مقالات

إعادة الترتيب.. انتخابات الرئاسة بين السلطة والمعارضة

الوسوم

عقب شهور طويلة من الصمت، ازدادت كثافة التفاعلات السياسية في الداخل المصري مع اقتراب موعد انعقاد الانتخابات الرئاسية، لنشاهد ترشح بعض الشخصيات، ثم أفضى المشهد المزدحم إلى انتخابات رئاسية لم يترشح لها سوى الرئيس الحالي ورئيس أحد الأحزاب الشكلية، ونحاول في هذا المقال إعادة قراءة الأحداث التي شهدتها مصر خلال هذه الفترة، وذلك بغرض التحليل والفهم.

المشهد الافتتاحي كان في دولة الإمارات، بعد إعلان الفريق أحمد شفيق نيته الترشح للرئاسة من خلال فيديو سجله داخل مقر إقامته، تداولت وسائل الإعلام خبر الترشح سريعا، وبعدها بوقت قصير ظهر فيديو أخر للفريق يقول فيه إنه يتعرض لضغوط إماراتية تصل إلى منعه من السفر لإثنائه عن الترشح لرئاسة مصر.

ألقى شفيق الورقة الأولى في السباق الانتخابي، وأعقب هذا بعض التحركات التي قامت بها الجهات المصرية المناوئة لشفيق سريعا، وأجرت بعض المفاوضات والمباحثات مع الفريق، وانتهت هذه المباحثات إلى إعلان الفريق تراجعه عن فكرة الترشيح، عقب أسبوعين تقريبا من إعلان ترشحه، فهل كان الفريق جاد في ترشحه؟ أم انها كانت فقط محض مناورة يحاول بها العودة للمشهد السياسي أو التحرر من اقامته بالإمارات أو بعض المكاسب الأخرى؟ خاصة أن الفريق سبق وأن صدرت له بعض التسريبات التي يرفض فيها الترشح أمام الرئيس الحالي بسبب شكوكه في مدى نزاهة هذه الانتخابات، وذلك إبان الانتخابات الرئاسية عام 2014.

بعد تسوية موقف الفريق شفيق تكرر الأمر مع الفريق سامي عنان، الذي سبق أيضا وأن انسحب من الترشح للانتخابات في عام 2014، أعلن عنان نيته الترشح للرئاسة في فيديو أيضا ظهر فيه بمفرده، وكان من الملفت أن حملة الفريق لم تعلن عن نجاحها في جمع التوكيلات حتى لحظة إلقاء القبض على الفريق في اليوم الخامس من فتح باب التقديم للانتخابات، وكانت الحملة نشرت بيانا على وسائل التواصل لجمع التوكيلات ظهر فيه أن الحملة لا تمتلك مندوبين في أغلب محافظات مصر، فهل كان الفريق سامي عنان يناور أيضا أم إنه كان جادً في الترشح أمام الرئيس الحالي؟

تزامنت هذه الأحداث مع بعض الإجراءات الأخرى في مكونات نظام الحُكم في مصر، أولها كان القيام بتعديل وزاري محدود بتغيير 4 وزارات، كأن أبرز هذه التعديلات هو تعيين كلا من رانيا المشاط وخالد بدوي لوزارتي السياحة وقطاع الأعمال، والأولى هي أحد المحسوبين على صندوق النقد الدولي، أما الثاني فهو ينتمي لكبار رجال الأعمال المصريين، وربما كان هذا التعديل جاء تلبية لطلبات صندوق النقد الدولي، ويمكن القول إن الأخير هو الراعي الأبرز للنظام المصري في العالم الغربي.

التعديل الثاني شديد الأهمية أيضا، هو تعيين اللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس كرئيسا لجهاز المخابرات العامة، بدلا من اللواء خالد فوزي، وجاء هذا التعديل مفاجئا، إلا أن اختيار اللواء عباس تحديدا جاء دلالة على رغبة الرئيس في زيادة السيطرة على توجهات الجهاز الأقوى في مصر خلال فترة الانتخابات، خاصة بعد ظهور بعض التسريبات المتعلقة بموقف مصر من قضية القدس.

وعلى صعيد أخر، كان المحامي الحقوقي خالد علي يعلن عن بداية جمع التوكيلات اللازمة لترشحه، وأعلن عن هيكل حملته الانتخابية، وتبنت حملته خطابا موجها إلى الشباب، وبالتحديد الفئة المشاركة والمؤيدة لثورة 25 يناير، ثم تراجعت الحملة عن الترشح بعد يوما واحدا من إلقاء القبض على الفريق عنان، وجاء بيان الانسحاب مهاجما الفريق نفسه.

وإذا رتبنا هذا المشهد يمكننا الخروج بعدة استنتاجات، أولها أن المرشحين المنتمين للمؤسسة العسكرية قد حاولا إيصال رسالة مفادها عدم رضائهم عن التوجهات الحالية للدولة، وبرهنوا على قوتهم من خلال حالة التفاعل مع ترشحهم للرئاسة، كما أفضت تحركاتهم إلى التشكيك الدولي في حرية الانتخابات الرئاسية في مصر، ما قد يسبب إحراجا للنظام المصري على الصعيد الدولي، وأيضا تراجع معدلات المشاركة الشعبية في التصويت، وهي عوامل تؤدي جميعها لتقويض شرعية الانتخابات المصرية، وبالتالي تقويض شرعية الرئيس نفسه، ونرجح من هذا في ظل عدم عملهم بجدية في إنشاء حملات انتخابية وصياغة برامج انتخابية وما إلى ذلك من خطوات كان يجب اتخاذها حال الترشح الفعلي، وكذلك لجوء النظام الى تعضيد علاقته بصندوق النقد.

ويمكن القول أيضا أن هذه التحركات أفضت إلى إعادة ترتيب قوى المعارضة في مصر، وأسست تحالفا جديدا بناء على موقف المقاطعة من الانتخابات، وهو التحالف الذي يجمع مؤيدي سامي عنان والسادات و عبد المنعم أبو الفتوح، ويعتقد البعض أن لهذا التحالف علاقات ببعض قيادات الدولة الحالية والمناوئة لتوجهات النظام المصري، خاصة إنه يجمع بين طياته بعض القيادات السابقة للدولة فضلا عن قيادات سابقة لجماعة الإخوان، وكذلك تحالفات دولية وإقليمية، ويمثل هذا التحالف رقما جديدا في المشهد المصري، وربما يقود تيار المعارضة ضد النظام المصري خلال الفترة المقبلة.

بينما حاول النظام الدلالة على قوته وقدرته على ضبط إيقاع مؤسسات الدولة والعملية السياسية بصفة عامة، ويمكن القول إنه نجح في الأولى وفشل في الثانية، خاصة مع إعلان حملة خالد علي الانسحاب، وفشله في الدفع برئيس حزب الوفد للانتخابات، واللجوء في نهاية المطاف إلى أحد الأحزاب الشكلية.

وبالنسبة لخالد علي، فقد اتخذت حملته موقفا مغايرا للطرفين، إذ نأت بنفسها عن الانضمام لتحالف المعارضة أو تأييد التوجهات الحالية، وفضلت اللجوء للتحالف مع قوى اليسار، وتعتبر بهذه الخطوة فاعلا ثالثا في المشهد المصري.

وجملة القول بإن الانتخابات الرئاسية في مصر مثلت مرحلة تحول في المشهد السياسي، وأبرز ما جاءت به هو تأسيس تيارا جديدا للمعارضة، ونرجح أيضا أن هذا التحالف لم يكن يستهدف الفوز في انتخابات الرئاسة قدر ما كان يستهدف انتهاز الفرصة لكسب بعض النقاط وتكبيد النظام المصري بعض الخسائر، وسيعمل هذا التحالف على محاولة فتح المجال العام مرة أخرى، وكذلك الدعوة لمقاطعة الانتخابات، ويمكن القول إن هذه التحركات جميعها جاءت استعدادا في حال لجوء النظام المصري لتعديل الدستور، ومحاولته الاستمرار في السلطة عقب انتهاء الولاية الرئاسية الجديدة في 2022، وإلى حدوث ذلك، فربما تشهد مصر تطاحنا بين هذه القوى من ناحية والنظام المصري من ناحية أخرى.

إغلاق