أوراق بحثيةتحليلات

دلالات حرجة.. 10 دلالات تركتها الانتخابات الرئاسية في مصر

الوسوم

دلّت الأحداث المتزامنة مع بدء إجراءات التقدم للانتخابات الرئاسية على بعض الأمور الهامة والكاشفة لما ألت إليه الأوضاع في مصر بصفة عامة، وهي الفترة التي شهدت زخما سياسيا بين المهتمين بالعملية السياسية في مصر، وهو الزخم المفقود منذ 4 سنوات على أدنى تقدير، ونحاول في هذه المقالة أن نقف على أبرز الدلائل التي تركتها هذه الفترة.

أولى هذه الدلائل أن هناك العديد من المصريين مازالوا مؤمنين بالديمقراطية كخيار سلمي للتغيير، وذلك على الرغم من صعوبة تحقيق هذا التغيير في ظل الظروف السياسية الحالية، إلا أن الديمقراطية قد برهنت على قدرتها في اكتساب ثقة مختلف الأطراف، حتى أولئك شديدو الراديكالية، ووجدنا جماعة مثل الاشتراكيين الثوريين المعروفة براديكاليتها تقف خلف المرشح خالد علي في محاولته للترشح.

الدلالة الثانية هو عدم نجاح محاولات التضييق على القوى المدنية الديمقراطية، ورغم تشديد الإجراءات حول نشاط هذه المجموعات بحجة استعادة الاستقرار وهيبة الدولة، إلا أن بعد مرور 4 سنوات على هذا، لا زالت تملك القوى المدنية الديمقراطية القدرة على ممارسة العمل السياسي، وبرهنت أيضا على سرعة استعادتها لعافيتها، وربما لو كنا وصلنا لمرحلة الانتخابات لوجدنا الألاف من المنتمين لهذه القوى ينشطون في الحملات الانتخابية المختلفة، وينفذون أدوات الحشد والخطاب بشكل جيد.

الدلالة الثالثة الواضحة أيضا هو عدم تحمل النظام المصري لفكرة الديمقراطية، وفشله في الاختبارات الديمقراطية المتتالية، وكان أول هذه الاختبارات في الانتخابات التشريعية في نهاية عام 2015، والتي جاءت في ظل مناخ منعدم التنافسية تقريبا، ولم يُسمح لأي من المختلفين مع سياسات النظام الحالي التواجد بحرية في سياق العملية الانتخابية، ما انعكس في هذا البرلمان المؤيد لسياسات الحكومة على طول الخط، ولم يختلف الحال في انتخابات الرئاسة، وأدى الأسلوب المُتبع من النظام المصري إلى عدم نجاح أي من المصريين في التقدم لانتخابات الرئاسة بعد مرور 5 أيام على عملية الترشح، وذلك بالطبع باستثناء الرئيس الحالي.

الدلالة الرابعة أيضا وهي خطيرة، وتتمثل في محاولة أكثر من شخص ينتمي للمؤسسة العسكرية المصرية في الترشح للانتخابات، وبعضهم لازالوا محسوبين على قوة المؤسسة، ومنهم العقيد قنصوة والفريق سامي عنان، ولن نطيل في هذه الفقرة عن هذا، لأسباب قد يتم تفسيرها بشكل خاطئ، وأسباب تتعلق باحترامنا الشديد لمؤسسة الجيش المصري وتاريخه في الدفاع عن أرض مصر.

الدلالة الخامسة هو تخوف المحسوبين على النظام الحالي من المنافسة، وعدم استعدادهم للذهاب الى صناديق الاقتراع للحكم على مدى شعبية السياسات التي ينفذونها، وهو ما يعني بالضرورة إنهم على دراية بأن هذه السياسات لا تلقى قبولا واسعا من قطاعات واسعة من المصريين، وهو ما قد تبرهن عليه مستوى المشاركة الشعبية في الانتخابات، خصوصا بعد انعدام مجال التنافس تماما.

الدلالة السادسة تتعلق بوسائل الإعلام، والتي تحولت على طول الخط من وسائل موضوعية لتغطية الأحداث والأخبار إلى أحد أدوات السلطة في إدارتها لعملية الانتخابات، سواء بتبني الهجوم الشديد على أحد المرشحين على غرار ما حدث مع الفريق شفيق، أو تجاهل نشاط حملة خالد علي، وهو ما يؤثر في مصداقية هذه الوسائل، ثم نجدهم بعد ذلك يشكون من عدم نجاح القنوات المصرية في المنافسة مع القنوات الأخرى!

الدلالة السابعة تتعلق بقوى المعارضة، وبرهنت الأخيرة على قدرتها في التنسيق فيما بينها رغم اختلاف الأيدولوجيات والمرجعيات الفكرية، ووجدنا بعض الشباب الليبرالي يحرص على إعلان تأييده لخالد علي المنتمي لتيار اليسار المصري، ووجدنا أيضا حملة خالد على تقرر الانسحاب من سياق العملية الانتخابية بعد إيقاف الفريق سامي عنان، رغم الخلاف الشديد بين حملة خالد علي ومواقف عنان السابقة، إلا أن هذا التباين لم يمنع المعارضة المصرية من اتخاذ موقف موحد من انتخابات الرئاسة.

الدلالة الثامنة تتعلق بالعلاقة بين النظام المصري والشباب، إذا من الواضح وجود ثمة فشل في السياسة العامة الحالية الموجهة ناحية الشباب، وهو ما نستنجه من لجوء أغلب الشاب الى الانضمام لحملة خالد علي أو تفضيل خيار المقاطعة، وهي مسألة شديدة الخطورة، وما يعيد الى ذاكرتنا فشل الحزب الوطني في احتواء الشباب المصري نظرا لاستبعادهم من سياق السياسات العامة في مصر، وتفضيل التعاون مع المتسلقين من الشباب الذين لا يعنيهم تحقيق مطالب مثل الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

الدلالة التاسعة وقبل الأخيرة، هي اتفاق أغلب مرشحي الرئاسة السابقين على بعض الأمور فيما يخص الأوضاع المصرية، وبعض هذه الرؤى تخالف بشكل واضح سياسات فترة السيسي الأولى، وأولها هو رفض السياسات الاقتصادية المتبعة حاليا، علاوة على الاعتراض الصريح على إدارة بعض ملفات السياسة الخارجية، خصوصا قضيتي سد النهضة وتيران وصنافير، علاوة على الاعتراض على الاعتمادية الحكومية الشديدة على القوات المسلحة في تنفيذ السياسات العامة، وتراجع أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية بصفة عامة، وجميعها أمور اتفق أغلب المرشحين عليها على الرغم من اختلاف مرجعياتهم الأيدلوجية والمهنية، وحري بنظام السيسي مراجعة هذه السياسات خلال الفترة المتبقية من عهده، وهي 4 سنوات فقط في حال عدم اللجوء لتعديل بنود الدستور الحالية المتعلقة بفترات الرئاسة.

والدلالة الأخيرة هي انسداد الأفق السياسي في مصر إذا جاز التعبير، ولم ننجح جميعا في الوصول إلى انتخابات تنافسية وتعددية، ما يمثل نُذر خطير في المستقبل القريب، ونخشى من استخدام الإحباط المتولد من هذا الانسداد من قبل الجماعات الإرهابية وجماعات العنف المختلفة، إذ في حال غياب السياسة كإطار سلمي لتسوية وضبط النزاعات، يحل العنف بديلا، لاسيما مع انتشار الخطاب المتطرف، وشاهدنا كيف أدت سنوات الانغلاق السياسي في مصر إلى وقوع ثورة شعبية كـثورة 25 يناير، ويبدو إنه من المحتم على النظام المصري العمل على إعادة فتح المجال السياسي في مصر، والتوقف عن سياسات غلق المجال العام، إذا كنا نريد تجنب وقوع الدولة في اضطرابات أخرى خلال السنوات المقبلة.

 

إغلاق