أوراق بحثيةتقديرات

اتجاه مستحدث.. نحو تقليص العمالة الوافدة في الخليج

الوسوم

اقرأ في هذا المقال

  • مما لا شك فيه أن الإجراءات المتخذة من قبل الحكومات الخليجية لتضييق نطاق العمالة الوافدة، سترفع من تكلفة معيشتهم داخلها وتضعف من قوتهم الشرائية وقدرتهم على الادخار، وبالتالي ستقل تحويلاتهم إلى موطنهم ومن ضمنها دول عربية كمصر ولبنان وتونس والمغرب، ما يقود بشكل تدريجي إلى تراجع في ميزان مدفوعات دول العمالة الوافدة لصالح ميزان مدفوعات الدول الخليجية.

بدأ عدد من الدول الخليجية تنفيذ برامج لتضييق نطاق العمالة الوافدة، في إطار اتجاهها لإحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة، ولدعم رؤى جديدة للتنمية المستقبلية، وفي حين تدعم هذه البرامج أهدافاً اقتصادية واجتماعية وطنية لدول الخليج، فإنها من زاوية أخرى تخلق مخاطر لدول إقليمية تصدر عمالتها إلى الخليج وتعتمد على تحويلاتها، وعلى المستوى الداخلي قد تخلق اضطرابات لسوق العمل وبيئة ممارسة الأعمال.

نطاق العمالة:

تعد دول مجلس التعاون الخليجي من أعلى دول العالم من حيث نسبة العمالة الوافدة داخل أسواق العمل بها، ووفقاً لأحدث بيانات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، تشكل العمالة الأجنبية أكثر من ثلثي سوق العمل في الدول الخليجية، باستثناء دولة الإمارات التي تصل النسبة فيها إلى ما يقرب من الـ 90%.

وفي نهاية عام 2015، بلغ عدد الوافدين العاملين بالدول الخليجية ، ماعدا الإمارات، 13 مليون يمثلون 67.8% من العمالة، وفقاً لبيان المركز الإحصائي لدول الخليج.

وخلال عام 2015، وصل إجمالي عدد السكان في الدول الخليجية داخل سن العمل (15 سنة فأكثر)، إلى نحو 32 مليون نسمة، يشكّلون 76.3% من إجمالي سكّان دول المجلس، بحسب البيانات.

ويعيش أكثر من 17 مليون أجنبي في دول الخليج الست، ويرتفع العدد الكلي إلى 23 مليوناً أو أكثر، بعد إضافة أفراد أسر العمالة الوافدة، أي قرابة نصف السكان، البالغ عددهم 48.8 مليوناً، بحسب أرقام المركز الإحصائي لدول المجلس.

ووفقاً لما نشرته  صحيفة “إيلاف”، تصل نسبة العمالة الوافدة إلى العمالة الوطنية  إلى حوالي 90% في الإمارات، وإلى 85% في قطر، أما في الكويت فتتجاوز الـ60%، وفي البحرين تصل إلى 60%، بينما تتراوح ما بين 40% و50% في السعودية، في حين تصل إلى حوالي 30% في سلطنة عمان.

إجراءات جديدة:

اتخذت عدة دول خليجية اتجاهاً واضحاً نحو تقليص العمالة الوافدة إليها، منذ حوالي 3 سنوات، من خلال تطبيق آليات من شأنها تضييق نطاق العمالة الوافدة، وإنقاص فرصهم، ورفع تكلفة معيشتهم داخل دول الخليج.

ففي المملكة العربية السعودية، أقرت الحكومة إجراءات تمنع بمقتضاها غير السعوديين من العمل في مؤسسات بعينها، فعلى سبيل المثال تم قصر العمل على السعوديين فقط في المراكز التجارية المغلقة، مراكزالاتصالات، كما وقعت كل من وزارة العمل وهيئة النقل العام مذكرة تفاهم بشأن توطين مكاتب تأجير السيارات.

عطفاً على ماسبق أصدر وزير العمل والتنمية الاجتماعية قراراً سيتم تنفيذه بدأ من العام الهجري القادم، الذي يقتضي قصر العمل على السعوديين والسعوديات فقط في 12 من أنواع المحلات التجارية.

غير أن أكثر الإجراءات ثقلاً على العمال الوافدين هي رفع الرسوم المفروضة عليهم بشكل تصاعدي حتى العام 2020، فتم فرض رسوم شهرية على كل عامل وافد تقدر بـ400 ريال ( أي 106.7 دولار) خلال العام 2018، وسترتفع إلى 600 ريال ( أي 160 دولار) في عام 2019، ثم إلى 800 ريال ( أي 2013.3 دولار) خلال العام 2020.

علاوة على ذلك تم فرض رسوم على المرافقين للعمالة الوافدة، تقدر بـ 100 ريال (أي 26.7 دولار) شهرياً عن كل مرافق خلال عام 2017، وسترتفع تدريجياً لتصل إلى 400 ريال (أي 106.7 دولار) شهرياً عن كل مرافق في عام 2020.

أما في الكويت فتنوعت الآليات بين منع الامتيازات وتوقيع رسوم إضافية. وأوقفت الحكومة الكويتية بدلات السكن المالية للوافدين العاملين بالقطاع الحكومي بداية من العام المالي 2017/2018، علاوة على ذلك أقرت الكويت زيادة رسوم الخدمات الصحية على الوافدين تصل في بعض الخدمات إلى خمسة أضعاف، كما منعت السلطات استقدام الوافدين من أعمار أقل من 30 سنة.

في السياق نفسه يبحث البرلمان الكويتي توصية من العضوة صفاء هاشم، بفرض رسوم 5% على تحويلات الوافدين، فيما تنظر المحاكم دعوى قضائية رفعها محامي كويتي يطلب إصدار قرار بمنع الوافدين من الحصول على رخصة لقيادة السيارات لحل مشكلة الازدحام المروري.

وفي سلطنة عمان، سنت الحكومة عدة إجراءات لفرض تعيين المواطنين العمانيين بالتوازي مع تضييق النطاق على الوافدين، منها تحديد نسبة تعيين للمؤسسات في القطاع الخاص بنحو 60% لمنح تراخيص العمل خلال مرحلة التأسيس، بالإضافة إلى إطلاق برامج قروض ميسرة لتنفيذ مشروعات صغيرة ومتوسطة للمواطنين، وتقديم حوافز للشركات التي تعطي أولوية التوظيف للمواطنين، علاوة على ذلك  حددت الحكومة حصة سنوية من الوظائف في القطاعات الحكومية لخريجي الجامعات والكليات التقنية، كما بدأت في تقديم برامج تدريبية للموظفين العمانيين.

وعلى عكس الإجراءات المناظرة، قررت سلطنة عمان تخفض الحد الأدنى للعامل الوافد اللازم لاستقدام عائلته من 600 ريال إلى 300 ريال.

دوافع التضييق:

بدأت الجهود الحكومية نحو تضييق نطاق العمالة الوافدة إلى دول السعودية والكويت وعمان، انطلاقاً من محركات جديدة طرأت على الأوضاع الداخلية لهذه الدول، منها ما هو اقتصادي، وما هو سياسي، ونفصلها فيما يلي:

1- دعم تقشف المالية العامة:

أصبح التقشف المالي ضرورة ملحة على الحكومات الخليجية منذ حدوث أزمة النفط في عام 2014، حيث انخفضت أسعار النفط بشكل حاد إلى مادون مستوى الـ 100 دولار، واستمرت في الانخفاض خلال السنوات اللاحقة، ما أدى إلى تناقص حاد في الإيرادات العامة للدول الخليجية ذات الاقتصاد الريعي المعتمد على عائدات النفط، ليتسع عجز الموازنة العامة في المحصلة لسنوات متتالية.

وفي إطار سعي الحكومات لتخفيض العجز المالي، ولتغطية الخسائر الناتجة عن انخفاض أسعار النفط، اتخذت إجراءاتها لخفض بنود الأجور والمرتبات، من خلال تخفيض عدد العاملين الوافدين في المؤسسات الحكومية من ناحية، فمثلاً تنفق الكويت 54% من النفقات العامة على الأجور والمرتبات، وتوظف حوالي 78 ألف وافد في مؤسساتها.

ومن ناحية ثانية سعت الحكومة إلى تعظيم إيراداتها العامة، وتنويع مصادر دخلها، من خلال سن رسومات ومصروفات إضافية على الوافدين، فعلى سبيل المثال من المقدر أن تحصل السعودية على إيرادات تقدر بـ 24 مليار ريال خلال عام 2018 عن طريق “برنامج المقابل المالي للعمالة الوافدة”.

2- مخاطر سياسية:

لطالما ارتفعت المخاوف الخليجية السياسية من ارتفاع نسبة السكان الوافدين، مقابل السكان الأصليين، التي تتخطى الثلث في بعض الدول. فهناك تخوف من أن تكون نسبة كبيرة من السكان مدينة بالولاء لدول أخرى، أو أن تتوالى أصواتها للضغط من أجل الحصول على امتيازات أكبر مستقبلاً، كما يرتفع التخوف من إمكانية أن تصل نسب السكان الوافدين إلى مستوى أعلى من السكان الأصليين.

3- توظيف العمالة الوطنية:

يعد القضاء على البطالة بين السكان الأصليين هدف رئيس لبرامج السعودة والتعمينوالتكويت، حيث أن الشركات والمؤسسات الإنتاجية تفضل توظيف العمالة الوافدة المدربة ذات الخبرة والأجورالأقل على العمالة الوطنية، التي تفتقر للمزايا التنافسية مقارنة بالوافدين.

4- استجابة لمطالب داخلية:

تواجه الحكومات الخليجية ضغوطاَ متمثلة في مطالب داخلية بتوطين العمالة وتقليص أعداد الوافدين، فعلى سبيل المثال شهدت الأيام الأخيرة تدوينات سعودية متواصلة على هاشتاج #السعودية_للسعوديين، فيما ترتفع المطالب داخل البرلمان الكويتي بتوظيف الكويتيين في الوظائف الحكومية مقابل تقليص العمالة الوافدة، وبهذا الشأن أعلن برلمانيون عزمهم استجواب وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، ووزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية هند صبيح.

تأثيرات مرتقبة:

يبدو أن خطط الحكومات لتوطين العمالة المحلية وتضييق النطاق على العمالة الوافدة لن تسير كل نتائجها في منحى إيجابي، بل إن بعضها قد يكون سلبياً لأطراف مختلفة، على النحو التالي:

تغير ميزان المدفوعات:

مما لا شك فيه أن الإجراءات المتخذة من قبل الحكومات الخليجية لتضييق نطاق العمالة الوافدة، سترفع من تكلفة معيشتهم داخلها وتضعف من قوتهم الشرائية وقدرتهم على الادخار، وبالتالي ستقل تحويلاتهم إلى موطنهم ومن ضمنها دول عربية كمصر ولبنان وتونس والمغرب، ما يقود بشكل تدريجي إلى تراجع في ميزان مدفوعات دول العمالة الوافدة لصالح ميزان مدفوعات الدول الخليجية.

كما ستقود تلك الاجراءات إلى هروب العمالة الوافدة من الدول الخليجية إلى دول أخرى للبحث عن عمل أقل قيوداً، وربما تذهب إلى دول خليجية لا تضع قيوداً كالإمارات العربية وقطر، ويشير مركز الإحصاء الخليجي إلى أن تحويلات الوافدين بالخليج بلغت 111 مليار دولار عام 2016، منها 39 مليار دولار من السعودية التي أتت في المركز الأول بين باقي الدول الخليجية.

اضطرابات سوق العمل:

من شأن الإجراءات الأخيرة أن تحدث تغيرين رئيسيين داخل سوق العمل بالدول المعنية، الأول يتمثل في ارتفاع تكلفة العمل حيث أن الإجراءات الحكومية تفرض حد أدنى لأجور العمالة الوطنية المفروض توظيف نسبة منها بفعل القرارات الحكومية الملزمة، والثاني هو تصاعد الرفض من قبل العمالة الوافدة التي ترى في بعض هذه الإجراءات اجحافاً لها، ما يمكن أن يقود إلى إضرابات عمالية مستقبلاً، ومن أشكال الاحتجاج ما قام به 104 من المعلمين الوافدين بالكويت برفع دعوى قضائية في محكمة العمل الدولية مطالبين بمستحقات يرون أنها مهدورة.

ارتفاع اللايقين:

تؤدي الأوضاع المضطربة لسوق العمل بطبيعة الحال إلى اضطرابات ببيئة ممارسة الأعمال، التي سيرتفع بها عدم اليقين، وتتخوف الشركات من ارتفاع تكلفة العمل ومن تدني مستوى العمالة الذي قد يحدثه إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة.

 

المصدر
1- بي بي سي عربي، "ماهو مستقبل العمالة الوافدة في السعودية بعد فرض ضرائب جديدة عليها؟"، 2- الكويتية، " منع استقدام العمالة الوافدة دون ال30 عاماً مطلع 2018"، 7/11/2017. 3- الخليج اون لاين، "ثلثا العمالة في الخليج من الأجانب"، 16/5/2017.4- الخليج الجديد، "العمالة الوافدة في الكويت تواجه ضغوط التوطين"، 28/8/20175- الخليج الجديد، " سعودةوتكويت وتعمين..إجراءات ضد الوافدين لصالح مواطني الخليج"، 4/10/2017. 6- أربيان بيزنس، "السعودية توطن 12 نشاطاً لتصيح محصورة بالسعوديين فقط"، 29/1/20187- أربيان بيزنس، "سلطنة عمان تعدل أحد شروط حصول الوافدين على تأشيرة عائلية"، 2/10/20178- النبأ الكويتية، "دقت ساعة الحقيقة زيادة الرسوم الصحية للوافدين"، 28/9/20179- زاوية، "15 مليار دولار تحويلات العاملين من الكويت"، 2/1/2018.
إغلاق