مستقبل البرنامج النووي المصري

مستقبل البرنامج النووي المصري




تملك مصر الرغبة في امتلاك برنامج نووي منذ منتصف القرن الماضي تقريبا، وتعثرت المحاولات المصرية أكثر من مرة طيلة هذه الفترة، وأتت أحدث محاولة في الأعوام الأخيرة، إذ جددت مصر محاولتها لامتلاك مشروع لإنتاج الطاقة النووية بشكل سلمي بالتعاون مع دولة روسيا، فهل تنجح المحاولات المصرية في إنتاج الطاقة النووية هذه المرة؟ أم تتكرر التعثرات مرة أخرى؟ وما أسباب تعثر المشروعات السابقة؟ وأيضا ما طبيعة الفرص التي قد يتركها مشروع مثل محطة الضبعة النووية؟ وما المخاطر المحتملة من تنفيذ المشروع؟ نحاول في هذه الورقة الإجابة على هذه الأسئلة.

لذا قمنا بتقسيم الورقة إلى 3 محاور رئيسية، المحور الأول نتناول خلاله تطور البرنامج النووي المصري منذ الخمسينات، وتحليل هذا التطور بالشكل الذي يجعلنا نقف على أسباب التعثر المتكرر للمشروع النووي المصري، أما المحور الثاني فنتناول فيه تفاصيل المشروع الحالي من الناحية السياسية وملابسات تدشينه، ثم نختتم الورقة بمحورها الأخير عن طبيعة الفرص والمخاطر الناتجة عن المشروع.

أولا- تطور البرنامج النووي المصري:

مرت فكرة إقامة برنامج نووي مصري بعدة محطات، ونخصص هذا المحور لتناول أبرز المحطات الرئيسية التي شهدها مشروع إقامة برنامج نووي في مصر.

المحطة الأولى:

ظهرت أول محاولة لإنشاء برنامج نووي مصر في مطلع خمسينات القرن الماضي، وتحديدا عقب إعلان الرئيس الأمريكي أيزنهاور مبادرة “الذرة من أجل السلام” في عام 1953، وهي المبادرة التي روجت لفكرة استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية المتعلقة بالتنمية، خاصة في مجالات توفير الطاقة والمياه، وعقب أحداث يوليو 1952 أعلنت مصر انضمامها لمبادرة أيزنهاور، وبالفعل تشكلت أول لجنة للطاقة الذرية بمصر في عام 1955 برئاسة الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر.

وفي ظل بيئة دولية تشهد تغييرا في هرم القوى الدولية، وبيئة إقليمية غير مستقرة ينتشر بها الدول الطامحة في التحرر من الاستعمار، أو تموج بالاضطرابات الداخلية، وقعت مصر مع الاتحاد السوفيتي اتفاقا في يوليو 1956 يقضي بالتعاون بين البلدين فيما يخص التطبيقات السلمية للطاقة النووية، وجاء اختيار الاتحاد السوفيتي مثيرا لحفيظة بريطانيا بصفتها المُستعمر الأخير، كما كان بمثابة إعلان عن شراكة استراتيجية ستجمع الطرفين.

قبيل بداية حرب السويس بشهر تقريبا، وقعت كلا من  مصر والاتحاد السوفيتي عقد لإنشاء المفاعل النووي البحثي الأول بقدرة 2 ميجا، وكان هذا من أحد أسباب اندلاع حرب 1956، وأعقب الحرب إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وشاركت مصر كعضو مؤسس في هذه الوكالة،  وبدأ تشغيل المفاعل البحثي الأول “أنشاص” عام 1961، وحاولت مصر توسيع إطار تعاونها مع دول أخرى بجانب الاتحاد السوفيتي، فوقعت اتفاق تعاون نووي مع المعهد النرويجي للطاقة النووية، وكذلك حصلت مصر على معمل للنظائر المشعة من دولة الدنمارك، وبدا أن مصر بصدد إنشاء مشروع جدي في مجال الطاقة النووية، خاصة بعد أن طرحت الحكومة المصرية مناقصة لتوريد محطة نووية لتوليد الكهرباء بقدرة 150 ميجاوات، وتحلية مياه البحر بمعدل 20 ألف م 3 في اليوم الواحد، بتكلفة وصلت آنذاك إلى 30 مليون دولار تقريبا، ثم تعثر المشروع النووي المصري في أعقاب هزيمة 1967، وتم اغلاق الملف حتى الانتهاء من تحرير الأراضي المصرية.

المحطة الثانية:

ظهرت محاولة مصرية جديدة عقب حرب 1973، بعد حدوث عدة متغيرات على البيئة الدولية بتقسيم القوى الدولية إلى قطبين رئيسيين، وانحياز مصر إلى الكتلة الغربية، علاوة على إعلان إسرائيل امتلاكها للسلاح النووي حصريا في الشرق الأوسط، عادت محاولات مصر مع عام  1974 فلجأت هذه المرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمساعدة في إنشاء محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية بقدرة 600 ميجاوات، وتم توقيع عقد بالفعل لإخصاب اليورانيوم في الولايات المتحدة الأمريكية.

ظهرت بعض البوادر الجيدة في المشروع، فأصدرت مصر عام 1976 خطاب نوايا لشركة وستنجهاوس الأمريكية، كما وقعت اتفاق تعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد توقيع مصر على معاهدة السلام عام 1979، تم وضع برنامجا مع الولايات لمتحدة لإنشاء 10 محطات نووية بنهاية عام 1998، وتعثر البرنامج على خلفية تعديل قوانين تصدير التقنية النووية في أمريكا، ووضع القانون الجديد العديد من الشروط المتعلقة بعملية التفتيش، ما اعتبرته مصر حينذاك تدخلا غير مقبولا في سيادتها، ما أدى الى تعثر المشروع في نهاية الأمر.

ثم لجأت مصر إلى دولة أخرى ضمن التكتل الغربي هي فرنسا، ووقع الرئيس المصري أنور السادات بروتوكولا مع الحكومة الفرنسية يتضمن تزويد مصر بمفاعلين لتوليد الكهرباء عن طريق مؤسسة “فراماتوم” الفرنسية قدرة كل واحد منهما 1000 ميجاوات بتكلفة قدرها 2 مليار دولار، تباطأت خطوات تنفيذ المشروع من الجانب الفرنسي، وتذرعت الحكومة الفرنسية آنذاك بعدم توقيع مصر على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ما واجهته مصر بالتوقيع على المعاهدة عام 1981، ثم اغتيل الرئيس السادات بعدها دون أن تقوم الحكومة الفرنسية بتنفيذ المشروع، ليسدل الستار على المحاولات المصرية الثانية في إنشاء برنامج لتوليد الطاقة النووية، وتزامن هذا مع حادثة تدمير المفاعل النووي العراقي من جانب إسرائيل في يونيو 1981.

المحطة الثالثة:

استمرت مصر في سياسة تنويع الشركاء المحتملين لمشروعها النووي، فوقعت اتفاقيات للتعاون مع ألمانيا والسويد وكندا وأستراليا، وتم تحديد منطقة الضبعة كموقع لإنشاء المحطة النووية الأولى، وطرحت مصر مواصفات مناقصة ثالثة عام 1983، كما أعلنت الحكومة عام 1986 نيتها إنشاء 8 محطات نووية حتى عام 2000، إلا أن المشروع توقف على خلفية صعوبة تدبير التمويل اللازم للمشروع من قبل البنك الدولي وصندق النقد، بذريعة الخوف من تسرب الإشعاع النووي على غرار مفاعل شيرنوبل ببلاروسيا عام 1986، ليتعثر البرنامج المصري مرة أخرى.

وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وعودة مصر لجامعة الدول العربية، تكررت المحاولة المصرية مرة أخرى عام 1992، ولجأت مصر هذه المرة إلى دولة من خارج التكتلات الشرقية والغربية، وهي الأرجنتين، ووقعت مصر معها عقد إنشاء مفاعل نووي (بحثي) متطور عام 1992 بقدرة مركبة 22 ميجاوات، وتم الانتهاء من انشاءه بالفعل عام 1997، كما قامت الأرجنتين بتطوير مفاعل أنشاص البحثي الأول وزيادة كفاءته.

وباستثناء محاولة فاشلة وحيدة عام 2002 لإنشاء محطة توليد طاقة نووية بالتعاون مع كوريا الجنوبية والصين؛ توقفت الجهود المصرية حيال برنامجها النووي، وذلك حتى إعلان جمال مبارك عام 2006 عن عزم الحكومة المضي في برنامجها النووي، وعقب هذا الإعلان اجتمع المجلس الأعلى للطاقة للمرة الأولى منذ 18 عاما، وضم الاجتماع رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والمالية والكهرباء والبترول والتنمية الاقتصادية، وأسفر الاجتماع وضع خطة قُدرت فيها احتياجات مصر من المحطات النووية بثلاث محطات بقدرة إجمالية 1800 ميجاوات تدخل مرحلة التشغيل مع حلول عام 2020، ولم يتم تنفيذ هذه الخطة حتى قيام ثورة 25 يناير 2011.

ظروف التعثر:

ومن الاستعراض السابق يمكننا الوقوف على بعض الملاحظات المتعلقة بالتعثرات المتكررة في البرنامج النووي المصري، وهي كما يلي:

لعب عامل تغيير النخبة الحاكمة دوراً مؤثراً في تعطل البرنامج المصري عدة مرات، خاصة أن البرنامج النووي يتطلب مدة زمنية طويلة، وغالبا ما لجأت النخب الحاكمة إلى تغيير خريطة الشركاء الخارجيين، ما تسبب في حالة من عدم استقرار مخططات البرنامج النووي.

 كان للظروف الاقتصادية دورا رئيسيا أيضا في تعثر البرنامج المصري، ويمكننا ارجاع التراجع في الستينات والثمانينات عن البرنامج إلى الأزمة الاقتصادية التي مرت بها مصر خلال هذه الفترة، ناهيك عن الظروف الإقليمية والدولية، وشهدت فترات التقدم في المشروع وجود ثمة استقرار اقتصادي سواء في السبعينات أو نهاية الخمسينات ومطلع الستينات.

 كما كان للأطراف الخارجية دورا هاما في تعطيل البرنامج المصري، فتعطل المرة الأولى بسبب الحرب مع إسرائيل، وللمرة الثانية بسبب الولايات المتحدة وفرنسا، وللمرة الثالثة بسبب مؤسسات التمويل الدولية التي رفضت دعم برنامج مصر النووي، ولم يكن لدى مصر أي وسيلة أخرى للتمويل أو تنفيذ المشروع.

 تميزت الفترتان التي شهدتا إنشاء المفاعلين البحثيين وجود ثمة تحول في هرم القوى الدولية، فالمرة الأولى جاءت في ظل تراجع القوى البريطانية والفرنسية، والمرة الثانية أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي.

 للبيئة الإقليمية دورا محددا لمدى نجاح الخطوات المصرية، واتسمت نفس الفترتين السابق ذكرهما بممارسة مصر لدورا إقليميا فعالاٌ، خاصة في الدوائر العربية، سواء في مطلع الستينات أو مع مطلع التسعينات.

 الدولة الأكثر تعاونا خلال الفترات السابقة هي الأرجنتين، وهي دولة لا تتمتع بمصالح كبيرة نسبيا في الشرق الأوسط مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة وفرنسا والصين والاتحاد السوفيتي.

ثانيا- المشروع النووي الحالي:

ظل هاجس استكمال مشروع الضبعة مستمرا لدى نخب الحكم في مصر بعد 25 يناير، وبعد 3 أشهر فقط من الإطاحة بمحمد مرسي، عاد الحديث في مصر عن سعيها لامتلاك الطاقة النووية، وأعلن الرئيس المؤقت عدلي منصور في ذكرى حرب أكتوبر عام 2013 عن اعتزام الحكومة تدشين مشروع استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وتبع هذه الخطوة قيام القوات المسلحة بالسيطرة على أراضي الضبعة لتخصيصها لبناء المحطة النووية المصرية، وتمتد مساحة الأرض لـ 6500 متر، وأعقب هذا توقيع بروتوكول تعاون بين هيئة المحطات النووية والهيئة الهندسية للقوات المسلحة في مصر للبدء في إعادة تأهيل موقع الضبعة.

ثم أشار السيسي في خطاب تنصيبه إلى تخطيطه لإنشاء محطة الضبعة للطاقة النووية، وحضر الملف في لقاءات المسئولين المصريين مع الدول النووية الكبرى، وأعلنت مصر في ديسمبر 2014 عن تلقيها بالفعل لعرضين رئيسيين من شركة ” سي إن سي” الصينية وشركة ” روس أتوم” الروسية.

الاتفاق مع روسيا:

في حديث تليفزيوني في فبراير 2015 أعلن السيسي عن سعي مصر نحو تنويع مصادرها من الطاقة، وشدد على سلمية البرنامج النووي لمصر، واستبعد لجوء مصر إلى المغامرة واستخدام المشروع في إنتاج سلاح نووي، كما أكد على احترام مصر لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

وعقب توقيع اتفاقية استخدام الطاقة النووية بين دولة إيران ومجموعة دول الـ (5+1)؛ بدأت مصر تتخذ خطوات أكثر جدية في تنفيذ المشروع، فاعتبرت مصر أن هذه الاتفاقية بمثابة مؤشرا عن رضاء القوى الدولية عن استخدام الطاقة النووية بشكل سلمي داخل الشرق الأوسط.

واستقبلت الحكومة المصرية عدة عروض من بعض الشركات متعددة الجنسيات هي: شركه وستنجهاوس الأمريكيه، واريفا الفرنسيه، وميتسوبيشي اليابانيه، وكيبكو الكوريه الجنوبية، وشركتان صينيتان، بالإضافة إلى شركة روساتوم الروسية، وقررت مصر قبول عرض الأخيرة.

وفي ظل توتر العلاقات بين مصر وروسيا على خلفية سقوط الطائرة الروسية وتعليق روسيا للرحلات الجوية الى مصر، شهد نوفمبر 2015 إعلان مصر عن توقيعها مع روسيا 3 اتفاقات لإنشاء أول محطة نووية في مصر على الساحل الشمالي الغربي المطل على البحر المتوسط، ووقع ممثلو حكومتي البلدين عقد إنشاء المحطة النووية، وكذلك اتفاق قرض لتمويل عملية الإنشاء، ومذكرة بخصوص إجراءات الأمان والسلامة النووية.

ويتعلق الاتفاق بإنشاء محطة تضم 4 مفاعلات نووية في منطقة الضبعة تبلغ طاقة كل منها 1200 ميجاوات، أي بإجمالي طاقة منتجة تصل إلى 4800 ميجاوات، على أن يتم إنشاء المشروع خلال 7 سنوات، ويتم تمويله من خلال بقرض روسي يتم سداده من عوائد بيع الكهرباء لفترة تمتد نحو 35 عاماً، وتبلغ قيمة القرض 25 مليار دولار يتم خلالها تمويل 85% من تكلفة إنشاء المشروع، ويبلغ أجل القرض 12 عاما خلال المدة الزمنية من 2017 حتى 2029، بفائدة 3% سنويا.

ويجدر الإشارة إلى أن نفس الشركة الروسية “Rosatom ” سبقت وأن وقعت مع دولة السعودية على تأسيس 16 مفاعلا نوويا، كما تقوم أيضا بتنفيذ أول محطة نووية أردنية لتوليد 2000 ميجاوات بتكلفة تصل إلى 10 مليار دولار، وتعتبر الشركة مؤسسة حكومية روسية، حيث تم إنشائها في 1992 بموسكو تحت مُسمى “هيئة تنظيم المجتمع النووي الروسي” كبديل لوزارة الصناعة والهندسة النووية، ثم أعيد تنظيمها في مارس 2004 وأصبحت وكالة اتحادية للطاقة الذرية تتبع الحكومة الروسية بشكل مباشر.

وعملت مصر على توقيع عدد من بروتوكولات التعاون مع الدول العربية ذات المشروعات المشابهة، حيث وقعت بروتوكولات تعاون حول استخدام الطاقة النووية بشكل سلمي مع كل من السعودية و الأردن والإمارات.

إعداد البيئة التشريعية:

عملت مصر على إعداد البيئة التشريعية اللازمة لقيام المشروع، وأًصدر البرلمان قانون بمقتضاه يتم إنشاء جهازا تنفيذيا للإشراف على مشروعات المحطات النووية لتوليد الكهرباء، ويتبع الجهاز وزير الكهرباء ورئيس الجمهورية، كما يضم مجلس إدارته بعض ممثلي الوزارات المختصة، ومن بينهم الدفاع والمالية، وأوكل القانون للجهاز الجديد مهمة الاشراف على تنفيذ مشروع الضبعة.

كما أجرى البرلمان تعديلا على قانون رقم 7 لسنة 2010 بشأن تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية، وأعطى القانون للهيئة سلطة الترخيص لتأسيس المنشآت المتعلقة بالطاقة النووية، ومراقبة تنفيذ معايير السلامة الأمنية، كما أن لمفتشيها سلطة الضبط القضائي إذا ثبت مخالفة أحد المتعاملين لنصوص القانون ولائحته التنفيذية.

بالإضافة إلى ما سبق، قام المجلس بتعديل أخر على قانون رقم 13 لسنة 1976، وهو متعلق بهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء.

ثالثا- فرص ومخاطر المشروع النووي المصري:

تشير الخبرة التاريخية إلى وجود ثمة نوايا حقيقية وإرادة سياسية لدى مصر لامتلاك الطاقة النووية منذ فترة بعيدة، وربما تشير الخطوات الأخيرة إلى اقتراب مصر من تحقيق هذا الهدف القديم، لذلك نخصص هذه الجزئية لتحديد طبيعة الفرص والمخاطر المحيطة بالمشروع المصري المرتقب في الضبعة، على النحو التالي:

1-الفرص:

من أبرز الفرص التي قد يوفرها مشروع مفاعل الضبعة النووي ما يلي:

 الفرصة الأولى اقتصادية الطابع، وتكمن في احتمال حصول مصر على مصادر جديدة للطاقة الكهربائية، خاصة في ظل الأزمة التي شهدتها مصر في الكهرباء في مطلع العقد الحالي، وتشير البيانات إلى حجم الإنتاج الكلى لمصر من الطاقة الكهربائية يقدر بنحو 24 ألف ميجاوات، ويعد هذا كافيا، حيث تحتاج مصر لما يقارف 3 ألاف ميجا وات إضافية بشكل سنوي لتلبية حاجات الصناعة والتنمية، ما يوفره مشروع الضبعة النووي، إذا يكفي الإنتاج المتوقع من المشروع كافة الحاجات المصرية، علاوة على وجود فائض يصلح للتصدير، ما يساهم في تعزيز وضع الاقتصاد المصري بصفة عامة.

 من زاوية السياسة الخارجية يمنح المشروع لمصر فرصة لتعضيد مكانتها الإقليمية، فيؤدي امتلاك مصر للطاقة النووية إلى تعضيد القوة الشاملة النسبية لمصر في الدوائر المختلفة للسياسة الخارجية، سواء في الشرق الأوسط أو في منطقة حوض النيل، حيث يتيح المشروع لمصر فرصة تقديم صورتها كمصدر للطاقة، علاوة على امتلاكها الطاقة النووية في ظل بيئة إقليمية ينتشر بها محاولات امتلاك الطاقة النووية من جانب بعض الدول، غير أن هناك دولا في وضع تنافس مع مصر تمتلكها بالفعل، سواء إيران أو إسرائيل أو حتى تركيا والأخيرة تملك السلاح النووي بسبب وجودها تحت مظلة الناتو؛ ما يعني أن تأخر امتلاك مصر للطاقة النووية قد يقوض من مكانتها الإقليمية المعتادة، ويعيق عملية بناء تكامل إقليمي مع الدول الساعية لامتلاك الطاقة النووية في الإقليم ومنها السعودية والإمارات والأردن.

 يفتح المشروع الباب أمام مصر لبناء تحالف استراتيجي مع قوة دولية كبيرة بحجم روسيا، وتتضح أهمية هذا في وجود ثمة تحولات في خريطة القوى الدولية داخل الشرق الأوسط، خاصة تزايد الانخراط الروسي في تفاعلات الإقليم، وسيطرتها على الأوضاع في سوريا، ما يخلق حالة من التوازن لدى الموقف المصري، ويضمن لها تحالفا مع القوة الدولية الأكثر اهتماما بالإقليم في هذه الفترة، خاصة مع وجود عدة مؤشرات على وجود ثمة انكفاء أمريكي في الإقليم، والتركيز الأمريكي على دوائر أخرى في سياستها الخارجية مثل دائرة بحر الصين الجنوبي.

 تمتد فرص المشروع إلى جانب التماسك الاجتماعي المحلي، فمشروع بهذا الحجم إذا ما أجادت السلطات المصرية تسويقه محليا قد يكون عاملاً دافعا على ارتفاع معدلات الانتماء لدى المواطنين المصريين، وتكمن أهمية هذا في مجيئه بعد سنوات من الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي، ما أثر سلبيا على حالة الاستقرار الاجتماعي والسياسي في مصر، ومشروع كهذا ربما يكون له أثار إيجابية على نفسية المواطنين، على غرار مشروع بناء السد العالي في ستينات القرن الماضي، وهو ما يعضد الاستقرار بصفة عامة، خصوصا بعد الإحباط الذي أصاب داعمي السلطة الحالية عقب تراجع إيرادات قناة السويس، وذلك بعد أن وعدهم الرئيس الحالي بإن المشروع سيخلق نقلة اقتصادية لمصر.

أخيرا يتيح مشروع مفاعل الضبعة النووي إيجاد بيئة ملائمة لتطوير البحث العلمي المتعلق بمجالات استخدام الطاقة النووية بشكل سلمي، وبدأت الحكومة المصرية باتباع بعض الإجراءات الأولى في ذلك، حيث خصصت قسما لدراسة الطاقة النووية في أحد المدارس الفنية بمنطقة الضبعة، وهو ما يمكن تعميمه في مدارس مصر مستقبلا، علاوة على ارسال بعض الطلبة إلى روسيا لدراسة موضوع معايير السلامة في المفاعلات النووية، وإذا ما نجحت الحكومة المصرية في الاستثمار في العقول المصرية، قد تقوم مصر مستقبلا بتصدير العقول العلمية للخارج، خصوصا إن مجال الطاقة النووية يتميز بشيوع الطلب على المتخصصين، وهذا أيضا يفتح الباب أمام تطوير البحث العلمي في مصر بصفة عامة.

2-المخاطر:

 في مقابل الفرص التي ينتجها المشروع، هناك أيضا بعض المخاطر المرتبطة بتنفيذ مصر لمشروع الضبعة النووي، وهي كالتالي:

 على رأس المخاطر هو احتمال أن تقوم بعض الدول بمحاولة تعطيل المشروع النووي المصري، وهو العامل الذى أدى إلى تعثر المشاريع المصرية الشبيهة فيما سبق، ما قد يعرض مستقبلاً لبعض الضغوط التي تحول دون امتلاكها للطاقة النووية، وهو ما يبدو واضحا في إدراك صانع القرار المصري، وأكد الرئيس المصري في أكثر من مناسبة على الطبيعة السلمية لبرنامجها النووي، والتزام مصر بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وتمتد خطورة الأمر إلى احتمال فرض العقوبات على مصر في حال رفض القوى الدولية للمشروع المصري على غرار الحالة الإيرانية، أو حتى تخريب المشروع بأي وسيلة، وهي مسألة رأينا قابليتها للتكرار في استعراضنا السابق لتاريخ البرنامج النووي المصري.

 قد يترك المشروع مخاطر على الوضع الاقتصادي في مصر، ويرجع هذا إلى لجوء مصر للاقتراض من روسيا لتمويل المشروع، ما يثقل كاهل الاقتصاد المصري في وقت هو فيه بوضع غير جيد بأي حال، خاصة في ظل تزايد معدلات الدين المحلي والخارجي خلال السنوات الماضية، ووصوله بالفعل إلى مؤشرات خطيرة، كما يرى بعض الخبراء أن تكلفة المشروع الإجمالية كان من الممكن أن يتم استثمارها في مصادر طاقة أقل تكلفة وأكثر عائدا وأسرع، مثل مشروعات توليد الطاقة الشمسية على سبيل المثال، ما يشير إلى وجود ثمة احتمال لتسبب المشروع النووي في إهدار الموارد الاقتصادية المصرية.

 يأتي الخطر التالي من طبيعة الظروف الأمنية في مصر خلال هذه الفترة، وبالتحديد خطر انتشار نشاط الجماعات الإرهابية في منطقة قريبة نسبيا من المفاعل ونعني منطقة الصحراء الغربية، ويعتبر المفاعل هدفا محتملاً لمثل هذه الجماعات، وغير مُستبعد بالمرة قيامها بمحاولة مهاجمته، سواء عن طريق الصواريخ أو الهجوم المباشر، ما قد يتسبب في كارثة هائلة في حال وصول الجماعات إلى المفاعل النووي المصري، ما ينقلنا إلى الخطر الأخير.

 الخطر التالي يتمثل في مدى الالتزام بمعايير السلامة النووية، ومدى وجود نظاما فنيا داخل المفاعل يمنع وجود أي تسريبات، وكذلك مسألة التخلص من النفايات النووية، وحتى عملية انهاء عمل المفاعل، وهي كلها مراحل تتطلب إجراءات فنية معينة، وقد يؤدي التقصير في أحدها إلى صناعة كارثة هائلة، خصوصا في ظل افتقار مصر للخبرات الفنية اللازمة للتعامل مع مثل هذه الأمور، علاوة على التحكم الروسي بعمل المفاعل، خصوصا إنه من الناحة الفنية يعد تصميم المفاعل الروسي ذو أبعاد مختلفة عن التصميمات الأوروبية والأمريكية، وكذلك غرف التحكم في المفاعل وطرق الصيانة، ما يجعل مدى الحفاظ على أمان المفاعل في يد الطرف الروسي حصريا، ويصعب من لجوء مصر إلى خبرات أخرى في صيانة المفاعل.

———————————————————————————————-

المصادر:

1- منافسة بين موسكو وبكين على المحطة النووية في الضبعة، المصري اليوم، 18-12-2014، على الرابط  http://www.almasryalyoum.com/news/details/605055

2- مصر تدخل عصر الطاقة النووية”، الأهرام، 12-12-2017، على الرابط:

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/627308.aspx

3- البرلمان يوافق نهائيا على تعديل قانون هيئة المحطات النووية”، بوابة الوطن، 17-11-2017، على الرابط: https://www.elwatannews.com/news/details/2761642

4- مصر توقع اتفاقيات مع روسيا لبناء أول محطة للطاقة النووية”، الحياة اللندنية، 20-11-2017.

5- كارول نخلة، ” مستقبل الطاقة النووية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 28-1-2016، على الرابط: http://carnegie-mec.org/2016/01/28/ar-pub-62623