بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةدراسات

الدولة التنموية.. لماذا نجحت كوريا الجنوبية وتعثرت مصر (دراسة مقارنة)

الوسوم

يُعد مفهوم الدولة التنموية واحداً من المفاهيم التي انصب عليها اهتمام علماء السياسة، خاصة المتخصصين منهم في حقل الاقتصاد السياسي ودراسات التنمية، فلقد استندت معظم التجارب التنموية في القارة الآسيوية إلى “نظرية الدولة التنموية”، وهي نظرية اتسمت بعدد من الملامح، أبرزها محورية الدور الذي تلعبه الدولة في إدارة وتوجيه عملية التنمية، كما أنها عبارة عن نمط محدد من العلاقة بين الدولة وغيرها من الفاعلين الاقتصاديين، وتمثل تجربة كوريا الجنوبية أحد النماذج المهمة داخل الخبرات الآسيوية بشكل عام، وتجارب الدول التنموية بشكل خاص.

 تبنت كلا من مصر وكوريا الجنوبية ظاهريا سياسات مشابهة، وظروف متقاربة، فاعتمد كلاهما على إصلاح زراعي (شمل إصلاح الأراضي وتنوع المحاصيل) حتى تتمكن الدولة من تحويل الاستثمارات من الزراعة إلى الصناعة، كذلك يتلقى كلا البلدان معونة أمريكية، بل إنَّ مصر وكوريا الجنوبية تبنتا سياسة الإحلال محل الواردات مع إسناد دور هام للدولة في تشكيل عملية التنمية، إذاً، فما الذي يفسر الاختلاف الهائل في النتائج بين البلدين؟.

تسعى الدراسة إلى تسليط الضوء حول دراسة مفهوم “الدولة التنموية” وتطبيقه على الوضع المصري في الفترة (1981- 2008)، وكوريا الجنوبية في الفترة (1961- 1987)، للتشابه الكبير بين البلدين في تلك الفترة، فعلى الرغم من التشابه ظاهرياً في سياسات التنمية التي تبنتها كلاً من مصر وكوريا الجنوبية، إلا أن اختلاف تفاصيل هذه السياسات وطرق تطبيقها أدى إلى اختلاف نتائجها.

المحور الأول.. نظرية الدولة التنموية:

تعرض مفهوم الدولة التنموية للدراسة من قِبَل علماء السياسة، منذ ظهور تجارب التنمية التي شهدتها دول شرق وجنوب شرق آسيا التي انطلقت من اليابان، ورغم أنَّ الدور التنموي للدولة ليس بحديث النشأة، إلا أنَّ الدولة التنموية كمفهوم قد تبلور في الثمانينات من القرن العشرين على يد عالم السياسة الأمريكي “تشالمرز جونسون”، حيث تبلور هذا المفهوم في دراسة له سنة 1982 بعنوان (The growth of industrial policy,1925:1975)  وذلك في إطار حديث “جونسون” عن المعجزة اليابانية، ولكن ما ترنو الدراسة إلى تناوله، من خلال دراسة مقارنة بين تحقق نموذج الدولة التنموية في كوريا الجنوبية وغياب هذا النموذج عن مصر، نتعرض لنظرية الدولة التنموية من خلال نشأة وترسيخ المفهوم، كذلك من خلال التعرف على مؤشرات الدولة التنموية، بالإضافة إلى التحديات التي تواجه نموذج الدولة التنموية كالتالي:

أولاً- نشأة المفهوم وتعريفه:

لقد تعرض الدور الإنمائي للدولة إلى الدراسة من جانب الباحثين بطرق مختلفة، كذلك فقد مر هذا الدور الإنمائي للدولة بمراحل عدة، ففي فترات الحرب الباردة كان الصراع على أشده بين أيدولوجية اشتراكية ترى بوجود دور كبير للدولة، وبين أيدولوجية ليبرالية تسعى إلى تقليص دور الدولة وفتح المجال أمام حرية السوق، ولكن الدارس لمفهوم الدولة التنموية سيجد أنه مفهوم قائم بذاته، لا هو مندرج تحت الأيدولوجية الاشتراكية، ولا هو مندرج تحت الأيدولوجية الليبرالية فهو مفهوم يتميز باستقلاليته عن هذه الأيدولوجيات.

 أما عن تعريف المفهوم ذاته، فقد دارت معظم التعريفات للدولة التنموية حول كونها دولة تقوم بقيادة عجلة التصنيع بدور سريع، أو بمعنى آخر فهي دولة جاءت متأخرة في عمليات التنمية لذا بدأت تسعى إليها في صورة عاجلة، كما أنَّ للدولة دور أساسي في قيادة عملية التنمية هذه.

من التعريفات التي تناولت مفهوم الدولة التنموية:

– تعريف “مانويل كاستليس“: حيث عرف الدولة التنموية، أنها الدولة التي تستمد شرعيتها من إحداث تحولات جذرية في هيكل اقتصادها، ومن خلال تحقيق معدلات نمو مرتفعة.

– تعريف “شالمرز جونسون“: حيث رسخ هذا المفهوم في حديثه عن التجربة اليابانية والدور الذي لعبته وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة في تحقيق (المعجزة اليابانية)، حيث اعتبر “جونسون” الدولة التنموية بأنها دولة تسعى لإحداث تنمية اقتصادية عاجلة مستخدمة في ذلك بيروقراطية ذات كفاءة، وتسعى تلك الدولة لتحقيق معدل نمو مرتفع في سبيل الحفاظ على شرعيتها.

– تعريف “هيران ليم“: رأى أنَّ الدولة التنموية هي الدولة التي تقوم على سيطرة الحكومة على النشاط الاقتصادي وفي نفس الوقت تعتمد على وجود طبقة بيروقراطية، إضافةً إلى ذلك فهي تعتمد على وجود تحالف بين الدولة من ناحية والقطاع الخاص من ناحية آخرى.

لذا، فإن دور الدولة قد بدأ يأخذ بعداً جديداً خاصة بعد الركود الذى شهده العالم فى فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث لم يعد دور الدولة قاصراً على مجرد التدخل المحدود لمواجهة الأزمات، وإنما تحول هذا الدور وتطور ليصبح دوراً أساسياً لا غنى عنه في مختلف النواحي الاقتصادية والاجتماعية، فأصبحت الدولة هي المسئولة عن تحقيق مستوى معقول من المعيشة للمواطن، وهي الدولة التى عُرفت بمسمى (دولة الرفاه).

ثانيا- مؤشرات الدولة التنموية:

 على الرغم من تعدد التعريفات التى وُضعت لمفهوم الدولة التنموية، إلا أنه لابد من النظر إلى مجموعة من المؤشرات لكى يتم التعرف على نموذج الدولة التنموية، وهي بالأساس مشتقة من تجارب الدول التنموية، وفي هذا الصدد يمكننا الإشارة إلى أهم مؤشرات الدولة التنموية والمتمثلة في:

قيادة تحمل هدفاً وأولوية لتحقيق التنمية: فالداعم الأول لتحقق الدولة التنموية هو وجود قيادة مستنيرة لديها تصور لتجربة تنموية ناجحة تسعى إلى تحقيقها.

نخبة بيروقراطية تتسم بالكفاءة: تعمل هذه النخبة البيروقراطية كذراع تنفيذى في يد الدولة لتحقيق التنمية، ولابد لهذه النخبة البيروقراطية أن تتسم بالكفاءة والفاعلية والتماسك من الداخل.

جهة مسئولة عن عملية التنمية والتخطيط لها: تعمل هذه الجهة على التنسيق بين خطط التنمية، وتخصيص الموارد للمشروعات المختلفة والعمل على حل الصراعات التى تنشأ جراء ندرة الموارد، وكذلك تعمل هذه الجهة على التنسيق بين سياسات وخطط التنمية، كمجلس التخطيط الاقتصادي في كوريا الجنوبية.

مجتمع مدنى متسم بالضعف فى بداية التجربة ثم يقوى مع مرور الوقت: نلاحظ بأن وجود دولة تنموية في الغالب كان يصاحبه وجود مجتمع مدني ضعيف، حيث فى ظل وجود دور قوي ومهم للدولة كان المجتمع المدني دوماً يتعرض للاختراق والتدخل فى شئونه من قِبَل الدولة، فعلى سبيل المثال كان يتم التحكم في الوسائل الإعلامية ومحاولة اقصائها من الحياة السياسية.

تمتع الدولة التنموية بالاستقلالية، والقدرة على تعبئة الموارد: ويُقصد بالاستقلالية قدرة الدولة التنموية على صياغة الأهداف باستقلالية عن المصالح الفردية الضيقة، وكذلك قدرتها على تعبئة الموارد ووضع الاستراتيجيات في سبيل تحقيق أهداف التنمية.

ثالثاً- التحديات التى تواجه نموذج الدولة التنموية:

شهد الدور التنموي للدولة تطورات عديدة ناتجة عن أحداث محلية وعالمية، أثرت في الشكل التنموي للدولة ومثلت تحديات بالنسبة له منها:

فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن العشرين: وهي فترة ما بين الحربين، بالإضافة إلى الثورة البلشيفية سنة 1917، حيث فرضت هذه التطورات دور تدخلي للدولة في عملية التنمية. كما أنَّ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبدء حركات التحرر من الاستعمار في دول العالم الثالث، اقتضى تدخل الدول وقيادتها لعمليات التنمية.

العولمة: شكلت العولمة تحدياً كبيراً لدور الدولة التنموية، والعولمة كمفهوم ذُكر لأول مرة عام 1991م، حيث تم اعتبار انهيار سور برلين بشكل سلمي ونهاية الحرب الباردة نهاية غير عسكرية هو بمثابة تأصيل لبداية مرحلة جديدة تنهار فيها الحدود الوطنية بين الدول، وانصراف العولمة في معناها إلى زيادة الترابط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي فيما بين الدول، قد مثّل تحديا للدولة القومية الحديثة من جانبين: الأول، في حرية التجارة العالمية وما فرضته من تحديات على الصناعة الوطنية، والثاني، تنامي دور الفواعل من غير الدول و تزايد رؤوس أموالها و عدد المندمجين فيها، ما يؤدي إلى فقدان الدولة القومية سيطرتها على إقليمها الاقتصادي.

مدى تمتع الدولة بالاستقلالية في مواجهة سياسات الخصخصة والإصلاح الاقتصادي:
هناك وجهتان نظر: الأولى، ترى أن الدولة تظل مهيمنة حتى مع تنامي دور القطاع الخاص، وأن أي دور يلعبه القطاع الخاص والمجتمع بشكل عام هو دور متاح من قبيل المنحة التي تعطيها الدولة للمجتمع كي تحصل على الدعم والمساعدة في تحقيق أهدافها التنموية، ناهيك عن العامل الخارجي في الضغط على بعض الدول النامية كي تتجه نحو إعطاء مزيد من الأدوار للقطاع الخاص، ومن ثم تعد أدوار المجتمع والقطاع الخاص هي أدوار تأتى بعد دور الدولة وليست سابقة على دور الدولة أو مهددة لسيطرتها الكاملة، و إنما هي عوامل مساعدة للدولة على تحقيق أهدافها، على النقيض، تنظر وجهة النظر الثانية إلى دور المجتمع والقطاع الخاص بمزيد من الإيجابية، حيث ترى أن رجال الأعمال (مع وجود سياسات الانفتاح والخصخصة) قد يلعبون دوراً مشاركاً للدولة بل ضاغطاً عليها في بعض الأحيان، وبالتالي قد يضغط القطاع الخاص-  والمجتمع عامة– على الدولة نحو تحقيق التنمية الاقتصادية من ناحية، والتحول الديمقراطي من ناحية أخرى.

المحور الثاني- تطور التجربة التنموية في كل من كوريا الجنوبية ومصر:

إنَّ أفضل ما يوصف به أداء التنمية الاقتصادية في مصر خلال الخمسين سنة الماضية أنَّه أداء “متواضع“، وهذا ما نلاحظه من تراجع الأداء المصري مقارنة بكوريا الجنوبية، التي بدأت باحتمالات تنموية ضئيلة وغير مبشرة، إلا أنها تخطت مصر بمراحل، لقد قطعت كوريا الجنوبية شوطاً كبيراً في طريق التنمية منذ عام 1961م، وهو العام الذى جاء فيه الجنرال (بارك شونغ هى) إلى السلطة في كوريا الجنوبية عبر انقلاب عسكرى، وعلى الرغم ما كانت عليه الدولة الكورية من حالة سيئة عقب الحرب الكورية(1950-1953) إلا أنها استطاعت تجاوز الأزمة والمُضي قُدماً فى طريق التنمية.

لقد مرت كوريا الجنوبية بعدة مراحل تميزت كل مرحلة عن سابقتها باستراتيجية تصنيع مختلفة، كما أنَّ الاقتصاد المصرى أيضاً مر بمراحل عدة يمكننا أن نتتبعها منذ العهد الملكي مروراً بالتخطيط الاشتراكي فى ظل حكم الرئيس الراحل (جمال عبد الناصر) وصولاً إلى سياسات الانفتاح فى عهد الرئيس الراحل (محمد أنور السادات) التى أكملت مسيرتها في الانفتاح في عهد الرئيس الأسبق (مبارك)، حيث عمل على تعميق اندماج مصر في النظام الرأسمالي العالمي وقدم مبادرة الإصلاح الاقتصادي والهيكلي، على الرغم من أنَّ تركيز الدراسة سينصب على الفترة (1961-1987) فى كوريا الجنوبية، وفترة مبارك في مصر، إلا إنه يتعين علينا تتبع بعض مراحل تطور كل من التجربة التنموية لكوريا الجنوبية ومصر فيما قبل الفترات الزمنية محل الدراسة.

أولاً- تطورات التجربة التنموية في كوريا الجنوبية:

إن الإرادة والتخطيط من أهم العوامل التي تصنع التغيير، ففي سنة 1910 دخلت كوريا تحت مظلة الاستعمار الياباني، حيث حصلت كوريا على استقلالها سنة 1945 عندما هُزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية، لتصبح كوريا مسرح للصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، ما تم على إثره تقسيم كوريا واحدة شمالية تابعة للاتحاد السوفيتي وآخرى جنوبية تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، وبحلول منتصف سنة 1949 انسحبت القوات الأمريكية والسوفيتية من الكوريتين، إلا أن روابط الولاء ما زالت مستمرة.

في هذه الفترة كانت كوريا الجنوبية واحدة من أفقر دول العالم، حيث لم يتجاوز آنذاك المعدل الفردي السنوي 80 دولارا، كما كانت تعرف دمارا اقتصاديا وفوضى سياسية، ثم جاءت الحرب مع كوريا الشمالية بين 1950-1953، لتقضي بشكل شبه كامل على كوريا الجنوبية، إذ خلفت هذه الحرب خسائر اقتصادية وبشرية هائلة، جعلت كوريا الجنوبية تعيش أسوأ مراحل تاريخيها، وتقتات على المساعدات الخارجية بشكل شبه كامل، وسط هذه الأزمة الاقتصادية والسياسية الطاحنة، وصل الجنرال “بارك تشونج هي” إلى سدة الحكم عبر انقلاب عسكري سنة 1961.

وسنناقش في إطار استعراضنا لتطور تجربة الدولة التنموية في كوريا الجنوبية في الفترة
(1961-1987) نقطتين أساسيتين
:

1 – التحول الذى شهده هيكل الصناعة الكورية (باعتبار أنه قد مثل أساساً في التجربة التنموية لكوريا الجنوبية).

إن عملية التصنيع ضرورية لأي دولة تريد إحداث تنمية، ومن هنا جاءت ضرورة دراسة التصنيع كأحد جوانب التنمية في كوريا، فكوريا الجنوبية قد تحولت بدءاً من الستينيات وعلى مدى فترة وجيزة من دولة زراعية متخلفة إلى دولة صناعية كبرى دون أن يؤدى هذا القفز التنموي السريع إلى اختلالات في توزيع الثروة أو التسبب في معدلات بطالة عالية، وكانت نقطة البداية بالنسبة لكوريا الجنوبية في هذا الصدد هو التحول عن استراتيجية التصنيع من أجل الإحلال محل الورادات وهى الاستراتيجية المُتبعة من قبل عدد كبير من الدول النامية، إلى استراتيجية التصنيع من أجل التصدير، وهو الأمر الذى ينفى الادعاء القائل بإن سبب نمو قطاع الصناعة الكورى يرجع لتزايد معدلات الطلب الداخلى، ذلك لأنه ينبغى التفرقة بين الدولة التى تتوجه في استراتيجيتها الصناعية نحو الداخل والدولة التي تقوم على استراتيجية صناعية قوامها هو التصنيع من أجل التصدير.

لقد مر الاقتصاد الكوري بمراحل عدة قبل أن يصل لما هو عليه الآن، حيث صعدت كوريا الجنوبية من وضع كانت تعانى فيه من الدمار الذي خلفته الحرب الكورية (1950-1953) إلى وضع جديد يشهد له العالم بالمعجزة الاقتصادية، حيث وصلت بمقتضاه كوريا الجنوبية لتكون ضمن الدول الصناعية الحديثة، منها:

أ- مرحلة الاحلال محل الواردات في الفترة (1950-1961):

نشير هنا إلى الوضع المتدنى في كوريا الجنوبية عقب خروجها من الحرب الكورية (1950-1953)، فقد كانت تعانى- إلى جانب عدم الاستقرار السياسي- الاعتماد الكبير على المعونات الأجنبية التى كانت تتدفق عليها فى ذلك الوقت من أجل تعويضها عن حالة الخراب التى وصلت إليها، كما أن الاقتصاد الكوري في تلك الفترة كان يعانى من عجز في الموازنة سعت الدولة لعلاجه من خلال قروض البنك المركزي، ووصلت حالة السوء لذروتها عام 1959 حينما وصل الاقتصاد الكورى لحالة من الركود تسبب فيها تناقص حجم المعونات الأجنبية ما أدى لعجزها عن الوفاء بمتطلبات الأفراد حتى من الغذاء والطاقة.

ب- مرحلة: النمو مقابل التنمية في الفترة (1960-1993):

يتضح هنا أن مجرد زيادة معدلات النمو أو معدلات دخل الفرد زيادات مطردة لا تكفي للتعبير عن إمكانية إحداث تنمية شاملة للمجتمع، ومن هذا يتضح أن ما حدث فى كوريا الجنوبية خلال الفترة(1960-1993) لم يكن مجرد زيادة فى معدلات الدخل، وإنما كان فكرة أبعد وأهم من ذلك، فنجد أنه قد صاحب زيادة معدلات الدخل والتقدم الاقتصادي مستويات أعلى من الرفاهية للكوريين من ناحية مستويات التعليم والصحة، حيث ازداد العمر المتوقع للفرد من 54 سنة في عام 1960 إلى 60 سنة عام 1970، ثم إلى 66 سنة عام 1980، كذلك فقد انخفضت نسبة الأمية بين الكبار من 29% سنة 1960 إلى 7% عام 1970، وإلى أقل من 5% عام 1993.

أما عن التحول الحقيقى الذى شهده هيكل الصناعة الكورية، فيُقصد به التحول من إنتاج الصناعات الخفيفة التي تعتمد على عمالة كثيفة نحو إنتاج الصناعات الثقيلة التي تعتمد على رأس مال كثيف، أو بمعنى أخر التحول من الصناعات الخفيفة إلى الصناعات المعمرة، ما حدث بالفعل في كوريا الجنوبية، ويتضح ذلك من خلال معرفة أن نسبة الصناعات الخفيفة انخفضت من 70% إلى 30% خلال السنوات (1960-1990)، بينما زادت نسبة الصناعات الثقيلة من 30% إلى 70% في خلال نفس الفترة، ومن هنا تحولت كوريا الجنوبية من دولة زراعية إلى دولة صناعية كبرى، وهي الدولة التي بدأت مسيرتها التنموية منذ الستينيات، ثم نجحت في تحقيق انجازات ضخمة، و المؤشرات على ذلك عديدة:

– حيث ارتفع الناتج المحلى الإجمالى من 3810 مليون دولار عام 1960 إلى 65750 مليون دولار عام 1981، كما ارتفع أيضاً إلى 236400 مليون دولار عام 1990.

– كما أن للصناعة التحويلية دور لا يُنكر فى هذا الشأن، حيث زادت القيمة المُضافة لتلك الصناعة التحويلية من 2346 مليون دولار عام 1970 إلى 9843 مليون دولار عام 1980، كما زادت أيضاً إلى 66215 مليون دولار عام 1990.

2- مراحل تطور التجربة التنموية لكوريا الجنوبية:

المرحلة الأولى- الخطتان الخمسية الأولى والثانية (1962-1971):

اهتم الجنرال “بارك“- منذ وصوله إلى السلطة عبر انقلاب عسكرى– على تشجيع الصادرات بصورة كبيرة، وتقديم كافة التسهيلات للمصدرين، ومحاولة الإعفاء من الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الوسيطة التي يستخدمونها في إنتاج السلع المُصدَرة، كذلك عملت الحكومة على تنويع أسعار الصرف بهدف دعم وتشجيع الصادرات. من جهة، قامت الدولة الكورية بمنح إعفاءات جمركية للسلع الوسيطة المستوردة بغرض إعادة استخدمها في انتاج سلع موجهة نحو التصدير، ومن ناحية أخرى فرضت سياسات حمائية على صناعات معينة بغرض حماية الإنتاج المحلى، ولذا يتعين على الدولة التي تسعى إلى التحول من استراتيجية التصنيع من أجل الإحلال محل الواردات إلى استراتيجية التصنيع من أجل التصدير أن تضع في اعتبارها المسائل التالية:

– على الدولة التي تسعى إلى إنجاح سياسة التصنيع من أجل التصدير أن تراعى الحفاظ على سعر صرف للعملة يسمح للمصدرين بتحقيق أرباح، فعلى سبيل المثال، قامت كوريا الجنوبية بتخفيض قيمة عملتها الوطنية في أوائل الستينيات مرتين، حيث خفضتها في البداية بنسبة (1.4%)، كما قامت بتخفيضها بعد ذلك بنسبة (65%).

– كما يتعين على تلك الدولة التي تتوجه نحو التصدير أن تراعي دعم صناعات معينة بهدف تمكينها من الدخول بقوة في السوق العالمية، حيث أن الدخول لتلك السوق يتطلب منتج كفء يتمتع بميزة تنافسية.

المرحلة الثانية- الاهتمام بالصناعة الثقيلة والكيمياوية (1972-1979):

هذه المرحلة مثلت بداية الخطة الخمسية الثالثة، ومعها بدأت الحكومة في توجيه الدعم والاهتمام إلى قطاعات الصناعات الثقيلة: كصناعة الصلب، البتروكيماويات، صناعة السفن، وغيرها من الصناعات الثقيلة، وساعد الدولة على ذلك مجموعة من العوامل يأتي فى مقدمتها زيادة حجم الإعانات والدعم التي كانت تحصل عليه كوريا الجنوبية من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

المرحلة الثالثة- مرحلة التحرير الاقتصادى والإصلاحات الاقتصادية (1980-1990):

في هذه المرحلة حدث تحول مهم في اقتصاد كوريا الجنوبية، حيث عدلت الحكومة عن تركيز الدعم والاهتمام على الصناعات الثقيلة والكيماوية، وبدأت في اتخاذ إجراءات وتدابير من شأنها الاتجاه نحو تحرير السوق وتحرير الواردات.

وتعليقاً على ذلك، يمكننا القول إن كوريا الجنوبية تحولت من تطبيق سياسات وإجراءات حمائية متشددة على صناعات معينة كانت تهدف منها إلى حماية الإنتاج المحلى وكان ذلك في فترة الستينيات والسبعينيات، كذلك توجهت الدولة نحو الاهتمام بإنتاج نوع معين من الصناعات ألا وهو الصناعات الثقيلة والمتوسطة معتمدة في ذلك على مجموعة من المشروعات الضخمة (التي سُميت بتشيبول). والتشيبول: عبارة عن مجموعة من الشركات التي تمتلكها وتديرها عائلة تسيطر على منتج معين، أو صناعة معينة بحيث تحتكر تلك الصناعة وتقوم بمساعدة الحكومة على توفير فرص العمل والقيام ببعض الوظائف الاجتماعية والخدمية مقابل مساعدات الحكومة التي تتلقاها. ثم انتقلت الدولة بعد ذلك إلى سياسة جديدة مفادها إفساح المجال أمام آليات السوق.

ثانياً- التجربة التنموية لمصر في الفترة (1981- 2008):

لم تكن قضايا التنمية هي الشاغل الرئيسي للإدارة المصرية أثناء فترة الاحتلال البريطاني حيث كانت الأولوية في ذلك الوقت تنصب على ضرورة تحرير البلاد أولاً، ثم التوجه نحو التنمية. لذا، بعد التحرر من الاستعمار بدأت قضايا التنمية تفرض نفسها فرضاً على الإدارة المصرية، وبدأت تجربة تنموية مهمة في مصر خلال العقد الستينيات، لكنها تعثرت نظراً للعديد من العوامل الداخلية والخارجية، فعلى سبيل المثال، لم تكن تلك التنمية شاملة لكافة نواحى حياة الإنسان المصري، فالتنمية الاقتصادية القاصرة على زيادة معدلات النمو والدخل وحدها لا تكفى لعمل تنمية شاملة، وإنما لابد من تنمية الإنسان نفسه من خلال التنمية الاجتماعية والتعليمية والصحية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا ما تعذر تحقيقه أثناء التجربة التنموية لمصر فى الستينيات.

وخلال الفترة الزمنية (1981-2008)، أى منذ تولى الرئيس الأسبق مبارك الحكم حتى عام 2008، وهو عام الأزمة المالية العالمية، مرت مصر بالعديد من التطورات والمراحل، التي تحاول الدراسة تسليط الضوء على أبرز محطاتها؛ بغية الوصول لإجابة عن تساؤلها البحثى الرئيسي المتعلق بسبب فشل تحقق الدولة التنموية في مصر.

1- ملامح تلك التجربة فى بداية فترة حكم (مبارك):

يمكننا في هذا الصدد استطلاع الوضع في بداية حكم الرئيس الأسبق (مبارك)، وأبرز ما اتسم به هذا الوضع هو الديون التي كانت مصر مثقلة بها عقب اغتيال (السادات)، والأرقام في هذا الصدد عديدة يكفينا منها معرفة أن إجمالى ديون مصر عند مقتل السادات، بلغت حوالى 30 بليون دولار، وهو رقم بلا شك كبير، ويتضمن داخله إجمالي الديون المدنية والعسكرية، طويلة ومتوسطة وقصيرة الأجل، الحكومية والمستحقة على القطاع الخاص.

لقد كان يتعين على الحكومة المصرية في ذلك الوضع أن تتخذ قرارات عصيبة قد تثير بعض الصعوبة على المدى القصير لكنها ستؤدي لنتائج جيدة على المدى البعيد، كقرارات تخفيض الإنفاق الحكومي من خلال تخفيض الإنفاق العسكري، وتقليل الواردات خاصة السلع الثانوية الكمالية، والبعد عن الحلول قصيرة الأجل المتمثلة في اللجوء إلى سياسات أخذ القروض لسد عجز الموازنة، ولكن ما فعلته الحكومة المصرية كان مغايراً للقرارات الرشيدة سالفة الذكر، حيث فضلت الحكومة المصرية الأخذ بسياسة الحلول قصيرة الأجل، وهي حلول آثارها وخيمة على المدى البعيد. ففضلت الحكومة اللجوء إلى سياسة القروض لسد عجز الموازنة، ولم تخضع الإنفاق العسكرى للتقيد.

كما كانت سياسة الحلول قصيرة الأجل وخيمة النتائج على المدى البعيد، وهي نفس السياسة التي كانت سائدة فيما قبل عام 1981، الأمر الذي أدى إلى زيادة إجمالي الديون المستحقة على مصر من حوالى 30 بليون دولار عام 1981 إلى حوالى 45 بليون دولار عام 1986، وأرجع البعض ذلك إلى استمرارية النظام القائم في الأخذ بنفس الأسلوب المتبع في السابق، حتى إن الخطة الخمسية الأولى (1982-1986) لم تضع هدف تقليل الاعتماد على التمويل الخارجى، ذلك على الرغم من أنها جعلت سياسة الاعتماد على الذات أحد مبادئها، لذا كان من المنطقي أن تكون السياسة المتبعة في التعامل مع الديون هى سياسة لم تؤدِ إلا إلى تفاقم تلك الديون كما سبق وأوضحنا.

ومع حلول عام 1986 تأزم الوضع المصري بشدة مع انخفاض أسعار البترول، الأمر الذي هدد الاقتصاد المصرى بعدة أزمات كان أهمها أن العجز الذى كانت تعانيه الدولة المصرية كان معرضاً لأن يتفاقم مؤدياً لعواقب وخيمة، إضافة إلى ذلك انخفضت قيمة تحويلات العمالة المصرية في الخارج في ظل انخفاض أسعار البترول، كذلك أصبحت تلك العمالة مهددة بالعودة إلى مصر ما يهدد سوق العمالة المصرية الذي كان يعاني بالفعل من نسبة بطالة عالية، والبعض يرجع كل هذه التداعيات إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي منذ السبعينيات، التى اتهمها البعض بأنها تحمل أهدافاً متناقضة الأمر الذي أعاقها عن تحقيق أهدافها، فكيف لتلك السياسة أن تحقق نجاحاً في ظل سعيها إلى الحفاظ على دور الدولة وفتح الأسواق أمام الواردات الأجنبية في نفس الوقت، أو كيف لها أن تحقق نجاحاً في ظل سعيها إلى الحفاظ على أسعار غذاء معقولة في ظل تشجيع صادرات الزراعة في الوقت ذاته. أبرز دليل على أن تناقض تلك السياسة في الانفتاح كان سبباً في عواقبها الوخيمة هو أن سياسة مصر في الفترة (1956 إلى 1965) حققت نجاحاً كبيراً نظراً لاتساق أبعاد تلك السياسة مع بعضها الأمر الذى لم يتحقق فى ظل سياسة الانفتاح التى بدأت منذ السبعينيات.

2- السياسة الاقتصادية التى تم وضعها في الفترة منذ منتصف الثمانينات (خلال الخطة الخمسية الثانية)، والنصف الأول من التسعينيات (أى خلال الخطة الخمسية الثالثة):

اتسمت تلك السياسة بالتحول عن السياسة التي كانت سائدة عقب ثورة يوليو 1952 حتى تطبيق سياسة الانفتاح، وهي التصنيع من أجل الإحلال محل الواردات إلى سياسة التصنيع من أجل التصدير إلى جانب سياسة التصنيع من أجل الإحلال محل الواردات بصورة جزئية، ومن ثم كان أحد أهداف هذه الخطط هو تشجيع الصادرات وتقليل الواردات، لكن ما حدث فعلياً كان مختلفاً إلى حد كبير.

3 – الفترة من (1986) إلى ( 2004):

كانت التوقعات تذهب إلى أن الديون المصرية ستستمر في مسلسل الازدياد بنسب أعلى من نسب الزيادة فيما سبق، ولكن ما حدث أن نسبة الزيادة في الديون بعد عام 1986 لم تبلغ نسبة الزيادة خلال السبعينيات، حيث أنَّ الوضع استمر سيئاً على أية حال، فقد بلغت نسبة المديونية 45,7 بليون دولار عام 1989، ومن ثم عانت مصر من مديونية كبيرة، وفي نفس الوقت عانت من عجز كبير في حساب العمليات الجارية، ولكن حرب الخليج الثانية وغزو العراق للكويت سنة 1990، مثلت الفرصة السانحة لانفراجة في تلك الأزمة، حيث تدفقت المساعدات على مصر، وتم إسقاط جانب كبير من المديونية المصرية، إثر التدخل العسكري المصري في حرب تحرير الكويت.

والغريب فى تلك الفترة (1986-2004) أنه برغم من محاولات الحكومة لجذب الاستثمارات الأجنبية إلا أن حجم تلك الاستثمارات كان ضئيلاً، ثم بدأت تلك الاستثمارات في الزيادة منذ عام 2005، وقبلها بعام، أي سنة 2004، كانت مصر وقعت اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية اتفقت بموجبها على دخول المنتجات المصرية للسوق الأمريكية بدون تعريفة جمركية بشرط احتواء المنتج المصرى على مساهمة من الإنتاج الإسرائيلى، ووجدت الحكومة في تشجيع الاستثمارات وسيلة لزيادة النمو، حيث اعتبرت الحكومة المصرية أن أبرز مشكلة تواجهها آنذاك هى مشكلة تناقص النمو، لذا سعت لحلها بهذه الطريقة.

–  الأزمة المالية العالمية 2008:

إن آثار الأزمة المالية العالمية على مصر جاءت لتفاقم من الآثار السلبية التى تركها فتح الباب على مصرعيه أمام تدفقات رأس المال الأجنبي، حيث كان خضوع مصر للإرادة الأمريكية منذ 2004 من خلال توقيع اتفاق تصدير المنتجات المصرية المؤهلة للولايات شريطة احتوائها على نسبة مساهمة إسرائيلية، هو بمثابة البداية لتشجيع تدفق الاسثمارات الأجنبية على مصر، وزاد على إثرها معدل النمو دون أن ينعكس ذلك على حل لمشكلة البطالة أو لسوء توزيع الثروة، لذا عندما جاءت الأزمة المالية العالمية لم تفعل شيئاً سوى أن فاقمت من سلبيات النظام المصرى، حيث انخفض معدل النمو، وانخفضت الصادرات، وتدهور الاستثمار الأجنبي في مصر.

المحور الثالث- نتائج تجربة الدولة التنموية والدروس المستفادة:

أولاً- النتائج السياسية:

ثار الجدل حول ماإذا كان من الأفضل أن تكون الأولوية للتنمية الاقتصادية على التنمية السياسية أم العكس، ومن هنا ظهر تساؤل مفاده، ما العامل المستقل فيهما: التنمية الاقتصادية أم السياسية؟، فهل من الأفضل أن تأتي التنمية الاقتصادية أولاً ؟. فى هذا الصدد نجد أن وجهة النظر الغربية ترى أن للتنمية الاقتصادية الأولوية على المدى القصير، وأن التنمية السياسية ستتواكب مع التنمية الاقتصادية بعد ذلك، ومن ثم تم اعتبار المتغير الاقتصادي هو المتغير المستقل، لذا على الدولة أن تخطو بعض الخطوات على طريق هذا المتغير الاقتصادي كى تتحول بعد ذلك نحو التحول الديمقراطي، لكن هذا الرأى لا يتفق مع واقع بعض الدول التى على الرغم من عدم فقرها عاشت فى ظل ممارسات غير ديمقراطية مثل الحال فى ألمانيا أثناء عهد النازى، أو حالة الاتحاد السوفيتى السابق، وبنفس المنطق نجد أن هناك دول أفريقية- على سبيل المثال- رغم عدم ثرائها الاقتصادى إلا أنها تمكنت من أن تخطو خطوات على طريق الديمقراطية.

بالنسبة للوضع السياسى الذى آلت إليه كوريا الجنوبية عام 1987، كان قوامه هو التحول الديمقراطي، حيث رضخت كوريا الجنوبية تحت حكم ديكتاتورى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتعرضت لانقلاب عسكري عام 1961 بقيادة الجنرال (بارك شونغ هى)، الذى تم اغتياله في انقلاب عسكرى جديد عام 1979م، وذلك لكي يأتى حاكم عسكرى جديد مستمراً في نفس سلسلة قمع المعارضة، وساعد على استمرار هذا النظام العسكري التسلطى أمران:

– أن هذا النظام العسكري تمكن من تحقيق إنجاز اقتصادي كبير ابتداءاً من ستينيات القرن العشرين.

– الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتبع مع كوريا الجنوبية سياسة الصمت عن استبداد النظام السياسى القائم بكوريا الجنوبية آنذاك.

لكن النظام في كوريا الجنوبية بدأ يسعى للحصول على الدعم والشرعية من خلال عمل انتخابات دورية منذ عام 1963، وشكل النظام الحاكم حزباً له يُدعى “حزب العدالة الديمقراطية”، لكن قد كان الإنجاز الاقتصادى الكبير الذى حققه النظام الكورى آنذاك هو مسمار نعشه الأخير، لأن هذا الانجاز الاقتصادي أدى لخلق طبقة وسطى متعلمة، وكذلك إلى تكوين جماعات ضغط من الطلبة ورجال الدين والمثقفين وأساتذة الجامعات، وقد شكل هؤلاء قوام المظاهرات والاحتجاجات التي قامت ضد النظام في كوريا الجنوبية، وهو الأمر الذي دفع بالنظام إلى الرضوخ لمطالب المظاهرات خاصة أن الإنجاز الاقتصادي بدأ يتعرض لتحديدات في فترة الثمانينيات، وأيضاً بدأت الولايات تتخلى عن دعمها للنظام في كوريا الجنوبية في ظل تصاعد الاحتجاجات والمظاهرات الكورية، لذا قرر النظام عقد انتخابات رئاسية في عام 1987، ورغم أن من فاز بها كان هو مرشح النظام الحاكم (روو)، إلا أن هذا التاريخ يؤرخ إلى بداية التحول الديمقراطى في كوريا الجنوبية، وذلك لأن الفيصل كان تطبيق الإجراءات الديمقراطية بصرف النظر عما تأتى به الانتخابات من نتائج، وفي انتخابات عام 1992 فاز مرشح المعارضة (كيم يونغ سام).

ولكن النظام السياسي المصري في عهد (مبارك) اتسم بأمرين متناقضتين، حيث استمر الطابع السلطوى قائماً، كما تضخم الجهاز البيروقراطى للدولة، وتدخلت الدولة في أنشطة عديدة لم يكن ضرورياً التدخل فيها، كما تغيبت الدولة عن التدخل في أنشطة أخرى كان يتوجب عليها التدخل فيها، ومن ناحية أخرى بدأت الدولة منذ منتصف السبعينيات تتحول نحو التعددية، حيث سمحت الدولة بالتعددية الحزبية منذ عام 1976، كما ازداد تواجد المعارضة داخل البرلمان المصرى من 8.6% في انتخابات عام 1979 إلى 15% في انتخابات عام 1984، ثم إلى 22.3% في انتخابات عام 1987، ومن هنا تتضح السمتان التى اتسم بهما الواقع السياسى المصرى فى عهد (مبارك) ألا وهما:

– الاتجاه نحو السماح بالتعددية الحزبية، وهو اتجاه شكلى بالأساس، حيث ظل الحزب المهيمن على الحياة السياسية والمحتكر للأغلبية البرلمانية هو الحزب الوطني.

– وفى نفس الوقت استمرار الطابع السلطوي للدولة المصرية، وتضخم جهازها البيروقراطى.
ما عبر عنه “نزيه الأيوبى” بقوله: “بينما طُبقت سياسات الليبرالية السياسية والاقتصادية، ظلت الرئاسة مسيطرة حتى يى الأمور الاقتصادية”.

ثانياً- النتائج الاقتصادية:

استطاعت الحكومة الكورية أن تستغل ثلاثة مصادر هامة للتمويل: القطاع الخاص، قطاع البنوك المؤمم وتدفقات المعونة الأجنبية، في أن تضع كوريا على طريق التمويل الذاتي، حيث يُعقب Westphall: “لطالما حفزت الحكومة الكورية عملية التصنيع من خلال المزج الدقيق والشديد الفاعلية بين ممارسات التدخل القسري والسياسات المعتمدة على السوق”، على الصعيد الآخر،فشلت نفس مصادر التمويل تلك في أن توفر تراكم رأس المال اللازم لتدعيم مجهودات التصنيع  في مصر، وتسيب هيكل الحوافز الذي تبناه عبد الناصر والذي احتفظ به السادات إلى حد كبير ومن بعده مبارك في دفع الدولة بعيداً عن الكفاءة الاقتصادية وبالتالي بعيداً عن معدلات محتملة مرتفعة لصادرات والنمو الاقتصادي.

يُعد الانتقال من سياسات الإحلال محل الواردات إلي سياسات التصنيع من أجل التصدير، والتحول الحقيقى الذى شهده هيكل الصناعة الكورية، من أهم النتائج الاقتصادية التي دلت عليها مؤشرات الدخل التي أشرنا إليها سابقاً.

أما عن الوضع المصري، فقد أثار تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 1991 داخل مصر اتجاهين لتقييم مدى نجاح هذا البرنامج، وهذا ما حاولت احدى الدراسات عرضه تحت عنوان “أثر تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي على الاستقرار السياسى في مصر 1991-2003“، فكانت أحد التوجهات في هذا الصدد ترى أنه كان لتطبيق تلك السياسة للإصلاح الاقتصادى في التسعينيات أثر إيجابى على الاستقرار السياسى في مصر، وأن الجوانب السلبية التى نجمت عن هذه السياسة كسوء توزيع الثروة مثلاً هي أمور لا تقترن بتطبيق سياسة الإصلاح الاقتصادي ذاتها وإنما هي نتائج ناجمة عن التطبيق السيء من جانب الدولة، أما عن وجهة النظر الأخرى فهي ترى تلك السياسة للإصلاح الاقتصادي التي طبقها نظام (مبارك) في التسعينيات بعين الانتقاد، وترى أن آثارها الاقتصادية والسياسية هي في الأغلب آثار سلبية، وأن السبب الرئيسي وراء ذلك يرجع إلى المناخ غير الديمقراطي الذي طُبقت فيه، وأن تلك السياسة رغم ماحققته من زيادة في معدل النمو إلا أن آثارها الاقتصادية السلبية كانت كبيرة، حيث أدت إلى الإضرار بوضع العدالة الاجتماعية، وإلى الإضرار بمستوى معيشة الكثيرين نتيجة ارتفاع الأسعار.

ثالثاً- النتائج الاجتماعية:

بدأ تطبيق نظام الرفاه الاجتماعي في كوريا الجنوبية منذ ستينيات القرن العشرين، وفي عام 1960 أصدرت كوريا نظام تقاعد الخدمة المدنية، ثم نظام تقاعد العسكريين عام 1962، وكذلك شرعت كوريا الجنوبية في إنشاء مشروع التأمين الصحى التجريبي عام 1965، إلا أن جهود السلطة السياسية تلك كانت تسعى لهدف أساسى من وراء كل هذه الإجراءات الاجتماعية وهو الحصول على الدعم الشعبي كى تؤسس نفسها على أساس شرعي، وحيث أن كوريا الجنوبية كانت تفتقد للأساس الديمقراطي في تلك الحقبة فقد كانت تستمد أسس شرعية نظامها السياسى من خلال تحقيق النظام الحاكم للإنجاز الاقتصادي، هذا إلى جانب محاولة الحصول على الدعم الشعبى من خلال تطبيق الإجراءات الاجتماعية كإجراءات التأمين الصحي و أنظمة التقاعد.

على الرغم من أن الكوريين تمتعوا بمستوى معيشى مرتفع نتيجة الوضع الاقتصادي المتميز قبل وقوع الأزمة المالية الآسيوية (عام 1997)، إلا أن وقوع تلك الأزمة أدى إلى ظهور مشكلات تتعلق بنظام الرفاه الاجتماعي، خاصة في ظل انخفاض معدل النمو، الأمر الذى أدى إلى انخفاض متوسط دخل الفرد، وازياد معدل البطالة من نسبة 2.6% عام 1997 إلى نسبة 7% عام 1999، ولكن كوريا الجنوبية التي كانت تمتلك برنامجاً للتأمين ضد البطالة، وضد فقدان فرص العمل الصادر سنة 1995، شرعت في تطوير نظاماً للتأمين الاجتماعى لمواطنيها مع حلول سنة 1999، وكان الدور الذى لعبه المجتمع المدني في هذا الصدد هو العامل الرئيسى فى تحقيق هذا الإنجاز.

إذا كان الجانب الاجتماعي في تجربة كوريا الجنوبية لم يتم اغفاله، فإن هذا الجانب عليه كثير من المؤشرات السلبية في فترة (مبارك) في التجربة المصرية، حيث إن تطبيق سياسة الإصلاح الاقتصادي عام 1991 كان لها العديد من التأثيرات السلبية على الجانب الاجتماعي، فعلى الرغم من أن هدف تلك النوعية من برامج الإصلاح يصبو أساساً نحو تحقيق معدل نمو مرتفع وتقليل معدل التضخم، إلا أن تطبيق مثل تلك السياسات داخل مجتمع يحوى داخله من التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ما يحوى أدى إلى الإضرار بفئة محدودى الدخل نظراً لارتفاع الأسعار من ناحية، ورفع الدعم عن سلع وخدمات ضرورية من ناحية أخرى، علاوة على تدني مستوى المعيشة والإضرار بالعدالة الاجتماعية داخل المجتمع المصري، لذا فإن تطبيق الحكومة المصرية لسياسة تهدف لحل أزمة على المدى القصير أدى إلى تناقضات وأزمات على المدى البعيد، حيث تزايدت نسب البطالة، وبطبيعة الحال شكلت هذه البيئة فرصة سانحة لانتشار الجرائم وعدم الاستقرار السياسي، حيث قد بلغ معدل البطالة عام 2016 نسبة 12.5% وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري.

الدروس المستفادة لمصر من نجاح نموذج الدولة التنموية بكوريا الجنوبية:

 يقول المؤرخ الاقتصادي الكسندر جيرتشينكرون: “الميزة النسبية للتخلف، هي أن الدول التي تبدأ في التنمية الاقتصادية حديثا تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وهي بذلك توفر الوقت والمال والجهد، من خلال الاستفادة من خبرات الدول المتقدمة وانجازاتها العلمية والتقنية، واتباعها نفس الخطوات التي اتخذتها هذه الدول في المسار الصحيح. كما إن الدول النامية، وبسبب قفزها عدة خطوات في مسار التنمية الاقتصادية، فإنها تحقق نموًا اقتصاديًا مكثفًا، وتنمو بشكل أسرع من الدول الرائدة”.

 هناك تباين بالتأكيد بين الظروف المحلية والدولية التى بدأت فيها التجربة التنموية الكورية بالمقارنة بالظروف الحالية في حالة مصر، الأمر الذى يجعل من الصعب استنساخ هذه التجربة التنموية، لكن استقراء الخبرة الكورية يكشف عن عدد من الدروس المهمة بالنسبة للحالة المصرية منها:

تلعب الدولة دوراً حيويا في نجاح عملية التنمية الاقتصادية، حيث لا توجد مؤسسة تمتلك القدرة أو الموارد لقيادة مثل هذا التغيير القوي، وفي أقصر مدة ممكنة، كما كانت ترنو إليه سياسات الجنرال بارك.
 تبني الدولة لسياسة إحلال الواردات، ثم سياسة تشجيع الصناعات الموجه للتصدير، لتوفير العملة الصعبة.
 تقدم الدولة كل أشكال العون والمساعدة، وكل التسهيلات اللازمة للصناعات الرائدة.
 تفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ومصلحة الأمة على مصلحة الفرد، يجب أن يكون على رأس سّلم الأولويات.

 المزج بين السياسات التنموية وبين تخطيط الدولة المركزي ونظام السوق، وتدخل الدولة بشكل مباشر في توجيه مسار التنمية الاقتصادية، وعدم الاعتماد على آليات السوق وحدها، لتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة.

 ينبغي أن يكون هناك نمط محدد للعلاقة بين ثلاثية: البيروقراطية والقيادة السياسية وقطاع الصناعة، ويجب تحديد نمط هذه العلاقة في ضوء رؤية القيادة السياسية لطبيعة دور كل طرف فى إطار أولويات عملية التنمية، فتغول أى منهما على حساب الآخر خارج الصيغة المحددة من جانب القيادة السياسية قد يضر بعملية التنمية.

 لم تكن المعجزة الاقتصادية الكورية إلا تعبيرًا عن الإرادة القوية والجهود العظيمة التي قام بها الشعب الكوري، فما حدث ليس عملاً خارًقا، ولكنه حصيلة جهد ومثابرة، وصبر وإصرار، وإخلاص وتفانٍ وانتماء وولاء لم يسبق له مثيل.

ختاماً، يتضح لنا تعدد عوامل نجاح الدولة التنموية في كوريا الجنوبية في الفترة (1961-1987) من عامل القيم الآسيوية التي تحث على العمل الجماعي، واحترام الموظف العام، وتقدير قيم الأسرة والعائلة، إضافة إلى الدور الذى لعبته الدولة في كوريا الجنوبية منذ انقلاب (بارك شونغ هي) عام 1961، حيث عملت الدولة على وضع الخطط الخمسية بدءاً من 1962 وتنفيذها، كما سعت الدولة إلى التحول عن استراتيجية التصنيع من أجل الإحلال محل الواردات إلى استراتيجية التصنيع من أجل التصدير، وفي سبيل تحقيق الدولة لأهدافها التنموية أقامت تحالفاً مع رجال الأعمال، أما عن الحالة المصرية، ففي الفترة (1981-2008) لم تتمكن الدولة المصرية من النهوض بأدور الدولة التنموية، حيث فشلت الدولة في قدرتها على تعبئة الموارد، وفشلت في قيادة علاقتها بالقطاع الخاص بصورة تخدم أهداف التنمية، كما أنَّ الدولة المصرية افتقدت للقيادة التنموية التي تضع من تحقيق أهداف التنمية أولوية بالنسبة لها، وهى كلها أمور لايمكن إغفالها إذا أردنا الحديث عن دولة تنموية تضع من الإنجاز الاقتصادى أولوية بالنسبة لها.

———————————————————————————————-

المراجع:

1 – وفاء لطفى حسين، “السياسات التنموية في الدول الصناعية الجديدة في آسيا: دراسة مقارنة لكوريا الجنوبية وماليزيا“، رسالة دكتوراه، (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،2014).

2 – إيمان فخرى أحمد، “تطور الدور الإنمائى للدولة في كوريا الجنوبية في الفترة من 1961-2008“، رسالة ماجستير ، (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2011).

3 – بكر مصباح تنيره، “تطور النظام السياسى في مصر 1952-1976“،رسالة دكتوراه، (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1979).

4 – شرين محمد فهمى، “أثر تطبيق سياسات الاصلاح الاقتصادى والتكيف الهيكلى على الاستقرار السياسي في مصر 1991-2003″، رسالة ماجستير، (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2005).

5 – محمود أحمد عبدالله، “مفهوم الدولة التنموية وتطوره استبيان بيريز كالدينتى“، (المركز العربى للبحوث والدراسات، نوفمبر 2015)، مُتاح على:  http://www.acrseg.org/39585

6 – أحمد سعيد دويدار، “البناء الاقتصادى“، (القاهرة: المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، 1985).

7 – جلال أمين، “قصة الاقتصاد المصرى في علاقته بالعالم من محمد على إلى حسنى مبارك”،(القاهرة: دار الشروق، الطبعة الأولى، 2012).

8 – سامر سليمان، “النظام القوى و الدولة الضعيفة (إدارة الأزمة المالية والتغيير السياسى في عهد مبارك“، (القاهرة،2005)، مُتاح على: https://www.scribd.com/

9 – Johnson, Chalmers, ”MITI and the Japanese miracle:The growth of industrial policy”, (California: Stanford university press, 1982).

10 – Waterbury, John, “The Egypt of Nasser and Sadat : The political economy of two regimes”. (New Jersey: Princeton university press, 1983).

11 – Westphal, LE, “Industrial Policy in an export – propelled economy: lessons from South Korea’s experience”, (Jornal of Economic Perspectives, 4 (3), 1990).

 

 

إغلاق