بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

حدود التصادم.. إلي أين تتجه مصر والسودان؟

الوسوم

على وقع عام جديد، بدا أنه سنة التوتر بين مصر والسودان، استدعت الخرطوم سفيرها لدى القاهرة في 5 يناير الجاري، دون إبداء أية أسباب، أو تحديد موعد رجوعه مجددا إلى القاهرة، وبتتبع وتيرة العلاقات بين البلدين يظهر وجود اتهامات متبادلة بدعم المعارضين، وحالة من التصعيد على خلفية ملفات عدة، فسبق أن اتهم الرئيس السوداني عمر البشير، مصر بدعم الحركات المتمردة في السودان، وبيع ذخائر فاسدة للجيش، ورغم النفي المصري، إلا أن وتيرة العلاقات أخذت في التدهور، ليتم إلغاء زيارات متبادلة، ووجود حالة من التصعيد الإعلامي والحرب الكلامية بين الجانبين، إلى أن وصل الأمر لكشف السودان عن وجود قوات إماراتية مصرية في إريتريا، على حدود السودان، من أجل إثارة الاضطرابات في الداخل السوداني ودعم المتمردين.

ورغم اللقاءات والزيارات المتبادلة بين البلدين، على مدار الأعوام السابقة منذ تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي أمور البلاد، إلا أن ذلك لم يشفع في تهدئة التوتر، فبعض الأطراف يريد التعامل مع قضايا معينة بمنطق صفري، أي لا يقدم أية تنازلات وإنما تحقيق مكاسب فقط على حساب غيره، ما يفسر حالة التصعيد، خاصة من قبل السودان، فمصر لم ترد بالمثل على خطوة استدعاء السودان لسفيرها لدى القاهرة، لكنها لا تقف صامتة أمام التحالف الإثيوبي السوداني ضد مصر خاصة في سد النهضة، بجانب استغلال حلفائها الخليجيين في الضغط على الخرطوم.

أولا – أسباب الخلاف:

الخلافات المصرية- السودانية ليست وليدة اليوم، إنما لها سوابق تجعل الطرفان يتقاربان بحذر وتشكك دائمين، خاصة منذ وصول عمر البشير  إلى السلطة في 1989، واتهام مصر لنظام البشير، بالتورط في محاولة اغتيال الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في إثيوبيا، واتسمت العلاقات خلال هذه الفترة بالضعف، إلى أن جاءت ثورة 25 يناير 2011، وحاول البلدان تقوية العلاقات فيما بينهما، ففي مارس 2011 أجرى رئيس الوزراء المصري الأسبق عصام شرف زيارة للسودان، وقع خلالها الجانبان اتفاقيات عدة، شملت الإعداد لمشروعات مشتركة في مجال الأمن الغذائي وتشجيع الاستثمارات بين البلدين وبحث مشكلة مياه النيل، لكن حجم العلاقات في ظل التخبط المصري وانكفائه على الداخل، لم يؤسس لعلاقة استراتيجية بين البلدين.

مع وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، وتقاربهم الفكري والسياسي مع نظام البشير، وتعاون كلاهما مع قطر وتركيا، حاول الرئيس الأسبق محمد مرسي تأسيس علاقة جديدة بين البلدين، ليجري في أبريل 2013، زيارة إلى الخرطوم لمدة يومين، سبقها في سبتمبر 2012 زيارة من البشير إلى القاهرة، لكن هذا التحالف الذي كان في طور النشء توقف مع الإطاحة بنظام الإخوان في يوليو 2013، ليأتي الرئيس السيسي ويحاول التفاهم مع نظام يعلم أنه مختلف فكريا وسياسيا معه، بخلاف التحالفات والترتيبات الإقليمية لكليهما المتناقضة، كذلك البشير يدرك أنه من الصعب إقامة شراكة استراتيجية، أو على الأقل تجاوز الخلافات مع النظام الجديد في مصر.

أجرى السيسي زيارتين إلى السودان، الأولى في مارس 2015، والثانية في أكتوبر 2016، كذلك أجرى البشير زيارات عدة إلى للقاهرة، الأولى في أكتوبر 2014، والثانية في مارس 2015، وأخرى في أكتوبر 2016، بخلاف اللقاءات التي تمت بينهما على هامش قمم ومؤتمرات دولية وإقليمية، إلا أن كل ذلك لم يسهم بشكل ملحوظ في تقليل حدة الخلاف خاصة على قضايا رئيسة، هي:

1- سد النهضة:

شرعت إثيويبا في مخططها لبناء سد النهضة، في عام 2011، مستغلة تدهور الأوضاع وضعف الجبهة الداخلية في مصر، وسعت لتكوين أكبر تكتل مع دول حوض النيل ضد مصر، وكانت القاهرة والخرطوم رغم الخلافات بينهما على مر الأنظمة المختلفة موحدين تجاه مياه نهر النيل، باعتبارهما دولتي مصب، إلا أن السودان توحد موقفها مع إثيوبيا ضد مصر في سد النهضة.

واتضح ذلك في تحفظ الخرطوم وأديس أبابا، على تقرير استهلالي بشأن تأثيرات سد النهضة على دولتي المصب، أعده مكتب فرنسي استشاري متخصص، وافق عليه الثلاثة من قبل كمطرف محايد في دراسة أثار سد النهضة، بخلاف مصر التي أيدت التقرير، ليدخل مسار المباحثات الفنية بشأن السد منعطفا صعبا، لتعلن مصر في نوفمبر 2017، عدم التوصل إلى اتفاق بشأن اعتماد التقرير الاستهلالي الخاص بالدراسات، ويعلن الفريق المصري المفاوض وقف “المباحثات الفنية” مع البلدين، ورفع الأمر إلى المستوى الحكومي للدول الثلاث الممثلة لأطراف التفاوض، وحتى الآن لم يتم التوصل لحل أو آلية جديدة بشأن المباحثات الفنية.

ولإدراك مصر تضررها من تعنت الطرفين وتحالف السودان مع إثيوبيا، طرحت منتصف يناير الجاري، على البنك الدولي بشكل غير رسمي دخوله كطرف ثالث في أعمال اللجنة الفنية الثلاثية، لكن البنك ينتظر إرسال طلب رسمي من الدول الثلاث، وطرحت مصر الفكرة على كلا البلدين إلا أنها لم تتلقى ردا حتى الآن، بينما تستمر إثيوبيا في سياسة الأمر الواقع لتعلن اكتمال أكثر من 60% من أعمال بناء السد، بينما تستمر السودان في سياسة التصعيد وتخفيض علاقتها الدبلوماسية وزيادة التنسيق مع إثيوبيا لتوحيد موقفها ضد مصر.

وفي ظل التوتر بين الخرطوم والقاهرة، بدأت يوم 16 يناير الجاري، اجتماعات الدورة السادسة للجنة العليا المشتركة بين مصر وإثيوبيا في القاهرة، على مستوى كبار المسئولين والخبراء، وصولا إلى عقد لقاء على المستوى الرئاسي بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين، للتباحث حول سبل تعزيز العلاقات الثنائية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفنية، بالإضافة إلى المشاورات السياسية حول تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وسد النهضة، لكن من غير المتوقع التوصل لنتائج قوية في هذا الشأن لأن كلا من السودان وإثيوبيا رفضا حتى الجهات المحايدة في دراسة آثار سد النهضة.

وقبل انعقاد اللجنة المشتركة بين مصر وإثيوبيا، ذهب ورقيني قبيو وزير خارجية الأخيرة إلى السودان يوم 14 يناير الجاري، والتقى بنظيره السوداني ابراهيم غندور، والرئيس البشير، واتفقوا خلال اللقاء على استراتيجية موحدة لمواجهة تحولات المنطقة، وفي إطار الهجوم السوداني على مصر، استغل غندور الزيارة ليعلن وجود تهديدات حقيقية لبلاده من ناحية الشرق، يقصد بذلك إريتريا دون تسمية دولة بعينها، عقب اتهامات وجهها إبراهيم محمود، مساعد الرئيس السوداني، لمصر وإريتريا بتوجيه تهديد عسكري محتمل لبلاده.

ويكشف هذا التنسيق بين البلدين سواء في سد النهضة أو أمن الحدود، أن الأمور بشأن السد لن تأخذ في التحسن، فالسودان استنفر قواته على الحدود مع إريتريا في ولاية كسلا وغيرها، وكذلك إثيوبيا، التي استنفرت قواتها هي الأخرى التي رأت ومعها السودان وجود تحركات مصرية لاستهداف كلا البلدين.

2- دعم المعارضين:

اتبع البلدان استراتيجة دعم وإيواء المعارضة، ما كان يشكل أثرا سلبيا على استقرار علاقات البلدين، فالخرطوم من ناحيتها ولقرب نظامها مع جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك تركيا وقطر، الداعمين للجماعة مثلها، دعمت أفراد الجماعة المصريين وآوت الكثير منهم خاصة بعد الإطاحة بنظام الإخوان في مصر عام 2013، في المقابل استضافت مصر ودعمت جماعات سودانية معارضة على رأسهم السياسي السوداني الصادق المهدي، الذي سجنه البشير  بعد نجاح الانقلاب ثم أفرج عنه بعدها، وأقام في مصر فترات طويلة، بجانب أطياف أخرى من المعارضة السودانية التي اتهمتها الحكومة السودانية بإفشال الكثير من عمليات المصالحة.

ووصل الأمر إلى اتهام الرئيس البشير، مصر في مايو 2017، بدعم المسلحين في إقليم دارفور، بأسلحة ومدرعات مصرية الصنع، في هجومين متزامنين شنتهما مجموعتين انطلقتا من ليبيا ودولة جنوب السودان على شمال وشرق دارفور، وتخرج مصر وتنفي هذه الاتهامات، كما اتهمت السودان الشهر الجاري مصر والإمارات بالتحضير لعلميات عسكرية ودعم معارضين لها موجودين في إريتريا لتهديد أمن السودان.

ونفت مصر هذا الأمر، وكذلك الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الذي أكد أن المخابرات السودانية والإثيوبية تعرضان معلومات مغلوطة، وتريدان الهروب للأمام، متمهما جهات لم يسمها بالرغبة في توتير العلاقات بين دول المنطقة.

ورغم النفي أعاد تأكيد هذا الأمر، الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي الحاكم الأمين عبد الرازق الحاكم، مؤكدا أن لديهم معلومات مؤكدة حول تهديدات أمنية مصرية إريترية في شرق البلاد، قائلا:”هناك وجود مصري في قاعدة ساوا العسكرية في إريتريا، بجانب وجود لمقاومة الأرومو وبعض منسوبي حركة العدل والمساواة وغيرها من المعارضة السودانية موجودة على بعد نحو ثلاثين كلم على الحدود السودانية”.

ولإدراك الجانبين خطورة هذه الورقة ودورها في استنزاف الطرفين، اتفقا في أبريل 2017، على عدم إيواء أو دعم معارضين لحكومة البلدين، كما اتفقا على أهمية تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية للبلدين لسد الثغرات وتعزيز الثقة بين تلك الأجهزة والالتزام بعدم إيواء أي من البلدين لأية عناصر مناوئة للبلد الآخر، خاصة المسلحة، لكن المؤكد أن هذا الاتفاق ذهب أدراج الريح، فبعد شهر خرج البشير ليطلق اتهامه لمصر بدعم مسلحي دارفور، واستمرت إلى اليوم، ما يؤكد أن كلا الطرفين لن يستغنى عن هذه الورقة خاصة في ظل عدم حسم أزمة سد النهضة.

3- مثلث حلايب وشلاتين:

مثلث حلايب وشلاتين، منطقة حيوية تقع على ساحل البحر الأحمر وعلى الحدود المصرية السودانية، تقول السودان إنها أرضا سودانية، بينما تتمسك القاهرة بمصريتها، وظل هذا الأمر محل خلاف منذ استقلال السودان عن مصر في خمسينيات القرن الماضي، لكنه لم يؤد إلى قطع العلاقات بينهما إذ بقي كأزمة حدودية بين البلدين، كما هو موجود لدى الكثير من دول المنطقة.

و تُقدر مساحة المثلث بنحو 20.580 كيلومترا مربعا، وتوجد به 3 مدن كبرى هي حلايب وأبو رماد وشلاتين، واتفق الجانبان على بقاء حلايب وشلاتين منطقة مفتوحة أمام حركة التجارة والأفراد دون قيود بين الجانبين، حتى عام 1995 حينما أرسلت مصر قواتها إلى هناك ردا على محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا، التي اتهمت السودان بالتورط فيها، ومنذ ذلك الوقت زاد الخلاف عليها، إلى أن ضمتها مصر إلى الدوائر الانتخابية عام 2014، ووضعت الحكومة استراتيجية تنموية للمنطقة وأقامت عددا من المشاريع بها تأكيدا على ملكيتها لهذه المنطقة الجيوستراتيجية، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الأمنية في البحر الأحمر، ودخول عناصر مسلحة من السودان إلى مصر .

وازدادت حدة المطالبة السودانية بحلايب وشلاتين، مع توقيع مصر والسعودية في أبريل 2016 اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين البلدين حصلت بمقتضاها المملكة على جزيرتي تيران وصنافير، ورغم ترحيب الخرطوم وقتها بالاتفاقية بين البلدين، إلا أنها عادت في ديسمبر 2017، لتعترض على الاتفاقية وتتقدم بشكوى إلى الأمم المتحدة تعلن فيها رفضها للاتفاق المصري السعودي، الذي نص على مصرية مثلث حلايب وشلاتين، ويبدو أن السودان يريد توظيف هذه الورقة للضغط على مصر في قضية سد النهضة، بجانب محاولة استغلال الاتفاق بين مصر والسعودية والسعي لعقد اتفاق مماثل مع القاهرة، لكن التحركات المصرية تؤكد أنه لا تنازل عن هذا المثلث الجيوستراتيجي الواقع في منطقة ملتهبة بالقرب من القرن الأفريقي الذي يمثل تهديدا لأمن مصر من الجنوب وقناة السويس.

4- سياسة الأحلاف الإقليمية:

تتجه كل دولة لتشكيل تحالفات سواء إقليمية أو دولية تتوافق مع مصالحها. يؤدي هذا الأمر إلى التصادم خاصة إذا نشأ ما يعرف بسياسة المحاور والاستقطابات، فالخرطوم تقيم علاقات قوية مع تركيا وقطر، وكلاهما خصمان لمصر، خاصة في دعمهما للإخوان المسلمين، أما مصر تعتبر هذا المحور مصدر تهديد لها، وفي المقابل تقوي شبكة علاقتها بدول مناهضة لهذا الثلاثي، لتعمل على عدة محاور، ففيما يخص تركيا، رسخت مصر علاقتها بقبرص واليونان غريمي تركيا وأعادت ترسيم الحدود معهما، لتعظيم الاستفادة من ثروات الغاز المكتشفة في البحر المتوسط، بجانب إقامة علاقات عسكرية وأمنية واقتصادية ليست في صالح أنقرة.

وتعمل الآن تركيا تجاه الضغط على مصر من الجنوب عن طريق تقوية علاقتها، بإثيوبيا والسودان، فقد أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارة في ديسمبر 2016، إلى الخرطوم وقع خلالها اتفاقيات اقتصادية وأمنية وعسكرية مهمة، والأخطر من ذلك موافقة الرئيس البشير على منح جزيرة سواكن في البحر الأحمر لأنقرة، قيل إنها ستعمل على تهيئتها والنهوض بها، لكن العديد من التقارير تؤكد أنه ستكون قاعدة عسكرية لتركيا، كتلك التي أنشأتها في الصومال، في محاولة منها الدخول إلى البحر الأحمر منطقة القرن الأفريقي، ولاقت هذه الخطوة اعتراضا مصريا، حتى وإن لم يكن رسميا أو بشكل معلن.

كذلك تقيم مصر تحالفا خليجيا قويا خاصة مع الإمارات، لمواجهة قطر، حلفية تركيا والسودان، ما يدفع قطر لاستغلال السودان في إثارة العلاقات مع مصر، أما مصر والإمارات من جانبها للرد على السودان ومحاولة الضغط عليها أيضا، لديهما علاقات قوية مع إريتريا خصم السودان وإثيوبيا، فعقب زيارة أردوغان للسودان، أجرى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي زيارة إلى الإمارات ثم مصر، أكد فيها الثلاثة الاتفاق على أهمية حماية أمن البحر الأحمر، في رسالة قوية للسودان وتركيا، ما أقلق الخرطوم وأديس أبابا، ليعلنا عقب هذا التنسيق عن مسألة وجود حشود عسكرية مصرية إماراتية بإريتريا ويستنفر كلاهما قواته العسكرية.

5- أمن البحر الأحمر:

يشهد البحر الحمر، بجانب منطقة القرن الأفريقي منذ سنوات، صراعا من أجل السيطرة عليه، فالصين أقامت أول قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، لتكون نقطة انطلاق لها إلى أفريقيا، وتأمين مصالحها هناك، لتزاحم القواعد الأمريكية والفرنسية الموجودة هناك، أما تركيا فلجأت إلى الصومال، لتحصل على ثاني قاعدة عسكرية لها خارج البلاد،  بخلاف القاعدة الموجود في قطر، وتريد الآن تعزيز هذا الوجود بقاعدة ثالثة في السودان.

من جانبه يريد السودان، استغلال التنافس الدولي والإقليمي على البحر الأحمر، ويعرض نفسه شريكا في خضم هذه التحولات، فقد عرض البشير في نوفمبر 2017، خلال زيارته إلى روسيا على الرئيس فلاديمير بوتين، إقامة قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، وبعدها منح جزيرة سواكن الواقعة على البحر الأحمر لتركيا، التي قد تتخذ منها فيما بعد قاعدة عسكرية.

بدورها تمتلك الإمارات حليفة مصر قاعدة عسكرية في إريتريا، وكذلك في جمهورية أرض الصومال، وتتخوف من الوجود التركي هناك الذي قد يضر بالموانئ الإماراتية والنفوذ الإماراتي في أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقي، التي تسعى السعودية أيضا لامتلاك قاعدة بها في جيبوتي وبالفعل اتفقا على ذلك، لكنها لم تبدأ فعليا في بنائها، حيث أدركت أهمية هذه المنطقة في حمايتها وكذلك منع التهديدات الواردة من هذه المنطقة.

أما مصر ورغم ما قيل عن سعيها لامتلاك قواعد عسكرية في إريتريا، إلا أنها لجأت إلى تحديث بنيتها العسكرية، لمواجهة التهديدات الموجود الآن على جميع الجبهات، فعملت على تعزيز قوتها البحرية، عن طريق تكوين أسطولين أحدهما في الشمال في البحر التوسط، والآخر في الجنوب على البحر الأحمر، ودعمهما بحاملتي طائرات طراز ميسترال وغواصات ألمانية طراز “تايب”، بخلاف الفرقاطات والمدمرات البحرية، لأن الصراع المتسع الآن يدور حول من يسيطر على البحر والمضائق الأمنية، بخلاف تطوير سلاح الجو ودعمه بطائرات طراز رافال فرنسية وميج 29 روسية، لزيادة المدى العملياتي لقواتها الجوية، حيث استطاعت توجيه ضربات مباشرة داخل العمق الليبي ووصلت إلى الجنوب.

بالتالي يمثل الصراع على أمن البحر الأحمر، أحد أوجه الخلاف مع السودان، التي أدخلت مناهضين لمصر في هذه المنطقة الحيوية، ما جعل القاهرة تعمل على تشكيل محور خاص بها لحماية أمن البحر الأحمر، بالتنسيق مع الإمارات والسعودية وإريتريا، فهذه المنطقة مصدر تهديد قوي حاليا ومستقبلا على هذه الدول الأربع.

ثانيا- مستقبل العلاقات:

تكشف أسباب الخلافات السابقة بين مصر والسودان، أن هناك عددا من الملفات كانت موجودة منذ انفصال السودان عن مصر، كقضية حلايب وشلاتين، لكنها لم تؤثر بشكل جوهري على علاقات البلدين، وهناك قضايا مستجدة برزت في إطار توازنات القوى، والبحث عن شبكة من المصالح والداعمين للأنظمة السياسية، وهذا طبيعي فسياسة الأحلاف وتنويع الشركاء والاختلاف فيما بينهم موجودة لدى أغلب دول العالم، ويمكن تقبله والتعامل معه ببراجماتية، أما ما هو صعب التفاهم بشأنه هو أزمة سد النهضة، لذا قد يتخذ مستقبل العلاقات بين البلدين، المسارات التالية:

1- عودة التهدئة:

رغم الاتهامات الأخيرة من قبل السودان لمصر، بحشد قوات لها في إريتريا، إلا أن الرئيس السيسي، نفى هذا الأمر  في تصريحات له يوم 15 من الشهر الجاري، مؤكدا أن مصر لا تحارب أشقائها سواء السودان أو أثيوبيا، منتقدا في الوقت ذاته الخطاب الإعلامي المصري تجاه السودان، قائلا :”أقول للأشقاء في السودان وإثيوبيا إن مصر لا تتآمر ولا تتدخل في شئون أحد .. ونحن حريصون على علاقتنا الطيبة ويكفي ما شهدته المنطقة خلال الأعوام الماضية”.

ويكشف هذا التصريح عن رغبة مصر في عدم التصعيد، ضد البلدين، لأنها المتضرر الأكبر حال تصاعد حدة التوتر، فمصر لا زالت على المستوى الداخلي تواجه تحديات الإرهاب في سيناء وعلى حدودها الغربية مع ليبيا، بخلاف الداخل، إلى جانب صعوبة الأوضاع الاقتصادية، بالتالي مصر لن تقدر على الدخول في مواجهة عسكرية في الوقت الحالي، بخلاف التصعيد الدبلوماسي، فرغم سحب السودان لممثله لدى القاهرة، إلا أن مصر لم ترد على هذه الخطوة، بل أعلنت خارجيتها أنها ما زالت تدرس الرد المناسب، مع أن العادة جر ت بين الدول على الرد بالمثل على مثل هذه الخطوة.

بخلاف ذلك ورغم الاتهامات الإثيوبية لمصر، تمسكت بانعقاد اللجنة المشتركة في القاهرة وعقد قمة على مستوى الرؤساء، من أجل كسر حدة التوتر، ومحاولة التوصل لتفاهم مع أديس أبابا بشكل خاص، لأنها من تحرك السودان، بجانب استمرار أنشطتها في بناء سد النهضة، وإذا استطاعت القاهرة التفاهم مع أديس أبابا فإن مناكفة السودان لمصر ستكون بلا جدوى، لأن ما يقلق مصر هو السد، لذا سرعان ما أعربت السودان عن غضبها من تواتر أنباء باستبعادها من مباحثات سد النهضة – نفت مصر هذا الأمر- فالخرطوم يدرك أنه إذا خرج من سد النهضة أصبحت مناكفته لمصر ضعيفة الأثر.

أيضا من ناحيته السودان حاول تهدئة حدة خطابه مع جارته مصر، لتنفي خارجيتها تصريحات سفيرها لدى القاهرة بأن بلاده “ستتخذ إجراءات أشد تجاه مصر”، كذلك تراجع وزير الخارجية السوداني عن تحديد دولة بعينها تقف وراء تهديد حدود بلاده من ناحية إريتريا، ما يوحي بأن البلدين يريدان التهدئة، فالخرطوم لن يقدر على الاستمرار في الصراع مع مصر لأن إمكانته لا تؤهله لذلك، بخلاف ارتفاع وتيرة الغضب داخل السودان، رفضا لاجراءات اقتصادية أقرتها حكومة البشير، إلى جانب استمرار صراع الدولة مع المتمردين في دارفور وغيرها.

2- استمرار وتيرة التوتر:

لم يتوصل الأطراف الثلاثة حتى الآن إلى حل لأزمة سد النهضة، فالخرطوم وأديس أبابا لم يردا على مقترح مصر بشأن إدخال البنك الدولي وسيطا في المفاوضات، بعد رفضهما لتقرير الشركة الفرنسية بشأن أضرار السد، ما يؤكد استمرار حالة الشد والجذب بين مصر من ناحية والسودان وإثيوبيا من جانب آخر، فالأخيرة تعول على عامل الوقت لإكمال بناء السد الذي أوشك على الانتهاء، ومصر تحاول إيجاد مخرج دبلوماسي للأزمة مع التلويح دائما بأنها لن تقبل المساس بحصتها من مياه النيل، ما يمثل رسالة تهديد لأثيوبيا إن لم تتفاهم معها بشأن السد.

وتعتبر أثيوبيا المستفيد من الوضع الحالي، بعد أن كانت غير قادرة تماما على بناء السد، أصبحت مصر الآن تتفاوض معها على شروطه، وهي التي تتعنت وتريد إنجازه حتى إن أضر بمصر، فحكومة إثيوبيا تريد تحقيق أي إنجاز من أجل إثبات كفائتها للداخل والترويج لمشروع قومي بخدم بقائها في السلطة، وتدرك إثيوبيا أيضا أن مصر مترددة في استهداف السد عسكريا لأن الظروف الدولية والإقليمية، تعارض توجيه أي طرف عمل عسكري مباشر ضد الآخر، لذا قد تكتفي الأطراف بإدارة نوع من حروب الوكالة ودعم الجماعات المسلحة، ما يعني استمرار حدة التوتر.

3- دخول وسطاء:

من المحتمل أن يتدخل وسطاء لإنهاء التوتر بين مصر والسودان، وهذا الطرف قد يكون السعودية لأن لديها مصالح مع كلا البلدين، رغم ميل الخرطوم إلى قطر، إلا أن هذا الاحتمال ضعيف، فمشكلة مصر مع السودان تتمثل بشكل أساسي في سد النهضة، وهو الأمر الذي تتحكم فيه أثيوبيا، وستكسب مصر إن نجحت في ضمان الخرطوم إلى جانبها ضد أديس أبابا، وهذا أمر صعب حاليا في ظل وجود نظام البشير، الذي يدرك أن الصراع مع مصر وجودي ويستهدفه ذاته، وسط الكشف عن محاولات مصرية إماراتية للإطاحة بنظامه.

بالتالي دخول وسطاء بين مصر والسودان لن يفيد كثيرا، وهو ما يدركه الجانبان، لذا لم يسع كلاهما إلى البحث عن وسيط، فهما ليسا بحاجة إليه، إنما أثيوبيا هي من ستقرر مستقبل علاقات البلدين، التي نجحت في إقناع النظام السوداني بفوائد سد النهضة لها، من زيادة مساحة الاراضي المنزرعة والحصول على الطاقة الكهربائية، فالسد يقع بالقرب من حدود البلدين.

ختاما يمكن القول إن السيناريو الأقرب للعلاقات بين مصر والسودان، هو استمرار التوتر، حتى إن أعادت الخرطوم سفيرها لدى القاهرة، فمع وجود السفير والزيارات المتبادلة إلا أن التوتر ظل قائما، بل زادت حدته وصل إلى الاتهامات العلنية بدعم الجماعات المسلحة، ولن تهدأ وتيرة العلاقات بين البلدين إلى أن يتم حل أزمة سد النهضة، وهو الأمر  الذي لا يمكن أن يتحقق قبل بضع سنوات، فأثيوبيا تتمسك بأن تكون فترة ملء السد ثلاث سنوات، وبسعة 74 مليار متر مكعب، بينما مصر  تريد تخفيض السعة التخزينية إلى حوالي 50 مليار متر مكعب وزيادة فترة الملء إلى 11 عاما.

وحتى يتم التوصل لاتفاق نهائي مع أثيوبيا، ستظل العلاقات متوترة مع الخرطوم طوال هذه الفترة، لأنها تقف إلى جانب أديس أبابا، ومصر لن يمكنها الركون إلى التطمينات الإثيوبية، وبافتراض حدوث التفاهم سيظل هناك توتر وترقب إلى حين التزام إثيوبيا بما سيتم  الاتفاق عليه من سنوات لملء السد، وإن لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن السد فإن نزاعا طويلا سيدخل فيه الأطراف الثلاثة، ستتعدد أدواته وآلياته والكل سوف يستنزف فيه.

———————————————————————————————-

المصادر:

  1. مصر تنفي استبعاد السودان من محادثات سد النهضة، العربية نت، 3/1/2018، الرابط.
  2. الخارجية السودانية: سفيرنا في القاهرة لم يدل بأية تصريحات حول إعلان الحرب على مصر، وكالة سبوتنيك، 13/1/2018، الرابط.
  3. مصر تكشف الحقيقة حول طلب استبعاد السودان من مفاوضات سد النهضةن روسيا اليوم، 4/1/2048، الرابط.
  4. ملفات شائكة في العلاقات المصرية السودانية.. تعرف عليها، هيئة الإذاعة البريطانية، 5/1/2018، الرابط.
  5. منى سليمان، أبعاد ودلالات زيارة الرئيس الإريتري إلى القاهرة، السياسة الدولية، 11/1/2018، الرابط.
  6. مصادر: المعارضة السودانية تجتمع بـ”القاهرة” لبحث تشكيل جبهة موحدة، وكالة سبوتنيك، 27/1/2017، الرابط.
  7. صحيفة: البشير يتجه إلى قرار وشيك والحزب الحاكم يعلق على “محاولة الانقلاب”، وكالة سبوتنيك، 14/1/2018، الرابط.
  8. السودان يعلن رسميا عن تهديدات أمنية محتملة من مصر وإريتريا، سودان تريبون، 11/1/2018، الرابط.
  9. السودان يسلم تركيا جزيرة سواكن الواقعة في البحر الأحمر، فرانس 24، 26/12/2017، الرابط.
  10. مصر والسودان تتفقان على عدم استضافة معارضين لحكومة البلدين، روسيا اليوم، 20/4/2017، الرابط.
  11. البشير: جيشنا صادر مركبات مصرية مدرعة في دارفور.. ومصر ترد: لم ولن نتدخل في السودان، سي إن إن، 23/5/2017، الرابط.
  12. مصر تُوقف «المباحثات الفنية» مع إثيوبيا والسودان بشأن أضرار «سد النهضة»، الشرق الأوسط، 14/11/2017، الرابط.
  13. بالفيديو .. السيسي: مصر لا تتآمر على أحد.. ولن نحارب أشقاءنا، أخبار مصر،15/1/2018، الرابط.
  14. (الشعبي): العدل والمساواة وقوات مصرية تهدد شرق السودان، سودان تريبون، 15/1/2018، الرابط.
  15. السودان يستدعي سفيره في القاهرة للتشاور، هيئة الإذاعة البريطانية، 5/1/2018، الرابط.

 

إغلاق