الغاز الإسرائيلي بين المنافسة والمقاومة (2)

الغاز الإسرائيلي بين المنافسة والمقاومة (2)




في مقابل خطورة التنافس مع “الحلفاء”، التي رغم كل الاتفاقيات والترتيبات التي دفعت تل أبيب نحوها، فإن بديهيات السوق جعلت اللاعبين الكبار في هذا المجال، وتحديداً شركات النفط العملاقة تفضل الاستثمار المستقبلي في مصر وقبرص دون إسرائيل، فإن كل من لبنان وسوريا وغزة خارج “التسويات الغازية”، التي دفعت تل أبيب في إبرامها، ومع بدء هذه الدول إبرام عقود مع شركات صينية وروسية وعالمية، ليصبح كنز إسرائيل بلا قيمة احتكارية مطلقة.

 وبالنسبة لغزة، فمنذ التسعينات تماطل دولة الاحتلال في مسألة استخراج السلطة الفلسطينية لما تفوق قيمته السوقية الستة مليارات دولار من آبار الغاز الموجود قبالة سواحل غزة، التي بدأت إسرائيل منذ سنوات قليلة استنزافها وسرقتها.

“كنز إسرائيل الاستراتيجي”-  كهدف للمقاومة

هنا نجد أن كنز إسرائيل الاستراتيجي محاصر حالياً بين بديهيات اقتصادية تبخس قيمته من الناحية الاستراتيجية، وبين مخاطر أمنية بوضعه في إطار تسويات سياسية وعسكرية متعلقة مثلاً بغاز قطاع غزة، وقبل ذلك كون حقول الغاز الإسرائيلية أصبحت هدفاً للمقاومة، فمثلما كانت المجمعات الصناعية والخدمية والترفيهية شمال إسرائيل هدفاً لصواريخ المقاومة اللبنانية، نهاية بحرب 2006 التي قُصفت فيها حيفا، الميناء الاقتصادي الأهم للكيان، وأيضاً منذ عام 2012 حيث قصفت تل أبيب للمرة الأولى بصواريخ المقاومة الفلسطينية من غزة، ومرة أخرى خلال الحرب الأخيرة 2014، حيث غطت صواريخ المقاومة كل فلسطين المحتلة.

وبين 2000 و2014 هناك نقطتي تحول رئيسيتين: الأولى قصف المدمرة “ساعر-5” بصاروخ أرض بحر أثناء حرب تموز 2006، وقصف منصة “نوعا” البحرية بصاروخين أطلقا من غزة قبل 2014، كتصعيد أخير للمقاومة قبل وقف إطلاق النار حينها.

نقطة التحول الأولى في 2006 لم تنبه الإسرائيليين إلى تعرض سلاحهم البحري للخطر بعد معامل خطر صفر منذ إغراق المدمرة إيلات عشية حرب 1967 فحسب، ولكن نبهتهم أيضاً إلى أن منشآت حقول الغاز أيضاً في خطر وفي مرمى نيران المقاومة، ما تكرر مرة ثانية منذ أيام باستهداف منصة التنقيب سابقة الذكر، ما شكل نقطة التحول الثانية، التي أثبتت أن كل إجراءات التأمين العسكرية للمنشآت النفطية عقب حرب تموز حتى العام الجاري لن تضمن الوقاية بنسبة 100 %، فمنذ 2006 ضُمت حماية المنشآت النفطية سواء على سواحل فلسطين المحتلة أو في عرض البحر إلى عملية تأمين الجبهة الداخلية لإسرائيل التي فُرضت لها ميزانية بمليارات الدولارات في أعقاب حرب تموز، فعملت إسرائيل على تأمين منشآتها النفطية في البحر بتشكيل قوة بحرية خاصة مرت بثلاث مراحل، الأولى تتكون من قوات ضفادع بشرية وقوارب سريعة وطائرات بدون طيار وتدخل في نطاق عمل حرس السواحل، المرحلة الثانية تمت بشراكة أمريكية وكان الغرض منها، مراقبة حركة السفن القريبة من سواحل غزة لضمان عدم تهريب الأسلحة، وأدرجت حماية المنشآت النفطية العاملة ومراقبتها بأنظمة استشعار متصلة بالأقمار الصناعية، الثلاثة وهي الأكثر تطوراً وكانت بتعاون أمريكي منبعه الحفاظ على مصالح الشركات الأمريكية النفطية العاملة في إسرائيل، فتوسعت قوة حماية المنشآت البحرية النفطية لتستقل عن قوات حرس السواحل، وتشكل في حد ذاتها قوة خاصة مثلت أعلى مراحل التطور في الحماية البحرية عسكرياً كماً وكيفاً؛ فأولاً أصبحت هذه القوة البحرية الخاصة تابعة لرئاسة أركان جيش العدو، بتوصيات من وزارة الشئون الاستراتيجية، وتوسع نطاق عملها ليشمل المياه الدولية قبالة صيدا وصور في لبنان شمالا وحتى رفح جنوباً. وتضم هذه القوة  أربعة فرقاطات أمريكية صُنعت خصيصاً لاستخدامها من جانب القوة الخاصة الإسرائيلية، تتسلح بأنظمة دفاع صاروخي مماثلة لأنظمة الدفاع الصاروخية الموجودة على حاملات الطائرات الأمريكية، وأخرى هجومية لضربات استباقيه لأهداف بحرية أو ساحلية، وتشمل أيضاً منظومة مراقبة واستطلاع ورصد وإنذار مبكر.

الحد الأدنى للاستفادة مع شريك المستقبل.. السعودية:

أمام هذه المخاطر والعوائق الأمنية والاقتصادية، لم يعد أمام تل أبيب إلا أسواق “حلفائها” في القاهرة وعمان والرياض لتصريف غازها، ويحدد سايمون هندرسون 3 مسارات لكي تحافظ إسرائيل على الحد الأدنى من الاستفادة من كنزها الذي لم يعد استراتيجياً، بشكل لا تكون منفردة فيه كما كانت تطمح ولكن كشريك يخضع مثل باقي شركاءه لاستراتيجيات سوق الطاقة وآلياته، ولكن مع فرصة لأن يكون الغاز الإسرائيلي أحد محاور التعاون والتلاقي الحادث مؤخراً بين دول عربية وتل أبيب بخلاف عمان والقاهرة، مثل السعودية

بصرف النظر عن تصدير غاز “ليفياثان” إلى الأردن، فإن أحد الخيارات المصرية هو على الأرجح الأكثر واقعيةً بالنسبة لإسرائيل، فمن وجهة نظر مالية، تفضل شركة “نوبل” من دون شك تحويل الغاز إلى غاز طبيعي مسال لتصديره بدلاً من بيعه في السوق المحلي والانضمام إلى خط الدائنين الطويل في مصر.

 ووفقاً لصحيفة “وول ستريت جورنال”، أبلغ وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي المراسلين الصحفيين في وقت سابق من هذا الشهر أنه مهتم بغاز البحر الأبيض المتوسط لاستبدال النفط كوقود لتوليد الطاقة، ما يشير إلى أنه ربما قد ينتهي المطاف بالغاز الإسرائيلي في يوم من الأيام في السعودية عبر مصنع مصري للغاز الطبيعي المسال، ونظراً إلى الاتصالات العسكرية والاستخباراتية الوطيدة ظاهرياً بين مصر وإسرائيل، فإن مصر هي أفضل خيار سياسي على الأرجح، ورغم أن الموارد الدبلوماسية الأمريكية تعاني من ضعف في الشرق الأوسط في الوقت الراهن، إلّا أنّ التعاون على صعيد الغاز الطبيعي يعود بالفائدة على حلفاء أمريكا في المنطقة ويُعدّ الآن أكثر جدوى بكثير من مبادرات السلام التي تتصدر العناوين.     

ختام واستشراف

إجراءات حماية المنشآت النفطية الإسرائيلية في البحر لم تحقق نجاحاً يتجاوز نجاح منظومة القبة الحديدية وأخواتها، فقط الفارق أنه لم يتم اختبارها بنفس الكثافة التي حدثت مع العمق الإسرائيلي كهدف لصواريخ المقاومة، فحادثة قصف منصة “نوعا” يمكن تفسيرها على أنها كانت ورقة تصعيد أخيرة للمقاومة مع توحش القصف الإسرائيلي على غزة أواخر أيام العدوان2014، لكن أيضاً هناك دلالة هامة يمكن أخذها في الاعتبار، وهي أن المقاومة تستطيع أن توجه صواريخها إلى “كنز إسرائيل الاستراتيجي” في أي تصعيد عسكري قادم، خاصة وأن إسرائيل ستصل العام القادم إلى نسبة 50% من قدرة تشغيل حقول شرق المتوسط التي تستحوذ عليها، وهو ما يلزمه “هدوء نسبي” في منطقة شرق المتوسط، ليس لفائدة إسرائيلية فحسب، ولكن أيضاً لفائدة سوق الطاقة الأوربي الذي ينظر إلى احتياطي شرق المتوسط كبديل اختياري لغاز روسيا.

أيضاً ربما تسلك المقاومة نفس منهج الاحتلال حيال غاز قطاع غزة، غير المستغل منذ 15 عاما بسبب الحصار والحروب الإسرائيلية المتوالية، فلم تستطع أي شركة تنقيب العمل في محيط تشتعل فيه الحروب مرة كل عامين أو أقل، ما يعني أن المقاومة ربما تقلب المعادلة هذه المرة تجاه الغاز الإسرائيلي، أو تفرض معادلة طويلة الأمد طرفيها هدوء عسكري مقابل ميناء ورفع الحصار عن غاز غزة غير المستغل بسبب الاحتلال، وهذا حتى في إطار تسوية سياسية شاملة بتوافق إقليمي، لا تجده شركات النفط العالمية عامل مغري للاستثمار طويل الأمد لأنه في هذا المناخ يشكل عامل مخاطرة لا تستطيع هذه الشركات معالجته، أكثر من كونه عامل أمان استثماري متوفر في مناطق أخرى.

وبشكل عام، فإن “كنز إسرائيل الاستراتيجي” لم يعد كنزاً ولم يعد استراتيجياً بسبب اكتشافات الغاز الأكبر وذات الأمان الاقتصادي في الدول الأخرى، وعزوف الشركات الكبرى عن الاستثمار المستقبلي في حقول الغاز الإسرائيلية لهذه الأسباب التي يضاف إليها العامل الأمني، حتى أن البعض يعتبر غاز إسرائيل بمثابة “وتر أخيليس” عند أي صدام عسكري تكون تل أبيب أحد أطرافه.