أوراق بحثيةتقارير

المساعدات الخليجية لمصر.. تضارب في الأرقام ومصالح غير معلنة

الوسوم

في ضوء التغيرات التي مرت بها المنطقة العربية وما لحق بها من ثورات اجتاحت معظم الدول العربية وأودت بمعظم الأنظمة الحاكمة بها، طال الاقتصاد المحلي لتلك الدول بعض الهزات العنيفة واستطاعت بعض الدول أن تنجو منها، لكن ليس بشكل كامل ولم تستطع اقتصاديات أخرى أن تنجو نتيجة بعض المتغيرات التي تحيط بهذه الدول.

و بالتعرض لحالة مصر من بين الدول التي طالتها ثورات الربيع العربي، نجد أن السياسات الخارجية المصرية ووضع مصر الاستراتيجي بين الدول العربية ساعدها على أن تنال دعم تلك الدول والحصول على بعض المساعدات المادية في صورة منح نقدية لا ترد وودائع في البنك المركزي وقروض مساندة ومساعدات نفطية وعينية، كان أبرزها المساعدات السعودية والإماراتية والكويتية، ما يبرز دور مصر الاستراتيجي والفعال بين دول منطقة الشرق الأوسط حيث لم تستطع دول أخرى الحصول على تلك المساعدات رغم احتياجها وافتقارها إلى الموارد التي تنهض باقتصادها مرة أخرى.

وسنتعرض في تلك الورقة البحثية إلى حجم هذه المساعدات وفيما استثمرت، ولماذا مولت تلك الدول مصر دون عن بقية دول الوطن العربي؟

ملامح الاقتصاد المصري بعد ثورة يناير:

استطاع الاقتصاد المصري الخروج من الأزمة المالية العالمة عام 2008 بسلاسة حيث ساعدته سياسة الباب المفتوح على عدم السقوط في أزمة التمويل التي طالت معظم قطاعات الاقتصاد الأمريكي، ونظرا لاستحواذ الدولار الأمريكي على معظم العلاقات الدولية بين فقد طالت الأزمة جميع اقتصاديات العالم، ووصل معدل نمو الناتج المحلى في مصر إلى 4.7% عام 2008/2009، واستطاع أن يقفز إلى 5.1% عام 2010/2011، وبدأت معدلات النمو الاقتصادي في التراجع بعد أحداث ثورة 25 يناير حيث وصل معدل النمو في عام 2011 إلى 1.9% بعد أن سجل قبل الثورة 7% أثناء الأزمة المالية العالمية، نتيجة لتراجع بسوق السياحة المصرية التي تعد المصدر الأكبر للنقد الأجنبي داخل مصر وغيرها من القطاعات التي تضررت نتيجة الاضطرابات الأمنية والسياسية في الداخل المصري.

كما زادت معدلات البطالة والتضخم بشكل كبير نتيجة توقف حركة الإنتاج وإغلاق كثير من الشركات والمصانع ما أودى بركائز الاقتصاد المصري واقترابه من السقوط.

خريطة الدعم الخليجي لمصر:

استطاعت مصر أن تحصل على وعود من 3 دول عربية لتمويل مصر للخروج من الأزمة التي يمر بها الاقتصاد المصري، حيث وصل إجمالي المساعدات إلى 29 مليار دولار، منها ٢ مليار دولار في فترة حكم المجلس العسكري، و9 مليار دولار في فترة الرئيس الأسبق محمد مرسي، و18 مليار دولار منذ ٣٠ يونيو حتى الآن، وتعتبر السعودية والامارات والكويت أكبر ثلاث داعمين للاقتصاد المصري في فترة بعد الثورة.

المساعدات السعودية؛ قدمت السعودية الكثير من الدعم المادي والمعنوي لمصر، ولا توجد أرقام دقيقة حول حجم المساعدات المقدمة من السعودية للسلطات المصرية في فترة ما بعد ثورة 30 يونيه؛ بسبب عدم إعلان أي من الدولتين عن هذه الأرقام، وأعلن عن بعض تلك المساعدات وهى؛ 2 مليار دولار على هيئة قرض للبنك المركزي بدون فائدة، و2 مليار دولار منتجات نفطية، و2 مليار وديعة ايضا لدى البنك المركزي، كما أوضح رئيس الهيئة العامة للبترول أنه بجانب المساعدات المادية كانت هناك مساعدات بترولية لمصر؛ حيث وقعت أرامكو اتفاقاً خلال زيارة للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلى القاهرة في إبريل 2016، تورد بموجبه الشركة 700 ألف طن من المشتقات البترولية لمصر شهرياً، من خلال قرض سعودي قيمته 23.5 مليار دولار على مدار 5 سنوات.

المساعدات الإماراتية؛ كانت الإمارات أولى الدول الخليجية التي أعلنت تقديم دعم لمصر، منها منحة لا ترد بقيمة مليار دولار، و 2 مليار دولار أخرى كوديعة لدي البنك المركزي المصري، وتعد المساعدات الاماراتية هي الاكثر جدوى بعد المساعدات النفطية حيث تم توجيه القدر الأكبر من تلك المساعدات إلى البنية التحتية وإعادة تطويرها؛ وجرى رصد مبلغ 4.9 مليار دولار لبناء 50 ألف وحدة سكنية، و25 صومعة قمح، و151 شبكة صرف صحى، وإعادة إعمار وإنشاء 100 مزلقان، وتوريد 1600 أتوبيس نقل عام، وإنشاء 78 وحدة طب أسرة.

المساعدات الكويتية؛ أعلنت حكومة الكويت عن تقديمها معونة عاجلة لمصر بقيمة 4 مليارات دولار بعد ثورة 30 يوليو؛ توزعت على شكل مليار دولار منحة، و2 مليار وديعة في البنك المركزي، بالإضافة إلى مليار دولار في صورة نفط ومشتقات نفطية.

وكان لتلك المساعدات أثرها البالغ على حجم الاحتياطي النقدي لمصر، الذى فقد نحو النصف خلال عام 2011، لينخفض احتياطي النقد الأجنبي من 36 مليار دولار في ديسمبر الأول 2010، إلى نحو 18.2 مليار دولار في الشهر نفسه خلال عام 2011، وبعد أن واجهت مصر أزمة كبيرة في مجال الطاقة، أثرت سلبا على إنتاجها من الكهرباء في مصر استطاعت أن تحل الأزمة من خلال المساعدات النفطية التي قدمتها دول الخليج إلى مصر.

ولكن رغم حجم المساعدات الخليجية، شهد الشارع المصري العديد من الأزمات المعيشية؛ حيث تفاقمت البطالة واشتعلت الأسعار في ظل تقليص الدعم والأزمة المالية التي تعاني منها البلاد التي دفعت الحكومة إلى اللجوء للاقتراض من صندوق النقد الدولي بشروط مجحفة أدت إلى مزيد من الضغوط المعيشية، نتيجة عدم الاستخدام الأمثل لتلك المساعدات التي قدمت من دول الخليج.

وبعد الارتباك المتعلق بآخر دفعات منحة المساعدات الكويتية الأخيرة البالغة مليار دولار، أثير الحديث حول المساعدات التي تلقتها مصر من دول الخليج ولم يتم تحديد قيمتها الحقيقة التي حصلت عليها مصر من الدول الثلاث.

ويأتي التناقض في الأرقام المعلنة المساعدات الخليجية لمصر لعدة أسباب أبرزها:

1- إصرار الجهات الرسمية في مصر على التعامل بعدم شفافية مع هذا الملف المهم، والإصرار كذلك على رفض الكشف عن الرقم الحقيقي للمساعدات الخليجية؛ التي حصلت عليها البلاد.

2- عدم دخول هذه المساعدات البلاد بالطرق الرسمية المتعارف عليها؛ وهي القطاع المصرفي المسؤول عن التحويلات الخارجية، أو من خلال البنك المركزي المصري؛ الذي يتلقى المعونات والمنح الخارجية، ثم يقوم بإيداعها في حسابات الوزارات والجهات المتلقية لديه، والإشراف على أوجه إنفاقها بالتعاون مع أجهزة رقابية أخرى.

3- عدم خروج إحدى الجهات الرقابية الموثوق بها في مصر، وليكن الجهاز المركزي للمحاسبات أو البنك المركزي المصري، برقم محدد للمساعدات الخليجية، ما يفرض غموضًا شديدًا حول قيمتها.

4- خلط بعضهم بين المساعدات والمنح الخليجية النقدية المباشرة، وبين الودائع التي يتم إضافتها إلى احتياطي البلاد لدى البنك المركزي؛ وتمثل دينا خارجيا على الدولة يتم سداده حسب مدة الوديعة، والخلط يتم أيضا بين النوعين السابقين من المساعدات وبين المنح النفطية التي يتم إضافتها للموازنة العامة للدولة تحت بند مساعدات مشتقات بترولية، وهذه المشتقات تستحوذ على نحو 15% من موازنة الدولة السنوية؛ حيث تبلغ تكلفتها السنوية 14.4 مليار دولار، تم تخفيضها إلى 13.1 مليار دولار في الموازنة الأخيرة عن العام المالي 2014/2015 في إطار علاج عجز الموازنة.

5- توجيه السلطات المصرية جزءا من المساعدات الخليجية لتغطية أزمات ومشكلات اقتصادية لا ترغب في الإعلان عنها أو كشفها للرأي العام؛ على سبيل المثال، تراجعت إيرادات مصر من السياحة بنسبة 48% لتصل إلى 5.8 مليار دولار في عام 2014 مقابل 12.5 مليار دولار في عام 2010؛ ما يعني تكبد البلاد خسائر تقدر بمليارات الدولارات قد تكون تمت تغطيتها من المساعدات.

ومن جهة اخرى يجب التعرض للأسباب التي من أجلها منحت الثلاث دول هذا الكم من المساعدات لمصر خاصة بعد ثورة 30 يونيو؛ حيث المساعدات القطرية قد توقفت عن مصر بعد زوال حكم الاخوان المسلمين وحل محلها مساعدات كلا من السعودية والإمارات والكويت.

• اختلاف سياسات مصر الخارجية عن غيرها من الدول التي قامت بها ثورات الربيع العربي، كما اختلفت أيضا سياسات الحكم بعد سقوط حكم الاخوان المسلمين.

• بدأت المساعدات بعد ثورة 30 يونيو وليس قبلها دليل على عدم تقبل تلك الدول لنظام حكم الاخوان المسلمين .

• محاولة كسب السيادة المصرية في صف تلك الدول من خلال تلك المساعدات؛ الأمر الذى بات واضحا بعد توقف المساعدات النفطية في عرض البحر بعد تصويت مصر لصالح القرار الروسي بشأن سوريا في مجلس الأمن، وتوقف المساعدات النفطية من السعودية مرة أخرى فجأة وبدون أي مقدمات وعودتها مرة أخرى.

وختاما تظل المساعدات الخارجية أداة هامة من أدوات التمويل في الوقت الراهن، إذا ما أحسن استخدامها، ويمكن تعظيم الاستفادة منها بتوجيهها إلى الأنشطة الإنتاجية وإعادة هيكلة بعض المؤسسات العامة، المحققة لخسائر، لكي تعزز من معدل النمو الاقتصادي، بما لا يمس بالسيادة الوطنية.

————————————————————————————————-

المراجع:

1- دول الخليج تتقدم نحو الصدارة في جدول الدول المانحة للمعونات، الميدل ايست،الرابط

2- اسماء الخولى، دور المساعدات الخليجية في دعم الاقتصاد المصري منذ ثورة يناير 2011 وأثر ذلك على احتياطي النقد الأجنبي، الميدل ايست،الرابط

3- لماذا سارعت دول الخليج الى دعم مصر بعد الاطاحة بمرسي؟، BBC عربي،الرابط

4- المساعدات الإماراتية لمصر .. من المستفيد؟، الجزيرة،الرابط

5- أربعة أسباب تجعل دعم الخليج للسيسي مستمرًا، نون بوست،الرابط

6- المساعدات الإماراتية لمصر.. ملاحظات حول التوقيت والأهداف، العربي الجديد،الرابط

7- المساعدات الخليجية لمصر: التقديرات وسيناريوهات المستقبل، مركز الجزيرة للدراسات،الرابط

8- د/ حسانى شحات، الدعم الإقتصادي لمصر ودوره في تشكیل التحالفات الإقلیمیة. 

 

إغلاق