حين أن أنبوب باكو جيهان يوصف بأنه بديلا عن روسيا في نقل نفط وغاز آسيا الوسطى إلى الأسواق الأوروبية، فإن جزءا من هذا النفط والغاز يقصد به أن يعاد تصديره إلى الأسواق الآسيوية عبر ميناء إيلات على البحر الأحمر، و بربط خط أنابيب (باكو جيهان) مع نظام أنابيب إسرائيل، تصبح إسرائيل لاعبا مهما في سوق الطاقة العالمي بالتحالف مع شركات النفط الأنجلو أمريكية العملاقة.

من ناحية إسرائيل فإن خطوتها نحو تصدير الغاز إلى أوروبا عبر تركيا تزامنت مع زيارات إسرائيلية إلى مصر في سبتمبر/ أيلول الماضي لبحث استكمال مفاوضات تصدير الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى مصر خلال الفترة القادمة، بعد تطوير حقل تمار الإسرائيلي.

إذ تعمل إسرائيل على عرض الغاز لمصر بأسعار مخفضة قد تصل إلى 4 دولارات بدلًا من 14 دولار بالإضافة إلى تنازل إسرائيل عن قضايا التعويضات المرفوعة بالتحكيم الدولي البالغة قيمتها 1.76 مليار دولار بسبب تعليق مصر إمداد الغاز الطبيعي لإسرائيل عام 2011.

كما تسعى من جهة أخرى لإنشاء تحالف طاقة يضم كلا من اليونان وقبرص لاستغلال الاكتشافات الحديثة لحقول الغاز الطبيعي بالبحر المتوسط بالدول الثلاث وتصدير الغاز إلى أوروبا عبر خط أنابيب للغاز الطبيعي. الامر الذى يوضح الخطوات التي تتخذها اسرائيل في سبيل السيطرة على أسواق الطاقة على حساب الدول المجاورة ومحاولة اخضاعها لاتفاقيات تعاون معها على حساب تسويق النفط والغاز من خلال الخطوط التي تنشئها الى السوق الأوروبي.

أهم التحديات التي تواجه صناعة النفط في لبنان:

1-  احتياج لبنان إلى سد الاحتياجات المحلية أولا ومن ثم التصدير للخارج، ولكن شركات التنقيب تفضل التصدير للخارج نظرا للعوائد المالية المحققة نتيجة التصدير.

2- مشكلة الشفافية والحوكمة وتحديدا في دراسة ملف إنشاء صندوق سيادي لجمع فائض بيع الغاز للخارج ما يواجه النقد العام، حيث يعد الدين العام كبير جدا وفي حاجة الى السداد.

3- احتمال نشوب خلافات مستقبلية حول الرقعة 9، حيث إن إسرائيل رسمت قطعا لها هي 3،2،1 في المناطق السفلى للقطعتين اللبنانيتين 9،8 وهذا يعني خلافات قانونية مستقبلية حول سيادة هذه الأراضي.

سبل مواجهة التحديات:

وأمام الحكومة اللبنانية عدة احتمالات من أجل تصدير الغاز إلى الخارج:

أولا: تسييل الغاز وتصديره في بواخر إلى أوروبا وهذا الأمر سيزيد بالطبع من كلفة الغاز ويجعل منه أقل تنافسية مع باقي الدول.

ثانيا: الاشتراك في الأنبوب الإسرائيلي وهذا الأمر شبه مستحيل بسبب العداء بين البلدين.

ثالثا: إنشاء أنبوب غاز بحري إلى تركيا (٢٩٠ كم) على غرار إسرائيل ولكن هذا الأمر يتطلب تمويلا ستكون كلفته بحدود ٧٢٥ مليون دولار أميركي.

أما بالنسبة للاحتمال الرابع فهو إنشاء أنبوب غاز بري من طرابلس عبر سوريا إلى تركيا وكلفة هذا المشروع تصل الى ٣٣٠ مليون دولار أميركي (١٦٥ كم)، إلا أن الحرب السورية ورفض الحكومة اللبنانية التحاور مع النظام السوري ومع المعارضة تجعل من المشروع مستحيل في الوقت الحالي.

خامسا: إنشاء خط غاز مع قبرص واستغلال الشراكة الثلاثية بين اليونان وقبرص ومصر في العمل على إنشاء اتحاد يواجه السيطرة الإسرائيلية على حقول النفط في البحر المتوسط.

 ————————————————————————————————-

المراجع:

1- تقرير IMLebanon، هل خرج لبنان من المعادلة النفطية نهائيًا؟، IMLebanon، الرابط

2- بروفسور جاسم عجاقة، النفط في قلب استراتيجية تحفيز نمو الاقتصاد اللبناني، جريدة الجمهورية، الرابط

3- توجه إسرائيلي جديد قد يشعل فتيل الحرب مع لبنان، روسيا اليوم، الرابط

4- النفط والغاز والتأثيرات الاقتصادية: الفرصة لإنقاذ لبنان؟، الاخبار، الرابط

5- غاز لبنان… إسرائيل لن تنتظر، الاخبار، الرابط

6- مصير نفط لبنان في العهد الجديد، جريدة الجمهورية، الرابط

7- ايمن عمر، تأثير الأزمة السياسية على الاقتصاد اللبناني، premium

8- دين لبنان العام يبلغ أعلى مستوياته ويصل إلى 77 مليار دولار، الشرق الاوسط، الرابط

9- استخراج النفط: هذه أرباح لبنان من البلوكين 4 و9، جريدة المدن اللبنانية، الرابط