بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقارير

ظاهرة حصار المدن في الشرق الأوسط.. آليات الممارسة والنتائج

الوسوم

عصفت الاضطرابات وعدم استقرار الأنظمة السياسية بمنطقة الشرق الأوسط، عقب ثورات الربيع العربي في 2011، ترتب عليه انتشار جماعات مسلحة وحركات متمردة في بعض هذه الدول، ما أدخل الحكومات في صراعات مع الجماعات المسلحة والمتمردة، على مناطق ومدن بأكملها، وليس كما كان منتشرا في السنوات الماضية، من مطارة بعض العناصر والجماعات المسلحة في الجبال ودروب الصحراء أو مواجهة خلايا نائمة، أو الدخول في مواجهة فكرية لموجهة أفكار الجماعات المتطرفة.

وإزاء التصادم بين الجماعات المسلحة والمتمردة والأنظمة السياسية القائمة، نشأ الصراع والقتال حول مدن ومناطق مهمة، يريد كل طرف السيطرة عليها إما لأهداف جيوسياسية أو اقتصادية أو لوجستية، وإزاء هذا الصراع المسلح، لجأ كل طرف إلى حصار مدن  ومناطق معينة إما للضغط عليها والتفاوض مع خصمه مقابل الحصول على أراضي بديلة، أو إسقاطها وإخضاعها للسيطرة، مستعينا بذلك بجماعات وأطراف خارجية.

وعلى سبيل المثال، ما زال التحالف العربي في اليمن، بقيادة السعودية، يحاصر العاصمة اليمنية صنعاء، منذ إعلان عملية “عاصفة الحزم” في مارس 2015، من أجل السيطرة عليها لما تمثله من أهمية استراتيجية كبيرة.

وكما فعلت من قبل، القوات العراقية وحلفائها في حصار مدينة الموصل لطرد مسلحي تنظيم داعش الإرهابي، لتسقط المدينة بعد سنوات من حصار مكلف بشريا وماديا وعسكريا.

وترصد هذه الورقة، ظاهرة اتباع استراتيجات حصار المدن والمناطق المهمة في الدول التي تشهد اضطرابات وحروب في الشرق الأوسط، عقب ثورات الربيع العربي، محاولين توضيح الأساليب المتبعة من قبل الأطراف المتنازعة في هذا الشأن، خاصة في العراق وسوريا وليبيا، بجانب رصد تداعيات أسلوب حصار المدن على التركيبة الديمغرافية للدول، ومستقبل هذه الظاهرة في المنطقة.

أولا- ظاهرة حصار المدن تاريخيا:

ليست ظاهرة الحصار  وليدة اليوم، فهي متبعة منذ القدم، لكن كانت بشكل أكبر بين الدول والحضارات وبعضها البعض، فمثلا في القرن الخامس عشر قبل الميلاد ضرب الملك “تحتمس الثالث” حصارا على  المدن الكنعانية، بعد تمردهم وتكوينهم تحالف للخروج من سيطرة ملك مصر، وتحصنوا في مدينة مجدو ليضرب عليهم الحصار لسبعة أشهر حتى خضعوا واستسلموا، واستمرت الظاهرة مع الاجتياح المغولي للعواصم الإسلامية كبغداد وغيرها، وكذلك حصار العثمانيين لمدينة القسطنطينية ودخولها في مايو 1453، بعد 50 يوما من الحصار، وهذه الأمثلة وغيرها كانت بين دول وحضارات مختلفة، اتبع فيها الحصار الاقتصادي وفرض سياسة التجويع وقطع الإمدادات بجانب العمليات العسكرية لإجبار الخصم على الاستسلام.

لكن مصطلح “حرب المدن” ذاته يختلف عن حصار المدن والدول، حيث تضطر القوات إلى اللجوء لخوض القتال داخل المدن والاشتباك مع المسلحين وكثير من السكان داخل المدن لتتحول إلى ما يعرف بـ”حرب شوارع”، ويرجع المؤرخون العسكريون لحالة حرب المدن، بمعنى “حرب الشوارع”، خلال حصار قوات نابليون بونابرت لمدينة سرقسطة الإسبانية عام 1809، ودخوله المدينة بعد قتال شديد استمر لشهرين قتل فيه أكثر  50 ألف من سكان المدينة بسبب المعارك والأمراض، من أصل 55 ألف من سكان المدينة.

وتعتبر معركة “ستالينجراد” من أشهر معارك حرب المدن، حيث حاول الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية اجتياح روسيا، إلا أنه أوقف في هذه المدينة بعد قتال عنيف، ونجاح جيش السوفيت في قلب الأمور على عدوه الألماني وإطباق الحصار عليه لمدة شهرين التهمه فيهما الجوع والبرد ورصاص السوفيت، وما أفشل حصار الألمان لستاينجراد ودخولهم إياها هو عدم إطباق الحصار بالكامل حيث كان للمدينة خطوط إمداد ساهمت في صمودها وقلب الطاولة على الجيش الألماني.

أما اليوم في الشرق الأوسط لم تختف الظاهرة حيث عاد حصار المدن وحرب الشوارع مجددا، مع الاضطرابات التي ضربت بعض دول ثورات الربيع العربي، هذه المرة لم تكن حرب الشوارع وحصار المدن بين محتل أجنبي وحركات مقاومة في الداخل، كما فعلت الولايات المتحدة خلال غزو واحتلال العراق في 2003، أو كما يجري الآن من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينين وإطباق الحصار عليهم، فأضحت بعض الدول في صراع وحرب وحصار مدن متبادل مع جماعات مسلحة الكثير منها مدعوم من الخارج سواء قوى إقليمية أو دولية أو حتى جيرانها.

وسعت الكثير من هذه التحركات والدعم لتحقيق أهداف جيوسياسية مثل فصل إقليم أو منطقة معينة عن الدولة، بدعم هذه الجماعات المتمردة أو تحقيق أهداف جيواقتصادية، تسعى للسيطرة على موارد منطقة ما وتمرير مشاريع اقتصادية في المنطقة، كما كان مراد لجعل سوريا معبرا للغاز  في منطقة شرق الأوسط، على ضوء اكتشافات النفط والغاز الأخيرة في المنطقة.

ثانيا- تصاعد ظاهرة حصار المدن في الشرق الأوسط:

انتشرت الجماعات المسلحة والمتمردة، على وقع موجة “ثورات الربيع العربي”، حيث تحولت الكثير من الانتفاضات إلى صراع مسلح بين الدولة وجماعات المعارضة، لتتدخل عوامل خارجية بجانب الظروف الداخلية، في خلق ميلشيات وكيانات مسلحة تريد إسقاط النظام السياسي القائم والسيطرة على الدولة، لإقامة نظام جديد يرتهن كثيرا بمصالح داعميه، أو تنفيذ مخططات تفكيك لبعض دول المنطقة، وما زال هذا السيناريو قائما إلا أن حدته تراجعت بشكل أكبر على ضوء فشل الكثير من خطط الجماعات المسلحة، وإدراك الداعمين أن هذه الطريقة لن تكون مجدية، وذات تكلفة عالية.

1 – سوريا 

كانت سوريا من أكثر دول المنطقة تأثرا بالربيع العربي، فسرعان ما تمكنت الجماعات المسلحة والإرهابية من الظهور على الساحة بداية من القاعدة وصولا إلى داعش، بفضل دعم خارجي، وتم قلب مسار الأمور تماما، لتصير سوريا ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وسعت كل جماعة إلى السيطرة على مدن معينة، فمثلا داعش سيطر على الأراضي والمدن الحدودية مع العراق لوصل دولته التي بلغت مساحتها في العراق وسوريا ما يعادل مساحة بريطانيا، وإزاء ذلك بدأت الدولة في التصدي لهذه الجماعات بخلاف تنافس الأخيرة فيما بينها على المناطق، وكانت جماعات المعارضة هي الطرف الأضعف في المعادلة لتفقد معظم ما لديها الآن.

ونظرا لأهمية سوريا سواء جوارها مع إسرائيل، أو حدودها مع العراق ولبنان، وووقوعها في منطقة شرق المتوسط التي مثلت اكشافات الغاز فيها انقلابا استراتيجيا أحدث تنافسا دوليا وإقليما على هذه المنطقة، اشتد الصراع داخلها وسعي كل طرف لإحكام سيطرته على مناطق معينة بدعم من وكلائه، فتركيا دعمت جماعات موالية لها على الحدود مع سوريا لمنع إقامة شريط كردي على حدودها، وإسرائيل ساعدت في خلق الفوضى على حدودها من أجل إضعاف الجيش السوري وإنهاكه، وإزاء ذلك دخلت الأطراف في عمليات الحصار والقصف المتبادل، لكن نجح الجيش السوري وحلفائه الروس والإيرانيون في استعادة معظم المناطق وطرد داعش، ويبقى الآن الخلاف مع بعض جماعات المعارضة التي فقدت معظ الدعم الخارجي، لتدخل الآن في مفاوضات دولية مجبرة عليها وقد فقدت أوراقها العسكرية على الأرض.

ففي سبتمبر 2017 نجحت قوات الجيش السوري وحلفائه في كسر حصار فرضه تنظيم داعش على مدينة دير الزور شرق البلاد منذ مطلع 2015، لتنجح في طرد التنظيم نهائيا من المدينة في نوفمبر 2017،  وذلك لأهمية المدينة التي تمثل تواصلا جغرافيا مع العراق وبالتالي كان لابد من سقوطها، ومثلها حلب التي حاصرها الجيش السوري وحلفائه حتى خرجت منها جماعات المعارضة، لأهمية المحافظة التي مثلت طريق إمداد دعم الجماعات المسلحة ودعم المقاتلين في الداخل عن طريق تركيا، بجانب أهميتها الاقتصادية، ما دفع الجميع للصراع عليها إلى أن حسمها الجيش السوري بنهاية عام 2016، واستعاد السيطرة عليها، ما انعكس بالفعل على توالي سقوط تنظيم داعش وجماعات المعارضة المسلحة تباعا.

والآن يخوض الجيش السوري وحلفائه، حرب حصار ضد مناطق “الطوق الآمن” بالعاصمة دمشق، لأنه يريد تأمينها لأنه ما زال هناك عمليات إرهابية وأعمال قصف تطال العاصمة من المناطق المحيطة، بالتالي وجب إنهاء تمرده كما يريد النظام، فالمعارضة تحتفظ الآن بالغوطة الشرقية لدمشق وريفي حماة وإدلب، وهما يحاوطان دمشق، لذلك ما زالت أعمال الحصار مستمرة على هذه المدن بجانب الأعمال القتالية حتى يتم استعادتها.

فسبق أن نجح الجيش السوري وحلفائه في استعادة ريفي دمشق الجنوبي والغربي، بعد أعمال حصار عنيفة وممتدة وقتال شرس، انتهى بالتفاوض على خروج المسلحين منها إلى محافظتي إدلب ودرعا، ما يجري الآن مع الغوطة الشرقية من تكثيف لأعمال الحصار والضغط من أجل إجبار الجماعات المسلحة على تركها فلا يمكن تركهم يهددون العاصمة وضواحيها.

2 – العراق

ظهر تنظيم داعش الإرهابي بنسخته الوحشية منتصف عام 2014، ليعلن السيطرة على مدينة الموصل، إحدى أهم المدن العراقية بعد العاصمة بغداد، وثاني أكبر المدن العراقية، وتكمن أهميتها الاستراتيجية، في التحكم بطرق التجارة في الشمال، خاصة الطريق السريع الرئيسي باتجاه سوريا وثاني مدنها حلب، وبالتالي سيطرته على الموصل سهل له التمدد ناحية سوريا، ووصل دولته بين العراق وسوريا ليعلن اسم دولته الرسمي “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ونجح من خلال سيطرته على هذه المدينة الانطلاق إلى باقي المحافظات العراقية، مثل الأنبار  وصلاح الدين ومدن الرمادي وتكريت وغيرها، وكاد أن يصل إلى بغداد.

وأدركت الحكومة العراقية وحلفائها، أنه لا سقوط لداعش بدون استعادة الموصل، لتبدأ خطة التحرير بتجريد داعش من المدن التي سيطر عليها لتحصين الموصل فتم استعادة تكريت والرمادي وصلاح الدين والأنباء وديالي، إلى أن تم استعادة الموصل بشكل نهائي وإعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، انتهاء داعش تماما من العراق في ديسمبر 2017.

ولأهمية هذه المدينة كان تركيز القوات العراقية وحلفائها بجانب قوات التحالف الدولي، على سرعة إسقاطها لأن بقائها في يد داعش يعني استمرار تهديداته للمناطق المحررة واستمرار تمدده في سوريا، أو على الأقل تسهيل تدفق المقاتلين الجانب من وإلى العراق، لذا أعلن العبادي في 17 أكتوبر 2016، بدء معركة تحرير الموصل، ليتم الانتهاء في يوليو 2017 من تحريرها بالكامل، وهذه العملية تطلبت أسلوب الحصار وحرب المدن، وفرضت القوات العراقية وحلفائها خطة حصار خانقة، زادت من معاناة ساكنيها، إلا أن هذا كان مطلوبا لإنهاء سيطرة التنظيم مهما كانت الخسائر.

وكانت خطة التحرير المقررة في البداية، تقضي بتكثيف القصف المدفعي، على المدينة شاركت فيه المدفعية الفرنسية والأمريكية بجانب القوات العراقية ومشاركة قوات الحشد الشعبي، بخلاف القصف الجوي المستمر، إلا أن طول أمد المعركة، دفع الحكومة العراقية إلى اتباع أسلوب الحصار وحرب المدن، لتفرض في أبريل 2017، حصارا على مدينة الموصل القديمة من ثلاثة اتجاهات، ساهم في تحرير المدينة في يوليو 2017، وقال الجيش العراقي إن حوالي 25 ألف من مقاتلي التنظيم قتلوا خلال معركة التحرير، التي شارك فيها أكثر من 100 مقاتل من القوات العراقية بفصائلها المختفلة، وتسببت المعركة في نزوج حوالي مليون مواطن يسكنون المدينة، فيما لم يستطع الباقين مغادرتها بسبب التنظيم.

ولم تصدر القوات العراقية أرقاما واضحا بشأن خسائرها في معركة الموصل، لكن زعم التنظيم في بيان له في يوليو 2017، أن المعركة خلفت حوالي 12 ألف من المقاتلين العراقين وقوات البيشمركة، بجانب عشرات الآلاف من الجرحى، وأوضحت إحصائية التنظيم أنهم نفذوا 482 عملية تفجيرية خلال معركة الموصل، وتدمير وإعطاب 2622 دبابة ومدرعة وعربة همر، ومئات الآليات الأخرى، إضافة إلى إسقاط 15 مروحية، و 103 طائرة استطلاع، فيما قالت تقديرات لوكالة “أسوشيتيد برس” الأمريكية أن حصيلة الخسائر في صفوف القوات العراقية بلغت حوالي 9 آلاف قتيل، كما قدرت الخسائر في صفوف المدنين بحوالي 40 ألف قتيل بخلاف المصابين وفق ما أعلن وزير الخارجية العراقي السابق هوشيار زيباري، رغم نفي رئيس الحكومة العراقية لهذا الأرقام، وقال إن ما بين 970 و1260 مدنيا عراقيا قتلوا خلال المعركة، لكنها لم تصدر إحصائية دقيقة سواء عن الخسائر في صفوف داعش أو المدنيين أو القوات العراقية.

3 – ليبيا

رغم حالة الانقسام التي تعيشها ليبيا، منذ سقوط نظام معمر القذافي، إلا أن حالة الاضطرابات وحصار المدن ليس بالقدر الموجود في نظرائها العرب، حيث يعبر عن الكتل السياسية أو المناطق الجغرافية كيانات قوية ومنضبطة بعض الشيء، ما حال دون انتشار الحرب الأهلية أو الدخول في صراعات مدمرة وفرض أنماط الحصار السائدة في اليمن أو العراق أو سوريا.

وتوجد ثلاث حكومات في ليبيا، ولعب هذا الانقسام دورا كبيرا في تشرذم ليبيا ومنع إقامة دولة قوية موحدة، إلا أنه في ذات الوقت حد من رعونة الجماعات المسلحة وعمل على ضبطها، للتوصل إلى حل مرضي أو الحفاظ على الوضع القائم، الأولى هي حكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الجويل، وتسيطر عليها تيارات الإسلام السياسي وموجودة في شمال البلاد وتسيطر على العاصمة طرابلس، وفي شرق ليبيا توجد الحكومة المؤقتة برئاسة عبدالله الثني، المدعومة من قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، التي تسيطر على مناطق بالجنوب أيضا، وثالثا حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، المعترف بها دوليا، رغم أنها لا تحظى بتوافق داخلي، ولا تسيطر بشكل فعلي علي ليبيا، باستثناء بعض المناطق ومقرات الوزارات بالتوافق مع حكومة الانقاذ.

وكشف تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2015، وجود حوالي 1700 جماعة مسلحة في ليبيا، إلا أن معظم هذه الجماعات منضوية تحت سيطرة الحكومات الثلاث، وحاول تنظيم داعش الإرهابي، استغلال حالة الفوضى في ليبيا وإقامة دولة له هناك  في مدينة سرت الساحلية، إلا أنه فشل رغم عدم وجود جيش نظامي قوي وموحد، واستطاعت حكومة الوفاق الوطني تحرير سرت، فقد نجحت في تشكيل “قوات البينان المرصوص”، التي ضمت إليها ميلشيات “مصراته” التابعة لجماعة الإخوان الملسمين في ليبيا، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، ليتم  تحرير المدنية في ديسمبر 2016 بعد 7 أشهر من القتال ضد التنظيم.

ونجحت هذه القوات في فرض حصار على مقاتلي داعش، الذي استهدف إحدى أهم المدن الليبية، وهي سرت لتكون نواة دولته في ليبيا والانطلاق منها إلى باقي دول الجوار، فهي تطل على البحر المتوسط، وتقع في منتصف الساحل الليبي بين طرابلس وبنغازي، وتبعد عن العاصمة طرابلس 450 كلم شرقا، ولأهميتها الحيوية جعلها معمر القذافي مقرا له بعد فراره من طرابلس، عقب الثورة ليقتل هناك في أكتوبر 2011، فالمدينة تتوسط أهم المدن الليبية وقريبة من العاصمة، كما يمكن للمقاتلين الدخول والخروج بسهولة إليها عن طريق البحر وتلقي الدعم والإمداد، لهذا كان من الضروري حصار  داعش في هذه البقعة وإخراجه منها لأنها ستظل مصدر تهديد لصادرات النفط الليبية بجانب تهديد العاصمة، وتحويل ليبيا إلى ملجأ ووطن بديل للدواعش.

وفي نهاية يوليو 2017، فرض خليفة حفتر حصارا خانقا على مدينة درنة الساحلية شمالي شرقي ليبيا، التي قال إن جماعات إرهابية تتمركز  فيها، بينها “مجلس مجاهدي درنة” التابع للقاعدة، الذي طرد من قبل مسلحي تنظيم داعش ليحل مكانه، ولأهمية هذه المدينة الساحلية يريد حفتر السيطرة عليها، خاصة بعد شن القوات الجوية المصرية ضربات متكررة على المدينة، في مايو  2017، قالت القاهرة إن المتورطين في هجوم استهدف مسيحيين بمحافظة المنيا، يتخذون من درنة معقلا لهم ويتلقون تدريباتهم ويقيمون معسكراتهم هناك، لهذا قام حفتر  بمحاولة دخول المدينة لكنه فشل، ليضرب عليها حصار خانقا، بشكل دعا منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إلى ليبيا وكذلك حكومة الوفاق الوطني، إلى المطالبة بفك الحصارـ نظرا للنقص الشديد في الاحتياجات الأساسية لسكان المدينة.

ومع دخول أطراف أجنبية وتوسطها كفرنسا تم تخفيف الحصار، إلا أن الجيش الوطني ما زال متمسكا بدخول المدينة، التي تمثل تهديدا لقوات حفتر في الشرق، بجانب إعاقتها لدخول قوات حفتر إلى العاصمة طرابلس، وتمثل نقط إمداد وتموين وإنطلاق مهمة لمناهضي حفتر، ففي يناير الجاري، أعلن آمر القوات الخاصة ونيس بوخمادة الموالي لحفتر، عزم قواته الانتقال إلى محاور القتال في درنة لطرد ما أسماهم بالجماعات المسلحة، لكن القتال متوقف الآن لرفض حكومة الوفاق المدعومة من الخارج هذا التوجه.

ثالثا- تداعيات حصار المدن:

أسهمت سياسة حصار المدن سواء التي اتبعتها الجماعات المسلحة، أو الأنظمة السياسية، في تغيرات اقتصادية وديمغرافية وعسكرية، ستؤثر على هذه الدول مستقبلا، حيث أدى الصراع المستمر منذ سنوات بين الجماعات المسلحة والحكومات بجانب التدخل الأجنبي، إلى الضغط على السكان والموارد وتدمير البنية التحتية.

1 – عسكريا

على المستوى العسكري، أسهمت حرب المدن وحصار المناطق المهمة، في الضغط على الإمكانيات العسكرية لجيوش وقوات المنطقة، واستنزافها بما يضعفها في مواجهة الخارج، والتركيز على مواجهة الجماعات المسلحة، وتحويل عقيدتها لمحاربة الجماعات الإرهابية، إلى جانب بروز جماعات مسلحة تدعم الدولة، ما يثير التساؤلات حول مستقبل هذه التشكيلات، التي قد تبتز مستقبلا الدولة وتريد تحقيق أهداف سياسية، وترفض حل نفسها بعد انتهاء الغرض منها في مواجهة الجماعات المسلحة أو المتمردة.

كذلك أسهم الصراع بين الجماعات الإرهابية أو المتمردة، إلى زيادة التدخل الأجنبي بهذه الدول، بل عملت على خلق قواعد عسكرية دائمة لها داخل الدول التي تدخلت بها لدعم هذه الأنظمة، ما يحول هذه الدول مستقبلا لساعة للصراع بين الدول الكبرى إن نشبت صراعات مستقبلا، بجانب استغلال هذا التواجد في الضغط على النظام السياسي القائم.

2 – اقتصاديا

أسهم الصراع بين الجماعات المسلحة والحكومات إلي الإضرار بالمدن نتيجة أعمال الحصار، التي اتبعت فيها وسائل عسكرية واقتصادية وسياسة التهجير، التي أفرغت المدن من سكانها وهجرة معظم العقول والمهن المتميزة إلى الخارج، بخلاف الشباب، ما أثر على الكثير من الأنشطة الإنتاجية، بخلاف تدمير البنية التحتية، فمثلا سوريا وحدها بحاجة إلى حوالي 900 مليار دولار من أجل إعادة إعمار ما خلفه الصراع مع الجماعات المسلحة خاصة داعش، وفق تقدير الأمين العام لجامعة الدول العربية، فيما قدر ستفيان دي مستورا المبعوث الأممي إلى سوريا، التكلفة بـ250 مليار دورلا.

فيما قدرت أرقام إعادة إعمار العراق بـ100 مليار دولا ومثلها اليمن، ووكذلك ليبيا التي بحاجة إلى حوالي 88 مليار دولار من أجل إعادة الإعمار، وذلك بافتراض عدم تجدد الصراعات مجددا أو توقفها عند هذا الحدن بينما قدرت أرقاما أخرى تكلفة الصراعات المسلحة وخسائر الربيع العربي بشكل عام منذ 2011 وحتى 2017 بـ640 مليار دولار.

3 – ديموغرافيا

المقصود به إحداث تغيرات في التركيبة السكانية، حيث ساهمت أعمال الحصار والحرب، في هجرة الكثيرين خاصة الشباب، ما يؤثر مستقبلا على عمليات النمو، بخلاف اتباع بعض الأنظمة سياسات طائفية، حيث تم إفراغ مدن من سكانها الأصليين وإحلالها بموالين لها، كما حدث في كفريا والفوعة ومضايا والزبداني في سوريا، في إطار توازنات سياسية، وكما جرى في بعض المناطق التي تم إخراج داعش منها في العراق.

4 – سياسيا

ساهمت استراتيجيات حرب المدن وحصارها، في خلق اعتبارات سياسية لن يمكن تجاوزها بسهولة، وتقسيم هذه المناطق وفق تصنيفات دينية أو عرقية، فمثلا سيتم فرض قيود شديدة من النظام السياسي على المدن التي شهدت تمردا ضده أو انطلقت منها الجماعات المسلحة استغلالا لحالة الفوضى السائدة وضعف الدولة كما جرى في الموصل، فالآن يخشى كثيرون من التميز بين المناطق على هذا الأساس.

كذلك استغلت بعض الأعراق والطوائف الصراع بين الدولة والجماعات المسلحة على مدن ومناطق رئيسية، وتبادل الحصار، في فرض سيطرتها على مناطق معينة ورفضها التخلي عنها أملا في الحصول على دويلة لها، كما جرى مع الأكراد في سوريا والعراق، فهم متمسكون بإقامة دولتهم، وبالفعل أجرى إقليم كردستان العراق استفتاء على الانفصال، إلا أنه واجه رفضا إقليميا ودوليا خوفا من استغلال الجماعات الإرهابية لهذه الفوضى والعودة مجددا، لكن حلم الانفصال ما زال قائما وخطى خطوات كبيرة في هذا الشأن، فهم الآن يمتلكون خبرات عسكرية ومعدات تؤهلهم للصدام مع الدولة، واستغلوا في ذلك حالات الصراع بين النظام السياسي والجماعات المسلحة أو المتمردة.

كذلك حتى الآن لم يوجد نظام سياسي مستقر في الدول الأربع، فما زال الصراع قائما، ولم يتم وضع تسويات مقبولة من الجميع، ما يعني عمليات أن أسلوب الحصار والعقاب الجماعي والعمليات الإرهابية ما زالت قائمة، لإيقاع أكبر قدر من العقاب والخسائر المتبادلة، خاصة داخل المدن الحيوية ومحاولة كل طرف إظهار خصمه بالضعيف وعدم قدرته على فرض سيطرته على الدولة.

خاتمة

يمكن القول إن المدن التي تحظى باعتبارات استراتجية مهمة، مثل وضعها الاقتصادي وكثافتها السكانية، وموقعها الجغرافي سواء تتحكم في أنهار أو تطل على بحار أو مضائق مهمة، أو المجاورة للعاصمة السياسية للبلاد، شهدت أعمال قتال وصراع مستميت بين العديد من الأطراف، وفرض الحصار عليها بخلاف العمليات العسكرية، أما المدن الصحراوية سقطت بسهولة في أيدي الجماعات المسلحة، وسرعان ما تخلى أيضا عنها ولم يبذل الكثير في مواجهة الأنظمة للدفاع عنها لأنها غير ذات أهمية استراتيجية أو اقتصادية، كذلك من الصعب فرض حصار على هذه المناطق لاتساعها وصعوبة السيطرة على حدودها.

كذلك في ظل الأوضاع القائمة وإعلان العراق الانتهاء من طرد داعش من العراق، ومثله سوريا وليبيا، إلا أن الصراع على المدن الرئيسية سيظل قائما ومتجددا، ما لم يتم التوصل على تسوية سياسية تساهم في إعادة بناء الدولة، ووضع نظام متفق عليه من قبل الجيمع، بجانب الاتفاق على ضرورة منع التدخلات الأجنبية في الإقليم، حيث حولت الدول الكبرى دول الإقليم لساحات صراع وحرب بالوكالة فيما بينهم، بينما تضررت شعوب المنطقة التي أصبح أبنائها إما مهجرون في الخارج أو نازحين في الداخل، يعانون مرارات الصراع والجوع والإرهاب.

————————————————————————————————————————————-

المصادر:

  1. عامر محسن، حرب المدن والحرب بالمدنيين، الأخبار اللبنانية،16/1/2016، الرابط.

  2. أحمد أديب أحمد، القتال في المدن في مواجهة حرب العصابات الإرهابية وأهم المهارات والخبرات التي اكتسبها الجيش العربي السوري، الرابط.

  3. حرب الشوارع.. الكابوس المرعب للقادة العسكريين، الجزيرة نت،21/12/2016، الرابط.

  4. آشير أوركابي، حصار صنعاء عام 1968: تشابه تاريخي لممارسات الحوثيين، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 10/11/2014، الرابط.

  5. مصطفى محمد العشماوي حصار المدن (الجزء الأول)، 11/8/2016، الرابط.

  6. مدينة بشرق ليبيا تعاني مع تشديد قوات حفتر الحصار عليها، رويترز، 7/8/2017، الرابط.

  7. الموصل القديمة.. حصار من 3 جهات، العربية نت،14/4/2017، الرابط.

  8. الجيش العراقي: مقتل 25 ألف “داعشي” في معركة تحرير الموصل، روسيا اليوم، 15/7/2017، الرابط.

  9. تنظيم الدولة يعلق على هزيمته بالموصل وينشر حصيلة خسائر “الحشد” الشيعي، أورينت نت ،14/7/2017، الرابط.

  10. تقرير: “حجم خسائر معركة الموصل 10 أضعاف الرقم الرسمي المعلن”، هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، 16/12/2017، الرابط.

  11. محمد جمعة”، مستقبل التشكيلات المسلحة في ليبيا، الملف المصري، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 38، أكتوبر 2017.

 

إغلاق