أوراق بحثيةتقارير

مسارات حذرة.. هل تدفع السياسات التقشفية المنطقة العربية لثورات جديدة؟

الوسوم

اقرأ في هذا المقال

  •  في ظل الاستمرار  في تنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي التي تحمل أعباء إضافية على المواطن العربي ذو الدخل منخفض و المساس بالسلع الاستراتيجية قد يكون هناك ثورة آخري، وعلى الرغم من تراجع الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ودخول لاعبين جدد، إلا أن أمريكا ستظل المتحكم في سياسات الدول العربية من قبل المؤسسات المالية ( البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)

شهدت المنطقة العربية العديد من التطورات الاقتصادية خلال عام 2017 كانت تحمل في طياتها عبئًا على المواطن العربي، فقد واجه  زيادة  في الضرائب والرسوم من ناحية، وانخفاض القوة الشرائية من ناحية أخرى، علاوة على تراجع معدل النمو الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليصل لنحو 1.8% في عام 2017 بعد أن كانت 5% في العام السابق 2016 بانخفاض يصل إلى 3.2%..

وتمر المنطقة العربية بداية من عام 2018 بضغوطات مالية ما انعكس على ما أقرته حكومات الدول العربية في موازنة 2018 التي تحمل المزيد من السياسات التقشفية، لذا لجأت الشعوب العربية للخروج للاحتجاج على التبعية الاقتصادية للحكومات العربية لسياسات صندوق النقد الدولي، وهي شروط تُقدم للدول النامية التي تمر بأزمات مالية لتحفز النمو الاقتصادي تحت ما يسمى “برامج الإصلاح الاقتصادي”،  وتتطبق هذه السياسات على الدول دون مُراعاة اختلاف اقتصاد دولة عن الأخرى مقابل الحصول على قروض، ولكن المواطن من يتحمل فاتورة إملاءات الصندوق.

هذا، وبمرور سبعة أعوام على الثورات العربية التي سُميت ” بالربيع العربي”،  تتصاعد حركات الاحتجاج في عدد من دول العربية  منها (السودان وتونس والجزائر والمغرب) اعتراضًا على السياسات التقشفية التي تتبعها الدولة، وأعلنت الحكومات العربية سلسلة من القرارات التي من شأنها زيادة حجم الإيرادات العامة لتخفيض نسبة العجز على حساب المواطن، من خلال إطلاق سلسلة من الضرائب منها ضريبة القيمة المضافة والضريبة الانتقائية وضريبة المبيعات، بالإضافة إلى ترشيد حجم النفقات العامة، بجانب تعويم العملات المحلية مقابل الدولار، وتقليص الدعم وتعديل أجور القطاع العام وسياسات تستهدف خفض توظيف في القطاع العام وفرض التقاعد المُبكر وفقًا لشروط صندوق النقد الدولي، والمساس بدعم الخبز ما دفع الشعب السوداني للخروج إلى الشوارع اعتراضًا على رفع سعر رغيف الخبز، وخروج الشعب التونسي رافضًا لقانون المالية الجديد لعام 2018، وتُشكل تلك التظاهرات الاحتجاجية اعتراضًا على الأحوال المعيشية ولم تكن تحمل في طياتها رفض للنظام السياسي كما كان من قبل، ولكن هل  تتحمل المنطقة العربية ثورة جديدة في ظل تهالكها لما شهادته طيلة الأعوام السابقة، على الرغم من رفع توقعات البنك الدولي لمعدل نمو اقتصاديات المنطقة العربية إلى 3% في 2018؟

تونس.. وقانون المالية الجديد:        

في الذكرى السابعة لثورات الربيع العربي التي انطلقت عام 2011 وكانت بدايتها ثورة تونس التي أُطلق عليها “ثورة الياسمين”، تشوب في اليوم الثامن من يناير احتجاجات مرة أخرى في 12 مدينة في جميع أنحاء تونس، ردًا على قانون المالية الجديد لعام 2018 الذي يتضمن؛ زيادة في أسعار الوقود والمنتجات وزيادات في الضرائب، ولكن إلى أين تسير تونس بعد 7  أعوام من “ثورة الياسمين”؟ 

لم تكن تظاهرات 2011 هي الأولى من نوعها، فقد شهدت تونس احتجاجات وتحركات شبابية وطلابية  منذ نحو 50 سنة، وكانت الشعارات المرفوعة تطالب بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية من جهة، ودعوات إلى تغير النظام من جهة ثانية، وبلغت تلك الاحتجاجات درجة قصوى من العنف والتصعيد ضمن ما عرف بثورات الطلبة ونقابات العمال في عقدي السبعينات والثمانيات من القرن الماضي، وفى عام 1984 حدثت “ثورة الخبز”، وبلغت ذروة الاضطرابات التي أدت إلى سقوط حكم زين العابدين في مطلع يناير 2011، وشهد أيضًا في شتاء عام 2016 وفى ربيع عام 2017 احتجاجات مماثلة لما يحدث في الوقت الحالي، وكانت نتيجة الاحباطات العميقة من انعدام فرص العمل والتهميش المستمر للمجتمعات المحلية في تونس ولكنها ظلت تلك الاحتجاجات محصورة في أماكن معينة، وهى تختلف عن الاحتجاجات الحالية التي امتدت إلى مناطق داخل العاصمة وحولها.

قد يكون الدافع الرئيسي للاحتجاجات اليوم هو ذاته الدافع لاحتجاجات 2011، إلا أنه في عام 2011 كان الأمل هو تغيير في النظام السياسي قد يدفع إلى تحسين الأحوال المعيشية، ولكن هذا الأمل لم يعد، إلا أن النجاح النسبي الذي حققته تونس في منطقة مضطربة قد يكون معرضًا للانهيار في ظل المظالم الاقتصادية وعد الإنصات إلى الشباب.

تونس .. والتبعية الاقتصادية لسياسات صندوق النقد الدولي:

تعتبر المظالم الاقتصادية كانت محركًا هامًا في اضطرابات الوطن العربي، ولكن كان أداء الاقتصاد الكلي في تونس إيجابي في مُجمله، حيث كان معدل نمو اقتصاديات دول شمال إفريقيا( تونس، الجزائر، ليبيا، المغرب)  يتراوح بين (4-4.5%) سنويًا قبل الثورة بخمس سنوات، وبلغ إجمالي الناتج المحلي التونسي نموًا 36%، وانخفض نسبة السكان الذين يعيشون بدخل يقل عن 1.90 دولار في اليوم إلى الثلث، علاوة على انخفاض نسبة الوفيات إلى الربع.

وعلى الرغم من ذلك، اتسم هذا النمو الاقتصادي بافتقار الشمول وأوجه القصور في الاقتصاد التونسي، كما كان الحال في الاقتصاد المصري حيث وصل معدل النمو قبل ثورة يناير2011 إلى 7%، لكنه لم يشعر أحد بهذا النمو، لذا اندلعت الاحتجاجات.

وعانت تونس من معدلات البطالة؛ حيث هناك عاطل واحد ضمن كل ثمانية تونسيين، ويشكل الشباب شريحة كبرى من نسبة العاطلين، بما يعادل 30% من التونسيين ما بين 15 و24 سنة يعانون من البطالة، كما عانت تونس من الفساد السياسي وسيطرة النخبة التي تشكل 10% من السكان  على ما يزيد عن 27% من الدخل القومي.

بدأت تونس تخضع لسياسات صندوق النقد الدولي  وفرض التقشف منذ ثورة يناير 2011، حيث كانت الحكومات والمؤسسات الغربية تبحث عن طريق لمنع التشكيك في النموذج الليبرالي الجديد، لذا لجأت إلى عقد شراكة دوفيل مع الدول العربية التي كانت تخوض مرحلة انتقالية، وهى شراكة أطلقتها مجموعة دول الثمان الصناعية وتركيا ودول الخليج العربي في اجتماع قادتها في دوفيل  في فرنسا عام 2011 من أجل مساندة دول العالم العربي نحو إقامة “مجتمعات حرة وديموقراطية ومتسامحة”.

هذا، بجانب مساعدة المؤسسات المالية المتمثلة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكانت الدول العربية هي” مصر، تونس، الأردن واليمن”، وبلغت  قيمة المساعدات المالية لدول الربيع العربي 40 مليار دولار، بدءًا من مصر وتونس، واعتمدت الشراكة على أساسين؛ الأول هو عملية سياسية تدعم التحول الديموقراطي وتعزز الإصلاحات الحكومية، خاصة مكافحة الفساد وتقوية المؤسسات الضرورية لضمان حكومة شفافة وخاضعة للمساءلة، أما الأساس الثاني فهو إطار اقتصادي لنمو مستدام وشامل، وهنا بدأ تونس تتبع سياسات التقشفية من الداخل وسياسة الليبرالية المفتوحة من الخارج تبعًا لسياسات كلًا من “البنك الدولي وصندوق النقد الدولي” تحت مسمى “الإصلاح الاقتصادي”.

البطالة:

وفى هذا السياق لم تحقق الثورة مردودها، وظل المواطن يتحمل العبء الأكبر من ثمن التقشف والإصلاح، فقد مرت معدلات البطالة في تونس بعدة ارتفاعات سجلت ( 15% على المستوى الوطني و30% بين خريجي الجامعات)، وبلغت ذروتها في نهاية عام2011  لتسجل 18.9%، ثم اخذت تتراجع إلى أن وصلت 15.3% في نهاية الربع الثالث من عام 2017 مقارنة بنهاية عام 2010 آي قبل اندلاع الثورة والذي سجل فيه معدل البطالة نحو 13% بارتفاع قدره 2.3%، وتساهم بطالة الشباب في جعل تونس الدولة الرئيسية في بناء جماعات متطرفة في المنطقة.

السياحة:

تدهور نشاط قطاع السياحة، وهو القطاع الذي يوظف 6% من العمالة في تونس، لذا لجأ الكثير من سكان مناطق جنوب ووسط تونس إلى السوق غير الرسمي للعمل من أجل الحصول على دخل للمعيشة، ويشكل الاقتصاد غير الرسمي في تونس من 40% إلى 60% من إجمالي الاقتصاد، وبلغت إيرادات السياحة في عام 2011 نحو 2.4 مليار دينار، ثم أخذت في الارتفاع حتى وصلت إلى 3.6 مليار دينار في عام 2014، إلى أن تراجعت جراء الهجومين الإرهابيين في عام 2015 إلى 2.4 مليار دينار، وارتفعت عائدات قطاع السياحة بنسبة 16.3% نهاية عام 2017.

 ما انعكس على قيمة الدينار التونسي؛ حيث انخفضت قيمة الدينار بنحو 1.05 دينار، حيث سجل 1.43 دينار نهاية يناير2011 مقارنة بنهاية عام 2017 بلغ 2.48 دينار، ويرجع ذلك لتراجع احتياطي الدولة من العملة الأجنبية، ليسجل معدل التضخم 6.4% بنهاية عام 2017. 

عجز الموازنة:

 وفي عام 2016، منح صندوق النقد الدولي خط قروض بقيمة 2.8 مليار دولار على أربع سنوات من أجل إعادة هيكلة الاقتصاد التونسي، ومن أجل تعزيز دور القطاع الخاص بشكل يساعد على التحول إلى اقتصاد ليبرالي،  شرطًا خفض عجز الميزانية والعجز التجاري، وسجل عجز الميزانية العامة في نهاية 2011 نسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنهاية 2017 فبلغت نسبة العجز نحو 6.1% من الناتج.

الدين العام:

سجل حجم الدين العام للدولة 67.8 مليار دينار تونسي في نهاية 2017، مقابل 25.6 دينار في عام 2011، آي بنسبة 69.7% من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن سجلت نسبتها 40% من الناتج بنهاية عام2010، وقد واجهت الحكومة التونسية صعوبات في تسديد 6 مليار دينار تونسي من الديون الخارجية المستحقة خلال عام 2016، لذا صادق البرلمان التونسي خلال الـ 6 أشهر الأخيرة من عام 2017 على 19 قرضًا خارجيًا لكي تسدد ديونها ما تفاقم من نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي.

معدلات النمو:

شهد معدلات النمو عدة مراحل من تصاعد إلى انخفاض بداية من عام 2010، حيث بلغ معدل النمو نحو 3%، لكنه سجل انكماشًا في عام 2011 ليصل إلى 1.9%، ثم عاود التصاعد مرة أخرى ليسجل 3.9%، ثم انخفض ليصل إلى 0.8% في عام 2015، وانتهى في عام 2017 ليسجل 2%.

أزمة قانون المالية الجديد:

على غرار ذلك، بدأت الحكومة التونسية في زيادة العبء على المواطن، لتفرض قانون المالية الجديد الذي يحمل مزيد من السياسات التقشفية، تنفيذًا لسياسات صندوق النقد الدولي الذي وافق على إرسال شريحة متأخرة من هذا القرض بقيمة 320 مليون دولار، بشرط تقليص دعم الوقود وسلع أساسية بشكل يزيد في تراجع مستوى الأحوال المعيشية للتونسيين، بالإضافة إلى زيادة الضرائب على خدمات الأساسية، حيث تستهدف زيادة إيرادات عامة، ولكن كيف لها تحصل على تلك الضرائب في ظل وجود فساد في أجهزة الدولة وغياب البيانات الفعلية عن أرباح الشركات.

وتستهدف الحكومة التونسية خلال موازنة 2018 أن يتراجع العجز إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يتوقع صندوق النقد أن يصل معدل نمو 3% خلال عام 2018، ولكن يتحقق ذلك وفقًا لتعليمات الصندوق إذا قامت الحكومة التونسية بتخفيض حجم العمالة في القطاع العام الذي يعتبر أزمة متنامية منذ عام 2012.

وفى هذا الصدد، بلغ عدد موظفي القطاع العام في تونس أكثر من 690 ألف موظف خلال عام2017، بعد أن كان لا يتجاوز نحو 445 ألف موظف في عام 2011.

وطالب صندوق النقد الدولي الحكومة التونسية خلال جلسات التفاوض  للحصول على حزمة من القروض، بتخفيض عدد الموظفين من 630 ألف موظف إلى 500 ألف موظف، والحد من حجم الأجور من 14% إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي، وقُدر حجم الأجور خلال العام الماضي 13.7 مليار دينار في حين أنه لم يتجاوز 7.68 مليار دينار عام 2011، آي زادت بقرابة 100%.

 وأعدت الحكومة التونسية استراتيجية خاصة بإصلاح القطاع العام من خلال الامتناع عن الانتدابات في القطاع العام خلال سنتي 2017 و2018 إلى جانب إقرار برامج مغادرة لنحو 25 ألف موظف، ومنح المغادرين للقطاع العام امتيازات وتسهيلات للحصول على قروض من البنوك للقيام بمشروعات خاصة بالنسبة للشريحة العمرية المتراوحة بين 57 و60 سنة.

وتراجعت الحكومة التونسية عن مخططها لرفع سعر الخبز، حيث حذرت اتحاد الشغل من الغضب الشعبي اتجاه رفع أسعار الاغذية الأساسية، فقررت رفع الدعم عن الوقود في موازنة عام 2018، وخصصت في مشروع الموازنة الجديد 3.5 مليار دينار لنفقات الدعم وهو يعتبر المبلغ المُقدر نفسه للدعم خلال 2017، ولكنها ستضطر لمراجعة أسعار بعض السلع والخدمات المدعمة لكبح الزيادة في نفقات الدعم خلال السنة المقبلة لتقليل من حجم العجز في الموازنة لكي تحصل على باقي الشرائح من قرض صندوق النقد الدولي.

يظل الاقتصاد التونسي في حلقة شبه مفرغة، فلم تدر الأموال الأجنبية والمحلية نحو الاستثمار في السوق التونسي في ظل استمرار هذا الوضع، ويمكن أن تدر هذه الأموال نحو قطاعات البنية التحتية، ويمكن أن تعيد تونس حساباتها من المساعدات التي تقدمها كلًا من الاتحاد الأوروبي بشكل عام وألمانيا بشكل خاص بعشرات الملايين من اليورو سنويًا، التي تخدم المصالح الأمنية والسياسة أكثر مما تخدم تحفيز الاقتصاد، أما معوقات اتفاق الشراكة الاقتصادية الأوروبية التونسية لم تؤت أي مكسب، حيث أنه لا يسمح للمزارعين والصناعيين التونسيين تصدير منتجاتهم إلى السوق الأوروبية دون رسوم وعوائق جمركية، لذا لابد من نقل العلاقات التونسية الأوروبية إلى مستوى شراكة يقوم على تدفق الاستثمارات وفتح السوق الأوروبية أمام المنتج التونسي.

 ومن المشهد السياسي؛ أصبح هناك فقدان ثقة من قبل الشعب التونسي في الحكومة، ما ينعكس على تفاعلهم في العملية السياسية، لذا يتطلب من القيادات السياسية في تونس جذب قطاعات هامة من الشعب مثل الشباب من أجل المشاركة في العملية الانتخابية عبر التصويت بأعداد كبيرة في انتخابات البلدية خلال العام الحال؛ التي  تكرر تأجليها عدة مرات، ويمكن للساسة المحليين أن تتعامل مع هذه المشكلات من خلال الإدماج المخطط للشباب في الحملات الانتخابية، وقد يساهم هذا في حل أزمة بطالة الشباب، ما ينعكس بالفعل في الانتخابات الرئاسية القادمة خلال عام 2019 ما يجعل الإقبال على الانتخابات وانعكاس هذا التفاعل على استطلاعات الرأي التي أظهرت أراء الشعب التونسي حول تراجع الاقتصاد التونسي خلال العام الماضي.

السودان.. انتفاضة الخبز:

تزامنًا مع خروج الشعب التونسي في احتجاجات رافضة لقانون المالية الجديد، خرج الشعب السوداني اعتراضًا على الموازنة الجديدة لعام 2018، التي تحمل الشعب السوداني أعباء جديدة، ويمر الاقتصاد السوداني بعدة عقبات؛ منها انفصال جنوب السودان منذ عام 2011، ما أدى إلى فقدان الاقتصاد السوداني 75% من إنتاج النفط، الذي يعتبر المصدر الرئيسي للعملة الصعبة والدخل الحكومي وقد يكون فرصة لمعالجة مشكلات هيكلية في الاقتصاد السوداني، هذا بجانب العقوبات الأمريكية التي استمرت قرابة 20 عامًا، وتم رفعها منذ 3 أشهر، ولكن لاتزال البنوك العالمية تتحفظ في التعامل مع المصارف السودانية حتى بعد رفع العقوبات الأمريكية.

قبل اعتماد الحكومة السودانية لموازنة العام الجديد، طالبت من صندوق النقد الدولي أن يساهم في إعفاء ديونها الخارجية، بتقديم الدعم لميزان المدفوعات للسودان، ثم تم إقرار الموازنة الجديدة لتحمل سياسات تقشفية للمواطن السوداني وفقًا لإملاءات صندوق النقد، وتخفض قيمة الجنية السوداني في مطلع  العام الجديد إلى 18 جنيهًا للدولار الأميركي الواحد مقارنة بـ 6.9 جنيه في السابق، وذلك ردًا على اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي( السوق السوداء)، ما شجع على الاستيراد من الخارج، وبالتالي انعكس على معدل التضخم  ليصل إلى 34.6% في عام 2017، و تهدف إلى احتواء معدلات التضخم في حدود 19.5% في الموازنة الجديدة، ولكنها ستمر السودان بموجة تضخمية خاصة بعد تعويم قيمة الجنية السوداني.

كما تضمنت موازنة عام 2018 رفع الدولار الجمركي إلى 18 جنيهًا بعد ما كان ثابت عند 6.7 جنيه سوداني، وبالتالي سينعكس ذلك على أسعار السلع المستوردة من الخارج.

وتستهدف الحكومة السودانية تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4% مقارنة بنسبة 4.6% في عام 2016، بعد أن وصل إلى 4.9 % عام 2015، وبلغت نفقات الموازنة الجديدة نحو 173 مليار جنيه، بينما بلغت إيرادات الموازنة نحو 144.6 مليار جنيه سوداني، بعجز قيمته 28.4 مليار جنيه، ويشكل 2.4% من إجمالي النتاج المحلي، وتشمل تلك الإصلاحات على مراجعة تعريفة الكهرباء بعد تقليص الدعم عن الوقود وعن سلع أساسية ما دفع إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تصل إلى 100%.

علاوًة على ذلك،  تسعى في الموازنة الجديدة إلى رفع معدل الصادرات صادرات من 3.9 مليار دولار إلى 6.1 مليار دولار، وفى ظل سعى السودان إلى إقامة تحالفات مع دول الإقليم ومع المؤسسات المالية، حيث تعلم السودان عدم قدراتها وحدها على محل مشكلاتها الداخلية والخارجية لذا تُقيم تحالفات لجذب استثمارات لها وكان آخرها هو إعطاء جزيرة سواكن لتركيا، وتستعين الحكومة السودانية بمستثمرين أجانب؛ وهم مستثمرين أتراك، لإدخالهم في تحالفات مع القطاع الخاص السوداني لتنفيذ الأهداف الاقتصادية للبلاد التي أقرها البرلمان في موازنة 2018.

وعلى هذا السياق، اندلعت الاحتجاجات في أنحاء السودان اعتراضًا على رفع سعر رغيف الخبز بنسبة 100% لتصل قيمته إلى 1 جنيه سوداني، ويرجع ذلك بعد قرار الحكومة بتوقف عن استيراد القمح بعد أن كانت “سلة الحبوب” في الوطن العربي، على أن يتحمل القطاع الخاص مسئولية استيراد القمح من الخارج، ما أدى إلى رفع المطاحن سعر كيس دقيق القمح زنة 50 كيلو جرام من 170 جنيه سوداني( 24.2 دولار) إلى 440 جنيهًا ( 65 دولار). 

ويرجع ذلك إلى أن الحكومة السودانية ترى أن هناك فارق كبير بين سعر جوال القمح المُدعوم نحو 7.5 دولار في حين يبلغ سعره في أسواق عالمية نحو 30 دولارًا، ما يساعد على تهربيه وإهدار المال العام، واستوردت السودان مليوني طن من القمح عام 2017، بينما بلغ حجم الإنتاج المحلي من القمح نحو 445 ألف طن.

الأردن.. الدعم في الموازنة الجديدة:

في عام 1989، انطلقت مظاهرات في جنوب الأردن أطلقت عليها ” هبة نيسان” وكان السبب آنذاك ما تعيشه البلاد من ظروف اقتصادية صعبة، وأدت المظاهرات إلى إقالة الحكومة، لتعاود مرة أخرى أزمة الخبز.

لجأت الأردن إلى صندوق النقد عام 2012، بعد أن تفاقمت أزمته المالية، ودعا الصندوق إلى ترشيد نفقات الدعم التي تلتهم ربع نفقات الموازنة، فاتجهت لرفع أسعار الوقود مع تقديم التحويلات النقدية للمواطنين، وقُوبلت إجراءات رفع الوقود باحتجاجات اجتماعية في بداية تطبيقها، وفى عام 2016 حصلت الأردن على موافقة من صندوق النقد على برنامج تمويلي مدته 3 سنوات بقيمة 723 مليون دولار واستهدف البرنامج تخفيض الدين العام.

 وفى عام 2017 أخذت الحكومة قرار زيادة في أسعار المشتقات النفطية والمشتقات الأساسية، ومضاعفة رسوم تجديد جواز السفر، وإلغاء الإعفاءات عن السلع باستثناء المواد الغذائية الأساسية والأدوية.

 على الرغم  أن دعم الخبز في الأردن يكلف الدولة نحو 200 مليون دينار لضمان استمرار أسعار الخبز عند مستوى 16 قرشًا، إلا أن صندوق النقد كان لا يوصي برفع الدعم، ولكن قرر البرلمان الأردني رفع الدعم وفى المقابل تعوض المواطنين بالدعم النقدي بدلًا منه، وتعتزم الأردن رفع الدعم عن الخبز خلال 2018، لتتراوح  الزيادة بين 60- 100%.

هذا، وخصصت الأردن في موازنة  2018 قيمة الدعم ليصل إلى 171 مليون دينار للإنفاق على الدعم النقدي، على أن تصل قيمة الدعم  لكل فرد مستحق نحو 32 دينارًا، على أن يستهدف الدعم الأسر التي لا يزيد إجمالي دخلها على 12 ألف دينار سنويًا و 6 آلاف دينار بالنسبة للفرد، وأن لا تمتلك أصول خاصة بقيمة 300 ألف دينار أردني.

ووصل سعر القمح بعد إلغاء الدعم إلى نحو 229 دينارًا للطن، ويُقدر استهلاك الفرد من الخبز نحو 90 كيلو جرام سنويًا، ويصل معدل الاستهلاك السنوي من القمح في الأردن نحو 960 ألف طن، ما يعادل 80 ألف طن شهريًا.

وتطلع الأردن إلى الوصول بمعدل التضخم إلى 1.5 %، بعد أن شهد العام السابق تذبذب في معدل التضخم السنوي بين أقل من 1% و4.6%.

وقُدرت الإيرادات في الموازنة الجديدة لتبلغ 8.496 مليار دينار تنقسم إلى؛ 7.796 مليار دينار للإيرادات المحلية و 700 مليون دينار للمنح الخارجية.

وعلى صعيد هذا، تتجه الحكومة الأردنية لزيادة ضريبة المبيعات على عدد من السلع والمنتجات لتبلغ 10%، لكى تستهدف عائدات من تلك الضريبة تصل إلى 100 مليون دينار سنويًا ، وبدأت الأردن في تطبيق ضريبة المبيعات منذ عام 1996 بنسبة 7%، وهى تُشكل 61% من إجمالي الإيرادات الضريبية.

المغرب والتعويم التدريجي للدرهم:

بدأ الحديث عن اتخاذ خطوة تعويم الدرهم في أواخر 2016، وذلك بإعلان البنك المركزي المغربي أم المراحل الأولى من الانتقال التدريجي من مرحلة القيود المفروضة على العملة إلى سعر صرف مرن على أن تُنفذ في النصف الثاني من عام 2017، ولكن كان هناك تخاوف من إعادة ما حدث في العملة المصرية التي لاقت انخفاضًا كبيرًا أمام الدولار ما انعكس على ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، ووفقًا أيضًا لتعليمات صندوق النقد الدولي بدأت المغرب تطبيق سعر الصرف المرن داخل نطاق تقلب بنسبة بين +2.5% و -2.5%، حتى تجذب الاستثمارات الأجنبية، علاوًة على تقوية مناعة الاقتصاد الوطني إزاء الصدمات الخارجية ودعم تنافسيته وتحسين مستوى نموه والانفتاح والاندماج في الاقتصاد العالمي، وخفض البنك المركزي الوزن النسبي لليورو في سعر الصرف من 80% إلى 60%، فيما رفعت الوزن النسبي للدولار الأميركي من 20% إلى 40%.

ولن تخلو الدول الغنية بالنفط من المظاهرات، ومنها الجزائر؛ حيث قررت الحكومة الجزائرية منع استيراد 851 منتجًا بهدف توسيع أصناف المواد الممنوعة من الاستيراد، لتخفيف قيمة استيرادها  من الموازنة التي بلغت 1.5 مليار دولار  في عام 2017، وانعكست آثار المنع في ندرة كبيرة في مواد استهلاكية، ما دفع المنتجين إلى رفع الأسعار.

كما لم تسلم أكبر اقتصادات منطقة الخليج من سياسات صندوق النقد الدولي، حيث تعتبر الدول الخليجية منطقة شبة منعدمة لتطبيق الضرائب عالميًا، حيث قامت كلًا من السعودية والأمارات بتطبيق القيمة المضافة( وهى ضريبة غير مباشرة تُفرض على جميع السلع والخدمات ويدفع هذه الضريبة المستهلك النهائي) في مطلع العام الجديد البالغة نسبتها 5%  على مجموعة من السلع والخدمات، في خطوة تهدف لزيادة إيرادات موازنة كلًا من الدولتين خاصة بعد تذبذب أسعار النفط.

ومن المتوقع أن تجني الأمارات من عائدات فرض الضريبة في عامها الأول من تطبيقها بين 2.7 و3.26 مليار دولار.

في حين توقعت السعودية أن تحقق مكاسب من فرض الضريبة في عام 2018 نحو 6.13 مليار دولار، علاوة على قرار الحكومة السعودية بتعديل لزيادة  أسعار الوقود والكهرباء.

وقامت السعودية تعويضًا عن الزيادة في الأسعار بصرف بدل غلاء المعيشة للمتقاعدين، وبلغت قيمتها 500 ريال لكل مستفيد من متقاعدين على المعاش.

ويحمل عام 2018، لمصر سياسات تكميلية للتي تم تنفيذها خلال العام الماضي تتضمن ارتفاع في سعر الوقود، وارتفاع في قيمة  فاتورة الخدمات الأساسية( الكهرباء والمياه) وهى إجراءات مفروضة من قبل صندوق النقد الدولي.

 وختامًا: في الأعوام السابقة شهد الوطن العربي الكثير من الاضطرابات والتراجع في حجم اقتصاديات الدول العربية وتفاقم حجم الديون للمؤسسات المالية الخارجية، وقد لا تتحمل المنطقة العربية حدوث احتجاجات مرة أخرى مثل ما حدث من قبل، ولكن في ظل الاستمرار  في تنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي التي تحمل أعباء إضافية على المواطن العربي ذو الدخل منخفض و المساس بالسلع الاستراتيجية قد يكون هناك ثورة آخري، وعلى الرغم من تراجع الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ودخول لاعبين جدد، إلا أن أمريكا ستظل المتحكم في سياسات الدول العربية من قبل المؤسسات المالية ( البنك الدولي وصندوق النقد الدولي).

 

المصدر
1- أندريا تايلور وإليسا ميلر، "سبع سنوات على الربيع التونسي.. ماذا بعد؟"، مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، 17 يناير 20182- " خريطة دعم الخبز في العالم العربي"، جريدة الشرق الأوسط، 6 يناير 20183- " تونس، سيناريو بنكهة أوروبية للخروج من مأزق الاقتصاد"، Deutcshe Welle، 13 يناير20184- " بعد 7 سنوات من ثورة الياسمين.. أزمات الاقتصاد التونسي لم تنته"، مصراوي، 14 يناير 2018، الرابط5- " ابحث عن صندوق النقد.. لماذا يحتج السودانيون على الأوضاع الاقتصادية"، مصراوي، 8 يناير 20186- " السودان يشرك المستثمرين الاجانب فى تنفيذ الموازنة"، جريدة الشرق الأوسط، 6 يناير 20187- " ضوابط سودانية لحماية أسعار السلع الأساسية فى 2018"، جريدة الشرق الأوسط، 3 يناير 20188- "موظفو القطاع العام .. ازمة متنامية فى تونس"، جريدة الشرق الأوسط، 20 يناير 20189- " احتجاجات فى الجزائر بعد تونس والسودان"، جريدة الحياة، 9 يناير 201810- " توقعات بزيادات أسعار الخبز فى الأردن بنسب تصل إلى 100%"، جريدة الشرق الأوسط، 4 يناير 201811- " عام 2018.. السعودية والإمارات تطبقان ضريبة القيمة المضافة"، روسيا اليوم، 29 ديسمبر201712- "التأمينات: صرف بدل غلاء المعيشة للمتقاعدين"، صحيفة عكاظ، 16 يناير 201813- " المغرب يبدأ تطبيق نظام مرن لسعر صرف الدرهم"، مصراوي، 13 يناير 2018
إغلاق