بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

مقالات

الأهمية الاستراتيجية لمثلث حلايب وشلاتين في السياسة الدفاعية المصرية

الوسوم

يُجمع المتخصصون في العلوم العسكرية والاستراتيجية، على أن من أهم المسارح الجيوستراتيجية على الإطلاق هو المسرح المكون من مجموعة دول الخليج وبلاد الشام ومصر، الذي يعتبر محركاً للسياسة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الذي استقطب وسيستقطب أهم المخططين الجيوستراتجيين في العالم.

ففي هذا المسرح، يقع قلب إقليم الشرق الأوسط، ويرقد فيه نصف نفط العالم، وتنطلق منه موجات سياسية – عسكرية، تصاعدية، تصادمية في غالبيتها، نتيجة التفاعل المُركّب لديناميات التنافس الحاد علي الدولة المركز في الإقليم، والصراع العربي الإسرائيلي، الأمر الذي أفضي بدوره إلى بزوغ خرائط جيوسياسية جديدة، وارتفاع معدلات التهديد والتحدي للدول، وعليه فإن الجغرافيا كمسرح يحتوي في بوتقته الواسعه مجمل هذه الصراعات بتهديداتها وتحدياتها المتشابكة والمعقدة، وفروعها التي تفسر العلاقة بين مجمل التفاعلات والجغرافيا ذاتها؛ قد تأثرت، وربما تغيرت تغيرًا طفيفًا راع تنوع أشكال وأنماط الصراعات الجديدة، بشكل لا يمكن تجاهله، أو التباطؤ في معالجته، بمعني أدق، مع بدء اشتعال واحتدام الصراع في هذا المسرح، فإن بواباته كانت “الأطراف”، الأطراف الجغرافية النائية لجسم الدولة، البعيدة عن مركزيتها وخطط تطويرها الإداري – السياسي.

من هنا انطلقت شرارة التهديدات والتحديات والمساومات على اختلاف صنوفها، وبالتتابع طال ذلك أطراف إقليم الشرق الأوسط من مضائق وبحار هامة، حيث أصبحت العلاقة بين الأطراف النائية للدول المركزية في هذا المسرح، وأطراف الإقليم نفسه، علاقة طردية، كلما زاد التوتر والثقل في طرفِ زاد أهمية الطرف المحلي المرتبط به عضويًا كما سنري لاحقا قياسًا علي الحالة المصرية.

بيد أن المسارح الجيوستراتيجية الإقليمية تعكس أصداء المستويات الثلاثة للعمل الجيوستراتجي، وهي المستوى العالمي والمستوى الإقليمي، والمستوى المحلي، وتداخل أصداء الجيوستراتيجية الخاصة بهذه المستويات الثلاثة داخل أحد مسارح العمليات، يؤول إلى نشوء وضعيات في غاية التعقيد، ونتائج يصعب أحيانا تحملها على المستويين السياسي والاقتصادي، ولا أدل على ذلك إلا بالنظر إلى مسرح العمليات في منطقة الشرق العربي، والعلاقات الاستراتيجية المعقدة الناتجة عن الصراع العربي الإسرائيلي.

الأمر الذي يفضي إلى تخصيص الجيوستراتيجية في استخدام خصائص المكان “الطرف” تحديدًا، من أجل إعادة تطويعه لأغراض الإنسان النفعية الاقتصادية منها وغير الاقتصادية، ولتحقيق ذلك الهدف فإن الجيوستراتيجية الحديثة تبحث عن تطوير الأمن القومي الداخلي كونه الإطار الذي يسمح بتطوير الأمة بمختلف قطاعاتها الاقتصادية، واتباع الجيوستراتيجية الحديثة لمنهج “سلمي” قائم على تطوير آليات الدفاع عن المسرح العملياتي القومي الوطني الذي يمتد على كامل التراب الوطني للدول.

إننا نسعى في هذه الورقة لتوضيح الأهمية الاستراتيجية لحلايب وشلاتين، كونها طرفًا من أطراف مصر الجغرافية الحساسة، برغم دورس التاريخ التى أوضحت بصورة لا تدع معها مجالا للشك، أن أطراف مصر البعيدة في الشمال الشرقي والجنوب والغرب كانت دوما محطة التهديد لوادي النيل وحضارته العظيمة، وبوابات الموجات الهجومية العدائية، فإن العقل الجمعى المصري نتيجة لعوامل عدة، منها مثلاً اختصار المواجهات العسكرية المعاصرة كانت في الشمال الشرقي “سيناء”، وتهديدات الإرهاب العابر للحدود من سيناء، والغرب أدرك أن أطراف مصر الحساسة تقع في رفح شرقًا والسلوم غربًا، متناسيًا الدور الكبير للطرف الجنوبي، مثلث حلايب وشلاتين، كما نسعى لإيضاح العلاقة بين الجغرافيا العسكرية والجيوستراتيجية لوضع تصور أولي لموقع وموضع المثلث في الاستراتيجية العسكرية المصرية تكملةً للأوراق السابقة التي تناولت الشق السياسي والاقتصادي التنموي للمثلث وآفاق تطويره.

أولاً- الأهمية الاستراتيجية لحلايب وشلاتين:

كى تتضح الأهمية الاستراتيجية لحلايب وشلاتين يجب الوقوف أولاً أمام مجمل محصلات وتطورات طالت القدرة الكمية والكيفية التقنية للقوات المسلحة ولعل أهمها هو شراء القاهرة لحاملتى مروحيات طراز “ميسترال” من باريس في منتصف عام 2015، غيرت تلك الصفقة كثيرًا من المستوي التدريبي والتخطيطي والتسليحي للقوات المسلحة المصرية عامة، والقوات البحرية بصورة خاصة، إذ شكلت حاملتي المروحيات نواة الأساطيل المصرية الناشئة (الشمالي والجنوبي)، بل دفعت علي المستوي التخطيطي إلي تشكيلهم، وبالفعل، وفي يناير الماضي، شهد الرئيس عبدالفتاح السيسي تدشين الأسطول الجنوبي ومقر عملياته بمدينة سفاجا، بيد أن المسرح العملياتي للأسطول الجنوبي يبدأ من ميناء بورسعيد شمالا وصولا لمضيق باب المندب جنوبًا، ولعل الإسراع في تدشين أسطولا مصريا ينشط عملياتيا باتجاه استراتيجي بحري جنوبي، مدخلا لفهم العنصر الثاني المرتبط عضويا بالأهمية الاستراتيجية لمثلث حلايب وشلاتين ألا وهو البحر الأحمر.

يستمد البحر الأحمر أهميته الاستراتيجية من موقعه الجغرافي الذي وفر للقوى الإقليمية والدولية إمكانية الوصول إلى المحيطين الهندي والأطلسي عبره وزادت هذه الأهمية بعد اكتشاف النفط في دول الخليج العربية.

وتكمن أهمية البحر الأحمر في كونه يمثل نظاماً فرعياً من إقليم الشرق الأوسط المضطرب المثير للجدل الذي يوصف بأنه عالم بلا نهاية وتارةً بأنه نهاية العالم، ويقع في قلب قوس عدم الاستقرار، كما حدده البروفيسير برجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي، وهو القوس الذي يضم الشرق الأوسط والقرن الأفريقي ومنطقة المحيط الهندي، كما يقع ضمن الإطار الجيويولتيكي لمنطقة الخليج الاستراتيجية، فللبحر الأحمر أهمية استراتيجية للأمن القومي العربي في ثلاث دوائر الأمن العربي والأفريقي والأمن العالمى مركزها القرن الأفريقي. فهو يعتبر قناة وصل بين البحار والمحيطات المفتوحة ومن هنا تزيد أهميته الإستراتيجية سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو الأمنية، وهو الطريق الرئيسي الذى يمر من خلاله نفط الخليج العربي وإيران إلى الأسواق العالمية في أوروبا، إذ تحتاج أوروبا إلى نقل 60% من احتياجاتها من الطاقة عبر البحر الأحمر، وأيضاً نقل نحو 25% من احتياجات النفط للولايات المتحدة الأميركية عبره.

إذا كان البحر الأحمر هو “الكل” فإن الجزء يتمثل في قطبين، مضيق باب المندب جنوبا، وقناة السويس، الجزءان يشكلان معا منحنيين متطردين في معادلة الأمن المصري والعربي والعالمي. بمعني أدمق، من يحكم قبضته علي المضيق تحكم في حركة المرور بقناة السويس وبالتلي سيطر علي البحر الأحمر.

ولا خفي علي الأنظار مجمل التطورات الحاصلة بضفتى البحر الأحمر جنوبا، الحرب في اليمن، والقرن الأفريقي الذي أصبح مسرحًا للقواعد العسكرية الجديدة للقوي الإقليمية والعالمية والجماعات المسلحة العنيفة من غير الدول علي حدِ سواء، بالتوازي مع أعمال القرصنة، ما يهدد الأمن القومي المصري في الصميم.

من هذا التسلسل نستطيع أن نذهب بعيدا عن الثابت، من كون المثلث ضمن حدود مصر الجنوبية مع السودان وكلاهما مصر والسودان يشكلان عمقا استراتيجيا للآخر، فهذا أمر ثابت، أما المتغير فهو في موضع البحر الأحمر الذي يطل عليه المثلث بساحل يمتد لأكثر من 200 ميل، وحجم التطور التسليحي والتقني بالقوات البحرية المصرية، فكلما زاد موضع كل منهما، زادت أهمية موقع حلايب وشلاتين، من هذه المعادلة والتسلسل السابق، تظهر الأهمية الاستراتيجية للمثلث، كونه بوابة مصر الجنوبية للبحر الأحمر والمحطة الرائعة في خطط تطوير البني التحتية العسكرية المصرية خاصة الموانئ البحرية، لتدعيم الأسطول الجنوبي وتقديم خدمات الدعم اللوجيستي لوحداته واختصارا للمسافة من ميناء سفاجا لأبعد نقطة في البحر الأحمر.

ثانيًا- المثلث، والعلاقة بين الجغرافيا والجغرافيا العسكرية والاستراتيجية:

تمثل الجغرافيا عمقاً أساسياً لكل التحركات العسكرية وسير العمليات الحربية، إذ أنه من المستحيل فصل العمليات العسكرية عن ظروف المساحة والبيئة الجغرافية حيث تمثل الأرض بواقعها الطبيعي والبشري مسرحاً للعمليات العسكرية، لذا تهتم الجغرافيا العسكرية بدراسة العلاقة بين البيئة الجغرافية من جهة وبين الأنشطة العسكرية من جهة أخرى، وهناك ارتباط وثيق بين الجغرافيا العسكرية والاستراتيجية الوطنية، إذ تبحث الأولى عن الخطوط العريضة، التي تحدد اتجاه القوى، والأهداف، والمصالح القومية، وتحديد أماكن النزاع الفعلي أو المحتمل، والتنبؤ بوقت ومكان الأحداث، وتهتم الثانية بإعداد، واستخدام القوة السياسية والاقتصادية للدولة، إلى جانب قوتها المسلحة في السلم والحرب لتأمين الأهداف الوطنية، لذا يصعب الفصل بينهما فكل واحدة منهما تعتمد على الأخرى، تتأثر بها وتؤثر عليها، كذلك يصعب فصل الاستراتيجية العسكرية عن الشؤون السياسية، والمدنية، والاقتصادية، لأن الحرب لا تقتصر على معارك الجيوش في الميدان، بل تشمل جميع مظاهر الحياة.

ومن البديهيات أن العلاقة وثيقة بين الجغرافيا العسكرية والحرب، فعندما تتوتر العلاقات بين الدول وتصل إلى درجة الحرب، تقوم الجغرافيا العسكرية برسم المسارات الجغرافية البرية والبحرية، التي ستنتهجها القوات المحاربة في سبيل الوصول للهدف، فضلاً عن أنها تحدد مواقع الأهداف الرئيسية الحيوية، التي يكون في تدميرها أثر على إعاقة تقدم الجيش المعادي، مثل الطرق والكباري والمناطق الصناعية، وتعد الأخيرة من الأهداف الاستراتيجية المهمة في الحرب، لأنها تزود الجيش المحارب بالضرورات اللازمة، وتدميرها يثير القلق داخل صفوف الجيش المعادي، أي أن للجغرافيا العسكرية دوراً فعالاً في كل أنواع الحروب البرية، والبحرية، والجوية.

وبالنظر إلى جغرافيا حلايب وشلاتين نجدها سهلة ومنبسطة وخصوصا شواطئها المطلة علي البحر الأحمر، فيتميز سهلها الساحلي بالاتساع، فهي بحق تصلح للقواعد العسكرية المتوسطة والمأهولة، ناهيك عن ثروتها المائية والزراعية والمعدنية، ومع اتجاه القيادة العسكرية المصرية إلى إعادة تأهيل البنى التحتية العسكرية بما يواكب موجة التحديث الشاملة الذي يجريها الجيش المصري كمًا وكيفاً، ما ظهر مثلا في إنشاء قاعدة محمد نجيب العسكرية بالطرف الشمالي الغربي المصري، جاءت تلك القاعدة التي تعد الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط لتأمين المنشآت الحيوية بهذه المنطقة الرخوة سكانيا، فضلاً عن مواجهة التحديات الأمنية القادمة من الاتجاه الاستراتيجي الغربي وإعداد القوات المسلحة المصرية بما يوائم تكتيكات واستراتيجيات الحرب اللامتماثلة التى تعد عصب تكنيك الجماعات الإرهابية في معاركها بالإقليم. جسّد ذلك، اهتمام الجيش المصري بأحد أهم أطراف الجغرافيا المصرية الحساسة “المنطقة الشمالية الغربية”، كما مثل حقيقة يمكن استنباطها من تحرك الجيش المصري داخليا، ” استباق التنمية لتحركات الجيش”، وذلك لأن التنمية هي أصل الدفاع، وأن أي تحركات ضمن الاستراتيجية الدفاعية تفتقد لإطار تنموي هي تحركات صفرية.

مقارنة بسنوات العقد الماضي، فإن الحكومة المصرية حاليا تبدي اهتماما ونشاطا ملحوظا للتنمية بمثلث حلايب وشلاتين، وتم ترجمة ذلك في إقامة العديد من مشروعات البنى التحتية من طرق وموانئ مدنية ومستشفيات وخدمات أخري. لكن التموضع عسكرياً بصورة منهجية ملائمة لأهمية هذا الطرف قياسا بسرعة الأحداث الجارية بنطاق البحر الأحمر.

وعليه يمكننا وضع تصور أولي مبني علي أسس وقواعد دور القوة الجوية والبحرية في الحرب الحديث، لمثلث حلايب وشلاتين، في الاستراتيجية العسكرية المصرية، يُمَكّن من الاستفادة القصوي بها.

ضم مثلث حلايب وشلاتين في خطط المشروعات القومية وإمكانية ربطها بالمثلث الذهبي والمشروعات الجارية فيه. تمهيدًا لدخول الجيش بفاعلية أكبر في هذه المنطقة الحساسة.

 إقامة موانئ عسكرية تعمل علي تحقيق الكفاءة التشغيلية القصوي للأسطول الجنوبي، واختصار المسافة من ميناء سفاجا لابعد نقطة في البحر الأحمر جنوبا

 تقديم الدعم اللوجيستي لوحدات الأسطول الجنوبي.

 تشكيل نقاط عسكرية وقواعد صغيرة فمتوسطة، بالتتابع، وبالتوازي مع خطط الإنماء بالمثلث، لأعمال المراقبة والاستطلاع وتأمين الموانئ البحرية والمشاركة في تأمين الحدود الجنوبية.

 إقامة مطارات عسكرية تضم تشكيلات من مقاتلات ومروحيات قتالية لتوفير المظلة الجوية اللازمة للموانئ وقطع الأسطول الجنوبي بالتكامل مع قطع السطح الصاروخية، كالكروفيتات والفرقاطات.

وختاماً

إن موقع حلايب وشلاتين في الاستراتيجية العسكرية المصرية يزداد طرديا بموضع البحر الأحمر من الاستراتيجية العسكرية الإقليمية والعالمية، والرامية إلي السيطرة علي هذا البحر الذي يشكل شريان تدفق الطاقة للغرب والولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن محورية موقع حلايب وشلاتين في تأمين الأطراف الجغرافية الحساسة بالقطر المصري فهي لا تقل أهمية عن رفح والسلوم، فبها تكتمل مظلة الحماية ضد أعمال التهديد التي تنطلق من الأطراف النائية لجسم الدولة المركز، فقد أدرك المصريون القدماء أهمية هذه الأطراف قبل آلآف السنين، وسعوا بكل الطرق للتواجد فيها عسكريا، فكان طريق حورس الحربي بشمال سيناء، وطرق التجارة الحملات العسكرية جنوبا التي مرت بحلايب صوب الصومال والشلال الرابع. فهل يعي الحفيد درس الجد؟

إغلاق