بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

مزايا مفقودة.. معضلة حرب إسرائيل القادمة

الوسوم

ملخص تنفيذي

يستمر الجدل في إسرائيل حول سيناريوهات حرب قادمة كاختيار أسوأ لتل أبيب، جُردت فيه من مزايا اختيار التوقيت وكذا حصر ميدانها العسكري، حيث فلت زمام المبادرة لأول مرة تقريباً منذ 1973 من يد تل أبيب ليصبح في يد أعدائها، في ظل ظرف أمني وسياسي على مستوى المنطقة والعالم لا يبدو أن حرب إسرائيلية جنوباً في غزة أو شمالاً في لبنان أو شرقاً في سوريا ستحقق أي إنجاز سياسي سوى لشريحة الساسة وقادة الأحزاب في الكيان الصهيوني.

محددات جديدة للحرب القادمة:

يرى الخبراء الأمنيون والعسكريون على اختلاف مناصبهم الرفيعة منذ العام الماضي، أن تراجع إمكانية المبادرة بالحرب من جانب تل أبيب، وعدم جهوزية الجيش الإسرائيلي بالدخول في حرب جديدة عليه من جميع النواحي العملياتية والميدانية، التي أبسطها أن أرض المعركة سيكون فلسطين المحتلة وستتعرض الجبهة الداخلية الإسرائيلية ليس فقط لعمليات قصف صاروخي من أكثر من جهة، ولكن احتمالية عمليات برية واستحواذ جغرافي على مواقع ومدن في شمال فلسطين المحتلة أو هضبة الجولان، وأن هذه التطورات الجوهرية على مقياس عسكري وأمني يجعل من الحرب القادمة ليست مجرد جولة محددة زمناً ومكاناً كعادة حروب إسرائيل، لكن حرب مفتوحة يتوفر للمقاومة حال اندلاعها أسباب استمرار ومواصلة استراتيجيها، سواء من ناحية لوجيستية أو من ناحية اتساع مسرح العمليات الجغرافي.

هذه التطورات رأى عسكريون وأمنيون إسرائيليون أن تحالف تل أبيب الحالي مع عواصم عربية لا يكافئها؛ حيث أنه من المفترض أن هذه العواصم العربية ستوفر له غطاء سياسي وإعلامي ودعم بمختلف الأشكال في حربه القادمة، الأمر الذي يرى هؤلاء العسكريين أنه غير كافي، وأن المطلوب مراجعة جذرية لعقيدة إسرائيل العسكرية والأمنية واستراتيجيات “دفاعية” جديدة وكذلك تكتيكات عسكرية يراها خبراء ومسئولون عسكريون إسرائيليون غير ممكنة دون قيادة الولايات المتحدة بنفسها لهذه الحرب، على غرار عمليات واشنطن العسكرية في المنطقة منذ 1990 حتى احتلال العراق، ولا يكفي معها الدعم غير المشروط التقليدي الذي توفره واشنطن لتل أبيب، ولا حتى عملية قصف استراتيجي مثل التي قادتها واشنطن في سوريا والعراق تحت مسمى محاربة داعش، والتي لم تثمر عن إنجاز سوى موطئ قدم، أمام تجذير المقاومة ومحورها لتواجد استراتيجي أسفر عن تفكيك دولة داعش.

حول هذه المعضلة، يقول يائير جولان، الجنرال الإسرائيلي الذي ترك منصبه السابق في هيئة الأركان الإسرائيلية العام الماضي، لتكليف جديد في وزارة الأمن، يضطلع بمهمة حساسة وهامة للغاية هي تطوير العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهي المحرك الأساسي لتوجهات إسرائيل العسكرية والأمنية والسياسية منذ نشأتها، التي لم يجري تطويرها بشكل موسع منذ أن صاغها مؤسسو الكيان من عهد بن جوريون، الأمر الذي ألح في صوغها بناء على معطيات جديدة فرضها العقد الأخير منذ حرب تموز 2006، ومتغيرات ما بعد 2011 حتى داعش وما بعد داعش، التي تبدل فيها الخطر الأكبر على إسرائيل من وجود بيئة معادية من جيرانها العرب، إلى تحييد هؤلاء الجيران بشتى الطرق منذ 1979 مروراً بأوسلو ووادي عربة، وصولاً للمبادرة العربية للسلام والتحالف بين تل أبيب وعواصم عربية مهمة مثل الرياض وأبو ظبي، ما لم ينهى فرص متنامية تهدد استمرار وجود إسرائيل، الممثلة في محور المقاومة، الذي انتقل من مقاومة مدعومة تدافع إلى مقاومة تؤسس لواقع استراتيجي يردع ويوازن القوة الإسرائيلية في مرحلة يعتبرها الكثيرون سابقة لمرحلة بداية المبادرة والمبادأة، بواقع بديهية الدفاع ثم التوازن ثم الهجوم.

ليست جولة عسكرية معتادة

النقطة السابقة شكلت في حد ذاتها محور لتحركات إسرائيل السياسية بعيدة المدى في المنطقة كمحدد لعقيدتها الأمنية وكذا منطلق لبوصلة أهدافها الاستراتيجية الإقليمية، ليس فقط في تعزيز التحالفات  مع دول عربية، ولكن حتى تحديد أولويات المخاطر والتهديدات وكيفية معالجتها، ما يراه عسكريون وأمنيون ذو صلة بأنه غير كافي لمعالجة وتحييد هذه المخاطر، فيقول المعلق العسكري أمنون أبراموفيتش في أعقاب المناورات الأخيرة الإسرائيلية الأخيرة في العام الماضي:”تفاخر رئيس الوزراء المكرر بتطور العلاقات بين إسرائيل ودول عربية كالسعودية والإمارات وكل الدول التي تدور في فلكهم لا تنفي واقع تهديد كبير على حدودنا وسيطول الداخل، وتحييد هذا لا تقوى عليه حدود قدرتنا العسكرية والسياسية حتى بالتحالف مع هذه الدول، العامل الحاسم أولاً وقبل أي شيء أخر عند واشنطن وموسكو، هؤلاء من يستطيعوا أن يبعدوا إيران عن حدودنا”.

فالمناورات الأخيرة التي أجرتها قوات الاحتلال في شمال وشرق فلسطين المحتلة، التي امتدت إلى تطبيق مناورات على الجبهة الداخلية وصولاً إلى سيناريوهات التصدي لتوغل عسكري “معادي” من الشمال أو الشرق، وتأتي المناورات في وقت حرج وحساس فيما يتعلق بتطورات الأوضاع العسكرية والسياسية في المنطقة وتحديداً في سوريا والعراق ولبنان، وارتباط ذلك بخلق واقع جيوستراتيجي جديد مفاده تأسيس وجود مستدام لمحور المقاومة يحيط بفلسطين المحتلة بشكل يشكل تهديد استراتيجي على المستوى الراهن والمتوسط والبعيد على وجود إسرائيل بحسب تصريحات مختلفة لمسئولين إسرائيليين طيلة الأسابيع الماضية، كجزء من مناخ جدال عام في الداخل الإسرائيلي بين مختلف الدوائر السياسية والعسكرية والأمنية، وصل بطبيعة الحال إلى الإعلام، يدور حول ما احتاطت به حكومة نتنياهو أمام المتغيرات الجيوستراتيجية والاستراتيجية الجديدة بعد الإنجازات الميدانية التي حققها محور المقاومة من العراق وحتى لبنان مروراً بسوريا، التي أجهضت أي مخططات من شأنها الحفاظ على مصالح إسرائيل على ضوء تطورات ما بعد 2011، على الجانب الأخر يحاجج نتنياهو بأن العلاقات مع دول عربية وتقويتها لمستوى تحالف تكفي لأن تكافئ وتجابه هذا الخطر الأعظم الذي لا تقدر إسرائيل على مواجهته بتصريحات عسكريين إسرائيليين.

من جهته، يضيف جولان في ندوة نظمها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن “حدود قدرة تل أبيب على مواجهة المتغيرات الاستراتيجية في المنطقة التي تميل لمصلحة إيران محدودة بدون الولايات المتحدة، فالتهديد الإيراني كبير للغاية والتعاون بيننا وبين واشنطن مهم أكثر من أي وقت مضى في سياق هذا المتغير الخطير”، داعياً في الندوة التي حضرها ممثلاً عن وزير الأمن الإسرائيلي، أفيجدور ليبرمان، إلى عدم مساواة تهديد داعش لإسرائيل بتهديد إيران لها، فعلى حد تعبيره “الإيرانيون أكثر خطورة من داعش لأنهم يملكون تقدماً على كل المستويات بشكل بنيوي أكثر من داعش، من حيث قدرة التصنيع والكوادر العلمية والكثير من الشباب الذين يمتلكوا الموهبة في كثير من المجالات، بما في ذلك البنية التحتية الأكاديمية بما يشبهنا بشكل كبير، وبذلك هم أخطر من داعش، وأعتقد أننا لا نستطيع مواجهتهم وحدنا لهذه الأسباب التي تجعل خطرهم ليس أمراً مؤقتاً وظاهرة لها مدى زمني معين ولكن خطر استراتيجي يتطور بقفزات كبيرة إذا ما نظرنا له من زاوية كيفية العمل التي تضطلع بها طهران وحلفائها في المنطقة”.

قرار الحرب لم يعد إسرائيلياً

هنا نجد ولأول مرة أن إسرائيل صارت تتجنب الاشتباك العسكري مع المقاومة، أو بمعنى أخر أن تل أبيب فقدت ميزتي المبادرة والمبادأة بالحرب، وهي الميزة التي ضمنتها تاريخياً بدافع من تحقيق استمرارية وجودها، أو الدعم والرعاية الأمريكية بكافة أشكالها. لأن هذه الحرب القادمة ليست فقط ستنتهي كحروب إسرائيل الأخيرة منذ 2000 بالإخفاق الكلي أو الجزئي، ولكن لاحتمالية أن تتحول هذه الحرب القادمة لما هو أكبر من جولة عسكرية تحدث كل عدة سنوات بمبادرة ومبادأة تل أبيب؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر تصبح فلسطين المحتلة هي خارطة الميدان الحربي لعمليات عسكرية يشتبك فيها جيش الاحتلال على أرضية السيطرة والحيازة وليس الاستباق والاستنزاف.

وحيث أن المستجد برمته يختلف عن ما اعتادت عليه إسرائيل في حروبها الأخيرة، من أن نقطة تفوق المقاومة المتمثلة في عمليات القصف بالصورايخ المختلفة من حيث الكم والكيف والكفاءة، يمكن معالجتها بإجراءات مضادة مثل القبة الحديدية وأخواتها، أو استهداف مرابض الصواريخ وإعاقة خطها اللوجيستي، ولكن ماذا عن إمكانية التدخل البري والسيطرة على أراضي ومواقع جغرافية ومدن بكاملها داخل فلسطين المحتلة، ليس كمغامرة انتحارية، ولكن استناداً على خط تمويل وإمداد لوجيستي مساحته الجغرافية ممتدة من الجبهة في شمال فلسطين أو هضبة الجولان المحتلة وحتى الأراضي الإيرانية، مروراً بلبنان وسوريا والعراق، الأمر الذي تفوق خطورته بكلمات رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين ونائب رئيس الأركان السابق ومسئول تطوير العقيدة الأمنية الحالي يائير جولان، مكتسبات التحالف مع دول عربية على أرضية العدو المشترك المتمثل في المقاومة، وكذلك عجز إسرائيل العسكري بدون واشنطن عن كبح خطورته وتحييده، بسبب أنه لم يصبح خطر محلي في بقعة جغرافية محددة، ولكن امتداداته تشمل اتساع جغرافي ولوجيستي على طول المنطقة، أي باختصار مُخل: أصبحت المقاومة الأن تمتلك ما هو أكثر من معادلة ردع تجاه العدو الصهيوني وحلفائه، فبشكل استراتيجي تمتلك المقاومة الأن ما يمكنها من الانتقال إلى المرحلة الثالثة في استراتيجية التحرير؛ الهجوم والمبادأة والمبادرة، فما معنى أن تصرح إسرائيل على خجل أن 2018 لن يشهد أي نشاط عسكري لجيش الاحتلال، وذلك بموازاة خطاب للدوائر العسكرية والأمنية يضع صانع القرار والرأي العام في الكيان الصهيوني أمام أمر واقع من حيث إمكانيات المقاومة الاستراتيجية الجديدة، التي أجهضت ما كان يؤمل أن تؤثر الأحداث في سوريا والعراق وظاهرة داعش، بل بشكل دقيق ساعدت هذه الظروف على تقويتها وتطويرها.

ما بعد الردع

وعلى الرغم من تحقق السابق جزئياً طيلة الأعوام السابقة لـ2017، ولكنه تحقق دون استقرار أو تمدد وتعميم، لتنتهي استراتيجية تل أبيب الخاصة بإشغال وإنهاك المقاومة في الحرب السورية إلى مجموعات من جبهة النُصرة في الجولان السوري تقوم بدور أقل مما قام به “جيش لحد” في جنوب لبنان منذ منتصف السبعينات وحتى تحرير جنوب لبنان عام 2000، فتأتي التقديرات الأمنية والعسكرية في العامين الجاري والماضي في إسرائيل، لتحمل تغير مهم عن معظم تقديرات الأعوام السابقة في نفس الإطار المتعلق بالتهديدات والمخاطر والفرص التي تواجهها تل أبيب؛ التي حصرت في السنوات الأربعة الماضية المخاطر والتهديدات في المقاومة في مختلف البلدان العربية المجاورة لفلسطين المحتلة، بما فيها سوريا، التي قدرت تل أبيب في بداية الأزمة في 2011 أنها ستكون مقسمه لكيانات يتحالف بعضها مع إسرائيل، ويتم توظيفه كحائط صد مبكر لأي تهديد قادم من سوريا أو لبنان، لكن ما حدث أن المقاومة طورت إمكانياتها على مستوى استراتيجي في كافة الاتجاهات لتحول هذا التهديد إلى فرصة.

أما عن التقديرات الجديدة، التي تصدر عن مختلف الدوائر الأمنية والعسكرية والبحثية في إسرائيل، بخلاف تأكيدها على أن المقاومة هي الأكثر خطورة على وجودية الكيان، لا داعش أو أخواته من التنظيمات التكفيرية الإرهابية، فإنها باتت الأن تتحدث وبشكل صريح ومباشر عن “لا حرب بدون قيادة ومشاركة أمريكية” ضد المقاومة في لبنان وسوريا؛ فبعد عام من بالونات الاختبار والاشتباكات المحدودة لجس النبض والقدرات والجهوزية، يصبح قرار الحرب لأول مرة منذ 1948 في يد خصوم إسرائيل، ويصبح الخيار العسكري– الذي تُرجم في مناورات دفاعية الطابع- ليس فقط الخيار الأسوأ الذي يمكن تجنبه عبر خيارات الحصار الاقتصادي مثلاً وتطويع البيئة العربية عبر تسويات وسلام دافئ أو عبر مجموعات إرهابية تحارب وتشغل المقاومة بدل من جيش الاحتلال، ولكن بمثابة الكابوس الأكثر رعباً الذي يمكن أن يتحقق، الذي يمس حال حدوثه فكرة استمرار تواجد إسرائيل نفسها.

هذا الأمر من زاوية ميدانية عسكرية لم يؤثر في زحزحة المخاطر والتهديدات التي تفرضها المقاومة على إسرائيل، فحتى مع التجريب في أزمة استقالة سعد الحريري، التي رأتها الرياض فرصة لأن تقوم تل أبيب بشن عملية عسكرية على لبنان، يتوفر لها الغطاء السياسي والإعلامي السعودي/العربي، سواء للعجز أو لعدم الثقة أو اختلاف العقلية، وسياسياً يبدو أن هذا التحالف حتى الأن على الرغم من القفزات الواسعة سريعاً فيه في السنوات الأخيرة، وما يبذل بكافة المستويات الاقتصادية والسياسية والجغرافية والاجتماعية والإعلامية، لم يأت أكله بالنسبة لتحقيق توازن يجنب إسرائيل مستقبلاً تحقق كابوسها الأسوأ.

ختام

الأمر لا يشكل قلقاً لدى إسرائيل فقط، وإن كانت تختص بقدر أكبر من حيث البُعد الوجودي وحدية الصراع بينها وبين محور المقاومة، ولكن أيضاً يشكل قلق للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة بمقاييس مختلفة من حيث المصالح والفرص والمخاطر، وتولد عن هذا القلق في الشهور الأخيرة سلسلة من الإجراءات بين التحدي والاستجابة للحيلولة من تحقق واقع جيوستراتيجي جديد يصل بين طهران وبيروت، أي أن لا يكون هناك عائق في شكل دولة أو نظام أو جماعة أو كيان يعطل أن تكون الجغرافيا الواصلة بين العاصمتين خالصة لمحور المقاومة، وانعكاسات ذلك على مستوى لوجيستي يضاعف المخاطر التقليدية على إسرائيل لأمديه غير مسبوقة، ويضعف أيضاً من موقف واشنطن على مقياس إقليمي في تحقيق مصالحها بالشكل الأمثل، فيما يحد من مساعي الرياض– التي وصلت علاقاتها بإسرائيل لمستويات غير مسبوقة– وأبوظبي في التصدي للنفوذ الإقليمي لطهران، بل ويعقد كافة خطواتهم لتحجيم هذا النفوذ سواء بشكل منفرد أو تحت مظلة واشنطن، أو بالتحالف مع إسرائيل، وبالتالي فإن الحرب القادمة على أي جبهة حتى وإن ستحظى فيها إسرائيل بدعم غير مسبوق وغطاء سياسي وإعلامي عربي هو الأول من نوعه من حيث الإعلان والمباشرة، فإنه يتبقى نقطة ضعف جوهرية حاسمة تكمن في بنيوية التعويل على تل أبيب كعامل حاسم في الصراعات الإقليمية، وتعويل الأخيرة بشكل كبير على خارطة تحالفاتها الجديدة بأنها كافية لدحض المخاطر المحيطة بها في هذا الواقع الاستراتيجي الحرج.

وإزاء هذا، يعترف صانعو القرار في إسرائيل بصعوبة بل واستحالة تكرار نموذج الحرب التقليدي بشروطها من حيث المبادرة والتوقيت وميدان المعركة والسقف المكاني والزمني لها، بل ويرى بعض من هؤلاء العسكريين والأمنيين أن العقيدة الأمنية الحالية لإسرائيل لا تجابه المخاطر التي تهددها، والتي لأول مرة تصل إلى حد التهديد الوجودي، وبالتالي فإن قدرات المقاومة التقليدية التي كانت تخشى منها إسرائيل، مثل ترسانة الصواريخ، ليس فقط تم تطويرها كسلاح ردع على مدار السنوات الماضية، ولكن أضحى هناك ما هو أخطر على الكيان الصهيوني من مجرد إلحاق ضرر في عمق جبهته الداخلية، سواء في إمكانية تحييد أوراق قوة إسرائيل العسكرية التي لا تستطيع مجابهة المقاومة في حرب تقليدية، أو في ضرب المقدرات الاستراتيجية والاقتصادية للكيان، مثل غاز المتوسط، الذي أصبح عديم الجدوى الاقتصادية بسبب المنافسة أو التهديد الأمني.

وهذا الأمر يجعل إسرائيل لأول مرة منذ نشأتها أسيرة رد الفعل لا الفعل نفسه، ما يرتبط بتغيرات جذرية في عقيدتها الأمنية والعسكرية وجهوزيتها على مستويات عديدة، أقلها على سبيل المثال استعدادها للاستمرار في حرب قادمة لفترة طويلة تتجاوز كل حروبها السابقة من حيث البُعد الزمني، وكذا البُعد المكاني الذي سيكون ولأول مرة العمق الإسرائيلي مهدد ليس على مستوى إلحاق الضرر ولكن على مستوى وجودي حده الأدنى عمليات برية داخل فلسطين المحتلة، أو قصف أهداف استراتيجية– مثل ديمونة وحاوية الأمونيا في حيفا- يجعل إسرائيل الحديثة القوية المتطورة جزء من الماضي، ويجعل كل ما لديها تجاه هذا التهديد الوجودي، أن تكتفي بالسير وراء خطوات واشنطن التي تطور من استراتيجية حصار المقاومة ومحورها، كبديل عن الصدام العسكري التقليدي المباشر.

إغلاق