أوراق بحثيةدراسات

سيناريوهات المواجهة.. سبل حل مشكلة الندرة المائية في الشرق الأوسط

الوسوم

 

يشكل الأمن المائي تحدياً محورياً أمام تنمية واستقرار منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقياً، وذلك نظراً لندرة المياه نسبياً، وليست هذه هي المعضلة فقط ولكن تمتد إلى نوعية المياه التي تتدنى وتتحول إلى مياه غير صالحة للاستخدام لأسباب متعددة، كما تسري مشكلة المياه على كل المصادر المائية في الوطن العربي فالأنهار العربية الكبرى تنبع من دول غير عربية (دول جوار جغرافي) مثل النيل والفرات ثم تجري وتصب في دول عربية، وهذا يخلق لدول المنبع ميزة جيوبوليتيكية استراتيجية في مواجهة البلدان العربية.

ويتطلب الاستغلال الأمثل للمياه الجوفية إقامة المشروعات اللازمة لهذا الاستغلال بتكنولوجيا متقدمة، وبالتالي يصبح لكل مورد مشكلاته ولهذا تعد المشكلة المائية مشكلة متعددة الأبعاد بالإضافة إلى الحقائق الجغرافية والتاريخية فضلاً عن الاعتبارات التابعة للقانون الدولي، ويمكننا من خلال السطور التالية استعراض كيف يمكن للأمن المائي أن يسهم في رفاهة المنطقة اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً وتحقيق الاستقرار المأمول.

الموارد المائية في المنطقة العربية:

من أبرز موارد المياه هي الأنهار؛ إذ يعد نهر النيل في مصر من أطول الأنهار على الكرة الأرضية وهو مركباً نتج عن اتصال عدد من الأحواض المستقلة بعضها ببعض بأنهار نشأت خلال العصر المطير منذ ما يقرب من 10 آلاف عام.

ويبلغ طول نهر النيل 6825 كم وتبلغ مساحة حوضه نحو 30 ملايين كم مربع، ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقاليم مائية عريضة أو أنواع من الأقاليم، المنبع أو المصدر ويتمثل في هضبة البحيرات والحبشة ثم المجرى أو الممر وهو السودان ثم إقليم الاستقبال وهو مصر.

أما عن نهرا دجلة والفرات؛ فيبلغ طول نهر الفرات من نقطة منابع أطول روافده (مراد صو) وحتى التقائه بنهر دجلة في القرنة 2940 كم وتبلغ مساحة حوضه 388 ألف كم مربع، والجدير بالذكر أن نهر الفرات ينبع من جبال تركيا عند ارتفاع 3000 م أو يزيد فوق مستوى البحر في المنطقة الواقعة بين البحر الأسود وبحيرة فان وهو يتكون من رافدين (مراد صو ) و( قره صو )، ثم يجري في الأراضي التركية ثم السورية ثم العراقية ليلتقي بنهر دجلة مكونين شط العرب الذي يصب في الخليج العربي، ويبلغ المتوسط السنوي لإيراد نهر الفرات عند نقطة الهيث داخل الحدود العراقية 30 مليار متر مكعب.

ونهر الأردن ينبع من أسفل جبل الشيخ حرمون الغربي والجنوبي من ارتفاع 910 أمتار وهو يفيض في الربيع عندما تذوب الثلوج في هذه الجبال، ويبدأ النهر من مياه نهر بانياس (160 مليون متر مكعب) الذي ينبع من سوريا بنهري الدان والحاصباني، ويمكن تقسيم الوادي إلى ثلاثة أقسام ” الأردن الأعلى ويمتد من المنبع حتى سهل الحولة ثم ” الأردن الأوسط” الذي يشمل بحيرة طبريا والجزء الجنوبي حتى يلتقي باليرموك ثم “الأردن الأدنى” بين بحيرة طبريا والبحر الميت.

ويوجد إلى جانب الأنهار الكبرى في المنطقة يوجد أنهار الصغرى مثل نهر “العاصي” الذي ينبع من لبنان ويسير في سوريا ويصب في البحر المتوسط بعد دخوله إلى وادي الإسكندرون، ويقدر الإيراد السنوي للنهر بمليار متر مكعب، وقد أقيمت عليه ثلاثة سدود في سوريا يبلغ تخزينها 500 مليون متر مكعب.

التحديات والحلول المائية في منطقة الشرق الأوسط:

من ضمن التحديات التي تواجه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن المنطقة تعد هي أقل المناطق استعداداً لأزمات المياه وهذا ما يعظم من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، كما أن المنطقة تعاني من ندرة شديدة في المياه على مستوى العالم نتيجة أن سكانها يعيشون على مستوى مرتفع من مستوى سطح المياه مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 22%.

ومن التحديات المائية أيضاً تعقيدات الترابط بين المياه والغذاء والطاقة وتغير المناخ وموجات الجفاف والفيضانات مع إدارة المياه في أوضاع الهشاشة والصراع والعنف، كما يوجد تحدي أساسي من تحديات التنمية التي تواجه المنطقة في اتخاذ الإجراءات اللازمة للسير في مسارات مستدامة نحو الأمن المائي، وذلك في ظل تغير المناخ وتفشي الهشاشة والصراعات بين الدول وبعضها وبطبيعة الحال يمكن أن يفضي الإخفاق في التصدي لهذه التحديات المائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى انتشار أثار سلبية عميقة داخل المنطقة وخارجها أيضاً.

والدول التي تخفق في تحقيق الأمن المائي تضطر إلى أن تتخلى عن نموها الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وتشهد المنطقة أكبر خسائر اقتصادية متوقعه من ندرة المياه المرتبط بالمناخ التي تقدر بنسبة تتراوح من 6 % إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050. ويمكن من خلال الشكل البياني التالي توضيح الآثار الاقتصادية لندرة المياه الناتجة عن تغير المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحلول عام 2050:

المصدر: البنك الدولي 2017.

هذا عن التحديات أما عن الحلول؛ فندرة المياه أصبحت سبباً للقلاقل والصراعات بين دول الجوار بعد الغذاء والنفط ظلت هذه الندرة سمة من سمات المنطقة، فلم تعد الحلول التدريجية كافية ولابد من ابتكار أساليب أخرى للحل والتوجه نحو زيادة إنتاجية المياه مع إنتاج مياه غير تقليدية من خلال إعادة تدوير المياه العادمة أو تحلية المياه مع ظهور تقنيات تشهد تحسناً سريعاً يزيد من الخيارات للأجيال القادمة من إدارة المياه، ولابد من النظر في الأدوات والتقنيات والسياسات ومحاولة مناقشتها بما يتناسب مع الوقت الراهن والمستقبل على حد سواء وضخ استثمارات في البنية التحتية للمياه ونظم المعلومات والمؤسسات والتقنيات.

ولو نظرنا إلى تقارير البنك الدولي لعام 2017 نجد أن إنتاجية المياه الإجمالية في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا لا تساوي نصف المتوسط العالمي تقريباً، وهناك فروق كبيرة في إنتاجية المياه الإجمالية عبر المنطقة، ويشكل قطاع الزراعة حوالي 80%  من استخدام المياه في المنطقة، في حين نجد أن الزراعة تعتبر من أقل القطاعات التي تشارك حالياً في العوائد الاقتصادية عالمياً، أما عن النسبة المئوية للمياه العادمة المجمعة غير المعالجة والمعالجة والمعاد استخدامها في الري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ بلغت نسبة المياه المعالجة المعاد استخدامها 18% أما المعالجة وغير مستخدمة 25% أما عن غير المعالجة 57%.

العلاقات الدولية الدبلوماسية من منظور مائي:

يوجد مجموعة من الاعتبارات التي تسهم في صياغة المشهد المائي في المنطقة العربية والشرق الأوسط على العموم التي تشكل بطبيعة الحال آليات وأنماط للتفاعل بين الدول وبعضها؛ ويمكن ذكر هذه الاعتبارات على النحو التالي:

1- نجد أن هناك تناقض بين الحدود السياسية للدول وبين منابع تدفق الموارد المائية واعتماد 40% من سكان العالم على أنهار مشتركة بين دولتين أو أكثر، ويتجلى هذا الاعتبار في المنطقة العربية خاصة مثل نهر النيل ودجلة والفرات ونهر الأردن؛ حيث أن تلك الأنهار منبعها دولة ومصبها دولة أخرى وهى دول جوار جغرافي بغض النظر عن كونها دول عربية أو غير عربية.

2- الأقطاب المسيطرة على جانبي العالم لها دور كبير جدا في الملف المائي في إطار مصالحها فقط سواء على الصعيد الاقتصادي أو الصعيد السياسي، فعلى سبيل المثال دور الولايات المتحدة الأمريكية في مختلف الشئون المائية في المنطقة العربية خاصة فيما يتعلق بنهر الأردن وكذلك دور الاتحاد السوفيتي ودعمه المالي لمصر في بناء السد العالي على نهر النيل في أسوان وغيره.

3- وجود الكيان الصهيوني في قلب المنطقة العربية؛ حيث أن تضمن المشروع الصهيوني بالطموح في التوسع الاستيطاني والرغبة في الهيمنة في ظل اتجاهات السلام الحالية.

4- احتياج المشروعات المائية إلى استثمارات ضخمة وإمكانيات تقنية عالية الجودة، وهذا يدفع الدول التي ترغب في التقدم إلى طلب الدعم المالي من المؤسسات الدولية مثلما حدث في احتياج مصر لبناء السد العالي.

ملف مصر المائي:

تقع مصر تحت خط الفقر المائي ومن المتوقع أن يعمق سد النهضة من هذه الندرة، فمع وجود مصر تحت خط الفقر المائي خاصة بعد بناء سد النهضة، والتوقعات المستقبلية بتزايد العجز في مواردها المائية فلابد من محاولة حل المعضلة المائية بمحاولة ترشيد الاستهلاك المائي خاصة في حالة وجود ندرة مائية في المناطق الجافة غير المطيرة في المساحات الصحراوية الغربية والشرقية لمصر.

وتؤكد السياسة المصرية فيما يتعلق بمياه النيل الحقوق المكتسبة لمصر في مياهه والحصول على نصيب معقول من أي إيرادات إضافية ناتجة عن تقليل المفقود  من المنابع كما أن لها الحق في المشاركة مع أي دولة من دول الجوار فيما يخص الشروع في أي ترتيبات من شأنها أن تؤثر على أمنها المائي الحالي أو المستقبلي.

وتكمن البدائل المطروحة لتجاوز فجوة الموارد المائية فيما يلي:

هناك العديد من البدائل المطروحة لسد الفجوة بين المعروض من الموارد المائية والطلب عليها أي الموارد المائية المتاحة والاحتياجات الفعلية للمستهلكين وتقع هذه البدائل ضمن 3 أطر أساسية وهى:

 ترشيد استهلاك الموارد المائية المتاحة وتقليل المفقود منها بشتى الوسائل وذلك عن طريق:

 رفع كفاءة وصيانة وتطوير شبكات نقل وتوزيع المياه وتبنى التقنيات الحديثة لتخزين المياه لوقف النزيف المائي.

 رفع كفاءة ري الحقول ومحاولة تسوية الارض بالإمكانيات المتطورة ما يزيد من كفاءة الري الحقلي بين 70 – 75%.

 تغيير التركيب المحصولي ودراسة الاحتياجات المائية للمحاصيل المختلفة دون إهدار للمياه على سبيل المثال يستخدم في مصر قرابة 18.5 مليار متر مكعب سنوياً من إجمالي موارد مائية قدرها 55.5% مليار متر مكعب لزراعة قصب السكر سنوياً

 تطوير نظم الري حيث أن المتبع هو الري بالغمر باستخدام الأحواض وهى طريقة مسرفة للموارد المائية وذات كفاءه منخفضة لتبخر المياه ومن الممكن استخدام طرق حديثة في توزيع المياه من الانابيب ذات بوابات ضيقة.

 تنمية الموارد المائية المتاحة عن طريق مشروعات السدود والخزانات أو تقليل المفقود من التبخر من أسطح الخزانات والمجاري المائية, فبالنسبة لنهر النيل  وجد أنه بعد خروجه من منابعه يمر بمناطق جنوبي السودان يتحول فيها إلى مسطح مائي ضحل واسع الانتشار يشتد فيه التبخر ومن ثم بدأ حفر نفق مستقيم تسمى بقناة جونجلي لاختصار الطريق المتعوج لمدرى النيل. فهل يمكن لمصر أن تبدأ مباحثات جديدة تمكنها من استكمال مشروع قناة جنوجلي الذي توقف قُبيل انفصال جنوب السودان؟

إضافة موارد مائية جديد سواء كانت تقليدية كالمياه السطحية والمياه الجوفية أو موارد غير تقليدية اصطناعية كإعادة استخدام مياه الصرف أو تحلية المياه.

وفي النهاية؛ إننا في حاجة إلى تجاوز الأزمة سواء على مستوي مصر أو على مستوي الشرق الأوسط بأكمله نتيجة وجود ترابط قوي بين دول الجوار الجغرافي لإعادة تركيب حقائق الموقف المائي ومحدداته وبدائله بغرض الوصول الى صورة واضحة لأزمة المياه في أبعادها المختلفة ومحاولة سد الفجوة بين المعروض المائي والطلب عليها وطرح صور بديلة يصب في مجرى عملية التنمية المستقلة الشاملة.

 

——————————————————————————————————————–

المراجع :

  1. تنمية وترشيد استخدامات المياه في مصر، سلسلة قضايا التخطيط والتنمية رقم 282، معد التخديد القومي، 2017.
  2. ما بعد ندرى المياه الأمن المائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تقرير عن التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مجموعة البنك الدولي، 2016.
  3. رمزي سلامة، مشكلة المياه في الوطن العربي احتمالات الصراع والتسوية، منشأة المعرف بالإسكندرية 2001.
  4. سامر مخيمر وخالد حجازي، أزمة المياه في المنطقة العربية الحقائق والبدائل الممكنة، عالم المعرفة، 1996.
  5. مي غيث، أزمة سد النهضة والأمن المائي المصري، المركز العربي للبحوث والدراسات، الأحد 29 ديسمبر 2013، رابط إلكتروني http://www.acrseg.org/2240/bcrawl
  6. سلمان القلاف، الأمن المائي المصري، موقع الشاهد، الاثنين 26 مايو 2014، رابط إلكتروني https://goo.gl/6JLBfd
  7. صبحي على قنصورة، المطالب الإثيوبية في مياه النيل وأثرها على الأمن المائي المصري، قسم السياسة والاقتصاد، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، رابط إلكتروني https://goo.gl/N7jaUD
  8. مجموعة من الخبراء والأكاديميين، الأمن المائي في حوض النيل اشكاليات التنمية والاستقرار، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2012، رابط إلكتروني https://goo.gl/CMRyhB
إغلاق